شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
حكاية سلمى مرشاق التي انتظرت العدالة لابنها لُقمان 5 سنوات

​الزمن بخيل. لم يعرف لبنان والشرق كثيرات يُشبهن سلمى مرشاق سليم، والدة المفكر الشهيد لُقمان، التي رحلت وهي تشتاق لُقياه قبل أن ترى عدالة الأرض تنزل بقاتليه. عاشت بالضبط خمس سنوات بعده، دموعها تسيل في قلبها العامر بالحزن ونادراً ما بللت خدّيها. وظلّت حاضرة لا تنكسر، مع ابنتها رشا الأمير وزوجته مونيكا برغمان ورفاقه، دفاعاً عن قيَم الحوار وقبول الآخر والعلم والثقافة والتنوير. الأُم الباحثة المثقفة ​ما اتهمت أحداً رغم أن ابنها لُقمان سمّى قَتَلَته قبل ارتكاب جريمتهم ببيان مكتوب، حمّل فيه زعيم "حزب الله" آنذاك شخصياً مسؤولية أي ضرر قد يلحق به وببيته وعائلته، بعدما تظاهرت مجموعة من الحزب في حديقة منزل جدّه الأكبر في حارة حريك، وقد أبى أن يغادره، تماماً كما فعلت الوالدة سلمى التي أوصاها زوجها النائب محسن سليم بأن تحافظ عليه. علّق المتظاهرون على سور الحديقة عبارة "المجد لكاتم الصوت"، وعلّق لقمان: "لن يسكتونا". ​اغتيل لقمان بعد ستة أشهر على اغتيال بيروت بجريمة تفجير المرفأ. الأرجح لأنه تجرأ على فضح مرتكبيها بوقائع ورواية مترابطة أبطالها نظام الأسد وحلفاؤه في لبنان. وقتها وعدت الحكومة التي ترأس جلستها الرئيس ميشال عون باستكمال تحقيق شفاف خلال خمسة أيام ومحاسبة المسؤولين عن التفجير الكارثي الذي أوقع نحو 230 قتيلاً و7000 جريح ودمّر مناطق شاسعة في العاصمة ومحيطها. لكن الحزب عطّل التحقيق بوقاحة يُشهَد لها. أما لُقمان فأسرع إلى إعلان الحقائق كما جمعها ورآها، ومضى إلى الاستشهاد. ​يروي آليكس راول في كتابه الصادر عن "دار الجديد" التي تديرها رشا الأمير بعد اغتيال أخيها، والمُعنوَن في النسخة العربية "بالروح بالدم... الناصرية ومواريثها"، أن سلمى والدة لقمان كانت أول من لاحظ أوجه الشبه بين اغتياله واغتيال صاحب جريدة "الحياة" الصحافي كامل مروة عام 1966. تَوافقَ كامل ولقمان، مع فارق السن بينهما، على معاداة الأنظمة الكليّة (التوتاليتارية). وقد خِيضت ضدهما حملات ممنهجة وسَمتهما بالخيانة والعمالة للغرب وإسرائيل، في صحافة ديدنها القتل المعنوي. هما لبنانيان شيعيّان يؤمنان بالتعدد والانفتاح، قُتلا برصاصات أُطلقت من مسافة قريبة؛ هذه التقنية هي بصمة أجهزة تأتمر بأوامر دول، وهي دليل يقطع الشك بيقين تورطهم. ​ومن سخريات القدر ومصادفاته أن عائلة كامل مروة وكّلت والد لقمان الراحل محسن سليم، المحامي الجزائي والبرلماني لدورة واحدة عن دائرة بيروت الثانية، لمؤازرتها والمطالبة بحقوقها. أُلقي القبض يومها على اثنين من القتلة. وحين وافق محسن سليم على الدفاع عن كامل مروة وعائلته، هُدد بدوره بالقتل. وقبل عقود من استهداف ابنه لقمان، انفجرت قنبلة أمام مدخل دارته، استهدفت إسكاته، ولربما اغتياله. ​يضيف راول: من شرفة الطبقة الأولى من "الدارة البيضاء"، تُريني سلمى، أرملة محسن ووالدة لقمان، المدخل حيث وقع الانفجار قبل أكثر من نصف قرن. ​عصر ذلك اليوم من شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2021، الشديد الحرارة والرطوبة، جلست معنا ابنتها رشا، وأدارت علينا كؤوساً من النبيذ المثلج. تقول سلمى: «أيام الانفجار كانت بواباتنا خشبية»، ومن بعده استبدلها زوجها ببوابات الحديد التي نراها اليوم. تأخذ نفساً عميقاً وتتنهد: «كم من تهديد تلقينا». ​اعتادت سلمى -على غرار زوجها وابنها الراحلين- ملاعبة الخطر. هي امرأة استثنائية؛ يوم التقيتُها كانت في مطلع عقدها العاشر، تتذكر طفولتها في مصر البريطانية والملكية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. بعد التحاقها بالكلية الأميركية للبنات في القاهرة (التي أصبحت اليوم كلية رمسيس)، درست الصحافة في الجامعة الأميركية بالقاهرة. تتلمذت على يد ويلتون وين، وهو -بحسب وكالة «رويترز» يوم وفاته- «من أبرز صحافيي أميركا في القرن العشرين»، كما تتلمذت على يد سمير سوقي، مراسل مجلة «نيوزويك» في القاهرة، الذي اقترح عليها وهي في عامها الدراسي الأخير العمل متدربة في المجلة، ما أتاح لها بعد تخرجها عام 1956 الالتحاق بها بدوام كامل. ​شهد ذلك العام حرب السويس، وأخذ الضباط الثوريون حديثو العهد بالسلطة في مصر يضيّقون على الصحافة الأجنبية وسائر الحريات العامة. وفي عام 1957 بلغت الرقابة أقصاها، مما حدا مجلة «نيوزويك» إلى إغلاق مكتبها القاهري، فالتحقت سلمى بمركز عملها الجديد جوار مديرها في بيروت بحي القنطاري، «باريس الشرق» الحرة والساحرة ببحرها وجبلها، بحسب الروايات المتفائلة. ​ما إن وصلت سلمى إلى بيروت حتى اندلعت «أحداث» عام 1958، التي أسفرت شهراً تلو الآخر عن مقتل المئات. وفي ظل الاستقرار النسبي الذي أعقب ذلك، نالت سلمى درجة الماجستير من الجامعة الأميركية في بيروت، وتتلمذت على أيدي شخصيات لامعة، مثل الأستاذ مالكولم كير (الذي اغتيل في الحرم الجامعي عام 1984). بعد زواجها من المحامي الناجح محسن، الذي انتُخب عضواً في البرلمان اللبناني عام 1960، انخرطت سلمى في الحياة الاجتماعية الراقية؛ وفي تلك المناسبات التي اشتهرت بها المدينة، التقت كامل مروة. ​وبلهجة قاهرية لم تتغير رغم سكنها عقوداً في بيروت، قالت عنه: «إنسانٌ ودود قريب للقلب، يطيب الكلام والنقاش معه». ​ظنَّت سلمى مرشاق سليم، يوم غادرت القاهرة لتقول "لا" للديكتاتورية العسكرية، أنها قد نجت بنفسها. ظنت أن وقوف زوجها مُتَّهِماً قتلة كامل مروة ومُشعلِي أحداث 1958 ومفجّرِي مدخل بيتها سيُبعد عنها الكأس المُرّة، بيد أنَّ قدراً اسمه "ناصر" كان لها بالمرصاد. وبالرغم من احتراق قلبها أوصلت رسالة الحوار والتفاعل مع الآخر. حفظت الأمانة ورحلت بشجاعة المثقفين المتنوّرين. * تُقام الصلاة لراحة نفسها يوم الخميس الواقع فيه ٢٦ شباط ٢٠٢٦ الساعة الحادية عشرة في الكنيسة الإنجيلية الوطنية - بيروت، قبالة السرايا الكبيرة. ​تُقبل التعازي يوم الخميس من العاشرة إلى السادسة مساءً ويوم الجمعة من الحادية عشرة إلى السادسة مساءً في صالون الكنيسة.

