شعار Levant Time

ريبورتاج

عن أهمية الحلم والكلام لدى شعب الواييو (2/2)
بقلم
ماكسيم بلوفينيه
نُشر
سبتمبر 3, 2026 - 13:54

يشكّل شعب الوايو أمة أصلية عابرة للحدود، تعيش في المنطقة الممتدة بين شبه جزيرة لا غواخيرا، في أقصى شمال كولومبيا، وجزء من الساحل الكاريبي لفنزويلا. ويفتخر الوايو بلقب «الشعب الذي لم يُقهر قط». هذه وقائع رحلة عبر الصحراء خاضها الكاتب برفقتهم خلال فترة عيد الفصح عام 2026، وكانت مناسبة لاكتشاف بعض جوانب فلسفتهم في السفر. في الجزء الثاني من هذه السلسلة عن شعب الوايو، تتيح لنا جوانب أخرى من الرحلة التعرّف إلى بعض السمات الأساسية في معتقداتهم، من خلال ملاحظات تتناول، من جهة، الأهمية التي يولونها للحلم، ومن جهة أخرى، المكانة التي تحتلها الكلمة. تقرير من لا غواخيرا الكولومبية. بعد الأرض المادية، التي يجسّدها الانتماء إلى العشيرة وترتبط بالمقبرة، ثمة فضاء آخر يكملها ولا يقل عنها أهمية في تجسيد روح الوايو: عالم الأحلام. الحلم بالنسبة إلى الفرد من الوايو رؤية كاشفة؛ وعي آخر ينبئ بالأحداث المقبلة، ويدلّ على الطريق الذي ينبغي سلوكه، وينقل رسالة، ويفسّر واقع اليقظة. ولهذا فإن أي شخص من الوايو ملمّ إلى حد ما بلغته وثقافته يسأل، بصورة طبيعية، عند استيقاظه أول من يلتقيه بعد النهوض من فراشه: Jamaya pulapüin? أي: «ماذا حلمت؟». (Wikimedia Commons) عند أقصى الطرف الشمالي من لا غواخيرا، في المزار المعروف باسم Talüwayüüpana، أمضيت ليلة نائماً في suy أو chinchorro، أي الأرجوحة التقليدية، برفقة باولا ونحو خمسة عشر شخصاً آخر كانوا قد دعوني إلى حضور طقس شعائري. ومع شروق الشمس، حين استيقظ الجميع بصورة طبيعية مع أولى الأشعة، أخذوا يروون أحلامهم بعضهم لبعض، قبل أن يتوجهوا إلى الـmayor، الشيخ العارف بالأمور، الذي كان ضمن مجموعتنا، ليقوم بتفسير حلم كل واحد منهم على حدة. «آها... رأيت فتاة صغيرة في حلمي»، قال أحد المشاركين في الطقس للـsabedor، أي الحكيم العارف. «كانت الفتاة تقف أمامي، في ذلك الاتجاه، نحو البحر، نحو المكان الذي غربت فيه الشمس. استدارت وبدأت تركض. تبعتها وحاولت اللحاق بها. هذا هو حلمي». وبعد لحظة من التفكير، أجابه الشيخ: «ربما كانت تدلّك على نقطة ماء. توجد في هذه المنطقة ينابيع كثيرة منسية يمكن أن يستفيد منها قطيعك». فسأله الرجل: «وماذا عن الفتاة؟». فأجاب: «هناك أرواح كثيرة في هذه المنطقة». ما يبرز في هذا الحلم هو الدور الذي أدّته الفتاة الصغيرة. فالحلم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بعالم الأرواح. وحضور أرواح الموتى أو أرواح الطبيعة هو المحرّك لمعظم الأحلام المهمة، إلى جانب بعض العلامات التي تتركها هذه الأرواح. فالحلم هو، بامتياز، فضاء التواصل مع هذه العناصر الأخرى من الواقع. التضحية بالجِداء يمكن اعتبار الطقس الذي أتيحت لي فرصة حضوره بمثابة النسخة اليقظة من الحلم، إذ يتيح التواصل مع الأرواح بطريقة أخرى، بما فيها الطبيعة ــ وهي فئة لا توجد بالنسبة إلينا إلا بسبب مقابلتها بالثقافة، في حين أن هذا الفصل يبقى أكثر ضبابية لدى الوايو. جمعتنا امرأة sabedora ورجل sabedor، أي عارفان بالتقاليد، أولاً لحضور التضحية بعدد من الجِداء. وبينما كان رجل يمسك الحيوان من قرنيه، كان الشيخ يغرس سكينه بسرعة في عنقه ثم يسحبها. ويُترك الحيوان بعد ذلك، فينثر دمه خلال ركضته الأخيرة قبل أن يسقط أرضاً بعد ثوان. كان Juya، الإله الرئيسي للمطر، راضياً عن هذا الانسياب الأحمر. وبعد حلول الليل، وتحت ضوء القمر المكتمل وحده، جمعتنا المرأة العارفة في دائرة وأجرت لنا جميعاً طقس limpieza، أي التطهير، عبر نفثات من مشروب chinrrichi وصلوات تترافق مع الضرب بالنباتات. ثم جاءت رقصة yonna المقدسة التقليدية، حيث تضع المرأة رسوماً على وجهها وترتدي حجاباً أحمر كبيراً بلون طائر الكاردينال القرمزي، رمز لا غواخيرا. وترقص وهي تطارد الرجل الذي يقفز في الاتجاه المعاكس. (Wikimedia Commons) وتحاكي خطواتهما الطبيعة: السحب، والحجل، واليمامة، والحصان. هذه الرقصة، التي تحوّلت اليوم إلى رمز فولكلوري أمام السياح المستعدين لدفع المال، هي في حقيقتها رقصة غزل، لكنها تظل عنصراً أساسياً في كل مناسبة مقدسة تتضمن تواصلاً مع الأرواح والأرض. وفي الحقيقة، نادراً ما تُفسَّر معظم الأحلام على أنها بشائر سعيدة. فالوايو الذي يبحث عن معنى لحلمه يبدو غالباً قلقاً. وكثيراً ما يكون النوم شكلاً من أشكال التحذير: إنذاراً بمرض، أو استعداداً لوضع مناخي صعب، أو وسيلة للحماية من روح شريرة. وثمة ملمح أخير يكشف عن مدى تداخل المقدس والروح والحلم لدى الوايو، ويذكّر أيضاً بموقفهم من الرحيل والسفر. ففي نهاية الطقس، ومع ساعات الصباح الأولى، وحين حان وقت المغادرة على متن دراجتنا المتواضعة ذات الـ150 سنتيمتراً مكعباً لمواجهة طرق الصحراء الرملية والقاحلة، هممت بالالتفات لإلقاء إشارة وداع أخيرة على المجموعة. لكن امرأة كانت تغادر أيضاً، وتسير خلفي مباشرة، خاطبتني بحزم: «لا تلتفت. عندما ترحل، يجب ألا تنظر إلى الوراء». الـ Putchipuü وفنّ الكلمة إن ما يمكن تسميته بالقانون العرفي للوايو، أو بالأحرى مجموع القواعد والأدوار التي تشكّل نظامهم المعياري غير المكتوب، أمر بالغ الإثارة للاهتمام. وهو إلى درجة من الأهمية دفعت اليونسكو عام 2010 إلى إدراجه على قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية. والشخصية المحورية في هذا النظام هي putchipuü، أو palabrero: «صاحب الكلمة». لا يُعيَّن هذا الشخص بصورة رسمية بالمعنى الدقيق للكلمة، بل يُعترف بمكانته وهيبته بالإجماع داخل عشيرته والمجتمع. وتتمثل أبرز صفاته في اثنتين: أولاً، معرفته بتاريخ الوايو ومعاني تقاليدهم وعاداتهم؛ وثانياً، تمتعه بطبيعة متروية ومسالمِة، تتيح له الحفاظ على مسافة حكيمة أثناء النزاعات، بما يقتضي هدوءاً كبيراً وقدرة عالية على الاستماع. ولا يُورَّث لقب putchipuü، وإن كانت هناك سلالات عائلية من «رسل الكلمة» هؤلاء. ففي كثير من الأحيان يصبح المرء putchipuü بعدما ينشأ متعلماً من سلفه ومراقباً سلوكه، وقد يكون هذا السلف أحد أقرب أفراد عائلته. هذا هو نيمر، في نحو الثلاثين من عمره، وهو على معرفة واسعة بصورة استثنائية بتقاليد الوايو مقارنة بأفراد جيله. يدرس برنامج ماجستير بعنوان «الأرض الأم»، وهو برنامج دراسات للسكان الأصليين في جامعة أنتيوكيا، ما يمنحه معرفة أعمق بما يسمّى «روح الوايو». كل شيء في نيمر يوحي بأنه putchipuü مستقبلي، وليس ذلك من قبيل الصدفة. فمنذ طفولته يسير على خطى والده، وهو palabrero شهير ومحترم في منطقة غواخيرا العليا. وبفضل نيمر تحديداً تمكنت من حضور الطقس الذي أُقيم عند «صخرة المصير». ومع حلول الليل، وبعد الانتهاء من أول عملية تضحية، طلب مني باولا ونيمر الاقتراب. تجمع المشاركون حول المسار الدائري المرسوم في الرمل والمخصص لرقصة Yonna المقدسة. وقدّم الجميع أنفسهم بالتتابع، فذكر كل منهم اسمه وعشيرته وسبب حضوره. ثم بدأ putchipuü خطاباً افتتاحياً طويلاً. وكان هو الشيخ نفسه الذي سيفسّر الأحلام في صباح اليوم التالي. وبفضل الترجمة الفورية التي قدّمتها باولا، استطعت مع ذلك أن ألمح جمال الأشكال البلاغية الخاصة بفصاحة وإيقاع الـjayeechi لدى الوايو. فالـputchipuü، هذا الرسول، هو سيد إحدى القيم المركزية في ثقافة الوايو: الكلمة. خلال هذا اللقاء الرسمي الصغير، الذي كانت تتخلله سحب الدخان المتصاعدة من سجائر التبغ المتبادلة بين المشاركين، تناول خطيبنا موضوعات مختلفة، وكان دائماً يوضحها بحكايات تحمل عبرة: ما معنى أن يكون المرء من الوايو، مع التذكير بقصة خلق العالم وفق تصوّرهم الكوني؛ ثم موضوع الحب، مستعيداً مغامرة عاطفية تعيسة عاشها في شبابه وما تسببت فيه لاحقاً من نزاع بين عشيرتين؛ وأخيراً، أهمية تسوية الخلافات، بوصفها خاتمة لهذه القصة. وأنهى الـputchipuü خطابه بإحدى أكثر تجليات البلاغة لدى الوايو جمالاً ودقة: jayeechi. وهو نشيد ــ قصيدة مرتجلة، وبالتالي عابرة، تؤرخ للحظة خاصة، مثل اجتماع أو سهرة جنائزية أو زفاف. وقد يتحول الـjayeechi أيضاً إلى مبارزة، في صورة مناظرات شعرية لا تخلو من شبه بالزجل اللبناني. ومن خلال هذه الحكاية عن خيبة الحب، وما رافقها من تشديد على النزاع العائلي الذي نتج منها، يمكن فهم الدور الأساسي للـputchipuü الذي أشرنا إليه في بداية هذا الجزء: فهو حارس «القانون العرفي» للوايو، ويتمتع بصفة الوسيط وصانع السلام في النزاعات. في روايته وفي الـjayeechi الذي أنشده، يستعيد الـpalabrero بالطبع ذكرى مؤثرة من تجربته الشخصية، أشبه بمجنون ليلى من شعب الوايو يندب حبيبته التي لا يستطيع الوصول إليها. لكن العبرة التي تتصدر هذه الذاكرة المشتركة هي مأساة رؤية عائلتين، وبالتالي عشيرتين، تتمزقان وتصلان إلى المواجهة. فالمأساة الكبرى لدى الوايو هي تفكك الروابط. أما الحل في أوقات الأزمات، فهو إيجاد أرضية مشتركة من خلال تعويض أو إصلاح تقدمه إحدى الجهات إلى الأخرى. ومن الأدلة على المكانة العليا للكلمة في ثقافة الوايو أن السكان المحليين يقولون عندما يريدون تهديد شخص بإحالته إلى القانون المجتمعي: Cuidao que te voy a mandar la palabra أي: «انتبه، سأرسل إليك الكلمة!». لكن دور الـputchipuü ليس دور القاضي؛ ففي أحد المعاني، لا وجود للقاضي أصلاً لدى الوايو. وظيفته هي وظيفة «السفير»، الذي يعمل على تهدئة التوترات والتوصل إلى تسوية. وعندما تكون لدى عشيرة شكوى ضد أخرى، يتولى putchipuü كل طرف، بصفته ممثلاً رسمياً، الحوار باسم أفراد العشيرة المجتمعين للتداول في القضية. راية الوايوو. (Wikimedia Commons) ولا يتعلق الأمر بنقاش عفوي، إذ توجد قواعد وعقوبات غير مكتوبة. فالسرقة العادية، مثلاً، تستوجب تعويضاً مالياً أو مادياً يعادل أربعة أضعاف قيمة الشيء المسروق، حتى لو تمت إعادته. ومن المهم فهم أن الإدانة لا تتعلق فقط بمدّعٍ أو متهم، ولا تتحول، بعد صدور الحكم، إلى مجرد قضية بين ضحية ومذنب. إن شرف العشيرة بأكملها هو الذي يكون موضع مساءلة. ولذلك يرافق عدد من أفراد العائلة الشخص المتهم، وإذا اعترف بالذنب، فعليه أيضاً إصلاح الضرر الذي لحق بشرف عشيرته. إنها صورة من صور العدالة التعويضية والإصلاحية المعترف بها دولياً. خاتمة: الزمن يمضي والذاكرة تبقى في موسم عيد الفصح، خلال شهر أبريل، تكون الأرض متشققة وجافة. «ينبغي أن تعود في فترة عيد الميلاد، كل شيء يكون أكثر اخضراراً في لا غواخيرا». مرة واحدة كل عام، تهطل الأمطار فتغمر أجزاء واسعة من المنطقة. وللسؤال عن عمر شخص ما بلغة wayuunaiki، يُقال: ¿Jeera puuyase? وهو ما يعني حرفياً: «كم مطراً رأيت؟»، إذ لا تهطل الأمطار بغزارة إلا خلال فترة واحدة من السنة. أدركت أنني لم أرَ لدى الوايو قبراً قديماً واحداً، ولا نصباً قديماً ولا أثراً عائلياً قديماً. فالمطر، مثل السنين، يمحو ذكرياتهم. المطر هو الزمن الذي يمر ويكشف هشاشة كل ما هو عابر: آثار الأقدام في الرمل، ومرور البشر. إنه يغسل الأرض ودماء القرابين، ويغمر الدموع. وبالنسبة إلى الوايو، فهو ينتهي دائماً إلى محو أحلامهم وقبورهم. ولا تبقى سوى الحكايات، الشفوية بطبيعة الحال. وهذه الذاكرة الشفوية مدهشة. حين كنت أزور الجبال الخضراء في متنزه Macuíra الوطني، رافقني أحد أعمام باولا إلى كثبان Aleewolu’u، الواقعة في أحد سفوح السلسلة الجبلية. وهناك روى لي دليلي: «في زمن وصول الإسبان، كان شعب الأرواكو يعيش قرب البحر. كانت أراضيهم على الساحل، لأنهم كانوا صيادين، في حين كانت الجبال والصحراء للوايو. لكن الأرواكو فرّوا بعد أن دمّر الغزاة قراهم. فجاؤوا إلى هنا، إلى ماكويرا، ويقول أجدادنا إن هذه الكثبان بدأت تتشكل في ذلك الوقت. عاش الأرواكو هنا فترة من الزمن، والوايو، رغم أنهم لم يكونوا يحبون كثيراً أن يطأ الغرباء أرضهم، استضافوهم لبعض الوقت. بقي الأرواكو مدة كافية لدفن موتاهم في هذه الأرض. وفي أحد الأيام، رأى حكيمهم في حلم أنه طُلب منه أن يقود شعبه إلى سييرا نيفادا، وقيل له إن أرضهم موجودة هناك. وما زالوا يعيشون هناك حتى اليوم». وهذا المقطع، الذي انتقل شفهياً من جيل إلى جيل، ترك آثاراً ملموسة أيضاً. فقد عثر أفراد الوايو في ماكويرا على قطع من الفخار تعود إلى الأرواكو، بعضها جنائزي، وقد رأيت صوراً لها. أما الأرواكو أنفسهم، فيقومون سنوياً برحلة حج إلى ماكويرا لإقامة طقس على قمة الكثبان، حيث يصلّون من أجل أرواح موتاهم الذين بقوا في هذه الأراضي، ويستذكرون ضيافة الوايو لهم. إنها ذاكرة شفوية عبرت القرون. الشفهية، والكلمة، هما قوة ذاكرة الوايو. أما المكتوب، فمن الأفضل الحذر منه. وفي إحدى الأمسيات، رأتني باولا أدوّن ملاحظات عن الرحلة، فصححت لي بعض الأخطاء في كلمات wayuunaiki التي كتبتها في دفتري. ثم قالت لي بابتسامتها الماكرة المعهودة: «أترى؟ الكلمة أفضل. لا ينبغي أبداً أن تصدّق ما هو مكتوب».

