شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
اللامركزية في لبنان: التنفيذ، المالية والتداعيات العملية

مشروع اللامركزية الإدارية منصوص عليه في اتفاق الطائف (1989) ولكنه لم ينفذ بعد. ومع ذلك، أجريت العديد من الدراسات لهذه الغاية، دون أن تؤدي إلى نتيجة. نظرة على إصلاح معلق. يعتمد التنفيذ العملي للامركزية الإدارية في لبنان على تعزيز المجالس المحلية، لا سيما على مستوى الأقضية التي تشكل الدرجة الثانية بعد البلديات. وفقًا لريان عساف، دكتورة في القانون ومسؤولة الشؤون القانونية في الرئاسة بين عامي 2008 و2014، «ينص مشروع اللامركزية على أن ينتخب المواطنون في كل قضاء، وفقًا لنظام الأغلبية، لجنة عامة تتألف من ممثلين عن جميع المحليات حتى تلك التي لا يوجد بها بلديات (لضمان أفضل تمثيل جغرافي). ثم تنتخب هذه اللجنة مجلس إدارة القضاء وفقًا لنظام نسبي». لا يجب ترجمة tags HTML أو placeholders مثل {{name}} أو %s. يتكون كل مجلس إدارة من اثني عشر عضوًا، يتمتعون بصلاحيات واسعة لضمان التنمية المحلية وإدارة الموارد. سيتيح هذا الهيكل الإداري للسكان التحكم مباشرة في عمل ممثليهم، وبالتالي تعزيز المساءلة والحد من ممارسات الزبائنية والإقطاعية التي طالما ميزت الحياة السياسية اللبنانية. الاستقلال الإداري ومعايير الكفاءة تؤكد السيدة عساف على أهمية وضع شروط محددة لضمان فعالية المجالس المحلية. وتوضح قائلة: «يجب أن يحمل أعضاء مجلس القضاء شهادة جامعية»، وذلك لضمان أن يكون المسؤولون لديهم الكفاءات اللازمة لإدارة الميزانيات وتنسيق المشاريع والإشراف على التنمية الإقليمية. يهدف هذا المتطلب الفني إلى احتراف الإدارة المحلية وإنشاء معيار للكفاءة لجميع المجالس، وبالتالي تقليل مخاطر سوء الإدارة. تساهم هذه المقاربة في خلق رابط مباشر بين كفاءة المنتخبين ورضا المواطنين. سيتمكن السكان من ملاحظة تأثير عمل مجلس القضاء بشكل ملموس، مما يعزز رقابة المواطنين الأوثق وشفافية أفضل في إدارة الشؤون العامة. الموارد المالية تتعلق إحدى النقاط الأكثر حساسية في اللامركزية بالموارد المالية. تؤكد السيدة عساف على أنه لا توجد «لامركزية مالية» في لبنان. وتوضح قائلة: «نتحدث بالأحرى عن استقلالية مالية، لأنه من المستحيل نقل الصلاحيات دون توفير الوسائل اللازمة لممارستها». تتوفر البلديات حاليًا على إيرادات، لا سيما من الضرائب على الاتصالات، بالإضافة إلى مصادر أخرى. تودع الأموال في الصندوق البلدي المستقل لكنها لا تسمح للبلديات بممارسة مهامها بالكامل. تتمتع البلديات قانونياً بصلاحيات واسعة، لكنها غير قادرة على ممارستها بشكل مُرضٍ ومناسب بسبب عدم كفاية الموارد المالية. ينص مشروع اللامركزية على استبدال الصندوق البلدي المستقل بصندوق لامركزي، مصمم لضمان التنمية المتوازنة بين المناطق. سيعتمد هذا الصندوق على معايير ومؤشرات دقيقة، عددها أربعة مع معاملات محددة، لتصحيح التفاوتات ودعم المناطق الأقل نمواً. من خلال توسيع الإطار الجغرافي لجمع الموارد وإعادة توزيعها، يهدف المشروع إلى زيادة الوسائل المالية للمحليات المهمشة. وبذلك، يمكن للبلديات، التي