الولايات المتحدة: المحكمة العليا وحدود السلطة التنفيذية

في 2 أبريل 2025، أعلن الرئيس دونالد ترامب، وهو يقف في حديقة الورود بالبيت الأبيض، ما أسماه «يوم التحرير». عند توقيع الأمر التنفيذي 14257 بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA)، فرضت الإدارة «رسومًا جمركية» واسعة النطاق على الواردات الأجنبية. كان المبرر غير مسبوق في نطاقه: فقد أُعلن أن العجز التجاري المستمر للولايات المتحدة — الذي تجاوز 1.2 تريليون دولار سنويًا — يمثل حالة طوارئ وطنية. طبقت رسوم جمركية واسعة النطاق على جميع الشركاء التجاريين تقريبًا، ووصلت بعض المعدلات إلى 50%. كان الهدف واضحًا: فرض مفاوضات ثنائية، والحصول على التزامات استثمارية، وتسريع نقل الصناعات إلى الأراضي الأمريكية. وافقت العديد من الاقتصادات الكبرى على حدود تعريفية متفاوض عليها مقابل التزامات استثمارية: • وافقت اليابان على سقف بنسبة 15% مصحوبًا باستثمارات بقيمة 550 مليار دولار في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي. • التزمت كوريا الجنوبية بتوسعات صناعية بقيمة 350 مليار دولار. • وافق الاتحاد الأوروبي على إطار عمل بنسبة 15% مرتبط بالتزامات في مجال الطاقة وأشباه الموصلات. • تفاوضت إندونيسيا على 19%. • تفاوضت الهند على 18%. لأول مرة في التاريخ الحديث، أصبحت السياسة التعريفية أداة مباشرة للضغط الجيوسياسي. كان الافتراض الأساسي واضحًا: يمكن للسلطة التنفيذية إعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي من جانب واحد. انتهى هذا الافتراض في 20 فبراير 2026. المحكمة العليا تعيد تحديد الحدود في قضية Learning Resources, Inc. ضد ترامب، قضت المحكمة العليا للولايات المتحدة، بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة، بأن استخدام قانون IEEPA لفرض رسوم جمركية واسعة النطاق تجاوز الحدود الدستورية. اعتبرت المحكمة أن: • العجز التجاري لا يشكل نوع الطوارئ الذي يتصوره قانون IEEPA. • لم يقم الكونغرس بتفويض سلطة تعريفية بهذا الحجم بشكل واضح. • إعادة التفسير الواسعة للنصوص التشريعية ذات الصياغة العامة لتبرير التحولات الاقتصادية الكبرى تنتهك الهيكل الدستوري. لم تلغِ القرار جميع السلطات التعريفية. في غضون ساعات، تحولت الإدارة إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، وفرضت رسمًا جمركيًا موحدًا ومؤقتًا بنسبة 10%. لكن المادة 122 تفرض قيودًا صارمة: حد أقصى 150 يومًا ومعاملة غير تمييزية. انهار هيكل أداة التفاوض المستهدفة حسب البلدان على الفور. العواقب المالية يتجاوز النطاق الاقتصادي للقرار بكثير السياسة التجارية. أنتجت الرسوم الجمركية «ليوم التحرير»: • معدل تعريفة فعال يقترب من 17% — وهو الأعلى منذ الأربعينيات. • مئات المليارات من الدولارات من الإيرادات السنوية المتوقعة. • التزامات استثمارية متفاوض عليها تتجاوز 2 تريليون دولار. الأهم من ذلك، أن هذه الإيرادات الجمركية قد أُدمجت في حزمة الميزانية التصالحية التي تم اعتمادها في عام 2025. قانون «الفاتورة الكبيرة والجميلة الواحدة»، الذي وقعه الرئيس في 4 يوليو 2025، مدد تخفيضات ضريبية كبيرة للشركات والأفراد ذوي الدخل المرتفع. قدر مكتب الميزانية في الكونغرس أن هذا التشريع سيزيد العجز الأولي بمقدار 3.4 تريليون دولار خلال الفترة 2025-2034، متجاوزًا 4 تريليونات دولار مع الفوائد. صُممت الرسوم الجمركية لتكون الآلية الرئيسية للتعويض المالي. تقدر دراسة حديثة أجراها البنك الاحتياطي الفيدرالي أن حوالي 96% من عبء التعريفات تم تحمله في النهاية من قبل المستهلكين الأمريكيين. يلغي قرار المحكمة العليا ما بين 1.5 تريليون و2.4 تريليون دولار من الإيرادات المتوقعة على مدى العقد المقبل. هذا ليس تعديلاً هامشيًا. إنه عجز ميزاني هيكلي. الولايات المتحدة تواجه بالفعل: • عجوزات ميزانية تقترب من 7% من الناتج المحلي الإجمالي. • أعباء