
يشكّل شعب الوايو أمة أصلية عابرة للحدود، تعيش في المنطقة الممتدة بين شبه جزيرة لا غواخيرا، في أقصى شمال كولومبيا، وجزء من الساحل الكاريبي لفنزويلا. ويفتخر الوايو بلقب «الشعب الذي لم يُقهر قط». هذه وقائع رحلة عبر الصحراء خاضها الكاتب برفقتهم خلال فترة عيد الفصح عام 2026، وكانت مناسبة لاكتشاف بعض جوانب فلسفتهم في السفر. في الجزء الثاني من هذه السلسلة عن شعب الوايو، تتيح لنا جوانب أخرى من الرحلة التعرّف إلى بعض السمات الأساسية في معتقداتهم، من خلال ملاحظات تتناول، من جهة، الأهمية التي يولونها للحلم، ومن جهة أخرى، المكانة التي تحتلها الكلمة. تقرير من لا غواخيرا الكولومبية. بعد الأرض المادية، التي يجسّدها الانتماء إلى العشيرة وترتبط بالمقبرة، ثمة فضاء آخر يكملها ولا يقل عنها أهمية في تجسيد روح الوايو: عالم الأحلام. الحلم بالنسبة إلى الفرد من الوايو رؤية كاشفة؛ وعي آخر ينبئ بالأحداث المقبلة، ويدلّ على الطريق الذي ينبغي سلوكه، وينقل رسالة، ويفسّر واقع اليقظة. ولهذا فإن أي شخص من الوايو ملمّ إلى حد ما بلغته وثقافته يسأل، بصورة طبيعية، عند استيقاظه أول من يلتقيه بعد النهوض من فراشه: Jamaya pulapüin? أي: «ماذا حلمت؟». (Wikimedia Commons) عند أقصى الطرف الشمالي من لا غواخيرا، في المزار المعروف باسم Talüwayüüpana، أمضيت ليلة نائماً في suy أو chinchorro، أي الأرجوحة التقليدية، برفقة باولا ونحو خمسة عشر شخصاً آخر كانوا قد دعوني إلى حضور طقس شعائري. ومع شروق الشمس، حين استيقظ الجميع بصورة طبيعية مع أولى الأشعة، أخذوا يروون أحلامهم بعضهم لبعض، قبل أن يتوجهوا إلى الـmayor، الشيخ العارف بالأمور، الذي كان ضمن مجموعتنا، ليقوم بتفسير حلم كل واحد منهم على حدة. «آها... رأيت فتاة صغيرة في حلمي»، قال أحد المشاركين في الطقس للـsabedor، أي الحكيم العارف. «كانت الفتاة تقف أمامي، في ذلك الاتجاه، نحو البحر، نحو المكان الذي غربت فيه الشمس. استدارت وبدأت تركض. تبعتها وحاولت اللحاق بها. هذا هو حلمي». وبعد لحظة من التفكير، أجابه الشيخ: «ربما كانت تدلّك على نقطة ماء. توجد في هذه المنطقة ينابيع كثيرة منسية يمكن أن يستفيد منها قطيعك». فسأله الرجل: «وماذا عن الفتاة؟». فأجاب: «هناك أرواح كثيرة في هذه المنطقة». ما يبرز في هذا الحلم هو الدور الذي أدّته الفتاة الصغيرة. فالحلم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بعالم الأرواح. وحضور أرواح الموتى أو أرواح الطبيعة هو المحرّك لمعظم الأحلام المهمة، إلى جانب بعض العلامات التي تتركها هذه الأرواح. فالحلم هو، بامتياز، فضاء التواصل مع هذه العناصر الأخرى من الواقع. التضحية بالجِداء يمكن اعتبار الطقس الذي أتيحت لي فرصة حضوره بمثابة النسخة اليقظة من الحلم، إذ يتيح التواصل مع الأرواح بطريقة أخرى، بما فيها الطبيعة ــ وهي فئة لا توجد بالنسبة إلينا إلا بسبب مقابلتها بالثقافة، في حين أن هذا الفصل يبقى أكثر ضبابية لدى الوايو. جمعتنا امرأة sabedora ورجل sabedor، أي عارفان بالتقاليد، أولاً لحضور التضحية بعدد من الجِداء. وبينما كان رجل يمسك الحيوان من قرنيه، كان الشيخ يغرس سكينه بسرعة في عنقه ثم