تتمتع بسلطات ولكن تفتقر اليوم إلى الموارد الكافية، ممارسة صلاحياتها بشكل أفضل والمساهمة في التنمية الإقليمية. ينص مشروع اللامركزية أيضاً على إنشاء وزارة لللامركزية، مكلفة بتنسيق السياسات المحلية وضمان اتساق الإجراءات على مستوى الإقليم. وفقاً للسيدة عساف، ستكون هذه المؤسسة ضرورية لتأطير عمل المجالس وضمان التوازن بين الحكم الذاتي المحلي والتماسك الوطني. الشمولية والرقابة يركز الإصلاح الذي نص عليه الطائف أيضًا على تعزيز الرقابة والشفافية. تمارس لجنة رقابة مستمرة على مجلس الإدارة، مما يضمن توافق أعماله مع القواعد المعمول بها وحسن استخدام الأموال. يهدف هيكل الرقابة هذا إلى طمأنة كل من المواطنين والجهات المانحة الدولية، التي تطلب ضمانات بشأن إدارة الموارد وتوزيعها. كما يتعين على المجلس نشر نشرة إخبارية دورية وإنشاء موقع إلكتروني يتم فيه نشر القرارات ذات الطابع العام وتقارير تدقيق الحسابات القضائية إلزاميًا. تذكر السيدة عساف أن هذه الإجراءات لا تهدف فقط إلى احتراف الإدارة المحلية، بل أيضاً إلى تمهيد الطريق لثقافة دائمة للمساءلة على المستوى الوطني. وتوضح قائلة: «يمكن أن تكون اللامركزية التقنية نموذجاً لنشر الشفافية والمسؤولية في جميع أنحاء البلاد، حتى في غياب إصلاح سياسي أكثر شمولية». الآثار العملية على المواطنين بالنسبة للسكان، تعني اللامركزية تقارباً متزايداً مع مراكز القرار. سيكون دافعو الضرائب أكثر اطلاعاً على الاحتياجات الحقيقية لأقضيتهم وكيفية استخدام مواردهم. ووفقاً للسيدة عساف، «من خلال تقريب الحكم من المواطنين، يمكن لهؤلاء الأخيرين طلب المزيد من المساءلة، مما سيشجع المجالس المحلية على العمل للاستجابة بفعالية لتوقعات السكان». بالنسبة لها، اللامركزية هي الحل المناسب لأولئك الذين لا يعتقدون أنه يمكن إيجاد حل للتغلب على العديد من المشاكل المتعلقة بإدارة الشؤون العامة. «إنها الآلية الوحيدة التي تتيح تقريب الحكم من السكان وضمان استخدام الموارد والصلاحيات بفعالية على المستوى المحلي». تسمح هذه المقاربة للسكان برؤية نتائج عمل ممثليهم بشكل ملموس، والمطالبة بالمساءلة والمشاركة بشكل أكبر في إدارة قضاءهم. ذات طابع تنموي رئيسي، يمكن أن تساهم اللامركزية الإدارية في الحد من التوترات والخلافات السياسية المحلية. ومع ذلك، تظل أهم مزاياها هي التنسيق بين البلديات ومجالس الأقضية، بالإضافة إلى خلق فرص عمل وتنمية إقليمية، مما يحد من الهجرة الريفية والتركيز المفرط للأنشطة في بيروت أو في عدد قليل من المراكز الحضرية. الجدول الزمني والعوائق وتلاحظ أن التأخير في تنفيذ هذا الإصلاح يعود أساسًا إلى غياب التوافق السياسي، حيث تتردد القوى القائمة في التنازل عن بعض الصلاحيات والاختصاصات لصالح السلطات المحلية. وهي تبدد المخاوف من أن تؤدي اللامركزية الإدارية إلى تفتيت لبنان. بل على العكس، ستعزز تنمية الأقضية، خاصة وأن هذه الأخيرة متعددة الطوائف. تدق السيدة عساف ناقوس الخطر: «اليوم، تمتلك الدولة اللبنانية وسائل مالية محدودة للغاية. تظهر اللامركزية كوسيلة عملية لتعبئة الموارد، وتعزيز الحوكمة، وتحسين المساءلة».