فوائد صافية تقترب من تريليون دولار سنويًا. • دين فيدرالي يتجاوز 120% من الناتج المحلي الإجمالي. الحسابات المالية ليست أيديولوجية. إنها تفرض نفسها. الضعف المالي يأتي القرار في وقت تظهر فيه الاقتصاد الأمريكي علامات واضحة على التباطؤ. في الربع الأخير من عام 2025، تباطأ النمو السنوي إلى 1.4%، مقارنة بـ 4.4% في الربع الثالث. وبالنسبة لعام 2025 بأكمله، بلغ النمو 2.2%، وهو انخفاض مقارنة بعام 2024. يعتمد الاقتصاد الأمريكي بشكل أساسي على الاستهلاك — وهذا الأخير حساس للغاية لأسعار الأصول وأسعار الفائدة. يمثل أغنى 10% من الأسر الآن حوالي 49% من الإنفاق الاستهلاكي، مما يوضح اقتصادًا يتجه بشكل متزايد نحو «الشكل K». تتحمل الأسر ذات الدخل المتوسط والمنخفض مستويات قياسية من الديون. يبلغ إجمالي دين الأسر 18.8 تريليون دولار، أي حوالي 65% من الناتج المحلي الإجمالي. كل زيادة بنسبة 1% في أسعار الفائدة الفعلية تؤدي إلى انخفاض حوالي 188 مليار دولار من الدخل المتاح. إذا تفاقمت العجوزات الهيكلية بشكل أكبر، فقد تزداد الضغوط التصاعدية على أسعار الفائدة طويلة الأجل. إن تجاوز 5% بشكل دائم سيشكك بشكل كبير في التقييمات الحالية لأسواق الأسهم ويزيد من الآثار السلبية على الثروة. يكمن الخطر في التفاعل بين التشديد المالي والضعف المالي. التداعيات الجيوسياسية إلغاء الرسوم الجمركية المتفاوض عليها حسب كل دولة يلغي أداة مركزية للضغط الأمريكي. نظرًا لأن هذه الاتفاقيات لم يتم التصديق عليها من قبل الكونغرس مطلقًا، فإن قوتها القانونية تتلاشى مع إطار عمل قانون IEEPA. الرسوم الجمركية الموحدة والمؤقتة بموجب المادة 122 لم تعد تسمح بقوة تفاوضية مستهدفة. أصبحت التزامات الاستثمار من اليابان والهند وأوروبا وشركاء آخرين قابلة لإعادة التفاوض سياسياً. يتحول نقل الصناعات من الإكراه إلى التفاوض. في الوقت نفسه، لا تزال التبعيات الاستراتيجية حادة. تستمر الصين في الهيمنة على التكرير العالمي للعناصر الأرضية النادرة — وهي مدخلات أساسية لأنظمة الدفاع والتقنيات المتقدمة. يتطلب تطوير القدرات المحلية عقدًا من الزمان أو أكثر، في حين تعتمد الصناعة العسكرية الأمريكية بشكل حاسم على هذه المكونات. الضغط التجاري مقيد قانونياً بالضبط حيث لا تزال التبعية الصناعية دون حل. الإشارة المؤسسية الرسالة الدستورية الأوسع ذات أهمية. أشارت المحكمة إلى رقابة مشددة على التفويضات التشريعية الواسعة بموجب مبدأ «المسائل الأساسية». سيواجه الرؤساء المستقبليون، بغض النظر عن انتمائهم السياسي، قيودًا أكثر صرامة فيما يتعلق بالاستخدام أحادي الجانب للسلطات التنفيذية. تحتفظ الولايات المتحدة بمزايا هيكلية هائلة. لكن قدرتها على استغلال السياسة التجارية دون موافقة الكونغرس باتت محدودة الآن. الإكراه يفسح المجال للتفاوض. تستعيد التعددية أهميتها. الثقة والقيود على مدى عقود، استندت القوة الأمريكية إلى مفارقة: كان بإمكان الولايات المتحدة أن تحافظ على عجز مستمر لأن رأس المال العالمي كان يثق بمؤسساتها. يمتلك المستثمرون الأجانب حوالي 30% من الأصول الأمريكية المتداولة: • 8 تريليونات دولار من سندات الخزانة • 17 تريليون دولار من الأسهم الأمريكية • 6 تريليونات دولار من ديون الشركات يدعم هذا التمويل الخارجي كلاً من العمليات المالية وتقييمات الأصول — ويشكل نقطة ضعف كبيرة. لا تفقد الأنظمة الاقتصادية استقرارها لمجرد زيادة الدين. بل تفقد استقرارها عندما تُشكك في استدامتها. قرار المحكمة العليا لم يخلق الضعف المالي الهيكلي. بل جعله مرئيًا. سيبقى 20 فبراير 2026 في التاريخ ليس كقرار تعريفي، بل كلحظة ظهر فيها حدان هيكليان في آن واحد: • الحدود الدستورية للسلطة التنفيذية. • الحدود المالية لتوسع العجز. نادرًا ما تنهار الإمبراطوريات فجأة. تضعف عندما تزداد تكاليف الاقتراض وتتضاءل القدرة على التأثير السياسي. والعالم يراقب الآن كليهما.

