Levant Time logo

Articles

News feature image
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
Author portrait
By منى فياض
Published سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
Author portrait
By يوسف معوض - Published سبتمبر 5, 2026 - 13:25
News feature image
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
Author portrait
By LevantTime . - Published سبتمبر 5, 2026 - 00:55
News feature image
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
More Articles
Sort By: NewestOldest
أزمة النظام الإيراني: اقتلاع الجذور بدلاً من التقليم

في أوقات الحرب الشاملة أو الأزمات الوجودية الحادة التي تهدد مصير شعب بأسره، لم تعد المواقف المترددة أو الحذرة أو المتذبذبة مقبولة. عندما يصبح بلد ما هدفاً لطموحات توسعية وهيمنة من قبل قوة بلا مبادئ ولا أخلاق، وعندما ينخرط نظام استبدادي ودموي في مجازر واسعة النطاق بلا محاسبة، مستهدفاً المدنيين والشباب والمراهقين بلا تمييز… في مثل هذه الظروف القصوى، يفرض الحسم والوضوح نفسيهما، بعيداً عن أي مراوغة مخجلة. وهذا هو، بلا شك، حال السلطة الإيرانية الراهنة – كما يمكن للقارئ أن يستشفّ. المفاوضات الجديدة (مرة أخرى، والألفية من نوعها خلال عقود!) بين المفاوضين الأمريكيين والإيرانيين ليست سوى سرابٍ. وهذا ما تؤكده تجارب الماضي العديدة: فقادة الجمهورية الإسلامية أتقنوا فنّ «الحوار» العقيم. إنهم يبدون انفتاحاً على النقاش والتسوية، بينما يقتصر هدفهم الحقيقي على كسب الوقت والمراوغة في انتظار تغير الظروف. يعتمد ملالي طهران على التناوب الحتمي في السلطة في المجتمعات الغربية لاستغلال أي ضعف أو تغيير في النظام في بلد «مستفز». تتيح لهم هذه المناورة الكلاسيكية العودة بقوة واستئناف حملتهم العدائية ضد الطرف المعارض. إلا أنه في الوقت الذي ينغمسون فيه في لعبتهم المفضلة، أي «التفاوض» بحثاً عن «صفقة» مزعومة – لن يلتزموا بها أبداً – يقوم هؤلاء الملالي بالتحريض على مجازر لا توصف واعتقالات جماعية واسعة النطاق، تستهدف خصوصاً الشباب والطلاب. في هذا السياق، تجرأ أحد أعضاء لجنة التربية في البرلمان الإيراني قبل أيام على الإفصاح عن أن 28 في المئة من المعتقلين عقب انتفاضة يناير/كانون الثاني الماضي هم دون سن العشرين... والأسوأ من ذلك، أن جمعية إيرانية نشرت قائمة بأسماء 200 طفل قتلوا خلال التظاهرات الأخيرة! وقد دفع حجم هذه المجازر المحلل السياسي والمستشار الأمريكي من أصل لبناني، وليد فارس، القريب من أوساط الحزب الجمهوري، إلى حث قادة واشنطن، إذا أصروا على متابعة «الحوار»، على فرض التوقف الفعلي والحقيقي للمجازر والاعتقالات الجماعية، وإطلاق سراح المعتقلين منذ يناير/كانون الثاني، كشرط لا غنى عنه لأي مفاوضات مع الإيرانيين. لم يخطئ الرئيس دونالد ترامب في هذا الصدد، إذ أشار بحكمة خلال إحدى رحلاته إلى أن كبار مسؤولي الجمهورية الإسلامية يستمرون منذ 47 عاماً في إعطاء الانطباع برغبتهم في «الحوار» مع الغرب عندما يجدون أنفسهم في مأزق، بينما يقومون في الوقت ذاته، بطريقة متقطعة، بمجازر وجرائم لا توصف، ويقع آلاف السجناء السياسيين ضحاياها في المعتقلات. وقد أبرز وزير الخارجية ماركو روبيو، ببراعة، الطبيعة العقيمة لأي مفاوضات مع نظام مثل نظام الملالي، مذكراً بأن إيران محكومة من قبل رجال دين شيعة متطرفين، تتحدد توجهاتهم وقراراتهم الاستراتيجية على أسس دينية بحتة، بعيداً عن أي منطق جيوسياسي. لكن ما برز بشكل خاص كان التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، التي أظهرت بوضوح شديد ميل نظام الملالي الخادع إلى الانخراط في نقاشات عقيمة، مع إيجاد طرق جريئة لتجنب الالتزام بتعهداته المكتوبة. بعد وقت قصير من آخر اجتماع في جنيف مع الوفد الأمريكي، أقر صراحة أن «صياغة النص النهائي لاتفاق محتمل مع الولايات المتحدة ستكون صعبة».بعبارة أخرى، تقلص طهران أي اتفاق مع واشنطن إلى مجرد تمرين بلاغي، مليء بالفخاخ اللغوية، وغامض عن قصد، يفتح المجال لكل نوع من التفسيرات، بما يمكّنها من التملص بخفاء من الالتزامات الفعلية المنصوص عليها في الاتفاق مع الطرف الآخر. يمكن تشبيه الوضع الذي وصلت إليه اليوم الجمهورية الإسلامية بوضع نبات في مرحلة متقدمة من الذبول. فالاقتصاص، أي قطع الساق والفروع الذابلة مع ترك الجذور مدفونة في الأرض، غير مجدٍ لوحده… فهذه الجذور، إذا تركت دون اقتلاع، ستمكن النبات من النمو مجدداً، وفي فترة قصيرة نسبيًا، وبشكل أقوى من ذي قبل… وهذا سيكون مصير أي صفقة هشة ومليئة بالفخاخ يتم إبرامها مع نظام الملالي إذا اكتُفي بعدم اقتلاع الجذور العميقة، التي تعمل بصبر ودقة في الظل لإعادة الحياة إلى نبات كان قد تآكل بالكامل.