الحلم والقبر: رحلة إلى أرض الواييو (1/2)
بقلم
ماكسيم بلوفينيه
نُشر
أغسطس 30, 2026 - 13:32

شعب واييو أمةٌ من السكان الأصليين عابرة للحدود، تسكن المنطقة الممتدة بين شبه جزيرة لا غواخيرا، في أقصى شمال كولومبيا، وجزء من ساحل فنزويلا الكاريبي. يفتخر شعب واييو بلقب "الشعب الذي لم يُقهر قط". هذه روايةٌ عن رحلة عبور صحراوية رافقتهم خلال عيد الفصح عام ٢٠٢٦، تُتيح فرصةً لمشاركة بعض جوانب فلسفتهم في السفر. يصف البعض في كولومبيا شعب واييو بأنه شعبٌ "منغلقٌ للغاية". وهذا يعني ثقافةً تعكس نفورًا من أي وصولٍ لغير شعب واييو إلى أراضي أجدادهم. وقد تحدّت عاداتهم التقليدية الراسخة، بطريقةٍ عتيقةٍ وعنيفة، التطورات التدريجية للقانون الحديث. قال لي زميل إسباني زار أراضي شعب واييو: "سترى بنفسك، لم أرَ قط أناسًا بهذه الوحشية والعنف، يمارسون قانون القصاص ويجبرون الأطفال على العمل في فقر مدقع، يُعاقبون بعقوبات على جوانب الطرق". لا يخلو هذا القول من دلالات على أسطورة "البربري النبيل": فلا تتوقع أن تجد الخير الفطري للبشرية بين شعب واييو. من قال إن علينا أن نتطلع إلى نموذج مثالي عند الحديث عن المجتمع البشري؟ كانت تربطني علاقة خاصة بباولا من عشيرة أوليانا، وهي عالمة نفس ومعلمة من شعب واييو. بعد عامين من التواصل المنتظم، علمتني خلالها مبادئ لغة واييونايكي، حثتني باولا على زيارة موطنها لا غواخيرا. قالت لي: "سأنتظرك هنا". كانت إقامتي قصيرة، وبفضل صداقة باولا وإرشادها، أتاحت لي فرصة الاطلاع على جوانب معينة من عقلية ونفسية شعب "الوايو" - إن صح التعبير - الذين أُطلق عليهم في سجلات الاستعمار الإسباني اسم "غواخيرو". لستُ عالم أنثروبولوجيا، ولا عالم نفس، ولا مؤرخًا؛ ومع ذلك، سأحاول، من خلال الاقتباس المباشر من شعب "الوايو"، تسليط الضوء على جوانب معينة من ثقافتهم تستحق المعرفة، لا سيما في ظلّ ما يكتنفها من سرديات راسخة حول قضايا الهوية والذاكرة والأرض والعدالة. هذه مفاهيم تُغذي ما يُشبه السحر السياسي في أنحاء العالم. شعب منفتح على العالم؟ يُعدّ شعب "الوايو" أول من يفتخر بلقب "الشعب الذي لم يخضع قط" للإسبان خلال الغزو. وبالفعل، تُؤكد الروايات المعاصرة على وصفهم بـ"المتوحشين" و"الأوغاد" و"المتمردين" على هامش المجتمع الإمبراطوري الجديد. استُخدمت هذه المصطلحات، التي استخدمها كتّاب الحقبة الاستعمارية، للإشارة إلى أولئك الذين جرحوا شرف الغزاة الإسبان بمقاومتهم. عائلة باولا. قالت لي باولا خلال رحلتنا بالدراجة النارية عبر الصحراء مع أخيها يوهانر: "لم يستطع الإسبان فعل أي شيء ضدنا، لقد صمدوا، لكننا كنا مسلحين بسهام مسمومة فتاكة". وأضافت لاحقًا: "يتميز شعب واييو، وخاصةً شعب أوليانا، بكرمهم وطيبتهم". "لكنهم يصبحون عدوانيين إذا شعروا بالخطر". لذلك نعتقد أن التواصل بين الثقافات والاختلاط بين شعب واييو كان شبه معدوم، نظرًا لصفاتهم القتالية الجبارة. علاوة على ذلك، واجه الوافدون الجدد في القرنين السادس عشر والسابع عشر صعوبة في اختراق المناظر الطبيعية القاحلة لهذا الملاذ الكاريبي الذي يشكل شبه جزيرة لا غواخيرا. وهكذا، بعد وصول الأوروبيين، أقام شعب واييو حدودًا واضحة بينهم وبين الآخر؛ أو بالأحرى، بين الجميع. إن الاسم الذي يطلقونه على أنفسهم، واييو، يعني "الرجال" أو "الشعب"، وهو تقليد إنساني وصفه كلود ليفي ستروس وصفًا دقيقًا في تأملاته حول الوحشية. تشرح لي باولا: "في لغة واييونايكي، تعني كلمة أليجونا "الضارب القوي". في الأصل، كانت تُطلق على الغزاة فقط بسبب عنفهم. أما اليوم، فهي تشير إليهم جميعًا". غير الواييو: الأمم الأولى الأخرى، والمنحدرون من أصول أفريقية، والكولومبيون من أعراق مختلطة، والسياح، والأجانب - كل من ليس من الواييو. إذا اعتمدنا فقط على الروايات الاستعمارية، فإن الواييو يُعطون انطباعًا بأنهم غير مبالين تمامًا بالشؤون العالمية ومنغلقون على أنفسهم بشكل ملحوظ. ومع ذلك، فإن هذه النزعة القومية الضيقة والمحلية الظاهرة تمنعنا من فهم حقيقتهم. لا شيء أغرب على الواييو من فكرة الاستقرار. المهارة الدبلوماسية يسافر الواييو، ويسافرون بعيدًا. على مدى قرون، كانوا شبه رحل، ينتقلون بين شمال وجنوب شبه جزيرتهم، تبعاً للفصول والموارد التي توفرها كل منطقة. وبالمثل، بعد تبني نموذج معين لرعي الماشية، سعوا باستمرار إلى إيجاد مساحات خضراء لماشيتهم. البشرية. أحد تفسيرات مقاومتهم الشرسة لمحاولات الاستعمار الإسباني هو تكيفهم التكنولوجي مع الأوروبيين الآخرين: تدجين الخيول وإتقان استخدام الأسلحة النارية، وهي ظروف مماثلة، وفقًا للمؤرخ الفنلندي بيكا هامالاين، كانت ستتيح قدرًا من الاستقلال لقبيلة الكومانش في ما يُعرف اليوم بالولايات المتحدة. يعود هذا الإتقان التكنولوجي، الذي افتقرت إليه شعوب أخرى في القارة، إلى براعة شعب واييو الدبلوماسية. وكما حلل عالم الأنثروبولوجيا واييو، وايدلر غيرا كيرفيلو، فقد أسسوا، منذ القرن السابع عشر، شبكات قوية