ليلى شهيد
بقلم
جميل كامل مروة
نُشر

كان ممكناً أن نحزن لفقدها كما نحزن على صديقٍ حميم، وأن نتألم كما يتألم المرء حين يبتر الموت قطعةً من حياةٍ مشتركة: صداقةٍ وأخوّةٍ وعائلة. وكان ممكناً أيضاً-ولعلّه كان الأسهل عليها-أن تمضي عمرها في رفاهٍ محمي، محصّنٍ من نوائب الأصل وقسوة المصير. فهي ابنة بيتٍ كريمٍ ميسور، ووريثة نعيمٍ كان يتيح لها أن" تتّكئ" على إرث العيش الآمن، وأن تُطيل المقام في ظلّ عائلةٍ لا ينقصها مجدٌ ولا ستر. لكنّها لم تكن " أيّ امرأة". كانت ليلى. برحيلها اليوم يتكدّس على الأسى جرحٌ ثخين. لأن الفقد هنا ليس فقد صديقةٍ فحسب، بل فقدُ سيرةٍ قاومت الفكرة السهلة: فكرة أن ينجو الإنسان بنفسه ويترك وطنه لمصيره. قصتنا معها بدأت من الرضاعة… نعم، من ذلك الباب الذي لا يُدخله التاريخ عادة في سير العظماء، بينما هو أصل الحكاية. أمّها سيرين كانت تُرضع شقيقتي حياة مع ليلى، وأمّي سلمى تُرضع ليلى مع حياة. في بيتنا كانت ليلى ابنة كامل وسلـمى، وفي بيتهم كنّا أولاد منيب وسيرين. هكذا فُطمنا على الدنيا: بلا حدودٍ بين بيتٍ وبيت، وبلا مسافاتٍ بين دمٍ ودم. ومنذ ذلك الزمن كانت ليلى كتلةً متأججة من حركةٍ وفضولٍ واكتشاف. رشّاش أسئلة، وزوبعة نشاط، وكأنها خُلقت لتقلق السكون وتستفزّ الكسل وتحرّك الحجر. ما إن تسلّحت بالعلم بعد تخرّجها من الجامعة الأميركية في بيروت، حتى انقضّت- لا كمن "يزور" المخيمات- بل كمن يعود إلى أهله. قصدت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وكأنهم فراخها. خرجت من وثير حياتها إلى قلب المأساة، لا لتكتب عنها من بعيد، بل لتتعلّمها بالمباشر، وتعمل فيها، وتكسب حقّ الكلام عنها لأنها عاشت ثقلها. ثم غاصت في الصحافة، حيث نشأت مجلة Monday Morning مع فواز ناجية، الصحافي والناشر القدير. وهناك، على أرض العقلانية الصعبة لا البلاغة الرخيصة، بدأت براعمها الدبلوماسية تظهر: مقالاتٌ، مقابلاتٌ، أبحاثٌ، صيغت بجديةٍ ورصانةٍ واطلاعٍ لم يكن ترفاً ثقافياً بل عدةَ معركة. نقلت عنها كبريات وسائل الإعلام لأن كلامها لم يكن “ضجيج قضية”، بل خطاب معرفة ومسؤولية. ثم جاءت الرحلة الدبلوماسية: تعيينها ممثلة لمنظمة التحرير الفلسطينية باختيار من ياسر عرفات. خدمت ليلى وطنها لأنها كانت تعتبر- بحدسٍ سياسيٍ مبكر-أن الوطن ملكُ المواطنين جميعاً، وأن القائد “مكلّف” لا “مُتوَّج”. حتى مع أبو عمّار، كانت تراه مسؤولاً عن مهمة، لا صاحب عرشٍ أبدي. وهذه ليست قسوةً عليه، بل رحمةٌ بالقضية: لأن القضايا التي تتحول إلى عبادة أشخاص، تُذبح على مذبح الأشخاص. في زمن خدمة ليلى كانت أوروبا-نعم أوروبا-أشدّ على القضية الفلسطينية من أميركا في كثير من المراحل. كانت القارة متورّمةً من إرهابٍ ارتُكب باسم المقاومة: من خطف طائرات إلى مأساة ميونيخ. وكان التمثيل الفلسطيني مُثقلاً بسياق الحرب الباردة، وبالاصطفافات السوفياتية التي جعلت الغرب ينظر إلى الفلسطيني لا كصاحب حق، بل كتهديدٍ محتمل. وفوق ذلك، كانت حرب الاغتيالات الإسرائيلية قد هدرت على ممثلي الفلسطينيين، فأفرغت ساحاتٍ كاملة من الرجال والوجوه والوسائط. في تلك المرحلة، كانت ليلى-في كثير من المعاني-وحدها. هي الممثل السياسي، وهي الإعلام، وهي مركز الأبحاث، وهي الحضور الثقافي، وهي المحاضر في الجامعات، وهي اللقاءات في مراكز التفكير… وهي “الوجه الفلسطيني” كله، بقدرٍ من الجلد لا يُطلب من بشرٍ في العادة. ونجحت ليلى شهيد. بل انتصرت-بالطريقة التي يُسمح فيها للحق أن ينتصر في عواصم السياسة: بالحجة، بالعقل، وببلاغةٍ فكريةٍ ولغويةٍ لا تنحدر إلى الغوغاء ولا تتوسّل الشعبوية. حاورت بضراوةٍ عقلية؛ شراسة عقابٍ يحمي فراخه… فلسطينيوها. قارعت خصومها في فرنسا، في الإعلام والعلن، لا بالسباب، بل بتحويل القضية إلى سرديةٍ مفهومة… ثم مقبولة… ثم أقلّ اشتراطاً. كانت تُزحزح الجدار حجراً حجراً، وتدفع أوروبا من الرفض الغريزي إلى قبولٍ مشروط، ثم تعمل على تفكيك الشروط. حتى استحقت وسام الشرف الفرنسي برتبة ضابط-لا بوصفه “زينة” على صدرها، بل علامة على أنها انتزعت اعترافاً بكرامة خطابها وسط صراعٍ قاسٍ على الرواية. نعم، من الطبيعي أن نحزن لفقد ليلى شهيد، لأننا فقدنا صديقة. لكن حزننا اليوم أثقل من صداقةٍ تُفتقد. لأننا في زمن “نكبة جديدة”، وفي لحظةٍ فلسطين أحوج ما تكون فيها إلى قيادةٍ حضاريةٍ نظيفة اليد واضحة العقل، تشبه شعبها ولا تتاجر به. ليلى شهيد كانت-لو قُدّر للأقدار أن تُنصف- أقرب ما يكون إلى “رئيسة لفلسطين” بالمعنى الأخلاقي لا البروتوكولي: ثقافةٌ ومراسٌ والتزامٌ بالمواطن الفلسطيني المنكوب، المطرود، المشتت في أصقاع الدنيا. كانت ليلى نقلت فلسطين من خراب المساومات ومن رائحة الفساد إلى وطنيةٍ شريفة تُحرج حتى الشامتين. ولذلك نحزن: لأننا ودّعنا امرأةً كانت نوراً في زمن العتمة، ولأننا حُرمنا-مرةً أخرى-من نموذج قيادةٍ لا يطلب التصفيق بل ينجز المهمة. حرامٌ على فلسطين أن تفقد أمثال ليلى… وحرامٌ على هذا الزمن أن يبقى يتيماً من أمثالها.