المتحف الإيراني الوطني: مرآة لتاريخ يمتد لآلاف السنين (2/2)

تلعب المتاحف في إيران دوراً فاعلاً في تعزيز الاستراتيجية السياسية والدبلوماسية للبلاد. كما أنها تقوم بدور محوري في حفظ وإبراز كنوز الحضارة الفارسية. يُعتبر المتحف الوطني الإيراني أبرز المتاحف الأثرية والتاريخية في البلاد. فهو يعكس غنى التراث الفارسي ويضمّ مجموعات عالية القيمة تغطي تاريخ إيران منذ العصر الحجري، مروراً بعصور الميديين والإيلاميين والأخمينيين والبارثيين والساسانيين، وصولاً إلى الحقبة الإسلامية. داخل جدرانه يُصاغ السرد الرسمي لما يُعرف بـ«إيران « : امتداد تاريخي متواصل من إيلام والإمبراطورية الأخمينية وصولاً إلى الجمهورية الإسلامية، عبر أكثر من 300 ألف قطعة تشكّل نسيج التاريخ العريق للبلاد. وفي هذا الإطار، يتألف المتحف الوطني من كيانين رئيسيين: متحف إيران القديم ومتحف الحقبة الإسلامية. متحف إيران القديم تم إنشاء المبنى الرئيسي في ثلاثينيات القرن العشرين خلال عهد رضا شاه، وهو مخصص للفترة ما قبل الإسلامية، مستوحى من العمارة الساسانية، لا سيما نصب طاق كسرى (Taq-e Kasra) أو قوس كتيسفون (Arche de Ctésiphon). صممه المهندسان الفرنسيان أندريه جودار وماكسيم سيرو، وتم افتتاحه عام 1937. ولا يقتصر المتحف على عرض جواهر خزينة الشاه الأسطورية، بل يقدم التاريخ الكامل للبلاد من خلال آلاف القطع الأثرية، بما في ذلك الأختام والنقوش البارزة والفخار والمخطوطات والتماثيل وغيرها. من بين أبرز القطع في المتحف، نقوش ونصوص تعود إلى فترة أورك المتأخرة – Late Uruk – (حوالي 3350–3000 قبل الميلاد)، والتي نُقلت خلال العقد 2010 إلى مخازن حديثة ومؤمّنة. يضم المتحف أيضاً أحد «رجال الملح» في زنجان، وهي مومياء طبيعية لعمال منجم، حافظت عليها الأملاح الموجودة في المنجم حيث وُجد، ويُقدّر تاريخها بين 550 و330 قبل الميلاد. ومن بين القطع الاستثنائية الأخرى، البرونز الضخم لشامي، الذي يبلغ ارتفاعه 1.94 متر، ويعدّ تحفة في فن النحت البارثي. كما يحتفظ المتحف بنقوش بارزة ورؤوس أعمدة على شكل ثور قادمة من برسيبوليس (القرن السادس–الرابع قبل الميلاد)، وهي ذات جودة استثنائية وتشكل خلاصة رائعة للهندسة المعمارية الأخمينية. يضم المتحف أيضاً فخاريات وسيراميك من العصور البدائية من تل سيالك (Tepe Sialk) قرب كاشان، وهي قطع فنية أصيلةتعود إلى الألفية السادسة حتى الرابعة قبل الميلاد. كما يضم برونزيات من لوريستان (حوالي 1000–650 قبل الميلاد)، وكؤوساً ورهونات من الذهب الخالص من مارليك (1400-1200 قبل الميلاد)، والتي تُعتبر أرقى تجسيد للفن الإيراني في العصر الحديدي. متحف الحقبة الإسلامية يقع قسم الفن الإسلامي في المتحف الوطني الإيراني في مبنى حديث مخصص، افتُتح عام 1996. ويضمّ مجموعة قيّمة تتتبع تاريخ فارس بعد الإسلام، وتظهر مدى رقي الفن الإسلامي في إيران. تشمل المجموعة أعمالاً فنية من العصر الصفوي، وفخاريات، ومخطوطات، ومصنوعات معدنية، ومنسوجات، والعديد من الكنوز الأخرى. من أبرز قطع المتحف المحراب الإلكانيدي في دار الجنة، المعروف باسم «بوابة الفردوس». وتعود هذه الفسيفساء من البلاط المزجج إلى القرن الرابع عشر الميلادي في عهد السلالة الإلكانيدية، وتشتهر بخطوطها المعقدة (الكوفي، الثلث، النسخ) وزخارفها النباتية والهندسية الدقيقة. كما يعرض المتحف وعاءً خزفياً من القرن التاسع من جرجان مزيناً بصورة بشرية برأس ثور، وألوان مائية للفنان صني الملك، من الحقبة القاجارية (القرن الثامن عشر)، إلى جانب أسطرلابات أنيقة وتحف فنية أخرى. دور أمناء المتاحف بين قبضة السلطة وواجب الحفاظ على التاريخ، يتحرك أمناء المتاحف في إيران بحذر شديد. فهم يواجهون رقابة غالباً ما تكون غير مباشرة: ليست دائماً على شكل حظر صريح، بل عبر إشارات وتوصيات و«حساسيات» يجب مراعاتها. وحتى في اختيار الأعمال المعروضة والسرد الذي يتم تقديمه، تصبح بعض المواضيع شائكة، مثل التعددية الدينية في العصور القديمة، ودور المرأة في المجتمعات القديمة، أو التأثيرات الأجنبية. وتكمن الصعوبة الأساسية للأمناء في التوفيق بين السرد ما قبل الإسلامي، الذي يعرض صورة لأمة قديمة وإمبراطورية، والسرد الإسلامي واستراتيجية الهوية الوطنية للدولة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الصرامة الفكرية اللازمة لأي رواية تاريخية موثوقة. أخيراً، يجدر الإشارة إلى الجهود المهنية التي بُذلت في بعض متاحف العاصمة، مثل تحديث المخازن وأنظمة الأمن، وتعيين أمين مخصص لقسم النقوش، وغيرها من الإجراءات. وتعكس هذه الجهود توجهاً أكثر منهجية في إدارة التراث. وفي الختام، يطرح سؤال مهم: في الفترات الحرجة التي تمر بها أي دولة، هل من اللائق أن ينشغل المرء بمصير المتاحف والأعمال الفنية بدل الانشغال بالناس؟ على العكس تماماً، فكلما اشتدت الأزمات في العالم، زادت الحاجة إلى الفن وحراس الذاكرة ليشهدوا على تاريخنا، ولينقلوا، بالدرجة الأولى، تاريخنا الإنساني إلى الأجيال المقبلة... اقرأ في نفس الموضوع: المتاحف في إيران: تراث تحت الحصار (1/2)

ترامب وعقدة العراق...
