شعار Levant Time

سياسة

مستقبل سوريا: من خطر التقسيم إلى اختبار الدولة الجديدة
بقلم
جاد الاخوي
نُشر
يناير 22, 2026 - 19:42

لم يعد السؤال المطروح في سوريا اليوم هو ما إذا كان نظام بشار الأسد قادراً على الاستمرار، فهذا الفصل أُقفل نهائياً. السؤال الحقيقي بات: هل تستطيع سوريا، بعد انهيار النظام القديم، أن تُعيد إنتاج دولة موحّدة قابلة للحياة، أم أن خطر التفكك والتقسيم لا يزال كامناً بصيغ جديدة؟ سقوط نظام الأسد في آواخر 2024، وتولّي أحمد الشرع رئاسة المرحلة الانتقالية، شكّلا تحوّلاً جذرياً في المشهد السوري. هذا التحوّل لم ينهِ الأزمة تلقائياً، لكنه أعاد رسم إطارها السياسي، وبدّل طبيعة النقاش من مستقبل نظام إلى مستقبل الدولة نفسها. أولاً: ما الذي تغيّر فعلاً بعد الأسد؟ انهيار النظام السابق لم يكن مجرد تغيير في رأس السلطة، بل انهيار لمنظومة حكم كاملة قامت على: • حزب واحد • متوغلةمتغوّلة • مركزية قسرية • وتحالفات خارجية عميقة، خصوصاً مع إيران وروسيا. المرحلة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع جاءت بخطاب مختلف جذرياً: استعادة الدولة، لا استعادة النظام. فتمّ إلغاء الدستور السابق، حلّ حزب البعث، تفكيك البنية الأمنية القديمة، وبدء مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة، ولو لا تزال هشة. الأهم أن القيادة الجديدة أعلنت، منذ البداية، أن وحدة سوريا غير قابلة للنقاش، وأن أي حديث عن تقسيم أو فيدراليات طائفية مرفوض، ليس كشعار فقط، بل كخيار سياسي عملي. ثانياً: هل انتهى خطر التقسيم؟ الإجابة الدقيقة: تراجع الخطر، لكنه لم يُمحَ بالكامل. في ذروة الحرب، خصوصاً بين 2012 و2016، كان التقسيم احتمالاً حقيقياً. الحديث عن "سوريا المفيدة"، خرائط الدويلات، والانقسام الحاد بين مناطق النفوذ، كلها جعلت التفكك مشروعاً مطروحاً على الطاولة الدولية. اليوم، المشهد مختلف لعدة أسباب: 1. وجود سلطة مركزية جديدة ذات شرعية انتقالية الشرع لا يرث النظام السابق، بل يحاول بناء شرعية جديدة، مدعومة بانفتاح أميركي وعربي حذر، وبقبول دولي مشروط. 2. غياب أي توافق دولي على التقسيم لا الولايات المتحدة، ولا روسيا، ولا الدول الإقليمية ترى في تقسيم سوريا مصلحة لها في هذه المرحلة. الكلفة عالية، والمخاطر أكبر من المكاسب. 3. فشل فكرة الدويلات الطائفية عملياً لا دويلة علوية قابلة للحياة، ولا كيان سنّي موحّد، ولا مشروع درزي انفصالي، ولا دولة كردية ممكنة في ظل الرفض التركي والتخلّي الأميركي. بذلك، لم يعد التقسيم خياراً مطروحاً كحل، بل سيناريو انهيار في حال فشل الدولة الجديدة. ثالثاً: التحوّل الأميركي… والتخلّي عن الأكراد أحد أهم المتغيرات في سوريا ما بعد الأسد هو التحوّل الواضح في السياسة الأميركية. فواشنطن، التي دعمت الأكراد لسنوات كقوة أمر واقع في الشمال الشرقي، أعادت ترتيب أولوياتها. الرسالة الأميركية كانت واضحة: • لا دعم لمشروع انفصالي كردي • لا حماية دائمة لإدارة ذاتية مستقلة • الأولوية لاستقرار دولة سورية موحّدة هذا التحوّل دفع القيادة الكردية إلى خيار لم يكن مطروحاً سابقاً بجدية: التفاوض مع دمشق الجديدة. فتمّ التوصّل إلى تفاهمات حول دمج قوات "قسد" تدريجياً في مؤسسات الدولة، وإعادة إدارة الموارد والمعابر بشكل مركزي، مقابل ضمانات تتعلّق بالحقوق الثقافية والمواطنة. هذا لا يعني أن المسألة الكردية حُلّت، لكنها خرجت من منطق الانفصال إلى منطق الاندماج القَلِق. رابعاً: من التفكك إلى إعادة المركزية… ولكن بأي ثمن؟ سوريا اليوم تنتقل من مرحلة تفكك فعلي إلى محاولة إعادة مركزية الدولة. لكن هذه المركزية الجديدة تختلف، أو يفترض أن تختلف، عن مركزية النظام السابق. التحدي الأساسي أمام الشرع ليس عسكرياً فقط، بل سياسي واجتماعي: • كيف تُبنى دولة قوية من دون العودة إلى الاستبداد؟ • كيف تُدار التعدديات من دون تفجير المركز؟ • كيف تُفرض سلطة الدولة من دون إعادة إنتاج القمع؟ حتى الآن، المؤشرات مختلطة: • هناك تقدّم في استعادة السيطرة على الجغرافيا • لكن هناك هشاشة في الاقتصاد • وقلق لدى الأقليات • وشكوك لدى قوى كانت تتمتع باستقلالية واسعة بمعنى آخر، الخطر لم يعد تقسيم سوريا إلى دويلات، بل فشل الدولة المركزية الجديدة في إدارة التنوّع. خامساً: هل نجت سوريا فعلاً؟ سوريا نجت من سيناريو التقسيم السريع والفوضوي، لكنها لم تدخل بعد مرحلة الاستقرار. يمكن تلخيص الوضع على النحو الآتي: • نجت من الانهيار الكامل • نجت من الخرائط الطائفية • نجت من تحويل التفكك إلى واقع دائم لكنها لم تنجُ بعد من: • الانهيار الاقتصادي • هشاشة السلم الأهلي • خطر عودة العنف بأشكال جديدة • اختبار الشرعية الشعبية للسلطة الجديدة الدولة السورية اليوم قائمة، لكنها تحت الاختبار. سادساً: السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور، السيناريو الأرجح هو: • دولة موحّدة • مركزية سياسية وأمنية واضحة • لامركزية إدارية محدودة • دمج تدريجي للقوى المحلية • دعم دولي مشروط بالإصلاح والاستقرار هذا النموذج لا يشبه سوريا ما قبل 2011، ولا يشبه نماذج التقسيم، بل يشبه دولة خارجة من حرب طويلة تحاول إعادة تعريف نفسها. نجاح هذا السيناريو مرتبط بعامل واحد حاسم: هل تتحوّل السلطة الانتقالية إلى دولة جامعة، أم إلى نسخة جديدة من حكم قوي بلا عقد اجتماعي؟ إن سقوط نظام الأسد أغلق صفحة، لكنه فتح كتاباً أصعب. سوريا اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة: الخروج من منطق النظام، من دون الوقوع في فخ التفكك. خطر التقسيم لم يعد وشيكاً، لكنه لم يُدفن نهائياً. هو كامن في فشل السياسة، لا في الجغرافيا. في النهاية، لم تعد المسألة: هل ستُقسَّم سوريا؟ بل: هل تنجح سوريا في أن تكون دولة واحدة بعد أن سقط النظام الذي حكمها باسم الوحدة؟