فخامته…
بقلم
أكرم نعمة
نُشر

في لبنان، يفتح المال معظم الأبواب. يسرّع القرارات، يسهّل المعاملات، ويُسقط كثيراً من أشكال المقاومة. لكن هناك باباً واحداً لا يستطيع أن يفتحه: باب الكرامة، باب الاحترام الحقيقي، ذاك الذي لا يُشترى. هو يعلم ذلك، حتى لو فضّل ألّا يعترف به. لقد نجح بسرعة، بسرعة كبيرة. بسرعة مفرطة. ثراءٌ طارئ، ثروة سبقت الاعتراف، مالٌ أحياناً ملتبس، وأحياناً مريب بوضوح. ورغم الممتلكات والعلاقات والمظاهر، يعيش مع ذلك القلق الدائم: شيء ما ناقص. شرعية. مكانة. إحساس بالوجود لا يختزل في كونه ذاك الذي يدفع. جرحه لا يبدأ في سن الرشد. يبدأ أبكر من ذلك بكثير. مع أبٍ مُحتقَر، لم يُحترم يوماً، يفهم باكراً أنه ينبغي الابتعاد عنه كي لا ينتهي في الموضع نفسه. ومع عائلة يُفضّل إخفاءها، لا لقلة تعلّق بها، بل لأنها تذكّر بأصلٍ يُنظر إليه على أنه منقوص. باكراً، يستقر شيء في الخلفية. آثار قديمة لم تُمحَ. فيتصرّف كأن الأمر لم يكن مهماً. يمضي قدماً. يصنع لنفسه صورة أكثر صلابة، أكثر لمعاناً، أكثر قبولاً. يفهم سريعاً أن القيمة ترتبط بالموقع، بالاسم، بالمنصب. لا يسعى إلى أن يُحَبّ. يسعى فقط إلى ألّا يُهان بعد اليوم. حين يأتي المال، لا يداوي شيئاً. يحمي. يستر. سواء كان نظيفاً أم مريباً، لا يهمّ، ما دام يسمح له بفرض نفسه وإسكات الشكوك. يتحوّل النجاح إلى استراتيجية بقاء. لكن حين لا يعود المال كافياً لإنتاج الاحترام، يفرض حلّ آخر نفسه: أن يصبح نائباً. هنا، النيابة ليست خدمة. إنها حماية. في دولة لا تحمي أحداً، يصبح المقعد ضمانة شخصية، حصانة فعلية، وسيلة لتحويل ثروة مطعون فيها إلى سلطة رسمية. وهو مستعد أن يدفع. كثيراً. خلال الحملة، يردّد الكلمات المتوقعة. مشاريع. قوانين. مستقبل. إعادة إعمار. وهو يعلم أن كل ذلك مجرد معبر إلزامي. المهم هو الاحتماء. أن يوجد أخيراً، ولو عبر الخوف. يشتري الأصوات. والبؤس يتكفّل بالباقي. حين يجوع الناس، يُباع الصوت. وهو يعلم ذلك ويستفيد منه. يسمّيه مساعدة. في الحقيقة، هو فساد بسيط: مال مقابل صمت، فقر مقابل سلطة. ثم تأتي الانتخابات. اللقب. البذلة. والفراغ. لا شيء يُرمَّم. في عيون الآخرين، يبقى ذاك الذي دفع. وأمام نفسه، يبقى ذاك الذي كان دائماً. بحث عن الاحترام. فنال أن يُنادوه: «فخامة». والأكثر فجاجة ليس الكذب، ولا الفشل، ولا الفراغ. الأكثر فجاجة أنه يكتفي بذلك.

لا أحد يستطيع إنقاذ النظام الإيراني سوى ترامب!

إذا صدقنا الشائعات، فلن يكون هناك ما يدعو للقلق في الأسابيع القادمة. فإذا اعتمدنا على تصريحات عباس عراقجي، فإن طهران وواشنطن قد توصلتا، خلال محادثاتهما في جنيف، إلى اتفاق واسع حول مجموعة من «المبادئ التوجيهية، التي سيعتمدان عليها للمضي قدمًا والبدء في العمل على نص اتفاق محتمل». وفي غضون ذلك، تعيد إيران تزويد نفسها بالأسلحة والذخائر، وهو ما لا يبعث على الاطمئنان لإسرائيل، التي تطالب، علاوة على ذلك، بأن تتجاوز المحادثات الجارية الإطار النووي الصارم لتشمل مسألتي الصواريخ والوكلاء. ومع ذلك، فإن دول الخليج العربية، التي أصرت على أن يفضل ترامب المسارات الدبلوماسية على الخيار العسكري، قد تخشى أن يتصرف نتنياهو بتهور ويشعل الفتيل. وماذا لو كان هناك أمر مريب بينما كان يجمع أسطولاً مهدداً في المنطقة، هرع الرئيس الأمريكي لإنقاذ نظام آيات الله بمنحه مهلة. لقد أنقذه بإبقائه خارج دائرة الخطر، كما حماه من غضب إسرائيل التي ما زال يمسك بذراعها الانتقامية حتى الآن. لكن هل سيظل يمسك بها بعد «رحلة الإقناع» التي قام بها نتنياهو إلى واشنطن في 11 فبراير الماضي وكان هدفها إبلاغ البيت الأبيض بالمخاوف الإسرائيلية؟ دونالد ترامب أكثر دهاءً مما يُعتقد. والدليل على ذلك، تدخله غير المتوقع، والذي اعتبره البعض غير مناسب، في يونيو الماضي. نذكر أن إسرائيل شنت في 13 يونيو 2025 هجومًا مفاجئًا على إيران، وأنه في ليلة 21 إلى 22 من الشهر نفسه، دخلت القوات الجوية والبحرية الأمريكية المعركة وقصفت عدة مواقع نووية. وكان هذا الغارة ستقطع بشكل مفاجئ الجولة السادسة من المفاوضات، والتي كان من المفترض أن تستأنف بين إيران والولايات المتحدة بعد ثلاثة أيام من بدء القتال. اليوم، ما الذي يمنع إعادة صنع مبنية على السيناريو نفسه؟ ألسنا على أعتاب مفاوضات تم تحديد «المبادئ التوجيهية» لها مؤخرًا في جنيف؟ وهل هذا ليس الوقت المثالي لضرب إيران، التي تعتقد أنها فازت بالجولة بخداع الأمريكي؟ سيكون هذا رد فعل بالمثل، وترامب قادر تمامًا على ذلك! هذا لا يأخذ في الاعتبار الجبن ذهب البعض إلى حد وصف السياسة الأمريكية بالتناقض. بن صامويلز، مراسل صحيفة هآرتس في واشنطن، ما زال لا يستطيع تفسير سياسة البيت الأبيض المتعرجة (أو اليويو)، عندما يعود كل شيء إلى تعسف أو مزاج أو نزوة رجل. ولكن ج.دي. فانس، نائب الرئيس الأمريكي، لم يمتنع عن التصريح بأن دونالد ترامب «ليس لديه عادة الكشف علناً عن مواقفه للحفاظ على مساحة قراره». إن دونالد ترامب رجل أعمال لا يريد الوقوع في فخ الحرب، الذي سقط فيه العديد من أسلافه. وهو أيضًا، ولا أقولها لكم أنا، متفاخر قادر على الإيماءات ولكنه يتراجع ساعة المواجهة. في اتخاذ القرار، تدخل في اللعبة مصالح الشخص بقدر ما يدخل طبعه! وإذا أعلن الرئيس الأمريكي أنه يريد استنفاد المسار الدبلوماسي مع إيران قبل أي عمل عسكري، فهذا يعود إلى «فشل العزيمة ونقص الشجاعة»، أي بسبب الجبن والخور. ولكن في هذه الساعة بالذات حيث اتخذت حاملتا طائرات مواقعهما في المنطقة، لم يُقال شيء بعد وقد يخرج الشيطان من الصندوق في أي لحظة!

اللامركزية في لبنان: تاريخ، شرعية، وتحديات عامة (1/2)

«يجب أن يكون الإصلاح الأول لامركزية ذكية»، جول بايو اللامركزية هي نمط من تنظيم الدولة يقوم على نقل الصلاحيات والمسؤوليات والموارد من السلطة المركزية إلى سلطات محلية منتخبة، مستقلة قانونياً، بهدف تقريب عملية اتخاذ القرار من المواطنين وتحسين فعالية العمل العام. وهي تسمح للبنان بنقل جزء من صلاحيات الدولة وكفاءاتها ومواردها إلى هيئات إقليمية منتخبة ومستقلة – لا سيما البلديات والكيانات اللامركزية – مع الحفاظ على وحدة الدولة. والهدف هو تعزيز وتفعيل الحوكمة المحلية والمشاركة المواطنية والتنمية المتوازنة للمناطق. وفقاً للسيدة ريان عساف، دكتورة في القانون ومسؤولة الشؤون القانونية في رئاسة الجمهورية بين عامي 2008 و 2014، «في السياسة، لا يوجد حل سحري». وتضيف: «التغيير يتم تدريجياً، خطوة بخطوة، وهذه الحقيقة تنطبق بشكل خاص على الدول التعددية. لبنان، بفسيفسائه الطائفية والسياسية المعقدة، لا يمتلك، على غرار جميع الدول التعددية، أي وصفة عالمية أو حل سحري قادر على حل الاختلالات المؤسسية أو ضمان التماسك الوطني». بالنسبة للسيدة عساف، التي كانت عضواً في اللجنة الخاصة التي أنشأها رئيس الوزراء عام 2012 بهدف صياغة مشروع قانون اللامركزية الإدارية، «تشكل اللامركزية خطوة أساسية على طريق التقدم». وتوضح: «إنها أداة براغماتية لتعزيز الدولة وتحسين الحوكمة وتقريب عملية اتخاذ القرار من المواطنين». وتضيف أنه إذا كان لا بد من الحديث عن «معجزة» في السياسة اللبنانية، فيمكن تحديدها في الجزء المتعلق باللامركزية من اتفاق الطائف. ففي سياق تجد فيه الأحزاب صعوبة في الاتفاق على إصلاحات هيكلية، فإن التوصل إلى تسوية بشأن هذه النقطة يشكل حدثاً تاريخياً. ففي ذلك الوقت، كانت بعض الفصائل تؤيد اللامركزية، بينما عارضتها فصائل أخرى. ورغم هذه الخلافات، تم التوصل إلى اتفاق، يكرس اللامركزية كإصلاح أساسي. الطائف وعرقلة التنفيذ بعد اتفاق الطائف وحتى ولاية الرئيس ميشال سليمان، لم يتم اعتماد أي مشروع قانون ملموس بشأن اللامركزية. وكانت النصوص المتاحة أقرب إلى اللاتمركز منها إلى اللامركزية بالمعنى الصحيح. وتشدد السيدة عساف على هذا التمييز: «اللاتمركز يتمثل في تمثيل إدارات الدولة المركزية في المناطق، دون نقل صلاحيات