من التحالفات التجارية والسياسية مع الإنجليز والفرنسيين، وخاصة الهولنديين، الذين كانوا آنذاك أعداءً لدودين لإسبانيا. أدرك شعب واييو التنافسات السياسية في عصرهم. بل إنهم تاجروا حتى وصلوا إلى جامايكا، التي كانت آنذاك تحت السيطرة البريطانية. في القرن الثامن عشر، سافر زعيم قبيلة واييو، أنطونيو باريديس، الذي قاد إحدى أهم انتفاضات واييو عام ١٧٦٩، بحرًا إلى جزيرة كوراساو الكاريبية، التي كانت آنذاك تحت الحكم الهولندي. وعاد منتصرًا بعد توقيعه اتفاقية تجارية. لكن روح الترحال لدى قبيلة واييو لم تنتهِ باستقلال دول أمريكا اللاتينية التي أصبحت فيما بعد كولومبيا وفنزويلا خلال القرن التاسع عشر. واليوم، يتقبل شعب واييو بكل سرور لقب "شعب بلا حدود". ولا يُقلل ترسيم الحدود بين كولومبيا وفنزويلا بأي حال من الأحوال من استقلال أراضي واييو، التي تمتد على حدود البلدين. ويتجسد هذا البُعد العابر للحدود، الذي يكفله الدستوران على جانبي الخط الوهمي المرسوم على الرمال، في حق المواطنة: إذ يحمل العديد من أفراد واييو جنسيتين، الفنزويلية والكولومبية. لكن روح الترحال لدى شعب واييو لم تنتهِ باستقلال دول أمريكا اللاتينية التي أصبحت فيما بعد كولومبيا وفنزويلا خلال القرن التاسع عشر. يعبر شعب واييو الحدود ذهابًا وإيابًا بانتظام لحضور حفلات الزفاف والجنازات، أو لشراء دراجة نارية، أو لإقامة عزاء ثانٍ - وهو تقليدٌ لدى شعب واييو يتم فيه، في نهاية فترة الحداد، استخراج جثمان المتوفى لتنظيف رفاته ودفنه دفنًا نهائيًا. تخيل، قبل وسائل الاتصال الحديثة، الوقت الذي كانت تستغرقه هذه التقاليد الحيوية: كان لا بد من إرسال معلومات عن احتفال معين قبل أشهر لجمع جميع المعنيين في مكان محدد. لذا، يسافر شعب واييو، ويسافرون مسافات طويلة للتواصل مع أقاربهم المنتشرين في جميع أنحاء قبائلهم وأراضيهم. الخاسرون في العصر الذهبي لتهريب الماريجوانا لكن لهذه الحرية في التنقل جوانبها السلبية: فقد خرج شعب واييو من فترة ازدهار الماريجوانا، أو ما يُعرف بـ"بونانزا ماريمبيرا"، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث استُخدموا خلالها لتهريب البضائع عبر الحدود، في وضع أسوأ نسبيًا. وقد تفاقم العنف، وجعلتهم الجماعات شبه العسكرية في الصراع الكولومبي وعصابات المافيا في فنزويلا يدفعون ثمنًا باهظًا لوجودهم. تناول فيلم "طيور المهاجرة" (2018)، الذي أوصتني به باولا، هذه المأساة بشكلٍ لافت. يسافر شعب واييو في المقام الأول بحثًا عن العمل. وقد أثرت الهجرة من الريف بشدة على شباب واييو في السنوات الأخيرة، لا سيما في العاصمة بوغوتا. قالت لي باولا: "لقد نسيت تمامًا أنكِ في بوغوتا!". لم تتردد في مغادرة المدينة والعيش بمفردها لمدة خمس سنوات للدراسة فيها، وهي مدينة تُلقب بـ"ساماتشيبا" (المكان البارد) بلغة واييونايكي. أما في فنزويلا، فقد هاجر الكثيرون في السنوات الأخيرة هربًا من الظروف المعيشية القاسية التي فرضتها العقوبات الأمريكية. وفي بعض الأحيان، يكون الطريق هو طريق المنفى: فقد وجد العديد من أفراد واييو أنفسهم على الطرق المؤدية إلى الولايات المتحدة، هاربين لأسباب سياسية أو اقتصادية من الركود والقمع اللذين اتسمت بهما فنزويلا في عهد شافيز. الطرف الشمالي لشبه جزيرة لا غواخيرا. لم يقتصر الأمر على سفر شعب واييو، بل وصل إليهم جزء من العالم، مما ساهم في دمجهم في وعي عالمي، تعزز بفعل الهجرة والقضايا السياسية الخارجية. استقبلت منطقة لا غواخيرا، كغيرها من مناطق أمريكا اللاتينية، سكانًا مستعبدين. يشكل أحفادهم، إلى جانب الهجرات الداخلية الكولومبية، مجتمعًا من أصول أفريقية، وهو مجتمع حاضر بقوة في المنطقة، في قرى نائية مثل تلك الواقعة في مقاطعة الناصرة، والواقعة في أحضان جبال سييرا دي لا ماكويرا الخضراء، وهي واحة حقيقية ومسقط رأس باولا. الهجرات الإسلامية والعربية في منطقة غواخيرا السفلى، لا تزال آثار الهجرات العربية والإسلامية واضحة في مدينة مايكاو، التي تضم أكبر مسجد في كولومبيا. يعرف شعب واييو مصطلح "مسجد"، ويشيرون إلى جميع السكان المسلمين في المنطقة - الذين ينحدرون من أصول جنوب آسيوية أكثر من أصول شرق أوسطية - باسم العرب. تبنى شعب واييو مذاهب دينية متنوعة، دون أن يحل أي منها محل القبيلة، مما أدى إلى نوع من التوفيقية الدينية. وقد أدى وصول الرهبان الكبوشيين، وهم رهبان حفاة، قبل نحو 120 عامًا، إلى أغلبية كاثوليكية. هذا هو الحال في الناصرة، التي اصطحبتني إليها باولا، موطن إحدى أكبر وأقدم المؤسسات التعليمية في المنطقة: المدرسة الداخلية للسكان الأصليين، التي أسسها فراي كريسبين دي لا بالما عام 1911. وقد تبنت بعض المجتمعات، التي يتراوح عدد سكانها بين بضع عشرات وبضع مئات، إحدى الطوائف الإنجيلية؛ بل يوجد فيها شهود يهوه. لم يمنع هذا شعب واييو، حتى يومنا هذا، من ممارسة طقوسهم الثقافية القديمة. فالأحلام، والتضحيات الحيوانية، والرقصات، والطقوس التقليدية، والآلهة القديمة