السيادة اللبنانية وتلامذة السحرة
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

قد يحدث أحياناً أن تكشف عبارةٌ أُطلقت في زحمة الإعلام ما تعجز عنه صفحاتٌ كاملة من التنظير. عندما صرّح السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، قبل أيام بأن «من المقبول أن يأخذوا كل شيء»، مستحضراً فكرة إسرائيل الممتدة، في قراءة توراتية، من النيل إلى الفرات، قبل أن يضيف أن «المنطقة C هي إسرائيل»، لم يخرج فقط عن التحفّظ الدبلوماسي، بل أظهر انحيازاً سياسياً فاضحاً، وإن لم يكن مفاجئاً في ضوء الانحياز الأميركي شبه غير المشروط لإسرائيل، فإنه يظلّ بالغ الخطورة. لقد أدرج الدبلوماسي كلامه في منطق توسّعي يُخضع القانون الدولي لسردية لاهوتية-تاريخية، وهي السردية ذاتها التي استندت إليها تل أبيب لتبرير احتلال فلسطين. لا يهم إن عاد لاحقاً إلى التخفيف أو وصف كلامه بالمبالغة. ما قيل قد قيل. وما يُفكَّر فيه انكشف، في وقت عبّر فيه فريق نتنياهو أكثر من مرة عن رغبته في تجسيد حلمه الأسطوري. وقبله، كان الموفد الأميركي توم باراك قد اعتبر إرث سايكس-بيكو خطأً غربياً «فرض خرائط وانتدابات وحدوداً مرسومة بقلم رصاص»، مضيفاً أنه «لا يوجد شرق أوسط، بل قبائل وقرى حُوّلت إلى دول قومية مصطنعة». بذلك فتح في عام 2025 ثغرةً أخرى لا تقل خطورة. فبحجة نقد الهندسة الاستعمارية لعام 1916، أوحى بأن الدول التي نشأت عنها قد تكون كيانات هشّة، بل وهمية. خلف نقد الإمبريالية القديمة تبرز إغراءات جديدة لإعادة تشكيل المجال المشرقي وفق معايير تُرسم في أماكن أخرى. يتقاطع الخطابان، رغم اختلاف نبرتهما، في نقطة واحدة: التشكيك في اكتمال السيادات المحلية، والإيحاء بإمكانية إعادة تعريف الأرض وفق سردية دينية أو قراءة ما بعد استعمارية، وفق ميزان القوة أو حسابات الواقعية السياسية. ويعيدان إلى الأذهان ثابتة تاريخية مفادها أن المشرق لا يزال، في مخيلة بعض العواصم، مساحة قابلة للتعديل. ومنذ كيسنجر على الأقل، كان الشرق الأوسط مختبراً لتجارب كارثية متتالية، وكان الدبلوماسي الأميركي في كثير من الأحيان تلميذَ ساحرٍ يلعب بالنار. وقد قدّم أوباما مثالاً صارخاً حين مهّد، ضمناً، عبر الاتفاق النووي مع إيران، لتمدد النفوذ الإيراني في المنطقة. لا بد من القول بوضوح: لا سوريا كبرى، ولا إسرائيل كبرى، ولا وصاية سورية أو إسرائيلية أو إيرانية أو غربية. لا بعثٌ لوحدة أسطورية، ولا ذوبان في استمرارية توراتية، ولا إدارة تحت وصاية تُسمّى استقراراً. لبنان أولاً. وليس هذا شعاراً هوياتياً ضيقاً، بل تأكيد على أن السيادة ليست ترفاً بل الحد الأدنى لأي سياسة جديرة باسمها، حتى لو كان البلد صغيراً في موازين القوى العالمية. غير أن المشكلة لا تقتصر على التصريحات الأميركية. فالتاريخ اللبناني يبيّن أن كل ضعف داخلي كان مدخلاً لتدخل خارجي. عندما استُبدلت سلطة الدولة بولاءات موازية، وتوزّع القرار الاستراتيجي بين ميليشيات ورعاة إقليميين وحسابات طائفية، امتلأ الفراغ، وابتُلعت الدولة بمنطق اللادولة. لم تنشأ الوصاية السورية في فراغ، ولا جاء اجتياح 1982 من عدم، ولا ازدهر النفوذ الإيراني بلا شركاء محليين. يقع لبنان على ممرٍّ تعاقب عليه الغزاة منذ القدم. هذا الموقع رسّخ ثقافة انتظار: انتظار الأقل قسوة، أو الأكثر فائدة، وتبديل الولاءات تبعاً لموازين القوى، وترك «الآخرين» يقومون بالمهمة القذرة. واقعيةٌ كثيراً ما تخفّت في هيئة استسلام. كسر هذه الحلقة يتطلب أكثر من خطاب. يتطلب مؤسساتٍ حقيقية لا واجهات، وقراراً سيادياً واحداً، ودبلوماسية بصوت واحد، وعدالة غير خاضعة لموازين القوى. فالمؤسسات ليست مفهوماً مجرداً، بل هي ما يصنعه الرجال، كما قال نابليون. تصريحات هاكابي وباراك استفزازٌ خارجي بلا شك، لكنها أيضاً مرآة. مرآةٌ لبلدٍ إن لم يرسم حدوده الحمراء بنفسه، رُسمت له من الخارج، وإن لم يصن تماسكه، تحوّل إلى موضوع في لعبة الآخرين. إذن: لا سوريا كبرى، ولا إسرائيل كبرى، ولا وصاية متجددة. لبنان أولاً. وعلى المسؤولين اللبنانيين أن يدركوا ذلك. فكلما تخلوا عن الدفاع عن سيادته، تولى غيرهم الحكم باسمه. وكان حسن الرفاعي يقول إن الجمهورية تحتاج إلى رجالٍ ونساءٍ يحرسونها. فأين ذهب أولئك الحراس القلائل، الشجعان؟

بين شبح الحرب وإدارة الاشتباك: ماذا ينتظر لبنان إذا انفجرت المواجهة الأميركية – الإيرانية؟

في كل مرة ترتفع فيها وتيرة التوتر بين الولايات المتحدة وايران، يعود السؤال نفسه ليخيم على بيروت: هل نحن أمام حرب مؤجلة أم أمام مواجهة محتومة؟ وهل لبنان سيكون ساحة أم مجرد متفرج قلق على شاشات الأخبار؟ الواقع أن المنطقة تعيش منذ سنوات حالة “لاحرب ولاسلم”. تصعيد محسوب، ضربات موضعية، رسائل نارية، وتحريك قطع عسكرية في البحر والجو، يقابله انخراط في قنوات تفاوض غير مباشرة، ووساطات إقليمية ودولية. هي إدارة اشتباك دقيقة، تتقدم خطوة وتتراجع خطوتين، لكنها لم تصل بعد إلى قرار الحرب الشاملة. لماذا لا تريد واشنطن الحرب الآن؟ الولايات المتحدة تدرك أن أي مواجهة واسعة مع إيران لن تكون عملية جراحية محدودة. إيران ليست دولة معزولة بلا أدوات. لديها شبكة نفوذ إقليمية، وقدرات صاروخية ومسيرات، وتملك أوراق ضغط في أكثر من ساحة. أي حرب مباشرة ستعني: • ضرب منشآت استراتيجية داخل إيران. • ردوداً صاروخية على قواعد ومصالح أميركية. • اشتعال جبهات متعددة في وقت واحد. إضافة إلى ذلك، الأولويات الأميركية العالمية متشعبة: صراع نفوذ مع الصين، حرب في أوكرانيا، وأزمات طاقة وأسواق. حرب جديدة في الشرق الأوسط تعني استنزافاً إضافياً غير مضمون النتائج. ولماذا لا تريد طهران الحرب؟ إيران أيضاً ليست في وارد الانتحار الاستراتيجي. اقتصادها يرزح تحت العقوبات، ووضعها الداخلي حساس. مواجهة مباشرة قد تعرّض بنيتها العسكرية والنووية لضربات قاسية، وقد تفتح الباب لاضطرابات داخلية. لذلك، تميل طهران إلى سياسة “الرد غير المباشر”، أي استخدام أدواتها الإقليمية كوسيلة ضغط دون الذهاب إلى صدام مباشر. هكذا يستمر التوازن الهش: تصعيد مضبوط بسقف مدروس. أين يقف لبنان في هذه المعادلة؟ لبنان ليس بعيداً عن هذه الحسابات، بل هو في صلبها. فوجود حزب الله كقوة عسكرية وسياسية فاعلة يجعله جزءاً من شبكة الردع الإيرانية في المنطقة. ومن هنا، فإن أي تحول في المواجهة الأميركية – الإيرانية سينعكس مباشرة على الداخل اللبناني. السؤال ليس إن كان لبنان سيتأثر، بل إلى أي حد. السيناريو الأول: استمرار حرب الظل في هذا السيناريو، تستمر الضربات الموضعية والتوتر الإعلامي دون انفجار شامل. هنا يحافظ حزب الله على سياسة “الاشتباك المحسوب”: • إبقاء الجبهة تحت سقف معين. • تجنب حرب واسعة مع إسرائيل. • استخدام ورقة الضغط دون توريط لبنان بالكامل. هذا السيناريو هو الأقل كلفة داخلياً، لكنه يبقي البلد في حالة قلق دائم، ويؤجل أي استقرار اقتصادي أو سياسي حقيقي. الاستثمار يبقى خائفاً، والسياحة موسمية، والمصارف مشلولة بين انتظار الانفراج أو الانفجار. السيناريو الثاني: مواجهة واسعة إذا اتخذ القرار بالحرب، فإن المنطقة كلها ستدخل في مرحلة مختلفة. ضربات متبادلة، صواريخ عابرة للحدود، وربما استهداف منشآت حيوية. في هذه الحالة، سيكون حزب الله أمام معادلة صعبة: 1. تدخل واسع دعماً لإيران: ما يعني فتح جبهة كبيرة مع إسرائيل، واحتمال دمار واسع في لبنان. 2. تدخل محدود ومدروس: ضربات رمزية تحفظ ماء الوجه وتجنب الانهيار الشامل. 3. تحييد نسبي للجبهة اللبنانية بقرار استراتيجي إيراني، إذا اعتُبر أن الحفاظ على القوة أهم من استخدامها. الخيار الأول يحمل مخاطر وجودية على لبنان. الاقتصاد المنهار أصلاً لا يحتمل حرباً جديدة، والبنية التحتية بالكاد تعافت من أزمات متراكمة. إعادة الإعمار لن تكون سهلة، والمجتمع المنهك قد يدخل في موجة هجرة جديدة. ماذا عن الداخل الشيعي؟ أي حرب ستعيد خلط الأوراق داخل البيئة الشيعية نفسها. هناك شريحة تعتبر أن المواجهة جزء من معركة إقليمية كبرى، وأخرى تخشى أن يدفع لبنان وحده الثمن. إذا كانت الحرب قصيرة ومحدودة، قد تعزز خطاب “الردع والمقاومة”. أما إذا طالت وتسببت بدمار واسع، فقد تفتح نقاشاً داخلياً حول جدوى ربط لبنان بمحاور إقليمية. لكن من المبكر الجزم. فالبيئات السياسية تتفاعل مع النتائج لا مع التوقعات. العامل الإسرائيلي لا يمكن فصل أي مواجهة عن حسابات إسرائيل. فهي تعتبر أن ضرب البنية العسكرية لحزب الله هدف استراتيجي، لكنها تدرك أيضاً أن الحرب مع لبنان ليست نزهة. تجربة 2006 لا تزال حاضرة في الذاكرة العسكرية. لذلك، هي بدورها تفضّل ضربات موضعية واستنزافاً تدريجياً بدل حرب شاملة غير مضمونة. هل يمكن أن نشهد اتفاقاً جديداً؟ يبقى احتمال التفاهم الأميركي – الإيراني قائماً. اتفاق محدود حول الملف النووي أو تخفيف عقوبات مقابل قيود معينة قد يخفف التوتر. في هذه الحالة، ينعكس الانفراج على الساحات الإقليمية، ومنها لبنان. تهدأ الجبهات، ويعود التركيز إلى الملفات الداخلية. لكن أي اتفاق سيكون هشاً إذا لم يعالج جذور الصراع: النفوذ الإقليمي، أمن إسرائيل، والبرنامج الصاروخي الإيراني. لبنان الحلقة الأضعف المشكلة الأساسية أن لبنان لا يملك قرار الحرب والسلم كاملاً. هو يتأثر بقرار يُتخذ خارج حدوده. وفي ظل الانهيار الاقتصادي والفراغات الدستورية المتكررة، يصبح البلد أكثر هشاشة أمام العواصف الإقليمية. الحرب إن وقعت لن تكون حدثاً عسكرياً فقط، بل زلزالاً سياسياً واجتماعياً. وقد تعيد طرح أسئلة كبرى حول موقع لبنان في الصراعات، وحدود دوره، ومستقبل سلاح حزب الله في المعادلة الداخلية. بين الحتمية والاحتمال حتى اللحظة، لا تبدو الحرب حتمية. لكنها أيضاً ليست مستحيلة. نحن أمام مرحلة “شد حبال” خطير، يترافق مع استعراض قوة ورسائل متبادلة، لكن الجميع يدرك كلفة الانفجار الكبير. لبنان، كالعادة، ينتظر على حافة الاحتمال. لا هو قادر على تحييد نفسه بالكامل، ولا هو مستعد لتحمل حرب جديدة. لذلك يبقى الرهان على العقلانية الدولية، وعلى إدراك أن إشعال المنطقة لن يحقق نصراً حاسماً لأي طرف، بل سيغرق الجميع في دوامة طويلة من الفوضى. السؤال الحقيقي ليس فقط: هل ستقع الحرب؟ بل: هل يملك لبنان خطة ليحمي نفسه إذا وقعت؟ حتى الآن، الجواب مؤلم بقدر ما هو واضح: الاستعدادات تُبنى في الخارج، أما الداخل فيعيش على أمل ألا يُفتح الباب.