حقيقية. أما اللامركزية، فتتضمن مجالس منتخبة مباشرة من قبل المواطنين، تتمتع بصلاحياتها الخاصة واستقلالها الإداري والمالي الحقيقي.» وصفت بعض المبادرات، مثل مشروع القانون الذي قدمه النائب الراحل روبرت غانم، بأنها لامركزية، لكنها لم تنص على انتخاب المجالس المحلية. لكن غياب الانتخابات يتعارض مع جوهر اللامركزية نفسه. واليوم، يعرف لبنان درجة أولى من اللامركزية عن طريق البلديات . تتمتع هذه الكيانات بصلاحيات، لكنها تفتقر إلى الموارد المالية الكافية لممارستها بشكل كامل. ويتباين مثال بعضها، المجهزة بموارد مالية كبيرة، بشكل حاد مع بلديات أخرى أقل حظاً. دور اللامركزية تسمح اللامركزية بإنشاء رقابة ديمقراطية حقيقية. ووفقاً للسيدة عساف، «بفضل اللامركزية، يصبح المواطنون أكثر قدرة على المساءلة والتحكم في العمل العام». ويساهم الإصلاح المذكور أيضاً في تحديد الاحتياجات الإقليمية بشكل أفضل، وتقليل الازدحام، وخلق فرص عمل محلية، وتعزيز التنمية الإقليمية وتخفيف الخلافات السياسية. ومع ذلك، لا يمكن تحقيق هذه الفوائد بدون سلطة مركزية قوية، قادرة على ضمان انسجام ووحدة الدولة. فاللامركزية ليست وسيلة لإضعاف الدولة، بل هي أداة لتعزيز الحوكمة وتحسين فعالية العمل العام. وبالنسبة للسيدة عساف، يمكن أن تلعب اللامركزية دور المحفز في المساءلة على المستوى الوطني. التسلسل الزمني للمبادرات وفقًا لاتفاق الطائف، وخلال فترة الولاية الرئاسية 2008-2014، وبمبادرة من رئيس الجمهورية وبالاتفاق مع رئيس الوزراء، تم إنشاء لجنة برئاسة الوزير السابق زياد بارود عام 2012 لوضع مشروع قانون حول اللامركزية. وجمعت هذه اللجنة خبراء ومتخصصين من عدة مجالات، حيث أن اللامركزية تتضمن جوانب إدارية ومالية وسياسية وثقافية واجتماعية… في عام 2014، تم إقرار المشروع النهائي من قبل الرئاسة. وهو يحترم اتفاق الطائف ويتضمن معايير متقدمة للحوكمة المحلية. في عام 2015، دعم مؤتمر حوار مبدأ اللامركزية. ثم تبنى النائب سامي الجميل المشروع المذكور وقدمه كاقتراح قانون إلى البرلمان. ومنذ ذلك الحين، يتم دراسة النص من قبل اللجان البرلمانية دون اعتماده. وتشير السيدة عساف إلى أن الموافقة عليه مرهونة بإرادة سياسية لا تزال غائبة. وتضيف أن اللامركزية هي إصلاح ذو طبيعة فنية، وأنه سيكون غير منطقي، بل عبثي، ربط موافقتها بتنفيذ إصلاحات سياسية أخرى بامتياز، مثل إنشاء مجلس شيوخ أو إلغاء الطائفية، الأمر الذي سيتطلب سنوات من الجهود. الاستقلالية المالية والتوازن الإقليمي وفقاً للسيدة عساف، وتطبيقاً لمبدأ 'نقل الصلاحيات، نقل الموارد'، لا يمكن تحقيق اللامركزية بدون موارد مالية. وتشرح أن مصطلح «اللامركزية المالية» غالباً ما يُستخدم خطأً في لبنان. ووفقاً لها، فإن اللامركزية ترتكز على دعامتين لا يمكن فصلهما: الاستقلالية الإدارية والاستقلالية المالية. ويدعو المشروع إلى تخصيص موارد مالية لصالح المجالس المحلية المنتخبة (على سبيل المثال، جزء من ضريبة الدخل والضريبة على العقارات المبنية المحصلة على مستوى القضاء…). كما ينص على إنشاء صندوق لامركزي، يحل محل الصندوق البلدي المستقل الحالي. ويهدف هذا الصندوق الجديد إلى ضمان تنمية متوازنة وتقليل التفاوتات بين المناطق، بالاعتماد على مؤشرات حالة التنمية، والتحصيل السنوي للضرائب، وتعداد السكان المسجلين في الجماعة المحلية ومساحة القضاء. تتيح اللامركزية للمواطنين انتخاب مسؤولين محليين قادرين على إدارة موارد قضائهم بفعالية. وهي تساهم في الحد من الزبائنية والإقطاعية، مع إرساء ثقافة المساءلة. تجدر الإشارة إلى أن الإطار التاريخي والمؤسسي يسلط الضوء على حقيقة أن اللامركزية في لبنان هي ضرورة ديمقراطية ورافعة للمرونة المؤسسية في آن واحد. ويكشف التسلسل الزمني للمبادرات عن إرادة سياسية ثابتة على الورق، لكنها مقيدة بالمصالح الحزبية ونقص التوافق. وسيكون الاعتماد الفعلي لهذا الإصلاح اختباراً كبيراً للطبقة السياسية.