لا تزال حاضرة، في حين تخلت شعوب أخرى تمامًا عن بعض التقاليد في ظروف مماثلة. يتصور الكولومبيون بسهولة زواج قبيلة واييو من داخلها كدليل على ما يُفترض أنه "انغلاق فكري" لديهم. إلا أن هذا الأمر نسبي. فعلى مدى قرن ونصف تقريبًا، ازداد التواصل بين قبيلة واييو وما يُسمى "مجتمع الأغلبية" (أي غير المنتمين إلى قبيلة واييو). واليوم، تُشكل قبيلة واييو ما بين ثلث ونصف سكان مقاطعة لا غواخيرا الكولومبية. في الموانئ والتجارة، ولا سيما حول بلدات وقرى غواخيرا السفلى في كولومبيا وفي منطقة ماراكايبو الساحلية في فنزويلا، أدت علاقات عديدة، تفاوتت درجات نجاحها، إلى اختلاط فعلي للأعراق. ووفقًا لدليلتي باولا، يتجلى هذا في الاختلافات الواضحة في العرق ولون البشرة بين أفراد قبيلة واييو، وخاصة بين سكان غواخيرا العليا وجيرانهم الجنوبيين. ليس من النادر في شوارع ريوهاتشا وأوريبيا ومايكاو رؤية أزواج من قبيلة واييو وأليجونا. وبعيدًا عن أن يُشعر هذا الواقع قبيلة واييو بفقدان هويتها، فإنه يعكس حقيقة أن هذا الاختلاط، في مجتمع يُعلي من شأن الروابط القبلية، لا يُعيق انتقال الثقافة واللغة. فهذه الروابط مُهددة بعوامل أخرى سنتناولها لاحقًا. ولكن قد يتساءل المرء: إذا كان هذا الانفتاح قائمًا على جميع المستويات - الأرض، والزواج، والأسرة - وإذا لم تكن اللغة أو العادات أو حتى العرق تُحدد بالضرورة معنى أن تكون من قبيلة واييو، فكيف لهم أن يحافظوا على هذا الشعور القوي بالهوية المشتركة والتماسك؟ كيف لهم، في نهاية المطاف، أن يُميزوا بسهولة مذهلة بين من هو من قبيلة واييو ومن ليس كذلك؟ لأن قبيلة واييو تُعرف في المقام الأول بانتمائها القبلي. الأرض مُحددة بالموتى ولكن ما هي القبيلة بالنسبة لقبيلة واييو؟ إنها الانتماء إلى أرض. بالنسبة لشعب واييو، تُحدد الأرض بموتاهم. فالواييو هو واييو لأنه يعرف أين يعود: إلى الأرض التي دُفن فيها أجداده. بالنسبة لهم، الأرض ليست بناءً سياسيًا تحدده حدود ناتجة عن الصراعات وفرض السلطة، كما هو الحال في الدول الغربية كما وصفها المؤرخ نوربرت إلياس. فالعشيرة والعائلة والأرض ليست سوى إشارات إلى من رحلوا عنا: فالأرض تحكمها ذكرى الموتى. الأرض هي حيث تقع المقبرة، حيث استقرت كل عشيرة على مر الزمن، وهي محددة بالمراعي ومصادر المياه التي تُشكل المشهد المحيط بهذه المقبرة. قالت لي باولا: "تجد شعب واييو في كل مكان على أي حال!" وأضافت والدتها فرانسيسكا، وهي تقدم لي القهوة والأريبا: "أجل! في الولايات المتحدة، في أوروبا، في كل مكان!" أضافت باولا، بنبرة ملحمية، بخصوص الموتى: "لكن شعب واييو يعود دائمًا إلى أرضه. فإذا ماتوا هناك، تبحث عشيرتهم وعائلتهم عنهم في أقاصي الأرض ويعيدونهم ليدفنوا هنا، في أرضهم! وتُحدد هذه الأرض بالمقابر ومصادر المياه وغيرها من الحدود." هل يتناقض هذا مع فكرة أن الأجنبي، من قبيلة أليجونا، يمكنه الاندماج تمامًا في عشيرة واييو التي لم تكن متجانسة عرقيًا منذ قرون؟ ليس الأمر كذلك على الإطلاق: فنظرة سريعة على الأزواج المختلطين تكشف دائمًا تقريبًا عن امرأة من واييو تعيش مع رجل من أليجونا. وثقافة واييو أمومية النسب (لكنها ليست أموميّة! كما أكدت باولا)، و"أشيبا"، أي العشيرة ذات الأهمية، هي المجموعة الأمومية. وبالتالي، فإن الرجل، سواء كان من واييو أو أليجونا، سيذهب دائمًا تقريبًا للعيش في أرض زوجته، ومقبرة عائلتها هي التي تحدد العشيرة والأرض والميراث. مرحبًا بالقادم من مكان آخر! سيُدفن أطفاله في نهاية المطاف في المكان الذي أطلقت فيه أمّ واييو صرختها الأولى. "هذا طبيعي تمامًا، انظر." أشارت باولا بنظرة خاطفة إلى زوج ابن عمي، أبيض البشرة بشكل واضح. "إنه من شعب بايزا، أصله من منطقة ميديلين. قدم العديد من البايزا إلى لا غواخيرا. تزوج ابنة عمي، وانظر إلى ابنتهما؛ إنها تتحدث لغة وايونايكي، فهي من شعب واييو، لكنها تبدو مختلفة تمامًا عني، شعرها مختلف، خشن قليلاً. مع ذلك، هو من جاء ليسكن على أرض زوجته. يستطيع أي شخص من شعب واييو بناء منزله في أي مكان على أرضه. كما تعلم، لسنا بحاجة إلى سند ملكية، أليس كذلك؟ إنها أرضه. وبزواجه منها، يحق له التصرف بها." ذكرتُ في بداية هذا التأمل حول انفتاح شعب واييو أنه لا شيء أغرب عليهم من فكرة الاستقرار. ذلك لأن نتيجة هذه الحركة الدائمة هي العودة، العودة إلى أرض الأجداد. لكن للعودة، يجب على المرء أن يرحل أولًا! وأن يجوب العالم. قبل العودة، حيًا كان أو ميتًا. أترك الكلمة الأخيرة لشاعر قبيلة واييو البارع، ليفيو سيمون سواريز، شاعر الناصرة، الذي أرشدتني باولا إلى منزله عندما مرت من هناك. تُعبّر أبياته، المكتوبة بالإسبانية، بجمالٍ عن أمل واييو في رحيله وعودته: "Los caminos de mi tierra están tristes por tu partida. Wayuu regresa pronto que tus caminos te esperan para besar tus cuarteados pies" (رحيلك يُحزن دروب أرضي، Wayuu! عُد سريعًا، لكي تنتظرك الدروب لتقبيل قدميك المتشققتين.)