يسحبها. ويُترك الحيوان بعد ذلك، فينثر دمه خلال ركضته الأخيرة قبل أن يسقط أرضاً بعد ثوان. كان Juya، الإله الرئيسي للمطر، راضياً عن هذا الانسياب الأحمر. وبعد حلول الليل، وتحت ضوء القمر المكتمل وحده، جمعتنا المرأة العارفة في دائرة وأجرت لنا جميعاً طقس limpieza، أي التطهير، عبر نفثات من مشروب chinrrichi وصلوات تترافق مع الضرب بالنباتات. ثم جاءت رقصة yonna المقدسة التقليدية، حيث تضع المرأة رسوماً على وجهها وترتدي حجاباً أحمر كبيراً بلون طائر الكاردينال القرمزي، رمز لا غواخيرا. وترقص وهي تطارد الرجل الذي يقفز في الاتجاه المعاكس. (Wikimedia Commons) وتحاكي خطواتهما الطبيعة: السحب، والحجل، واليمامة، والحصان. هذه الرقصة، التي تحوّلت اليوم إلى رمز فولكلوري أمام السياح المستعدين لدفع المال، هي في حقيقتها رقصة غزل، لكنها تظل عنصراً أساسياً في كل مناسبة مقدسة تتضمن تواصلاً مع الأرواح والأرض. وفي الحقيقة، نادراً ما تُفسَّر معظم الأحلام على أنها بشائر سعيدة. فالوايو الذي يبحث عن معنى لحلمه يبدو غالباً قلقاً. وكثيراً ما يكون النوم شكلاً من أشكال التحذير: إنذاراً بمرض، أو استعداداً لوضع مناخي صعب، أو وسيلة للحماية من روح شريرة. وثمة ملمح أخير يكشف عن مدى تداخل المقدس والروح والحلم لدى الوايو، ويذكّر أيضاً بموقفهم من الرحيل والسفر. ففي نهاية الطقس، ومع ساعات الصباح الأولى، وحين حان وقت المغادرة على متن دراجتنا المتواضعة ذات الـ150 سنتيمتراً مكعباً لمواجهة طرق الصحراء الرملية والقاحلة، هممت بالالتفات لإلقاء إشارة وداع أخيرة على المجموعة. لكن امرأة كانت تغادر أيضاً، وتسير خلفي مباشرة، خاطبتني بحزم: «لا تلتفت. عندما ترحل، يجب ألا تنظر إلى الوراء». الـ Putchipuü وفنّ الكلمة إن ما يمكن تسميته بالقانون العرفي للوايو، أو بالأحرى مجموع القواعد والأدوار التي تشكّل نظامهم المعياري غير المكتوب، أمر بالغ الإثارة للاهتمام. وهو إلى درجة من الأهمية دفعت اليونسكو عام 2010 إلى إدراجه على قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية. والشخصية المحورية في هذا النظام هي putchipuü، أو palabrero: «صاحب الكلمة». لا يُعيَّن هذا الشخص بصورة رسمية بالمعنى الدقيق للكلمة، بل يُعترف بمكانته وهيبته بالإجماع داخل عشيرته والمجتمع. وتتمثل أبرز صفاته في اثنتين: أولاً، معرفته بتاريخ الوايو ومعاني تقاليدهم وعاداتهم؛ وثانياً، تمتعه بطبيعة متروية ومسالمِة، تتيح له الحفاظ على مسافة حكيمة أثناء النزاعات، بما يقتضي هدوءاً كبيراً وقدرة عالية على الاستماع. ولا يُورَّث لقب putchipuü، وإن كانت هناك سلالات عائلية من «رسل الكلمة» هؤلاء. ففي كثير من الأحيان يصبح المرء putchipuü بعدما ينشأ متعلماً من سلفه ومراقباً سلوكه، وقد يكون هذا السلف أحد أقرب أفراد عائلته. هذا هو نيمر، في نحو الثلاثين من عمره، وهو على معرفة واسعة بصورة استثنائية بتقاليد الوايو مقارنة بأفراد جيله. يدرس برنامج ماجستير بعنوان «الأرض الأم»، وهو برنامج دراسات للسكان الأصليين في جامعة أنتيوكيا، ما يمنحه معرفة أعمق بما يسمّى «روح الوايو». كل شيء في نيمر يوحي بأنه putchipuü مستقبلي، وليس