ليبيا، بؤرة توتر إقليمية (4/5)
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

لم تعد الحرب الليبية مفهومة بمجرد قراءتها فقط من خلال فاعليها الداخليين. اعتبارًا من عام 2014، وبشكل خاص بعد عام 2019، تحول الصراع إلى مسرح لإسقاط القوى الإقليمية، حيث تُستخدم الديناميكيات المحلية كدعائم لاستراتيجيات تتجاوزها بكثير. ليبيا هي بذلك منطقة مجزأة، مستثمرة، مستخدمة، ومُشغّلة من الخارج كمساحة مرنة، تفتقر إلى السيادة الفعلية، وبالتالي، مثالية للحروب غير المباشرة. صحيح أن التنافس بين القوى الإقليمية لا يفسر وحده الانهيار الليبي، لكنه يثبت خطوطه، ويمنع أي حل داخلي، ويحول كل تقدم محلي إلى متغير في لعبة أوسع. في هذه المرحلة، لم تعد الحرب مجرد صراع بين ليبيين، بل بين رؤى متنافسة للنظام الإقليمي، تُسقط على أرض غير قادرة على استيعابها. إنها بؤرة الصراع بامتياز، كما هو الحال في سوريا بعد 2011، أو، قبل ذلك، لبنان بين 1975 و 1990. الخط الأول للانقسام يضع تصورين متناقضين للاستقرار في مواجهة بعضهما البعض. من جهة، منطق سلطوي، أمني، عمودي، تدعمه مصر والإمارات العربية المتحدة. ومن جهة أخرى، منطق تدخل انتهازي وتعاملي تتبناه تركيا، يعتمد على قراءة مختلفة للتوازنات الإقليمية. بالنسبة للقاهرة، تشكل ليبيا مفتاحًا استراتيجيًا. لطالما اعتبرت الحدود المصرية الغربية، الطويلة والمسامية، تهديدًا مباشرًا للأمن القومي، خاصة بعد عام 2011. لقد حدد شبح انتشار الأسلحة والمقاتلين والإيديولوجيات المعادية الموقف المصري. وبالتالي، يبدو دعم قوة قادرة على فرض نظام عسكري في برقة ضرورة دفاعية. ومن هذا المنظور، لا يمثل خليفة حفتر مشروعًا ليبيًا بقدر ما يمثل أداة استقرار بالوكالة. أما الإمارات، فتدرج التزامها ضمن استراتيجية أوسع لإسقاط النفوذ. ليبيا هي إحدى حلقات سياسة إقليمية تهدف إلى احتواء الإسلام السياسي، وهيكلة شبكات أمنية حليفة، والسيطرة على نقاط حيوية في التدفقات التجارية والطاقوية. إن الدعم المقدم للشرق الليبي يستجيب لمنطق أيديولوجي، صحيح؛ لكنه يندرج أكثر في مقاربة براغماتية، قائمة على توقع موازين القوى على المدى الطويل. إعادة تشكيل المعادلة الإقليمية في مواجهة هذا المحور، تتدخل تركيا وفق منطق مختلف. يمثل تدخلها الكثيف ابتداءً من عام 2019 نقطة تحول حاسمة في الصراع. بالنسبة لأنقرة، لا يتعلق الأمر فقط بإنقاذ طرابلس من هجوم عسكري وشيك، بل بإعادة تشكيل المعادلة الإقليمية. وهكذا يجمع التدخل التركي بين المساعدة العسكرية المباشرة، ونشر الطائرات بدون طيار، والمستشارين، والمرتزقة السوريين، والأهم من ذلك، اتفاق بحري يعيد رسم الحدود في شرق البحر الأبيض المتوسط. وهذا الاتفاق ليس تفصيلاً تقنيًا. إنه يضع ليبيا في قلب تنافس طاقوي وجيوسياسي يتجاوز حدودها بكثير. بالاعتماد على حكومة طرابلس، تحصل أنقرة على شرعية قانونية للطعن في المشاريع المتنافسة في المتوسط، وإضعاف محور اليونان-قبرص-مصر، وفرض نفسها كلاعب أساسي في الحوض الشرقي. ليبيا لم تعد موجودة ككيان في حد ذاتها ولا تشكل هدفًا في ذاتها - إنها أكثر من ذلك: إنها منصة استراتيجية. تؤدي هذه الإقليمية للصراع إلى تأثير