ليبيا في النظام الدولي المجزأ (5/5)
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

منذ الربيع العربي عام 2011، لم تمر ليبيا بمرحلة انتقال غير مكتملة عادية، بل استقرت في حالة دائمة من التفكك السياسي. فبدلاً من أن تمهد الطريق لعملية إعادة الإعمار، أدى الانهيار المفاجئ لنظام معمر القذافي، على العكس من ذلك، إلى إطلاق سلسلة طويلة من التفتت، حيث حل العنف المسلح تدريجياً محل الدولة كمبدأ لتنظيم السلطة، كما حدث في السودان. تقدم هذه السلسلة قراءة هيكلية للحرب الليبية كنظام مستقر ومتماسك بذاته، متجذر في التنافسات الإقليمية والدولية، وأصبح الآن قادراً على القضاء على أي بديل سياسي لا يندرج ضمن منطقه. منذ اللحظة التي توقفت فيها ليبيا عن أن تكون دولة ذات سيادة فعلية، أصبحت مجرد موضوع دولي. ليست قضية مركزية، أبعد ما تكون عن ذلك، بل هي مساحة متاحة، مفتوحة للاستراتيجيات غير المباشرة، والاستثمارات الانتهازية، وألعاب التأثير منخفضة التكلفة السياسية. إن الحرب الليبية لا تستمر رغم النظام الدولي، بل بسببه أو، بتعبير أدق، بسبب تفتتها المتزايد . الوهم الأول الذي يجب تبديده هو وهم المنافسة المباشرة بين القوى الكبرى للسيطرة على ليبيا. لا تسعى أي منها حقاً لحكم البلاد، ولا حتى لتحقيق استقرار دائم لمؤسساتها. ما يحدث هو أكثر انتشاراً: استغلال الفراغ، وتطبيع الاستثناء، وقبول صراع «يمكن إدارته» و«مستقر». تندرج روسيا بالكامل ضمن هذا المنطق: ففي هذا الصدد، فإن التزامها في ليبيا ليس إيديولوجياً ولا هيكلياً بالمعنى الكلاسيكي، بل هو براغماتي، وحدوي، وقابل للعكس. من خلال الشبكات شبه العسكرية، والمستشارين، واتفاقيات الأمن الضمنية، تضمن موسكو نقاط دعم، ووسائل إزعاج، وقدرة على التأثير غير متناسبة مع استثمارها الفعلي. توفر ليبيا لروسيا بالفعل عدة مزايا متزامنة، حيث تسمح لها بعرض وجود في البحر الأبيض المتوسط ​​دون التزام رسمي واسع النطاق، كما توفر أرضاً للتدريب والاختبار للآليات الهجينة. وتشكل أخيراً مساحة حيث يصبح ضعف الإطار المعياري الغربي مرئياً وقابلاً للاستغلال. كل قرار معطل، كل وقف إطلاق نار بلا تأثير، كل عملية سياسية فاشلة يساهم في ترسيخ فكرة أن النظام الدولي الليبرالي لم يعد قادراً على فرض قيود خارج نطاقه المباشر. في الواقع، لا تهتم الاستراتيجية الروسية بالنصر بالمعنى الدقيق للكلمة . بل تهدف إلى استدامة عدم الاستقرار، وهو شرط مثالي لقوة تسعى أقل للإدارة وأكثر للتأثير - كما كان الحال تقريباً في سوريا. ستكون ليبيا المسالمة مساحة منظمة، ومحددة، وأقل سهولة للوصول إليها. على العكس، ليبيا المجزأة هي ميدان لعب مرن. نعمة لموسكو. حالة الصين تتبنى الصين من جانبها موقفاً مختلفاً جذرياً، ولكنه أيضاً ذو تأثير هيكلي. فبكين لا تتدخل عسكرياً ولا سياسياً بشكل واضح، وتلتزم بمبدأ عدم التدخل الخاص بها، متجنبة المواقف الحادة، مع الحفاظ على قنوات مفتوحة مع جميع الأطراف. ولكن يجب ألا نخطئ: هذا الحياد الظاهري ليس غياباً للاستراتيجية. بل يعكس مجرد حساب طويل الأمد، ضمن التقاليد الصينية الخالصة، يتميز بالانتباه والصبر والمرونة. وعلاوة على ذلك، بالنسبة للصين، ليبيا هي مساحة اهتمام محتمل، دون أن تكون مسرحاً لإسقاط فوري. فالموارد والبنية التحتية والموقع الجغرافي تكتسب أهمية أكبر من التشكيلة السياسية الحالية. ولذلك، يمكن لبكين أن تنتظر، وفية لنفسها. طالما أن الصراع لا يعيق مصالحها الأساسية، فإن الوضع الراهن مقبول بالنسبة لها. والتفتت، بهذا المعنى، لا يشكل مشكلة لها، بل هو حالة انتقالية متوافقة مع الاندماج الاقتصادي المستقبلي، عندما تتوفر الظروف. ولهذا الموقف تأثير غير مباشر كبير، بقدر ما يحيد أي ديناميكية تقييد دولية. ففي غياب توافق بين القوى القادرة على فرض تكاليف حقيقية، تفقد الإعلانات والعقوبات الرمزية والعمليات الأممية قدرتها على الردع - كما هو الحال في جميع الأراضي التي تحولت إلى بؤر توتر. هنا، كما في كل مكان في التكوين الحالي للعالم، يتخبط القانون الدولي خارج المبادئ الكبرى. إيران تفرك يديها دون أن تكون فاعلاً مركزياً في الملف الليبي، استفادت إيران، من جانبها، حتى الآن، كما في السودان، من هذا التشكيل، حيث يساهم كل صراع طرفي مستمر في تشتيت الانتباه الغربي، وتآكل قدرات الضغط، وتطبيع الركود. لأن ليبيا، مثل مسارح أخرى، تشارك في بيئة دولية حيث يزيد تضاعف الأزمات من صعوبة معالجة كل منها بشكل حاسم. لا تحتاج إيران إلى أن تكون حاضرة للاستفادة من هذه الديناميكية: يكفيها بالفعل أن يكون النظام الدولي منشغلاً في مكان آخر، ومفتتاً وغير قادر على ترتيب أولوياته. وهكذا تصبح ليبيا صراعاً تابعاً، يساهم وجوده في تشويش استراتيجي عالمي. قال جيفارا: «اصنعوا لهم عدة فيتنامات». طهران لا تحتاج حتى إلى فعل ذلك. نظام الملالي يراقب ويفرك يديه. غرب متفرق ومتردد في مواجهة ذلك، يبدو الغرب منقسماً، متردداً، وضعيفاً هيكلياً. تتردد الولايات المتحدة بين فك الارتباط والإدارة الدنيا. بعد تدخل عام 2011، لم يتم تقديم أي استثمار سياسي يوازي عواقب ذلك. وهكذا أصبحت ليبيا