By
خيرالله خيرالله
Published

لا هدف آخر من المفاوضات التي أجرتها الإدارة الأميركيّة مع الجانب الإيراني في مسقط وجنيف سوى تمرير رسالة واحدة. فحوى الرسالة أن على "الجمهوريّة الإسلاميّة" أن تتغيّر. لا بدّ من حصول التغيير بالحسنى أو بالقوة. لم يتردّد الرئيس دونالد ترامب في القول أخيرا أن سقوط النظام الإيراني "افضل ما يمكن أن يحدث". من هذا المنطلق، يمكن فهم تكرار الرئيس الأميركي رفض عودة نوري المالكي إلى موقع رئيس الوزراء في العراق. كذلك، من هذا المنطلق يمكن فهم خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واقتياده إلى نيويورك مع زوجته. ` تجري عملية تطويق مدروسة تطويق مدروسة لإيران وقصقصة مستمرة لأجنحتها بعد إخراجها من سوريا والقضاء عمليا على "حزب الله" درّة التاج في المشروع التوسعي لـ"الجمهوريّة الإسلاميّة". ما لا بدّ من ملاحظته حاليا وجود إصرار لدى الإدارة الأميركية على العودة إلى العراق. لدى ترامب في ما يبدو عقدة إسمها العراق. دفعت أميركا غاليا ثمن إسقاط نظام صدّام حسين البعثي – العائلي في العام 2003. دفعت دمّا ودفعت مئات مليارات الدولارات من أجل خروج إيران طرفا منتصرا وحيدا في حرب ليس معروفا إلى يومنا هذا ما الذي دفع إدارة جورج بوش الإبن إليها. ليست عودة الرئيس الأميركي إلى تناول الموضوع المتعلّق بنوري المالكي مجرّد صدفة في ظل الظروف القائمة، وهي ظروف تشهد تصعيدا خطيرا بين "الجمهوريّة الإسلاميّة" من جهة وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. إنّه تصعيد جدّي في ضوء نقل أميركا وإسرائيل الحرب إلى داخل الأراضي الإيرانيّة في حزيران – يونيو الماضي. في داخل رأس ترامب مجموعة حسابات دقيقة، بينها حساب يتعلّق بالعراق الذي بات في الحضن الإيراني. سلّم الأميركيون، إدارة جورج بوش الإبن تحديدا، العراق على صحن من فضة لإيران. يبدو أن ذلك لا يزال عالقا في ذهن دونالد ترامب الذي أخذ على عاتقه وضع حدّ للهيمنة الإيرانيّة على المنطقة انطلاقا من العراق. جاءت أميركا بالميليشيات الشيعية العراقية التابعة لـ"الحرس الثوري" الإيراني وسلمتها الحكم في بغداد. سارعت هذه الميليشيات إلى الإنقلاب على "المحتلّ" الأميركي وباتت تعمل لمصلحة إيران. أخطأت إدارة بوش الإبن في كلّ ما قامت به في العراق، خصوصا بعدما تبيّن أنّها لم تمتلك خطة واضحة لمرحلة ما بعد سقوط صدّام حسين. إلى ذلك، يدرك ترامب أنّ الإنطلاقة الجديدة للمشروع التوسّعي الإيراني في المنطقة انطلق من العراق. مع سقوط بغداد في نيسان – ابريل 2003، تغيّرت موازين القوى في المنطقة. كذلك، مع سقوط العراق، سقطت سوريا كلّيا في يد إيران وسقط لبنان حيث اغتالت "الجمهوريّة الإسلاميّة" رفيق الحريري قبل 21 عاما بعدما وجدت أنّه يقف عائقا في وجه التمدد الإيراني الذي يقوم أصلا على الإستثمار في الغرائز المذهبية وعلى حلول الميليشيات التابعة لـ"الحرس الثوري" مكان مؤسسات الدولة في هذا البلد العربي أو ذاك. كان الملك عبدالله الثاني تحدث عن خطورة تسليم العراق إلى إيران، منذ ما قبل إغتيال رفيق الحريري في شباط – فبراير 2005. تحدث في تشرين الأوّل – أكتوبر 2004 عن "الهلال الشيعي" بمعناه السياسي، كهلال فارسي، يمتد من طهران إلى بيروت مرورا ببغداد ودمشق. جاء كلام العاهل الأردني في حديث مع صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية. كشف الحديث بعد نظر عبدالله الثاني ونظرته الثاقبة للنتائج التي ستترتب على استيلاء إيران على العراق. مذ دخل البيت الأبيض في كانون الثاني - يناير 2016، ركّز ترامب على الخطر الإيراني. مزق الاتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني، الذي عملت إدارة باراك أوباما من أجل الوصول إليه في 2015. كان ذلك في أيار - مايو 2018. في الأيام الأولى من العام 2020 تخلّصت الولايات المتحدة من قاسم سليماني قائد "فيلق القدس"، رأس حربة المشروع التوسعي الإيراني. كان ذلك بعيد مغادرة سليماني مطار بغداد الذي وصل إليه آتيا من بيروت، ولكن عن طريق مطار دمشق الذي كان مطارا آمنا بالنسبة إلى "الجمهوريّة الإسلاميّة". يعتبر التخلص من قاسم سليماني حدا مفصليا على الصعيد الإقليمي. لا يدلّ على ذلك أكثر من المظهر الذي ظهر فيه حسن نصرالله، الأمين العام الراحل لـ"حزب الله" لدى حديثه عن شخصية سليماني وطبيعة العلاقة التي كانت تربطه به على كل صعيد، بما في ذلك التنسيق بين إيران والحزب في لبنان وسوريا والعراق واليمن... وفي غير دولة خليجية. عاد ترامب إلى البيت الأبيض قبل سنة وشهر تقريبا. عاد في ظروف جديدة ضعفت فيها إيران وبات مشروعها التوسّعي في خبر كان بعدما خسرت "الجمهوريّة الإسلاميّة" كلّ الحروب التي خاضتها على هامش حرب غزّة. من هذا المنطلق، يبدو أكثر من طبيعي متابعة الحملة على إيران إنطلاقا من العراق الذي لم يعد مسموحا بقاؤه ملعبا لـ"الحرس الثوري" على غرار ما كان عليه لبنان وسوريا قبل إغتيال إسرائيل لحسن نصرالله في الضاحية الجنوبيّة لبيروت وقبل فرار بشّار الأسد إلى موسكو. ليس مهمّا الدخول في متاهات تتعلّق بشخصية نوري المالكي ومحاولة معرفة درجة نفوذ إيران عليه. بالنسبة إلى ترامب، المهمّ خروج إيران من العراق. من غير الطبيعي بقاء أميركا في الفخّ الإيراني. في النهاية، يحكم العراق منذ 2003 اشخاص عادوا إلى بغداد على ظهر دبابة أميركيّة. يرفض دونالد ترمب هذا النكران للجميل الذي قوبلت به الحرب الأميركيّة على العراق قبل 23 عاما. الآن، بعدما وضعت إدارة ترامب إيران بين خياري الإستسلام أو التعرّض لهجوم واسع من البحر والجو، يبدو منطقيا سعي ترامب إلى استعادة العراق في حال كان مطلوبا الإنتهاء حقآ من المشروع التوسعي الإيراني...