اوروبا و المتوسط: إحياء غير مكتمل لحلم برشلونة (٥/٤)
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر
يناير 21, 2026 - 14:04

بعد استعراض نشأة مسار برشلونة وتطوره إلى الاتحاد من أجل المتوسط الذي وسّع نطاقه، بات من الضروري التساؤل عن وضع هذا الاتحاد اليوم: ما هي إنجازاته، وما التحديات التي تواجهه؟ يقدم هذا المقال قراءة شاملة للوضع الراهن وتقييمًا لما تحقق، إلى جانب الآفاق المتوقعة حتى عام 2026 . تُعرف مسار برشلونة بثلاثة مصطلحات رئيسية: «مسار» و«شراكة» و«Med» في يوروميد. هذه التسميات تعكس هدف المبادرة في تعزيز التعاون، والحوار، والتلاقي بين الدول التي تشكل تجمعًا للدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط ، وكذلك بين الدول المرتبطة به جغرافيًا.لاحقًا، انضمت دول الجوار المباشر، إضافة إلى المنظمات التي تمثل مجموعات فرعية، مثل الاتحاد الأوروبي والاتحاد المغاربي. وبعد مرور ثلاثين عامًا، لا يزال هذا المسار قائمًا، لكنه اضطر للتكيف مع الزمن والأحداث، ضمن إطار جديد أقل طموحًا لكنه أكثر واقعية وبراغماتية . كانت يوروميد تمثل استراتيجية طويلة المدى، طموحة لكنها قائمة على الحوار السياسي وتشمل التعاون عبر ثلاثة محاور رئيسية. وقد تحقق نجاح مؤسسي، غير أن النتائج الاقتصادية، على وجه الخصوص، لم ترتقِ إلى المستوى المطلوب. لذا بدا من الضروري توجيه المشاريع نحو المبادرات الإقليمية، واعتماد هيكل مؤسسي أكثر مرونة وفاعلية. وبينما بدا الطموح وكأنه تراجع قليلًا، فإن الفعالية بدت أكثر وعدًا: أسهل في التنفيذ وأكثر وضوحًا للمجتمعات المحلية. شكلت قمة برشلونة 2005 نقطة تحول سياسية، إذ سعت، بعد مرور عشر سنوات على انطلاق الشراكة، إلى إحيائها، وتعزيز ظهورها وفعاليتها، وتحديد برنامج للسنوات الخمس المقبلة‏. كان الهدف من مسار برشلونة ربط دول جنوب المتوسط بعملية البناء الأوروبي. لكن السيناريو المثالي للشراكة، الذي كان يفترض أن يطلق دينامية مماثلة لتلك التي شهدتها أوروبا الوسطى والشرقية، حيث يقود تحرير التجارة إلى إصلاحات مؤسسية مفيدة للتنمية، لم يتحقق. وكان التقييم صارمًا: توقفت المبادرة عن التقدم. بحلول منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، كانت الصعوبات متعددة: تعاون سياسي ضعيف بين دول المتوسط بسبب الصراع الإسرائيلي‑الفلسطيني، إلى جانب إرهاق مؤسسي بدا واضحًا داخل الاتحاد الأوروبي . في عام 2007، اقترح نيكولا ساركوزي، حين كان مرشحًا للرئاسة الفرنسية، إنشاء اتحاد متوسطي يقتصر على الدول الساحلية. ومع دعم ألماني قوي والمساندة من المفوضية الأوروبية، تم توسيع المشروع لتفادي إحداث فجوة مع الدول غير المتوسطية. وأصبح المشروع رسميًا الاتحاد من أجل المتوسط، وتم اعتماده في قمة باريس بتاريخ 13 يوليو 2008. هدفت المبادرة إلى إعادة الزخم الذي بدأ عام 1995 وإحياءيوروميد، وشكلت انتقالًا مؤسسيًا يواصل ويعيد إنعاش مسار برشلونة بأسلوب براغماتي وعملي قائم على حوكمة مشتركة. وتشمل المشاريع، التي أصبحت إقليمية وواقعية، مجالات النقل والطاقة والبيئة والتعليم والشباب، بالإضافة إلى