تراكمي، حيث يتم تجريد كل طرف ليبي تدريجيًا من استقلاليته الاستراتيجية. لم تعد القرارات العسكرية الكبرى تتخذ في طرابلس أو بنغازي، بل يتم حسابها بناءً على الخطوط الحمراء ومصالح الرعاة الخارجيين، وتتحول الحرب، بذلك، إلى فضاء للتفاوض غير المباشر بين القوى الإقليمية، حيث يتم التحكم في التصعيد وتكييفه، وأحيانًا تعليقه، لكن نادرًا ما يتم حله. يُظهر مؤتمر برلين، الذي نظمته ألمانيا والأمم المتحدة في يناير 2020، والمبادرات الدبلوماسية المتعددة التي تلته، هذا المأزق. لقد سعت هذه المبادرات إلى إعادة إطار متعدد الأطراف، لكنها اصطدمت بحقيقة مريرة: إن الأطراف الإقليمية الموجودة في ليبيا ليس لديها مصلحة فورية في توحيد البلاد تحت سيادة واحدة. فليبيا الضعيفة، المنقسمة، القابلة للتفاوض، توفر فرصًا أكثر من دولة مركزية قوية قادرة على وضع قواعدها الخاصة... مرحلة إدارة شكلت حرب طرابلس، بين عامي 2019 و2020، لحظة كاشفة بشكل خاص في هذا الصدد، حيث أثبتت أن التدخل الخارجي يمكن أن يغير ميزان القوى دون إنتاج حل سياسي. لم يفتح فشل الهجوم الذي قاده حفتر ضد الحكومة الرسمية الطريق لإعادة بناء الدولة؛ بل على العكس من ذلك، رسخ تحول ليبيا إلى منطقة توازن صراعي، حيث لا يمكن لأي طرف أن ينتصر دون التسبب في تصعيد إقليمي لا يمكن السيطرة عليه. من هنا، يدخل الصراع مرحلة إدارة بدلاً من الحل. تُحترم اتفاقيات وقف إطلاق النار طالما أنها تخدم مصالح الرعاة. ويُتسامح مع الانتهاكات طالما أنها لا تتجاوز عتبات معينة. تصبح ليبيا مساحة يتم فيها احتواء الحرب، ولكن لا يتم نزع فتيلها أبدًا. لهذه الديناميكية أيضًا بعد بحري ومهاجر. أصبحت طرق الهجرة والموانئ ومناطق الانطلاق نحو أوروبا رهانات ضمنية للتفاوض مع القوى الأوروبية، التي غالبًا ما تكون غائبة سياسيًا ولكنها حاضرة بمخاوفها الأمنية. تعمل ليبيا حينها كمنطقة عازلة بثمن إضفاء الطابع الخارجي الوحشي على مراقبة الهجرة وإخفاء العنف الذي يصاحبها. ما يحدث في ليبيا لا علاقة له بحرب أهلية كلاسيكية. إنها حرب مواقع إقليمية تدور على الأراضي الليبية، ضمن فضاء تكون فيه خطوط الجبهة دبلوماسية بقدر ما هي عسكرية. مرحبًا بكم في مملكة الاستغلال المفرط. «حرب الآخرين»، كما كان يقول غسان تويني... مع لحم مدافع محلي. في هذا الإطار، يجب ألا نخدع أنفسنا: أي محاولة للخروج من الأزمة الليبية البحتة محكوم عليها بالفشل. طالما أن التوازنات الإقليمية ستظل هيكلتها قائمة على التنافس، وطالما أن شرق البحر الأبيض المتوسط سيكون فضاءً للتنافس الطاقوي والاستراتيجي، ستظل ليبيا أرض «تعديل». هذه الصيغة ربما تكون ساخرة، لكنها تصف الواقع تمامًا. تستمر الحرب على وجه التحديد لأنها تؤدي وظيفة في نظام إقليمي غير مستقر، كما هو الحال، بالمناسبة، في السودان. وطالما لم يتم التشكيك في هذه الوظيفة، فلن يظهر أي حل أو سلام دائم. المقالة التالية: ليبيا في النظام الدولي المجزأ (5/5) اقرأ في نفس الموضوع: 2011 أو ليبيا في حقبة ما بعد الدولة (1/5) الصراع الليبي: «عسكرة» مفرطة للسياسة (2/5) «ليبيا اثنتان» وسيادة متعذرة (3/5)

ضريبة البنزين: التحول البيئي عبر الاختناق الاقتصادي!