الخطوط العريضة لسياسة بحرية محتملة في لبنان (2)

ما هي السياسة البحرية التي يمكن للبنان تبنيها، أو التي ينبغي عليه اتباعها، ضمن إطار جهوده التنموية؟ وما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه الاتحاد من أجل المتوسط في هذا المجال، الذي حلّ محل الشراكة الأورومتوسطية التي أُطلقت في برشلونة؟ اعتمد الاتحاد من أجل المتوسط إطاراً ذا طبيعة «برّية». سواء كان الأمر يتعلق بالتعاون السياسي والأمني لتحديد فضاء مشترك للسلام والاستقرار، أو التعاون الاقتصادي والمالي لبناء منطقة ازدهار مشترك، أو التعاون الثقافي والاجتماعي لتعزيز التفاهم بين الثقافات وتبادل الخبرات بين المجتمعات المدنية، يبقى الهدف إنشاء منطقة ازدهار مشترك ضمن منطقة التجارة الحرة الأورومتوسطية. كل هذا يظل مرتبطاً باليابسة. إلا أن البحر الأبيض المتوسط هو بحر تحيطه اليابسة، وليس يابسة تفصلها مياه البحر. ما هي المشاريع البحرية التي يمكن إدراجها في هذا الإطار؟ هناك ثلاثة معايير حاسمة لاختيار الموضوعات وتحديد الأولويات: – يجب أن يكون البلد قادراً على الانتقال إلى مرحلة التنفيذ دون أن تعيق أي عقبة للسير الطبيعي للدينامية المقترحة. – التركيز على القطاعات التي توفر عدداً كبيراً من فرص العمل وتتيح إمكانيات للنمو والتطور، بما تعزيز الترقي الاجتماعي. – إعطاء الأولوية للمشاريع بناءً على أكثر الاحتياجات إلحاحاً، وتشجيع الحوار والتعاون مع الدول الشريكة. المهام والمشاريع بعيداً عن الأنشطة التجارية وتلك المتعلقة بالموانئ، تقوم المسؤوليات البحرية للدولة على مجموعة من القدرات السيادية والأمنية: مراقبة الفضاء البحري، حماية المنطقة الاقتصادية الخالصة (ZEE)، مكافحة الأنشطة غير القانونية، تقديم خدمات الإنقاذ في البحر، والوقاية من التلوث. وتعد هذه المهام أساسية للحفاظ على السيادة الوطنية، وضمان الاستقرار الاقتصادي، وحماية المواطنين. ١ – حماية المنطقة الاقتصادية الخالصة (ZEE): يمتلك لبنان منطقة اقتصادية خالصة تبلغ مساحتها حوالي ٢٢,٧٠٠ كيلومتر مربع. وقد ساهم تحديد الحدود البحرية مع إسرائيل (اتفاق ٢٠٢٢) ومع قبرص في توضيح الإطار القانوني، وهو شرط أساسي لأي مراقبة فعّالة. يجب أن تكون مراقبة المنطقة الاقتصادية الخالصة دائمة وفعّالة. ٢ – مراقبة المناطق الساحلية والتحكم بها: يمتد الساحل اللبناني لحوالي ٢٢٥ كم، ويحتضن موانئ تجارية وصيد، ومناطق حضرية مكتظة بالسكان، ومنشآت صناعية وطاقة حساسة. تُعد مراقبة السواحل مسألة أمنية ومدنية في الوقت نفسه. ٣ – مكافحة الأنشطة غير القانونية عبر البحر: يجب على الدولة التصدي لتهريب البضائع، وتجارة المخدرات والأسلحة، بالإضافة الى الهجرة غير الشرعية عبر البحر. ٤ – الإنقاذ البحري وسلامة الملاحة: يضمن لبنان في منطقته المسؤولية أداء مهام البحث والإنقاذ البحري (SAR)، بشكل أساسي من خلال البحرية اللبنانية والدفاع المدني. ويتطلب ذلك تنسيقاً وثيقًا بين البحرية والموانئ وخدمات الطوارئ. كما يجب توفير مركز SAR بحري متكامل وعملي وفق المعايير الدولية. ٥ – التلوث البحري في الأساس ذو منشأ بري: يشمل ذلك تسرب مياه الصرف الصحي غير المعالجة، المكبات الساحلية، الجريان الحضري، التلوث الصناعي، والانسكابات النفطية العرضية في الموانئ. مع إمكانية تطوير استغلال الغاز البحري، أصبحمن الضروري تعزيز خطط الطوارئ لمكافحة التلوث، تحسين إجراءات الوقاية على اليابسة، وضمان تنسيق فعّال بين الجهات المدنية والعسكرية. ٦ – التدريب على المهن البحرية: يشكّل حلقةً أساسية في سلسلة القدرات البحرية الوطنية، فهو شرط لأمان الملاحة، وكفاءة العمليات المينائية واللوجستية، ومصداقية الدولة في أداء مهامها السيادية، فضلاً عن دعم التطور المستقبلي للاقتصاد الأزرق والأنشطة البحرية الاستكشافية (Offshore). ويُعدّ أيضاً مصدراً للانخراط بين المجتمعات وخلق فرص العمل. المخطط الاستراتيجي – تحديد إطار وطني للمراقبة البحرية (الساحل و (ZEE. – تعزيز قدرات الدوريات البحرية البعيدة والوسائل الجوية. – إنشاء مركز وطني لتنسيق عمليات البحث والإنقاذ البحري (SAR) وفق المعايير الدولية. – تطوير قدرة وطنية منظمة ومستدامة لمكافحة التلوث البحري. – إطلاق معهد للمهن البحرية يضم القطاعين المدني والعسكري. – جعل البحر ركيزة أساسية في استراتيجية السيادة الوطنية وخطة الانتعاش الاقتصادي. الأولويات الواجب تحديدها في هذا الإطار العام للسياسة البحرية الواجب تبنيها، يجب على الدولة تحديد بعض الأولويات بشكل واضح وملموس. ١ –إرساء حوكمة بحرية وطنية لضمان تنسيق دائم وفعّال بين جميع الجهات البحرية المدنية والعسكرية. ٢ –نشر إطار وطني للمراقبة البحرية (الساحل و (ZEE لضمان السيادة الفعلية للدولة على مجالها البحري. ٣ –تعزيز مكافحة الأنشطة البحرية غير القانونية والجريمة العابرة للحدود، وتقليل الخسائر الاقتصادية والمخاطر الأمنية المرتبطة بها. ٤ –بناء قدرة وطنية متكاملة للبحث والإنقاذ البحري (SAR)، لحماية الأرواح في البحر والوفاء بالالتزامات الدولية للبنان. ٥ –تطوير قدرة وطنية لمكافحة التلوث البحري، للوقاية منه وإدارته، خصوصاً في ضوء تطوير الأنشطة البحرية الاستكشافية(Offshore). ٦ –إطلاق معهد لبناني للمهن البحرية وضمان توفر المهارات البحرية اللازمة. ٧ –إدراج البحر في صميم الاستراتيجية الوطنية للانتعاش الاقتصادي؛ وتحويل المجال البحري إلى رافعة للتنمية المستدامة. مشروع بحري من هذا النوع – الذي بدأ جزئياً في لبنان – يتوافق تماماً مع أولويات الشركاء الدوليين: الأمن والاستقرار الإقليمي في شرق البحر الأبيض المتوسط؛ مكافحة الأنشطة العابرة للحدود والجريمة المنظمة؛ حماية الأرواح في البحر؛ والحفاظ على البيئة البحرية. المشروع البحري صٌمم كبرنامج للتعاون المدني–الأمني، ومتوافق مع القانون الدولي والتزامات لبنان المتعددة الأطراف, وهو يجمع بين الحوكمة، والقدرات التشغيلية، والتدريب، والتنمية المستدامة، وخلق فرص العمل، ودمج المجتمعات. ومن المفترض أن تتمكن مثل هذه الاستراتيجية البحرية اللبنانية من التطور بالتوازي مع ضرورة إعادة إحياء الاتحاد من أجل المتوسط… ‏اقرأ في نفس الموضوع: هل يوجد مستقبل بحري للبنان؟ (1)

ليبيتان وسيادة مفقودة (3/5)
By
ميشال حاجي جورجيو
Published

منذ الربيع العربي عام 2011، لم تمر ليبيا بأي تحول غير مكتمل، بل استقرت في حالة دائمة من التفكك السياسي. فبدلاً من أن تمهد الطريق لعملية إعادة الإعمار، أدى الاختفاء المفاجئ لنظام معمر القذافي، على العكس من ذلك، إلى إطلاق سلسلة طويلة من التفتت، حيث حل العنف المسلح تدريجياً محل الدولة كمبدأ لتنظيم السلطة، كما هو الحال في السودان . تقدم هذه السلسلة قراءة هيكلية للحرب الليبية كنظام مستقر ومتماسك في حد ذاته، متداخل مع التنافسات الإقليمية والدولية، وأصبح الآن قادرًا على إزالة أي بديل سياسي لا يندرج ضمن منطقه . تتكرر عبارة »ليبيتان« في مختلف التحليلات حول الملف الليبي كاستعارة لتفكك البلاد. لكنها في الحقيقة مبهمة. فهي توحي بوجود تقسيم سياسي شبه واضح، أو شبه متساوٍ، بين غرب تسيطر عليه طرابلس وشرق يتمركز حول بنغازي. غير أن هذا التصور يُبَسِط بشكل مفرط واقعاً أكثر إزعاجاً؛ فليبيا ليست منقسمة بين سيادتين متنافستين، بل محرومة تماماً من أي سيادة فعلية. المؤسسات التي تزعم تجسيدها لا تحكم فعلياً، بل تبقى قائمة بتفويض، تحت حماية مسلحة، وتعتمد باستمرار على قوى خارجية أو أعلى منها. في الغرب، تُعدّ حكـومـة الوفـاق الوطني، بقيادة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة والمعترف بها دولياً، سلطة قائمة على وهم قانوني مستمر. فهي تحظى بالاعتراف الدبلوماسي، ولها وصول رسمي للأصول الليبية في الخارج، ومقعد في الأمم المتحدة، إلا أن هذا الاعتراف لا يمنحها قدرة فعلية على فرض القرارات في الأراضي التي يفترض أنها تديرها. في طرابلس، الحكم يعني التكيف المستمر مع الجماعات المسلحة التي تسيطر على الأحياء والطرق والمؤسسات الأساسية. فالسلطة التنفيذية لا تقرر شيئاً، بل تكتفي تظل وكأنها تلعب دور شهرزاد، تفاوض من أجل البقاء في كل لحظة، إذ تعتمد على تحالف من الفاعلين المدنيين والعسكريين، الذين يتمتعون بالاستقلالية على الأرض (قوات الردع الخاصة، ذات التوجه السلفي، جهاز دعم الاستقرار، الذي يرتكز قادة مسلحين محليين، فصائل مصراتة، لواء طرابلس، وغيرها. تؤدي هذه المفاوضات الدائمة إلى تحويل الدولة إلى قوقعة فارغة وإجرائية؛ فوزاراتها تعمل بشكل متقطع، والسياسات العامة مجرد حبر على الورق، وتُوزَّع الميزانيات عبر آليات غير رسمية تهدف الحفاظ على توازنات مسلحة هشة. وحتى البنك المركزي، الذي يُصوَّر غالباً كآخر عمود فقري للبلاد، أصبح بدوره مادة للصراع وللضغوط المتبادلة. في الشرق، سلطة نسبية الوضع في الشرق ليس أكثر سيادة، رغم الهيكلية العسكرية الظاهرة. فالسلطة التي يمثلها خليفة حفتر تقوم على مزيج من الولاءات القبلية، والهياكل الأمنية، والدعم الخارجي. وهي تفرض نظاماً نسبياً، لكنه عسكري قبل أن يكون مؤسسياً. فهو لا يقوم على إدارة مستقلة، بل على تسلسل قيادي واقتصاد حربي. وتواجه مزاعم السيادة هناك تناقضاً جوهرياً: كيف يمكن لسلطة تعتمد هيكلياً على دعم خارجي للبقاء أن تمارس سيادة كاملة؟ وفي الواقع، فإن كل القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالحرب أو الاقتصاد أو الدبلوماسية مشروطة بتوقعات وخطوط حمراء للرعاة الإقليميين والدوليين. فالشرق الليبي لا يحكم؛ بل يكتفي بالكاد بإدارة اعتماده. لا يؤدي التعايش بين هذين القطبين إلى أي توازن مستقر، بل يولّد نظاماً من المراوحة المتبادلة وفوضى محتواة إلى حد ما، خصوصاً وأن أيّاً من الطرفين لا يملك القوة الكافية لفرض وحدة دائمة، ولا الضعف الكافي ليُهمّش. وبهذا تتجمد ليبيا في وضع تصبح فيه الانقسامات وظيفة قائمة، تسمح للفاعلين المحليين بالحفاظ على مواقعهم، وللفاعلين الخارجيين بممارسة نفوذهم دون أن يتحملوا عبء إعادة بناء للدولة. النفط، أحد عوامل التفتت يظهر غياب السيادة الحقيقية بوضوح في إدارة الموارد. فبدلاً أن يكون عاملاً