ذلك من قبيل الصدفة. فمنذ طفولته يسير على خطى والده، وهو palabrero شهير ومحترم في منطقة غواخيرا العليا. وبفضل نيمر تحديداً تمكنت من حضور الطقس الذي أُقيم عند «صخرة المصير». ومع حلول الليل، وبعد الانتهاء من أول عملية تضحية، طلب مني باولا ونيمر الاقتراب. تجمع المشاركون حول المسار الدائري المرسوم في الرمل والمخصص لرقصة Yonna المقدسة. وقدّم الجميع أنفسهم بالتتابع، فذكر كل منهم اسمه وعشيرته وسبب حضوره. ثم بدأ putchipuü خطاباً افتتاحياً طويلاً. وكان هو الشيخ نفسه الذي سيفسّر الأحلام في صباح اليوم التالي. وبفضل الترجمة الفورية التي قدّمتها باولا، استطعت مع ذلك أن ألمح جمال الأشكال البلاغية الخاصة بفصاحة وإيقاع الـjayeechi لدى الوايو. فالـputchipuü، هذا الرسول، هو سيد إحدى القيم المركزية في ثقافة الوايو: الكلمة. خلال هذا اللقاء الرسمي الصغير، الذي كانت تتخلله سحب الدخان المتصاعدة من سجائر التبغ المتبادلة بين المشاركين، تناول خطيبنا موضوعات مختلفة، وكان دائماً يوضحها بحكايات تحمل عبرة: ما معنى أن يكون المرء من الوايو، مع التذكير بقصة خلق العالم وفق تصوّرهم الكوني؛ ثم موضوع الحب، مستعيداً مغامرة عاطفية تعيسة عاشها في شبابه وما تسببت فيه لاحقاً من نزاع بين عشيرتين؛ وأخيراً، أهمية تسوية الخلافات، بوصفها خاتمة لهذه القصة. وأنهى الـputchipuü خطابه بإحدى أكثر تجليات البلاغة لدى الوايو جمالاً ودقة: jayeechi. وهو نشيد ــ قصيدة مرتجلة، وبالتالي عابرة، تؤرخ للحظة خاصة، مثل اجتماع أو سهرة جنائزية أو زفاف. وقد يتحول الـjayeechi أيضاً إلى مبارزة، في صورة مناظرات شعرية لا تخلو من شبه بالزجل اللبناني. ومن خلال هذه الحكاية عن خيبة الحب، وما رافقها من تشديد على النزاع العائلي الذي نتج منها، يمكن فهم الدور الأساسي للـputchipuü الذي أشرنا إليه في بداية هذا الجزء: فهو حارس «القانون العرفي» للوايو، ويتمتع بصفة الوسيط وصانع السلام في النزاعات. في روايته وفي الـjayeechi الذي أنشده، يستعيد الـpalabrero بالطبع ذكرى مؤثرة من تجربته الشخصية، أشبه بمجنون ليلى من شعب الوايو يندب حبيبته التي لا يستطيع الوصول إليها. لكن العبرة التي تتصدر هذه الذاكرة المشتركة هي مأساة رؤية عائلتين، وبالتالي عشيرتين، تتمزقان وتصلان إلى المواجهة. فالمأساة الكبرى لدى الوايو هي تفكك الروابط. أما الحل في أوقات الأزمات، فهو إيجاد أرضية مشتركة من خلال تعويض أو إصلاح تقدمه إحدى الجهات إلى الأخرى. ومن الأدلة على المكانة العليا للكلمة في ثقافة الوايو أن السكان المحليين يقولون عندما يريدون تهديد شخص بإحالته إلى القانون المجتمعي: Cuidao que te voy a mandar la palabra أي: «انتبه، سأرسل إليك الكلمة!». لكن دور الـputchipuü ليس دور القاضي؛ ففي أحد المعاني، لا وجود للقاضي أصلاً لدى الوايو. وظيفته هي وظيفة «السفير»، الذي يعمل على تهدئة التوترات والتوصل إلى تسوية. وعندما تكون لدى عشيرة شكوى ضد أخرى، يتولى putchipuü كل طرف، بصفته ممثلاً رسمياً، الحوار باسم أفراد العشيرة المجتمعين للتداول في القضية. راية الوايوو. (Wikimedia Commons) ولا يتعلق الأمر بنقاش عفوي، إذ توجد قواعد وعقوبات