
في لبنان، يفتح المال معظم الأبواب. يسرّع القرارات، يسهّل المعاملات، ويُسقط كثيراً من أشكال المقاومة. لكن هناك باباً واحداً لا يستطيع أن يفتحه: باب الكرامة، باب الاحترام الحقيقي، ذاك الذي لا يُشترى.
هو يعلم ذلك، حتى لو فضّل ألّا يعترف به. لقد نجح بسرعة، بسرعة كبيرة. بسرعة مفرطة. ثراءٌ طارئ، ثروة سبقت الاعتراف، مالٌ أحياناً ملتبس، وأحياناً مريب بوضوح. ورغم الممتلكات والعلاقات والمظاهر، يعيش مع ذلك القلق الدائم: شيء ما ناقص. شرعية. مكانة. إحساس بالوجود لا يختزل في كونه ذاك الذي يدفع.
جرحه لا يبدأ في سن الرشد. يبدأ أبكر من ذلك بكثير. مع أبٍ مُحتقَر، لم يُحترم يوماً، يفهم باكراً أنه ينبغي الابتعاد عنه كي لا ينتهي في الموضع نفسه. ومع عائلة يُفضّل إخفاءها، لا لقلة تعلّق بها، بل لأنها تذكّر بأصلٍ يُنظر إليه على أنه منقوص. باكراً، يستقر شيء في الخلفية. آثار قديمة لم تُمحَ. فيتصرّف كأن الأمر لم يكن مهماً. يمضي قدماً. يصنع لنفسه صورة أكثر صلابة، أكثر لمعاناً، أكثر قبولاً. يفهم سريعاً أن القيمة ترتبط بالموقع، بالاسم، بالمنصب. لا يسعى إلى أن يُحَبّ. يسعى فقط إلى ألّا يُهان بعد اليوم.
حين يأتي المال، لا يداوي شيئاً. يحمي. يستر. سواء كان نظيفاً أم مريباً، لا يهمّ، ما دام يسمح له بفرض نفسه وإسكات الشكوك. يتحوّل النجاح إلى استراتيجية بقاء.
لكن حين لا يعود المال كافياً لإنتاج الاحترام، يفرض حلّ آخر نفسه: أن يصبح نائباً.
هنا، النيابة ليست خدمة. إنها حماية. في دولة لا تحمي أحداً، يصبح المقعد ضمانة شخصية، حصانة فعلية، وسيلة لتحويل ثروة مطعون فيها إلى سلطة رسمية.
وهو مستعد أن يدفع. كثيراً.
خلال الحملة، يردّد الكلمات المتوقعة. مشاريع. قوانين. مستقبل. إعادة إعمار. وهو يعلم أن كل ذلك مجرد معبر إلزامي. المهم هو الاحتماء. أن يوجد أخيراً، ولو عبر الخوف.
يشتري الأصوات. والبؤس يتكفّل بالباقي. حين يجوع الناس، يُباع الصوت. وهو يعلم ذلك ويستفيد منه. يسمّيه مساعدة. في الحقيقة، هو فساد بسيط: مال مقابل صمت، فقر مقابل سلطة.
ثم تأتي الانتخابات. اللقب. البذلة. والفراغ. لا شيء يُرمَّم. في عيون الآخرين، يبقى ذاك الذي دفع. وأمام نفسه، يبقى ذاك الذي كان دائماً.
بحث عن الاحترام. فنال أن يُنادوه: «فخامة».
والأكثر فجاجة ليس الكذب، ولا الفشل، ولا الفراغ.
الأكثر فجاجة أنه يكتفي بذلك.