سفينة الرحلات كوستا كونكورديا جانحة قبالة جزيرة جيليو بعد اصطدامها بصخور تحت الماء في 13 يناير 2012. (فيليبو مونتيفورتي/وكالة الأنباء الفرنسية) تخيلوا، بينما كانت سفينة الرحلات كوستا كونكورديا تغرق في عام 2012، يطلب مدير مطعمها من الركاب عدم نسيان دفع فواتيرهم. عبثي؟ لكن هذه، إلى حد كبير، هي المنطق الذي تبنته حكومتنا. في بلد مشلول بسبب الأزمة، حيث يتفاقم التضخم وحده، وجدت الدولة، التي تسعى يائسة لتمويل زيادة رواتب موظفيها ومعاشات تقاعد العسكريين المتقاعدين المعدلة جزئيًا، الحل: زيادة ضريبة القيمة المضافة بنسبة 1% وفرض ضريبة على البنزين بقيمة ثلاثمئة ألف ليرة لكل صفيحة. بعد كل شيء، لماذا لا؟ في نظام يسود فيه الإفلات من العقاب وتصبح المساءلة مجرد خيال إداري، سيكون من غير اللائق بالتأكيد مطالبة القادة بإعادة الأموال المختلسة. ما دمنا نفعل ذلك، فلنستنزف شعبًا أظهر قدرة رائعة على التحمل دون اعتراض. ما هو أنبل، بالمناسبة، من دفع الضرائب لدعم قطاع عام بعض موظفيه متخفون مثل قاذفة B-2، غير مرئيين 29 يومًا من كل 30 يومًا؟ أو أولئك الذين يثبتون وجود حياة بعد الموت، ويتقاضون رواتبهم بعد فترة طويلة من دفنهم الإداري؟ وبعد ذلك، إذا كان معدل البطالة يقترب من 40%، فإن هذه الضريبة على البنزين لن تخص في النهاية إلا العاملين. أما العاطلون عن العمل، فليس من المفترض أن يجوبوا الطرق بلا عمل. دوافع هذه الضرائب لا تشوبها شائبة: فمعارضتها ستعتبر تقريبًا نكرانًا للجميل تجاه أولئك الذين يحافظون على وهم شكل من أشكال الدولة. أو أسوأ من ذلك، تجاه جيش بعض ضباطه الكبار، بدلًا من الاستمتاع بتقاعد مستحق، قبلوا التضحية بأنفسهم مرة أخرى، برئاستنا. كتب شكسبير، وكان محقًا: «هبّ، هبّ، يا رياح الشتاء، لست قاسياً بقدر نكران الإنسان للجميل»، خاصة وأن الضرائب الجديدة لا تمس الوقود الذي يدفئنا من رياح الشتاء… ولنتوقف عن رؤية نصف الكأس الفارغ. كما قال الآخر، يكفي أن تأخذ كأسًا أصغر لتجعله شبه ممتلئ. صحيح أن فرض ضريبة حقيقية على استخدام الأملاك البحرية العامة، والسجائر، والسجاد (الذي يدخنه بعض القادة) كان سيكون أكثر اتساقًا. لكن ضريبة البنزين سيكون لها على الأقل ميزة تقليل عدد سائقي السيارات، وتسهيل حركة المرور، وبالتالي خفض التلوث. هذه الحكومة تبتكر! لقد اخترعت للتو الانتقال البيئي عبر الخنق الاقتصادي. ومع ذلك، أظهرنا نضجًا كبيرًا فيما يتعلق بالقوانين التي ننتقدها. لنتذكر: في عام 2019، كان مجرد ذكر ضريبة ستة دولارات على واتساب كافيًا لإشعال البلاد، وحل الحكومة، وملء الشوارع. اليوم، تمر ضريبة تقارب عشرين دولارًا شهريًا، مصحوبة بزيادة في ضريبة القيمة المضافة، دون عوائق. ثورتنا تحدث على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها على الأقل مجانية، وهذا بفضل الشعور بالمسؤولية والتعبئة العامة حول قضية وطنية دافعنا عنها بحماس في عام 2019! في الأساس، طبق حكامنا مفهوم التضامن العكسي بشكل مثالي: استنزاف أولئك الذين لا يستطيعون التوقف، لتمويل دولة هي نفسها متوقفة. الفرق مع الكونكورديا هو أنه عندما كانت السفينة تغرق، لم يكن يتم تحصيل فواتير المياه أو الوصول إلى البحر بعد، بينما في لبنان، نحن نغرق ولكننا سنكون ملتزمين...