غير مكتوبة. فالسرقة العادية، مثلاً، تستوجب تعويضاً مالياً أو مادياً يعادل أربعة أضعاف قيمة الشيء المسروق، حتى لو تمت إعادته. ومن المهم فهم أن الإدانة لا تتعلق فقط بمدّعٍ أو متهم، ولا تتحول، بعد صدور الحكم، إلى مجرد قضية بين ضحية ومذنب. إن شرف العشيرة بأكملها هو الذي يكون موضع مساءلة. ولذلك يرافق عدد من أفراد العائلة الشخص المتهم، وإذا اعترف بالذنب، فعليه أيضاً إصلاح الضرر الذي لحق بشرف عشيرته. إنها صورة من صور العدالة التعويضية والإصلاحية المعترف بها دولياً. خاتمة: الزمن يمضي والذاكرة تبقى في موسم عيد الفصح، خلال شهر أبريل، تكون الأرض متشققة وجافة. «ينبغي أن تعود في فترة عيد الميلاد، كل شيء يكون أكثر اخضراراً في لا غواخيرا». مرة واحدة كل عام، تهطل الأمطار فتغمر أجزاء واسعة من المنطقة. وللسؤال عن عمر شخص ما بلغة wayuunaiki، يُقال: ¿Jeera puuyase? وهو ما يعني حرفياً: «كم مطراً رأيت؟»، إذ لا تهطل الأمطار بغزارة إلا خلال فترة واحدة من السنة. أدركت أنني لم أرَ لدى الوايو قبراً قديماً واحداً، ولا نصباً قديماً ولا أثراً عائلياً قديماً. فالمطر، مثل السنين، يمحو ذكرياتهم. المطر هو الزمن الذي يمر ويكشف هشاشة كل ما هو عابر: آثار الأقدام في الرمل، ومرور البشر. إنه يغسل الأرض ودماء القرابين، ويغمر الدموع. وبالنسبة إلى الوايو، فهو ينتهي دائماً إلى محو أحلامهم وقبورهم. ولا تبقى سوى الحكايات، الشفوية بطبيعة الحال. وهذه الذاكرة الشفوية مدهشة. حين كنت أزور الجبال الخضراء في متنزه Macuíra الوطني، رافقني أحد أعمام باولا إلى كثبان Aleewolu’u، الواقعة في أحد سفوح السلسلة الجبلية. وهناك روى لي دليلي: «في زمن وصول الإسبان، كان شعب الأرواكو يعيش قرب البحر. كانت أراضيهم على الساحل، لأنهم كانوا صيادين، في حين كانت الجبال والصحراء للوايو. لكن الأرواكو فرّوا بعد أن دمّر الغزاة قراهم. فجاؤوا إلى هنا، إلى ماكويرا، ويقول أجدادنا إن هذه الكثبان بدأت تتشكل في ذلك الوقت. عاش الأرواكو هنا فترة من الزمن، والوايو، رغم أنهم لم يكونوا يحبون كثيراً أن يطأ الغرباء أرضهم، استضافوهم لبعض الوقت. بقي الأرواكو مدة كافية لدفن موتاهم في هذه الأرض. وفي أحد الأيام، رأى حكيمهم في حلم أنه طُلب منه أن يقود شعبه إلى سييرا نيفادا، وقيل له إن أرضهم موجودة هناك. وما زالوا يعيشون هناك حتى اليوم». وهذا المقطع، الذي انتقل شفهياً من جيل إلى جيل، ترك آثاراً ملموسة أيضاً. فقد عثر أفراد الوايو في ماكويرا على قطع من الفخار تعود إلى الأرواكو، بعضها جنائزي، وقد رأيت صوراً لها. أما الأرواكو أنفسهم، فيقومون سنوياً برحلة حج إلى ماكويرا لإقامة طقس على قمة الكثبان، حيث يصلّون من أجل أرواح موتاهم الذين بقوا في هذه الأراضي، ويستذكرون ضيافة الوايو لهم. إنها ذاكرة شفوية عبرت القرون. الشفهية، والكلمة، هما قوة ذاكرة الوايو. أما المكتوب، فمن الأفضل الحذر منه. وفي إحدى الأمسيات، رأتني باولا أدوّن ملاحظات عن الرحلة، فصححت لي بعض الأخطاء في كلمات wayuunaiki التي كتبتها في دفتري. ثم قالت لي بابتسامتها الماكرة المعهودة: «أترى؟ الكلمة أفضل. لا ينبغي أبداً أن تصدّق ما هو مكتوب».