0m 20s
غويانا، الرابح الكبير غير المتوقع من صدمة النفط
بقلم
ماكسيم بلوفينيه
نُشر
أغسطس 22, 2026 - 16:22

يُعزّز الارتفاع الحاد في أسعار النفط، الذي أشعلته الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، مكانةَ غويانا التي تتمتع بأسرع اقتصاد نمواً في العالم بفضل احتياطياتها الضخمة في أعماق البحار. غير أن خلف هذا الازدهار اللافت، يواجه البلد تحدياً جوهرياً يتمثل في تحويل عائدات النفط إلى تنمية مستدامة تعود بالنفع على جميع شرائح المجتمع. حتى قبل التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، كانت غويانا تعيش تحولاً اقتصادياً غير مسبوق. فهذه الدولة الكاريبية الصغيرة، المستعمرة البريطانية السابقة التي لا يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة، طالما اعتُبرت من بين أفقر دول أمريكا الجنوبية. ومع ذلك، فرضت جورج تاون نفسها في غضون سنوات قليلة بوصفها واحدة من العمالقة النفطيين الجدد على الساحة العالمية. لا يزيد الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، الذي أحدث اضطرابات حادة في أسواق الطاقة الدولية، إلا من تعزيز الأهمية الاستراتيجية لهذا البلد الصغير. فمع احتياطيات تُقدَّر بـ11 مليار برميل، وموقع مطل على المحيط الأطلسي بعيداً عن المضائق البحرية الحساسة كمضيق هرمز، باتت غيانا تبرز بوصفها مورداً موثوقاً في عالم يتطلع إلى أمن الطاقة. بيد أن هذه الثروة الجديدة تُذكي جدلاً متنامياً حول الكيفية المثلى لاستثمار المليارات النفطية، تفادياً للأخطاء التي وقعت فيها دول أخرى تعتمد اعتماداً كبيراً على الهيدروكربونات. طفرة نفطية يُمثّل تطور القطاع النفطي الغياني أحد أسرع قصص النجاح في تاريخ الصناعة الحديثة. فبفضل تكتل تقوده إكسون موبيل، قفز الإنتاج إلى ما يزيد على 900 ألف برميل يومياً في غضون سبع سنوات فحسب، في حين تستلزم مشاريع المياه العميقة عادةً وقتاً أطول بكثير قبل بلوغ هذا المستوى من الإنتاج. والتداعيات على الاقتصاد مذهلة؛ إذ تضاعف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد أكثر من أربعة أضعاف منذ انطلاق الإنتاج التجاري عام 2019، ليبلغ نحو 27.5 مليار دولار في 2024. وفي العاصمة جورج تاون، تتجلى مظاهر هذا الرخاء في كل مكان: مبانٍ مكتبية حديثة، وفنادق فاخرة، وأحياء سكنية جديدة، وتكاثر للخدمات المرتبطة بقطاع النفط. وقد يُسرّع ارتفاع أسعار النفط الخام جراء الصراع في الشرق الأوسط هذه الوتيرة المتصاعدة أكثر فأكثر. فوفق تقديرات عدة، إذا ظلت الأسعار تحوم حول 100 دولار للبرميل حتى نهاية العام، فقد ترتفع العائدات النفطية لغيانا بنسبة تناهز 70% مقارنةً بالعام الماضي. كما يترقب البلد الحصول على حصة أكبر بكثير من العائدات النفطية. فحتى الآن، كان الجزء الأكبر من الإنتاج يذهب إلى التكتل لتغطية تكاليف الاستكشاف والتطوير. غير أن هذه الاستثمارات قد تُستهلك بالكامل بحلول نهاية هذا العام، مما سيُتيح للدولة الغويانية الاستحواذ على نسبة أعلى بكثير من الأرباح الناجمة عن استغلال الحقول. نحو المرض الهولندي؟ بيد أن هذا الازدهار المتسارع لا يخلو من مخاطر معروفة. فمثال فنزويلا المجاورة يُذكّر بأخطار الإفراط في الاعتماد على العائدات النفطية والتعرض لتقلبات أسعار الخام صعوداً وهبوطاً، وهي أعراض الظاهرة الاقتصادية المعروفة بـ"المرض الهولندي". وللحد من هذا الخطر، أسست غويانا عام 2019 صندوقاً سيادياً لاستيعاب جميع العائدات النفطية وتمويل مشاريع التنمية بصورة تدريجية. وتجدر الإشارة إلى أن غيانا تمتلك ميزتين اثنتين على جارتها الفنزويلية: بنية تحتية حديثة، فضلاً عن نفط خام أخف وزناً بكثير مقارنةً بالنفط الفنزويلي شديد الثقل. تُصرّ الحكومة كذلك على ضرورة تنويع الاقتصاد وتوسيع دائرة المستفيدين من ثمار هذا النمو. فعلى الرغم من الأرقام المبهرة للناتج المحلي الإجمالي، لا يزال النفط والغاز والأنشطة المرتبطة بهما تُشكّل ما يزيد على ثلاثة أرباع الاقتصاد الوطني. كما تعاني بعض البنى التحتية من تأخر ملحوظ، يتجلى في انقطاعات متكررة للكهرباء، وشبكات صرف صحي غير كافية، فضلاً عن ارتفاع متصاعد في تكاليف المعيشة. سعياً للتعامل مع هذه المخاوف، تعمل السلطات على تعزيز قواعد المحتوى المحلي بصورة تدريجية. إذ يُلزَم المشغّلون النفطيون باللجوء إلى موردين غويانيين في قطاعات عدة، من بينها خدمات الإطعام والنقل والرعاية الطبية. ويأمل رجال الأعمال المحليون أن يُسهم توسيع نطاق هذه الالتزامات في خلق وظائف متخصصة وبناء نسيج اقتصادي أكثر تنوعاً. غير أن الانتقادات لا تزال قائمة؛ إذ يندّد بعض رجال الأعمال بممارسات تُتيح لمجموعات أجنبية الاستفادة بصورة غير مباشرة من الحصص المخصصة للفاعلين المحليين. ويُشير آخرون إلى أن التضخم الناجم عن الطفرة النفطية يُقلّص جزءاً من المكاسب المأمولة للأسر والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ويبدو هذا التناقض جلياً بوجه خاص في قطاع الطاقة؛ فرغم أن غيانا باتت مُصدِّراً صافياً للنفط، فإنها لا تزال تستورد وقودها المكرّر، وتتحمّل بالتالي ارتفاع أسعاره في محطات الخدمة. يواجه الرئيس إرفان علي تحدياً محورياً يتمثل في إدارة توقعات مواطنين يصطدمون يومياً بتصريحات عن ثروات استثنائية. فإذا كان النفط يُحدث تحولاً عميقاً في البلاد، فإن المعيار الحقيقي للنجاح سيتحدد بقدرة غويانا على تحويل هذا المورد التاريخي إلى تحسين دائم لمستوى المعيشة، في ظل بلد تنخره الفساد والانقسامات الطائفية، ولا سيما بين مجتمعَي الغويانيين من أصول هندية وأفريقية. وحتى لو انقشعت التوترات الجيوسياسية وتراجعت أسعار النفط الخام، يبدو أن البلاد قد حازت مكانة جديدة على الخريطة الطاقوية العالمية. والسؤال الذي يبقى معلقاً هو: هل يمكن لهذا الازدهار أن يعود بالنفع على جميع المواطنين، وأن يصمد في وجه النهاية الحتمية للدورة النفطية؟

وادي قاديشا يستذكر الأب إسكوبار
بقلم
ماكسيم بلوفينيه
نُشر
يونيو 2, 2026 - 14:41

كان الأب داريو إسكوبار شخصيةً بارزة في وادي قاديشا المقدّس، في أعالي جبال بشرّي شمال لبنان. وقد رحل قبل أيام عن عمر ناهز 92 عاماً. وُلد عام 1934 في مدينة ميديين الكولومبية، واختار أن يتخلّى عن حياة الرفاه والاستقرار التي وفّرتها له عائلته الميسورة في كولومبيا، ليأتي إلى لبنان مطلع الألفية الثالثة، ويلتحق بالكنيسة المارونية ويعيش حياة النسك في مزار سيّدة حوقا في قنوبين. وقبل أن يصبح ناسكاً، تلقّى تكويناً جامعياً رصيناً في اللاهوت وعلم النفس واليونانية الكتابية في كولومبيا. ثم اختار أن يكرّس حياته للتأمل والعبادة في عزلة جبال وادي قاديشا، التي ستبقى تحتفظ بذكرى الناسك إسكوبار القادم من أرض كولومبيا البعيدة. تحقيق: ماكسيم بلوفينيه .