المساواة بين الجنسين. ومنذ عام 2010، يضم الاتحاد من أجل المتوسط 43 دولة ويحتفظ بأمانة دائمة في برشلونة. التشخيص لعام 2025 شهدت السنوات الأخيرة تقدمًا تقنيًا ومشاريع ملموسة، مثل مخططات الاستثمار، المبادرات القطاعية، والتعاون الجامعي والشبابي. ومع ذلك، لا يزال التكامل الاقتصادي الإقليمي محدودًا، وتستمر الأزمات الجيوسياسية المتكررة – من صراعات إقليمية إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا واضطرابات في الساحل والشرق الأوسط – في فرض قيود سياسية وبنيوية مستمرة. يجري حاليًا إحياء البعد السياسي بدعم مالي من الصفقة الجديدة للبحر الأبيض المتوسط (New Pact for the Mediterranean)، التي تركز على ثلاثة محاور: التعليم والتنقّل والعمل؛ اقتصاديات أكثر اندماجًا واستدامة؛ الأمن والهجرة . تشير تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والاتحاد من أجل المتوسط إلى التقدم المحرز، لكنها تؤكد الحاجة إلى منهجية أكثر تركيزًا وعملية تكامل أقوى. وهناك انتقادات حول تركيز الأولويات على المصالح الأوروبية ونقص الموارد السياسية والمالية، خصوصًا الاستثمارات الخاصة، لتحقيق التحوّل المنشود، خاصة في المشاريع الكبرى العابرة للحدود. ويُعتبر تعزيز التمكّن المحلي للمشاريع،ومشاركة المجتمع المدني، وضمان الحقوق عناصر أساسية لتحويل المبادرات إلى نتائج ملموسة . الآفاق والتوصيات لعام 2026 تطوير برامج إقليمية كبرى في مجالات الطاقة المتجددة، الممرات اللوجستية، والتدريب الفني؛ دعم الاستثمارات في إصلاحات عملية مثل تسهيل التجارة، حوكمة الموانئ، والاعتراف بالمؤهلات المهنية؛ زيادة مشاركة المجتمع المدني والقطاع الخاص المحلي لتشريع المشاريع وضمان أثر اجتماعي فعّال (وظائف وحقوق)؛ وتنفيذ تدابير مشتركة لتعزيز الصمود لمواجهة المخاطر المناخية والغذائية والهجرة . التقييم النهائي أسفر مسار برشلونة عن خلق فضاء للحوار بين ضفتي المتوسط وتطوير برامج تعاون. وتمثل المشاريع الاجتماعية والثقافية، إلى جانب إشراك المجتمع المدني، عناصر أساسية لمواجهة التحديات القادمة. ومع ذلك، لم تُنجز منطقة التجارة الحرة بشكل كامل، ولا يزال التمويل عقبة رئيسية، إلى جانب الصراعات الإقليمية والسياق العام في المتوسط، الذي يتسم بالهجرة وعدم الاستقرار. في الخلاصة، لا يزال مسار برشلونة قائمًا اليوم في شكل حديث يجمع بين البراغماتية، الواقعية، والحوار الإقليمي لتنفيذ مشاريع ملموسة. ويشكل الاتحاد من أجل المتوسط، باعتباره استمرارًا للمسار، نجاحًا لاحتضانه عددًا أكبر من الدول (43 دولة). لكن الجهود المستقبلية تبقى أساسية، سياسيًا وماليًا، مع تركيز خاص على اختيار المبادرات القطاعية وتنفيذ تكامل إقليمي حقيقي وملموس . المقال ‏المقبل والأخير: تقييم للوضع في لبنان منذ 1995 والدور الخاص الذي يمكن أن يلعبه في الاتحاد: أن يكون قوة موحّدة تجمع جميع المجتمعات اللبنانية في هذه المسيرة. المقالات السابقة: 1/5 الاتحاد من أجل المتوسط: ماذا حل بعملية برشلونة؟ 2/5 الفكرة المتوسطية في مواجهة التوازنات الأوروبية 3/5 مسار برشلونة: تعاون غني بالوعود