ملفاً ثانوياً، يُدار بشكل متقطع وبدون رؤية طويلة المدى. تحولت الأولويات. فليست أوكرانيا والشرق الأوسط وإسرائيل والملف النووي الإيراني والمحيطين الهندي والهادئ وأمريكا اللاتينية سوى أمور تدفع ليبيا الآن إلى الخلفية. أما أوروبا، فلم تتحدث قط بصوت واحد. فقد حالت الخلافات المزمنة والمعتادة بين الدول الأعضاء، والمصالح الطاقوية، والمخاوف المتعلقة بالهجرة دون ظهور استراتيجية متماسكة. يُستدعى استقرار ليبيا بانتظام، لكن نادراً ما يُنظر إليه على أنه مشروع سياسي يتطلب جهداً. إن «بؤس أوروبا»، بدبلوماسيتها متعددة السرعات، في أبهى صورها... لا يخلو هذا المزيج من الانسحاب الغربي والالتزام الانتهازي من قبل القوى غير الغربية من إحداث تأثير تراكمي: فليبيا تصبح نقطة عمياء استراتيجية، غير مستقرة لدرجة لا تسمح بدمجها، ولكنها أيضاً لا تزال قابلة للإدارة بما يكفي للتعامل معها كحالة طوارئ مطلقة. في هذا السياق، تتوالى العمليات الدبلوماسية، ولكن دون أن تغير المعايير الأساسية أبداً: فالمؤتمرات الدولية حريصة على إصدار البيانات، لا أكثر، وتتوالى اتفاقيات وقف إطلاق النار كفترات توقف تكتيكية، دون آفاق لحل دائم. أما حكومات الوحدة، فهي ترتيبات مؤقتة، تفتقر إلى آليات قسرية... وبالتالي فهي مثالية لإدارة استمرارية الصراع، حيث لا أحد لديه مصلحة في إنهائه. من الواضح أن ليبيا لا تعاني من كثرة التدخلات المتناقضة، بل من تقارب عالمي ضمني نحو قبول عدم الاستقرار. يجد كل فاعل فيها، على المدى القصير أو المتوسط، مصلحة كافية لتجنب إعادة ضبط جذري. ليبيا تنزف، نعم، ولكن بمباركة، أو على الأقل برضا سادي، من هذا الطرف وذاك. سيف الإسلام: الاغتيال الذي يغلق مجال الممكن يمثل اغتيال سيف الإسلام القذافي في 3 فبراير 2026، مع ذلك، نقطة تحول صامتة ولكن حاسمة في الصراع الدموي. حتى وفاته، شغل سيف الإسلام موقعاً متناقضاً: محايداً سياسياً، ومتنازعاً عليه قانونياً، وبدون جهاز عسكري خاص به، ولكنه متاح رمزياً. كان مجرد وجوده يحافظ على فرضية، مهما كانت هشة، لطريق ثالث: لا استئناف نظام الميليشيات، ولا استعادة السلطة الاستبدادية المدعومة بالتوازنات الإقليمية، بل شكل من الاستمرارية المعاد تفسيرها، قادر على استيعاب ذاكرة اجتماعية لا تزال حية. لم يكن هذا الخيار سائداً، وربما لم يكن قابلاً للحياة، لكنه كان موجوداً كمتغير كامن في «النظام» الليبي، وكان يجبر الجهات المسلحة، والرعاة الإقليميين، والقوى الخارجية على التعايش مع حالة عدم يقين إضافية: وهي عودة السياسة عبر الالتفاف على الماضي. كان الابن يغذي شبح العودة إلى «نظام» الأب. إن تصفية سيف الإسلام تغلق هذا الفتح. في هذا السياق، لم يكن الأمر مجرد اغتيال رجل، بل هو وهم العودة الأبدية إلى «العصر الذهبي الأسطوري» الذي تغذيه جميع الأنظمة الديكتاتورية. ولكن، أبعد من ذلك، يكشف هذا الاغتيال أيضاً شيئاً أساسياً عن ليبيا المعاصرة، بقدر ما يؤكد أن المجال السياسي فيها لم يعد مقتصراً على العنف، بل أصبح محدداً به. أي شخصية يمكن أن تحدث إعادة تشكيل رمزية تفلت من التوازنات المسلحة القائمة تصبح، بحكم التعريف، غير متوافقة مع «النظام». فلم يكن سيف الإسلام يهدد بشكل مباشر أي طرف عسكرياً. بل كان التهديد الذي يشكله أعمق بكثير: فقد أحدث نشازاً وإمكانية للقطيعة، حتى لو كانت رجعية، في نظام قائم على التجزئة المتحكم فيها. ومع ذلك، فإن اختفائه لا يؤدي إلى تحول فوري ولا يعيد توزيع أوراق السلطة. ولكنه ينتج شيئاً أكثر ديمومة. في هذه الحالة، تأكيد على أن ليبيا ما بعد عام 2011 لم يعد بالإمكان اعتبارها مساحة انتقالية مفتوحة. إنها أرض مغلقة حيث لا يُسمح إلا للتكوينات المدعومة بالقوة والتحالفات الإقليمية والمصالح الخارجية. مع تصفية سيف الإسلام، لم يعد بالإمكان استدعاء الماضي كمورد سياسي، ولم يعد المستقبل قابلاً للتفاوض خارج إطار موازين القوى المسلحة. وبهذا المعنى، يعمل اغتياله كمكشاف نهائي، حيث يؤكد أن الحرب الليبية ليست مجرد صراع طويل الأمد، بل هي نظام مستقر، قادر على القضاء على أي بديل لا يندرج ضمن منطقه. هنا يُغلق الفصل المشؤوم الذي بدأ في عام 2011. فبدلاً من أن يفتح الطريق أمام التفتح المنتظر للربيع، أدى سقوط معمر القذافي إلى حقبة أثبتت فيها السيادة نفسها أنها مستحيلة مع اختفاء ليفياثان - ومن سخرية القدر، يكمن التأكيد النهائي لهذه الحقيقة في تصفية ابنه. فبدلاً من التوجه نحو إعادة الإعمار والديمقراطية، أصبحت ليبيا إقليماً يُدار بشكل افتراضي ويُحافظ عليه في شكل من التوازن الصراعي المتفق عليه. ومع ذلك، فإن السلام ليس مستحيلاً هناك. إنه، وبشكل أكثر سخرية، غير متوافق مع العقلانيات الفاعلة حالياً، وضحية السخرية الباردة للسياسة الواقعية. ما دامت لا توجد مصلحة لأحد في ذلك، فهل ستبقى ليبيا مجرد مختبر وحشي إضافي للصراعات المعاصرة؟ والليبيون، في كل هذا؟ «الليبيون؟ حسناً، لا يهمهم!» للقراءة حول نفس الموضوع: 2011 أو ليبيا في عصر ما بعد الدولة (1/5) الصراع الليبي: «عسكرة» مفرطة للسياسة (2/5) «ليبياان» وسيادة غير موجودة (3/5) ليبيا، بؤرة توتر إقليمية (4/5)