على خطى الاب سليم عبو اليسوعي: شذرات مفقودة من بارانا
بقلم
ماكسيم بلوفينيه
نُشر
مارس 28, 2026 - 15:00

في مقاطعة ميسيونيس الأرجنتينية، عند المثلث الحدودي الذي يجمع الأرجنتين والباراغواي والبرازيل، تقف آثار الإرساليات اليسوعية شاهدةً على تاريخ فريد من الاندماج والمقاومة واليوتوبيا الاجتماعية. من أطلال «سان إيغناسيو» وصولاً إلى مجتمعات «الغواراني» الحالية، تقتفي «ليفانت تايم» الأثر الذي تركه الأب سليم عبو، رئيس جامعة القديس يوسف السابق، والذي يسلط التزامه الميداني الضوء – بعيداً عن أميركا اللاتينية – على قضايا الهوية والعيش المشترك المعاصرة، وصولاً إلى لبنان. وفي هذا اليوم، التاسع عشر من آذار، الذي يصادف عيد القديس يوسف، شفيع الجامعة اليسوعية، تعرض «ليفانت تايم» تحقيق مكسيم بليفنيه و ميروسلافا سالازار من أميركا اللاتينية، «على خطى الأب سليم عبو». في هجير أرض الإرساليات، حيث تذوب الطرق القانية بلون «اللاتيريت» في أحضان الغابة، وحيث يرسم نهر «بارانا» حدوداً واهية بين الأرجنتين والباراغواي والبرازيل، لا تزال ترقد شذرات من التاريخ لم يمحُها الزمن تماماً. هي حجارةٌ، وأصواتٌ، وذاكرات. وهي أحياناً مسارات إنسانية تربط بين عوالم كان يظنها المرء متباعدة تماماً. ينتمي الأب سليم عبو اليسوعي، الذي رحل في بيروت عام 2018، إلى تلك القامات التي تتخطى مسيرتها الحدود الوطنية. فهو عالم الأنثروبولوجيا البارز، ومفكر التعددية والهوية اللبنانية، ورئيس جامعة القديس يوسف السابق. ظلّ أيضاً، وعلى مدى أكثر من نصف قرن، مرتبطاً بمنطقة نائية في أميركا الجنوبية: مقاطعة «ميسيونيس» الأرجنتينية. «شهادة الحجارة الصامتة» للوهلة الأولى، تبدو «ميسيونيس» منطقة هامشية؛ نتوءاً أخضر في أقصى الشمال الشرقي للأرجنتين، محاصراً بين دولتين، وتخترقه مزارع «المتة» – ذلك «شاي اليسوعيين» الذي يرافق كل جلسة حوار في بلاد «الغواراني»، تماماً كما هي الحال في منطقة الشوف اللبنانية – وتنتشر فيه «شذرات» من الحجر الأحمر، بصفتها آخر الشهود على تاريخ استثنائي. بين عامي 1609 و1768، أسست جمعية يسوع في «مقاطعة الباراغواي» الشاسعة نحو ثلاثين إرسالية، أو ما عُرف بـ«المختزلات»(Reductions)، وهي مجتمعات كانت تتيح لسكان «الغواراني» الإفلات من نظام «الإنكوميندا» الاستعماري، الذي كان يحكم عليهم في أماكن أخرى بشكل من أشكال العبودية المقنعة، فضلاً عن حمايتهم من مطاردات صائدي العبيد البرتغاليين القادمين من «ساو باولو». في هذه القرى، بصر النور مجتمعٌ هجين، لم يكن أوروبياً تماماً ولا أصيلاً بحتاً، قام على تنظيم جماعي، واقتصاد ذاتي، واستخدام محوري للغة «الغواراني». عندما اكتشف الشاب اليسوعي اللبناني سليم عبو هذه الأطلال في ميلاد عام 1961، وهو في الثالثة والثلاثين من عمره، كان وقع الصدمة عليه فورياً. وصل إلى الأرجنتين لاستكمال تحصيله، فزار «سان إيغناسيو ميني»، المدرجة اليوم على لائحة التراث العالمي. وأمام «شهادة الحجارة الصامتة» – وفق تعبيره الخاص – ساوره شعورٌ بالامتنان العميق؛ امتنانٌ لـ«حوار الثقافات» الذي غدا ممكناً، رغم هشاشته وواقعيته، وهو ما ثبّته في دعوته اليسوعية. كانت تلك اللحظة بمثابة «تجلٍّ» أو كشف. فبصفته الوريث الفكري لعالم الأنثروبولوجيا روجيه باستيد والأب ألبير دي جيرفانيون – الذي اغتيل في بدايات الحرب الأهلية اللبنانية – وجد الأب عبو في التجربة «اليسوعية-الغوارانية» تأكيداً لرسالته: فهمُ كيفية تعايش الهويات المتعددة من دون أن تذوب أو تتلاشى. «يوتوبيا» يسوعية؟ بعد مرور أكثر من ستين عاماً، وفي مدينة «بوساداس» – عاصمة المقاطعة المطلة على نهر «بارانا» – لا تزال هذه الذاكرة حية في أماكن غير متوقعة. فقد شكل معهد «مونتويا»، الذي يحمل اسم رائد شهير في المغامرة اليسوعية مع الغواراني، «بيتاً ثانياً» لسليم عبو. هنا، بدأ التدريس منذ الستينيات، وإلى هنا كان يعود بانتظام على مدى ثلاثة عقود. وهنا أيضاً، تُحفظ حصيلة وافرة من أرشيفه الخاص. في غرفة هادئة، في طبقة من منزله بـ«أبوستوليس»، وبين صور فوتوغرافية ومؤلفات أصلية لسليم عبو، تُقلّب الدكتورة ماريا ميكوليس بعناية وثائق تراكمت على مدى أكثر من خمسين عاماً. تستذكر ميكوليس – وهي صديقة الأب عبو وزميلته وتلميذته السابقة – رجلاً كان يرى في «الزمن المديد» ضرورة قصوى. وتقول، وهي تستعيد نصف قرن كرسته للتربية: «اليوم، نتوهم أن التميز يولد من العدم. لكن الكائن البشري جُبل للامتداد على المدى الطويل». في إحدى الصور الفوتوغرافية، يطلّ اليسوعي الشاب بابتسامةٍ إلى جانب شقيقه حبيب. وفي أخرى، تظهر أيقونة للعذراء كان يتلو أمامها صلاته اليومية. وعلى مسافة منها، نسخة من مؤلفه الصادر عام 1961 حول «الثنائية اللغوية العربية-الفرنسية»، وهي باكورة أبحاثه التي قدمها في «بوينس آيرس». ولفهم ما ترك أثراً عميقاً في وجدان الأب عبو، لا بد من عبور الحدود الباراغويانية. ففي «سان إيغناسيو غوازو»، يلخص الأب دانيل، قيم متحف الإرسالية اليسوعية، تجربة «المختزلات» من دون استسلام للمثالية، قائلاً: «لا وجود لمجتمع كامل. لكن، مقارنةً بعصرها، استطاعت التجربة اليسوعية-الغوارانية حقاً ابتكار شيء جديد». ويستحضر الأب دانيل شخصية «روكي غونزاليس دي سانتا كروز»، وهو يسوعي وُلد في «أسونسيون» في القرن السادس عشر، وكان معارضاً شرساً لنظام «الإنكوميندا». فقد ناضل، مع مبشرين آخرين، من أجل تمكين شعب «الغواراني» من تشكيل مجتمعات حرة، محمية من غارات تجار العبيد التي كانت تعيث فساداً في المنطقة. لم يكن هذا المشروع مجرد «يوتوبيا» مجردة، بل كان «تسوية تاريخية»؛ وجد فيها «الغواراني» حكماً ذاتياً نسبياً، بينما وجد فيها اليسوعيون أرضاً خصبة للتبشير. وبين هذين العالمين، انبعثت ثقافة أصيلة. وحتى يومنا هذا، لا تزال لغة «الغواراني» لغةً رسمية في الباراغواي؛ وهي إرث مباشر لتلك المجتمعات