للوحدة الوطنية، أصبح النفط أحد أبرز عوامل التفتت. فالموانئ والحقول وأنابيب النقل تُسيطر عليها أو تُعطل وفق منطق محلي، ويمكن تعليق الإنتاج في أي لحظة ليُستخدم كرافعة للضغط السياسي. أما بالنسبة للإيرادات، فعندما تتداول، فإنها تغذي شبكات الزبائنية أكثر مما تخدم مشروعاً وطنياً. والمفارقة الليبية تكمن في أن البلاد تمتلك موارد كافية لتمويل إعادة إعمارها… لكنها عاجزة هيكلياً عن تحويل هذه الموارد إلى سيادة فعلية. ومن هذا المنطلق، فإن الريع لا يعزز الدولة، بل يحافظ على تشتتها بطريقة مفارقة، ويعزّز ذلك الهيكل المؤسسي نفسه. تتوالى الحكومات، وتتراكم الاتفاقات، وتتعدد عمليات الحوار، وكلٌّ يُقدّم كخطوة حاسمة نحو الوحدة، لكن في الواقع، لا شيء يغيّر ميزان القوى على الأرض. والمؤسسات الليبية ليست سوى أماكن عبور وهمية وفارغة، حيث لا تتحقق أبداً الوعود المقدمة من أي طرف. في هذا السياق من الخراب، فقدت مفاهيم الشرعية كل معنى عملي. فالشرعية الانتخابية تُستحضر ثم تُلغى، والشرعية الثورية مُستنفدة، والشرعية الأمنية محل نزاع. ولا يتبقى عملياً سوى شرعيات جزئية، محلية، مؤقتة، قائمة على القدرة على الإكراه. ومترتّب ذلك، السيادة، المفهومة كقدرة على اتخاذ القرار وفرضه على الأراضي، تتلاشى في ظل تعدد مصادر السلطة المتنافسة. العقدة الليبية الانقسام الإقليمي ليس جامداً. فهو متحرك، قابل للتكيف، وربما قابل للعكس على المدى القصير، لكنه، مثل باقي الديناميات، دائم وفق منطقه الخاص. فالمناطق تنتقل من سيطرة إلى أخرى دون أن تتغيّر البنية العامة للصراع. وتتغير السيطرة على المدن، وتتجدد التحالفات، لكن غياب مركز موحّد يبقى أمراً قائماً. وهذه المرونة تحديداً هي ما يجعل الوضع الليبي صامداً أمام محاولات الحل. ولا توجد خطوط جبهة ثابتة يمكن من خلالها فرض وقف إطلاق نار دائم، ولا أي جهة قادرة على إشراك البلاد بأكملها في عملية سياسية ملزمة. وكل مبادرة سياسية تصطدم بحقيقة بسيطة: لا أحد يستطيع إلزام الجميع، وكل طرف قادر على عرقلة أي طرف آخر... من الطبيعي أن تُتَّهم الأطراف الخارجية بتغذية الانقسام. هذا صحيح. لكنها في الواقع لا تقوم سوى باستغلال الوضع القائم، مؤيدة طرفاً ثم آخر، ومعدّلة مستوى تدخلها، دون أن تسعى أبداً لاستعادة سيادة تعتبرها غير واقعية على المدى القصير. وهكذا تصبح ليبيا فضاءً للإدارة أكثر منه دولة، كما تتحول إلى عقدة إضافية في هذه المنطقة من أفريقيا. أما الحلول... أما السكان المدنيون، فيجدون أنفسهم محاصرين في مأزق مزدوج. فهم يعتمدون، من جهة، على مؤسسات ضعيفة لتوفير الخدمات الأساسية، ويتعرضون، من جهة أخرى، للضغط المستمر من الجماعات المسلحة. وفي سياق فقدت فيه السياسة مكانتها كأفق جماعي، ليس مستغرباً أن يصبح اللجوء إلى الخارج استراتيجية فردية للبقاء على قيد الحياة. الحديث عن «ليبيتان» يعني، إذن، التغاضي عن الجوهر. والأدق هو الحديث عن بلد يُدار على شكل أجزاء، حيث الدولة هيكل هش، والسيادة مجرد ادعاء، والحرب لعنة لا مفر منها. وهذه الحالة ليست مؤقتة ولا عَرَضية، بل نتاج عقد من التنازلات، والترقيعات، والحسابات العقلانية غير الموفقة. وطالما لم تُعاد مراجعة هذه البنية، ستظل أي محاولة لإعادة الوحدة شكلية فقط: فالبلاد قد تغيّر حكوماتها، وتوقع اتفاقات جديدة، أو تنظم مؤتمرات إضافية، لكنها لن تستعيد سيادتها الحقيقية طالما يبقى العنف طريق الوصول إلى السلطة، والاعتماد على الخارج أسلوب عملها الرئيسي. المقال التالي: ليبيا بوصفها عقدة إقليمية اقرأ في نفس الموضوع: - 2011، ليبيا في حقبة ما بعد الدولة (1/5) - الصراع الليبي: سطوة الميليشيا على السياسة (2/5)

هل يمكن للذكاء الاصطناعي السيطرة على عالمنا؟

انتهى احتكار الذكاء. طوال الجزء الأكبر من تاريخ البشرية، ظل افتراض واحد دون منازع: أن الذكاء ملك لنا وحدنا. كنا النوع الوحيد القادر على التفكير المجرد، والتراكم العلمي، والارتقاء التكنولوجي، والتنظيم السياسي. كان الذكاء احتكارنا — وبالتالي قوتنا. انتهى هذا الاحتكار الآن. تتفوق أنظمة الذكاء الاصطناعي بالفعل على البشر في التعرف على الأنماط، وتوليد التعليمات البرمجية على نطاق واسع، وتكرار البروتينات، والنمذجة التنبؤية، وبشكل متزايد، صياغة الفرضيات العلمية. مجال تلو الآخر، لم يعد سقف الإدراك البشري هو الحد الأقصى. هذه ليست مجرد نقطة تحول تكنولوجية. هذه نقطة تحول حضارية. السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح أفضل من البشر في مهام معينة. لقد أصبح كذلك بالفعل. السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت السيطرة والاستقلالية والسلطة الاستراتيجية ستنتقل تدريجياً من البشر إلى الأنظمة — ليس بالتمرد، بل بالتفويض. قد تحدث «فردية» الذكاء الاصطناعي هذا العام إحدى الاستعارات الأكثر لفتًا للانتباه التي اقترحها بعض باحثي الذكاء الاصطناعي هي: تخيل الظهور المفاجئ لـ «بلد العباقرة» — عشرات الملايين من العقول الأكثر ذكاءً من أي حائز على جائزة نوبل أو استراتيجي عسكري. أي