التي لم تكتفِ بالتحدث بها فحسب، بل اعتمدتها لغةً للكتابة والتعليم، إلى جانب الإسبانية واللاتينية، وهو ما تشهد عليه المؤلفات العديدة التي طُبعت في قلب «المختزلات» نفسها. وفي كنيسة «سانتا ماريا دي في»، وهي بلدة صغيرة مجاورة لـ«سان إيغناسيو غوازو»، تشير مرشدة سياحية إلى منحوتة للقديس جاورجيوس وهو يصرع التنين. لكن التنين هنا يتخذ هيئة «آنيّا» (Aña)، رمز الشر في ميثولوجيا «الغواراني». وفي نقش آخر، تتمازج «فاكهة الآلام» (Fruit de la passion) – وهي رمز أصلي للخصوبة – مع «الكرمة» المسيحية. ففي كل زاوية، لا تزال ترتسم معالم «هجنة ثقافية» أُجهضت في مهدها مع طرد اليسوعيين من القارة، إثر اتفاق سياسي بين العروش الملكية؛ فكان ذلك بمثابة تضحية بمثالٍ أعلى في سبيل مصالح أرضية بحتة، وهي المأساة التي جسّد فيلم «المهمة» (The Mission) للمخرج رولان جوفيه (1987) فصول آمالها الأخيرة. 1978: القلب والمطلب بيد أن الرابط بين سليم عبو وشعب «الغواراني» لم يقتصر على هذا الشغف بالماضي، بل تكرّس فعلياً عام 1978، على خلفية حدث استثنائي: نقل ذخيرة قلب «روكي غونزاليس» إلى مدينة «بوساداس»؛ وهو قديس الباراغواي الذي استُشهد عام 1628 وكان مؤسس المدينة، وذلك خلال إحياء ذكرى تضحيته. حينها، وفدت مجموعات من شعب «مبيا-غواراني» للتبرك من الذخيرة. فبالنسبة إليهم، لم يكن هذا المبشر مجرد شخصية دينية، بل كان «صديق أسلافهم». وفي خضم ذلك، صيغ مطلبٌ لم يكن في الحسبان. ففي قلب الغابة، وخلال لقاء مع الأسقف خورخي كيميرير وأساتذة من معهد «مونتويا»، وُجِّه سؤال إلى «با-إي» (الزعيم الروحي) أنطونيو مارتينيز: ما الذي يحتاج إليه شعبه؟ أجاب ثلاثاً بأنه لا يحتاج إلى شيء. ولكن، بعد إلحاح المطران كيميرير، أوضح قائلاً: «أريد مدرسة لأحفادي. لا أريدهم أن يكونوا مثلي، بلا أوراق ثبوتية، وبلا لغة مشتركة معكم». كانت هذه العبارة بمثابة «نقطة تحول» حاسمة. وهكذا وُلد مشروعٌ غير مسبوق: إنشاء مجتمعات «غوارانية» مجهزة بمدارس ثنائية اللغة، في «فراكران» و«بيروتي». انخرط سليم عبو في هذا المشروع بكل جوارحه. وعلى مدى اثني عشر عاماً، واكب هذه التجربة ووثّق تفاصيلها، واصفاً إياها بأنها «إعادة إحياء» – «على نطاق مجهري» – لنموذج «المختزلات» القديم . لكن خطوته تلك لم تكن وليدة حنينٍ جارف أو أوهام؛ إذ لم يكن الهدف استنساخ الماضي، بل ابتكار صيغة معاصرة للعيش المشترك. يستذكر خافيير فيلالبا، زعيم (كاثيك) منطقة «بيروتي»، قائلاً: «لقد بنى جسراً بينه وبين أجدادنا. كان بمثابة مستشار... بل وحتى بمثابة أب». وفي الشهادات التي جُمعت، تبرز سمة تتكرر باستمرار: التواضع. فسليم عبو لم يأتِ ليفرض نموذجاً، بل جاء ليتعلم، ويراقب، ويرافق. احترم البنى الاجتماعية، والمعتقدات، واللغة. عاش هناك، وقاسمهم تفاصيل يومياتهم. ويؤكد فيلالبا: «كان واحداً منا». من «ميسيونيس» إلى بيروت: «المقاومة الثقافية» في «فراكران»، التي أُعيد تسميتها اليوم تكريماً لـ«با-إي» أنطونيو مارتينيز، لا تزال المدرسة قائمة، حيث يتعلم الأطفال لغتي «الغواراني» والإسبانية معاً. ويشدد كاتالينو مارتينيز، حفيد الزعيم المؤسس، على الأبعاد السياسية للمبادرة قائلاً: «أراد جدي لشعبنا أن يستمر في المضي قدماً، حتى بعد رحيله». لقد ساهمت هذه التجربة في إنشاء مؤسسات محلية، مثل مديرية شؤون «الغواراني»، كما تركت أثراً أكثر عمقاً وتغلغلاً: وهو أسلوب في التفكير بالتنمية دون محو الهوية. وبالنسبة لسليم عبو، كانت هذه التجربة تتقاطع مع تأملاته حول لبنان. ففي مقابلة مع إذاعة «فرانس كولتور» عام 2006، سلط الضوء على التباين بين لبنان «المتشظي» إلى طوائف، وبين الأرجنتين التي تسعى لبناء أمة موحدة رغم تنوعها. وبين التجربتين، يبرز السؤال نفسه: كيف يمكن بناء مجتمع دون إنكار الاختلافات؟ وكيف يمكن إحياء الخصوصيات الثقافية دون تحويلها إلى حجر زاوية لمشروع سياسي فئوي؟ إنّ ما اختبره سليم عبو في غابات «ميسيونيس»، كان يسقطه في الوقت عينه على الواقع اللبناني؛ فهو عالم أنثروبولوجيا الهويات الذي كرّس أبحاثه لهذه القضية المركزية. وفي لبنان، اتخذ هذا الطرح أبعاداً دراماتيكية في أعقاب الحرب الأهلية وخلال حقبة الوصاية السورية. فبين عامي 1995 و2003، وبصفته رئيساً لجامعة القديس يوسف في بيروت، تحول سليم عبو إلى ركن أساسي في المواجهة الفكرية ضد الهيمنة السورية. وغدت خطاباته السنوية، التي كانت تُنتظر بشغف، تحمل نبرة سياسية تزداد حدة عاماً بعد عام. وفي عام 2002، ندد بـ«سَورنة» لبنان وبنظامٍ شوه حتى اللغة السياسية نفسها. وفي العام ذاته، جهر بعبارته الشهيرة: «الاحتلال هو أمُّ الجروح التي يعانيها لبنان». لكن رده لم يكن عسكرياً، بل كان فكرياً بامتياز. ففي مواجهة قمع التظاهرات، صاغ سليم عبو فكرة جوهرية هي «المقاومة الثقافية»؛ حيث دعا الطلاب إلى الكتابة، والتفكير، والتعبير بأسلوب مختلف، وإعادة بناء مساحة نقدية قادرة على الصمود في وجه الطغيان . وفي أحد خطاباته بمناسبة عيد القديس يوسف، استشهد دعماً لطروحاته بافتتاحيات ومقالات عيسى غريب وميشال حاجي جيورجيو في أعمدة جريدة «لوريان لو جور». حذّر عبو في خطاباته من خطرٍ أعمق من الإكراه السياسي، ألا وهو «تدمير القدرة على التمييز». فوصف نظاماً «يُفسد اللغة»، و«يفصم عرى التماسك الاجتماعي»، و«يعطّل الخطاب العقلاني». وبتعبير آخر: احتلالٌ يتسلل إلى العقول، ويراهن على ضحالتها. تتجذر هذه الرؤية في قناعةٍ أوسع؛ فكما لخصها أحد معاصريه، كان سليم عبو يسعى للإجابة عن سؤال جوهري: «كيف نعيش معاً متساوين في الحقوق ومختلفين في الانتماءات؟» سواء في غابات «ميسيونيس» أو في مدرجات بيروت، ظل يطارد الحدس نفسه: أن الهويات ليست جدراناً، بل هي معابر. وأنه في بعض الأحيان، وفي هوامش هذا العالم – داخل مدرسة منسية في قلب الغابة – تُبتكر الأشكال الأكثر ماديةً للكونية.