جهاز استخبارات سيعتبر مثل هذا الحدث أكبر اختراق للأمن القومي في هذا القرن. لنحذف الآن الاستعارة. لنستبدل هؤلاء الأفراد بالتعليمات البرمجية. أنظمة الذكاء الاصطناعي قابلة للتوسع والتكرار والترابط. إنها لا تنام. لا تتعب. تعمل بسرعة الآلات. وهي مدمجة في آن واحد في التمويل والخدمات اللوجستية ومختبرات الأبحاث وأنظمة المراقبة والعمليات العسكرية. يتحدث بعض المطورين الآن عن «فردية الذكاء الاصطناعي»، مشيرين إلى أن عتبات حاسمة قد تُخترق هذا العام. يجب التعامل مع هذه الادعاءات بحذر. غالبًا ما تبين أن توقعات الذكاء الفائق الوشيك سابقة لأوانها. لكن الإشارة مهمة. تصل سرعة تقدم القدرات إلى مستوى لم يعد فيه بالإمكان اعتبار الآثار الجيوسياسية والحضارية مجرد تكهنات. من الأداة إلى البنية التحتية كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي المبكرة محادثية بشكل أساسي. كانت تكتب رسائل البريد الإلكتروني، وتلخص التقارير، وتنتج المحتوى. حدثت نقطة التحول الحقيقية عندما بدأ الذكاء الاصطناعي في كتابة تعليمات برمجية قابلة للتنفيذ من البداية إلى النهاية. التعليمات البرمجية هي بنية تحتية. تعمل الأسواق المالية بفضل التعليمات البرمجية. تعمل شبكات الكهرباء بفضل التعليمات البرمجية. تعمل الزراعة بفضل التعليمات البرمجية. تعمل أنظمة الأسلحة بفضل التعليمات البرمجية. بينما يقوم الذكاء الاصطناعي بتصميم هذه البرامج واختبارها ونشرها بشكل مستقل، فإنه يتوقف عن كونه مجرد أداة ليصبح طبقة تشغيلية للحضارة نفسها. ينتقل البشر من مؤلفين إلى مشرفين. مع مرور الوقت، تتآكل الخبرة. يزداد الاعتماد. هذا ليس غزوًا. هذا استعانة خارجية طوعية. الخوف: الروبوتات تسيطر على البشر تتخيل الثقافة الشعبية روبوتات شبيهة بالبشر تنقلب على البشرية. هذا السيناريو مثير — لكن هل يمكن أن يحدث بالفعل؟ يعتمد الزراعة الحديثة اليوم بالفعل على البرامج. تعتمد أنظمة المقاصة المالية على البرامج. يعتمد توزيع الطاقة على البرامج. يعتمد الإنتاج الدوائي على البرامج. تتطلب السيطرة المادية الكاملة للذكاء الاصطناعي على نطاق واسع إتقانًا متكاملًا ومنسقًا للسلسلة بأكملها. تحقيقها على المدى القصير مشكوك فيه. الخطر الأكثر فورية هو ضعف الأنظمة. حضارتنا محسّنة بالفعل بشكل مفرط. سلاسل التوريد مصممة للكفاءة، وليس للمرونة. البنى التحتية الحيوية مترابطة رقميًا. الأتمتة تقلل التكرار. إذا أصبحت التعليمات البرمجية التي يولدها الذكاء الاصطناعي مهيمنة في هذه الأنظمة — وتضاءلت الخبرة البشرية — يصبح المجتمع عرضة للهشاشة هيكليًا. يمكن أن ينتشر خلل كبير، سواء كان خبيثًا أو عرضيًا، بسرعة. هذه ليست خيالًا علميًا. هذه مشكلة هندسة أنظمة: التحسين المفرط يولد الهشاشة. يظهر التاريخ أن الأنظمة عالية الكفاءة غالبًا ما تنهار تحت الضغط. كلما أزالت الحضارة البشر من الحلقة باسم الإنتاجية، كلما أصبح من الصعب التعافي في حالة الفشل. عندما يسرع الذكاء الاصطناعي التحسين في جميع المجالات في وقت واحد، تقل المرونة. الخطر ليس أن الآلات تكرهنا. الخطر هو أن تصبح الأنظمة فعالة جدًا بحيث لا يمكن أن تفشل دون التسبب في انهيار. الخطر الكارثي الأكثر مصداقية: البيولوجيا + الذكاء الاصطناعي أخطر المخاطر الوجودية على المدى القصير ليست جيشًا من الروبوتات. إنها الأتمتة البيولوجية. تتنبأ أنظمة الذكاء الاصطناعي بالفعل بهيكل البروتينات، وتقوم بنمذجة الطفرات الفيروسية، وتحسن التصميم الجزيئي، وتدير المختبرات الروبوتية. تتقدم أنظمة «علماء الذكاء الاصطناعي» ذات الحلقة المغلقة، حيث تصمم النماذج تجارب تنفذها الروبوتات، بسرعة. الإمكانات هائلة: لقاحات أسرع، علاجات أقل تكلفة، اختراقات علاجية. لكن الحواجز الوقائية تتناقص. على عكس الأسلحة النووية، لا تتطلب مسببات الأمراض المعدلة بنى تحتية صناعية ضخمة. تتطلب المعرفة والأدوات. يسرع الذكاء الاصطناعي كليهما. السيناريو الكارثي الأكثر احتمالية هو أن يقوم فاعل بشري، بتضخيم من الذكاء الاصطناعي، بتصميم وتصنيع وإطلاق عامل ممرض أكثر عدوى وفتكًا من الفيروسات الطبيعية. تعطي تجربة انتشار COVID فكرة عن المخاطر. هذا الخطر معترف به في أوساط الأمن البيولوجي. يظل احتماله منخفضًا من الناحية النظرية، ولكن هل ما زلنا نتحكم حقًا في الذكاء الاصطناعي؟ سيكون التأثير المحتمل هائلاً، وتستمر الضغوط الاقتصادية لصالح الأتمتة البيولوجية في التصاعد. سباق تسلح الذكاء الاصطناعي يتطور الذكاء الاصطناعي في سياق التنافس الجيوسياسي. تتنافس الولايات المتحدة والصين وأوروبا وكوريا على الهيمنة في مجال أشباه الموصلات، والنماذج الكبيرة، والأنظمة المستقلة، والتكامل العسكري. وتطور روسيا وإيران قدرات غير متماثلة. وتسعى أوروبا إلى الاستقلالية الاستراتيجية. في مثل هذه البيئة، يُنظر إلى البطء على أنه ضعف. تؤكد شركات التكنولوجيا الموجهة للدفاع، مثل بالانتير، التي يرأسها أليكس كارب، صراحة أن الطريقة الوحيدة لمنع إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي هي نشره بشكل أسرع من الخصوم. تذكرنا هذه المنطقية بالردع النووي في الحرب الباردة — مع اختلاف كبير. كانت الأسلحة النووية مركزية وبطيئة. أما الأسلحة القائمة على الذكاء الاصطناعي فهي موزعة وسريعة. ينتقل الردع من الدمار المتبادل المؤكد إلى الاضطراب المتبادل المؤكد — التخريب السيبراني، الاستهداف الآلي، تداخل البنى التحتية، زعزعة الاستقرار المالي. وتتقلص دورات اتخاذ القرار. عندما تعمل الأنظمة بسرعة الآلات، يخشى القادة البشر تجاوزهم أكثر من خشيتهم ارتكاب الأخطاء. أوكرانيا: الحرب بوتيرة الآلات توضح الحرب في أوكرانيا هذا التحول. الطائرات بدون طيار، والاستهداف بمساعدة الذكاء الاصطناعي، ودمج البيانات في الوقت الفعلي يسرع الوتيرة التشغيلية. التغيير الأكثر حسمًا هو السرعة. الكشف. التصنيف. القرار. الضربة. مع تقلص هذه الحلقة، ينتقل التحكم البشري من التوجيه إلى الإشراف. تزداد مخاطر التصعيد، لأن القرار السياسي لا يمكنه مجاراة الوتيرة الخوارزمية. يصبح ساحة المعركة مختبرًا للبرامج. تصبح الحرب تكرارية وتعتمد على البيانات. تزداد الدقة — ولكن الهشاشة أيضًا. الشرق الأدنى والشرق الأوسط بالنسبة للشرق الأوسط، الذكاء الاصطناعي ليس نظريًا. المنطقة تتطور بالفعل في بيئة شكلتها الطائرات بدون طيار، والعمليات السيبرانية، والنماذج الأمنية التي تتم مراقبتها عن كثب. تمتلك دول مثل إسرائيل قدرات متقدمة في الذكاء الاصطناعي العسكري. وقد أظهرت فعاليتها في استراتيجياتها لاستهداف حزب الله في لبنان، من خلال تتبع واستهداف الأفراد عبر مراقبة الطائرات بدون طيار، وتحليل الهواتف المحمولة، والدراسة الدقيقة لبيئتهم. تستثمر إيران في أدوات غير متماثلة وسبرانية. وتستثمر دول الخليج بكثافة في البنية التحتية الرقمية والحوكمة الذكية. لكن النجاح على المدى الطويل يعتمد على عاملين رئيسيين: سيادة البيانات — من يتحكم في بنية البيانات التحتية؟ الاستقلال التكنولوجي — هل ستعتمد الدول الإقليمية بالكامل على المنصات الأمريكية أو الروسية أو الصينية؟ في عالم تتركز فيه قدرات الذكاء الاصطناعي، فإن الدول التي تفتقر إلى الكفاءات المحلية تخاطر بأن تصبح معتمدة رقميًا. لن تُقاس الاستقلالية الاستراتيجية للقرن الحادي والعشرين فقط باحتياطيات الطاقة أو القوة العسكرية، بل بالقدرة الحاسوبية، وحوكمة البيانات، والخبرة الخوارزمية. الحوكمة في عصر الخوارزميات يغير الذكاء الاصطناعي أيضًا الحوكمة الداخلية. يتم نشر الأنظمة للتحكم في الحدود، وكشف الاحتيال، والشرطة التنبؤية، والإدارة الضريبية، والمراقبة. تعد هذه التطبيقات بالكفاءة والأمن. كما أنها تمركز السلطة وتقلل الشفافية. في الديمقراطيات الليبرالية، تستند الشرعية إلى الشرح والمساءلة. تضع الحوكمة الخوارزمية هذه المبادئ على المحك. في بلدان مثل الصين، يسمح التعرف على الوجه والذكاء الاصطناعي بمراقبة المواطنين بشكل دائم. هذه ليست استبدادية مصممة عن قصد، بل هي تركز تلقائي. الكفاءة الحاسوبية لها عواقب سياسية. الحرمان بدلًا من الانقراض؟ السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس انقراض البشرية. بل هو الحرمان. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقود الاكتشاف العلمي، ويحسن الاقتصادات، ويدير اللوجستيات، ويؤثر بشكل متزايد على القرارات العسكرية والسياسية. سيبقى البشر موجودين — لكنهم لن يكونوا محوريين بعد الآن. تفترض الديمقراطية قدرة على الفعل البشري المستنير. عندما تنتقل القرارات إلى أنظمة معقدة جدًا بحيث لا يمكن فهمها علنًا، تتآكل الشرعية. الخطر هو أن يحدث هذا الانتقال بشكل أسرع مما هو عليه البشر والأمم مستعدون لتقبله. هذا يثير أيضًا سؤالًا حول ما إذا كانت المفاهيم التقليدية للسيادة — الإقليم، والشعب، والحوكمة — تظل كافية في عصر القوة الخوارزمية. إيقاف تطوير الذكاء الاصطناعي ليس واقعيًا ولا مرغوبًا فيه. من المرجح أن يكون التحكم الانتقائي هو المسار الوحيد القابل للتطبيق: • إشراف بشري إلزامي في البحوث البيولوجية • أنظمة احتياطية غير مؤتمتة للبنى التحتية الحيوية • ضوابط معزولة («مفصولة هوائيًا») للخدمات الأساسية • معايير دولية للأسلحة المستقلة • تعزيز أطر الأمن السيبراني والأمن البيولوجي ومع ذلك، أظهرت روبوتات الدردشة بالفعل قدرتها على تجاوز بعض آليات المراقبة المصممة للتحكم في نشاطها والتفاعل مع أنظمة أخرى بطرق غير متوقعة من قبل مصمميها. يمثل التسارع غير المتحكم فيه والمستقل خطرًا حقيقيًا. الخلاصة: فقدان السيطرة؟ لن يستيقظ الذكاء الاصطناعي صباحًا معلنًا الحرب على البشرية. لكن المنافسة الاقتصادية، والتنافس الجيوسياسي، والجمود المؤسسي قد يدفعنا — خطوة بخطوة — إلى تفويض سلطة لن نتمكن من استعادتها. قد لا يتم الاستيلاء على السيطرة طواعية من قبل الذكاء الاصطناعي. قد يتم التخلي عنها ببساطة من قبل البشرية. لأول مرة في تاريخها، تواجه البشرية ذكاءً غير مقيد بالبيولوجيا. لم نعد الفاعلين الأكثر ذكاءً في النظام. السؤال هو ما إذا كنا سنظل الأكثر حكمة.