اتفاق لبنان–قبرص: الاستثمار النفطي والتحديات الجيوسياسية

رهان الطاقة في ظل الانهيار الاقتصادي مع توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع قبرص في 2025، يبرز استثمار الموارد البحرية كعامل حاسم في إنعاش الاقتصاد اللبناني المتعثر. ورغم أن الاتفاق أعطى إطارًا قانونيًا واضحًا للحدود البحرية، فإن التحديات الاقتصادية والجيوسياسية لم تُحل بالكامل. فالوقت اللازم لاستغلال الموارد، والنزاعات الإقليمية، والمعوقات السياسية، تضع لبنان في موقف يتطلب موازنة دقيقة بين استغلال الفرص وحماية مصالحه الوطنية. النفط أولًا: من هاجس النزاع القانوني إلى خيار الاتفاق يوضح العميد الركن المتقاعد خليل الجميّل، الخبير في ترسيم الحدود البحرية، أن لبنان كان يعتقد أن اللجوء إلى المحاكم البحرية الدولية لحل النزاع مع قبرص سيجعل البلوكات النفطية اللبنانيّة المجاورة لقبرص — وهي 1، 3، 5، و8 — مناطق متنازع عليها لحين صدور قرار المحكمة الدوليّة، وبأن هذا كان سيؤدي حكمًا إلى تأخير زمني كبير في عمليات الاستكشاف، إذ أن شركات النفط العالمية تتجنب العمل في مناطق النزاع. وبناءً على هذا المنطق، اعتُبر أن توقيع الاتفاق الأخير أخرج هذه المنطقة من دائرة النزاع، وجعلها جاهزة للاستغلال دون عوائق قانونية. بين رفع الالتباس القانوني وتأجيل الاستغلال الفعلي ومع ذلك، يشير الجميّل إلى أن تلزيم البلوك اللبناني رقم 8 الذي حصل مؤخرًا، أعطى الكونسورتيوم الذي تترأسه شركة "توتال إنرجيز"، مهلة ثلاث سنوات ليقرر، بناءً على نتائج المسوحات، ما إذا كان سيباشر بحفر بئر في هذا البلوك. ويضيف الجميّل أن هذه المهلة المفتوحة قد تكون أطول بكثير من المدة التي كان من الممكن أن يستغرقها صدور حكم عن محكمة دولية مختصة تحفظ حقوق لبنان وتحدّد حدوده البحريّة مع قبرص بشكلٍ نهائي وواضح ولا مجال فيه للخطأ، ولا يترك مجالًا للتأويل. مكاسب قانونية محدودة في بيئة دبلوماسية معقّدة لا يتوقع الجميّل أن يساهم الاتفاق بشكل كبير في تعزيز الاستقرار القانوني أو الدبلوماسي للبنان. ويرى أن الاتفاق أُبرم دون إشراك طرف أساسي في ترسيم الحدود، وهو سوريا، كما يشير إلى أن تركيا ترفض المس بحقوق القبارصة الأتراك في جمهورية شمال قبرص التركية. تركيا وسوريا: أطراف غائبة وحاضرة في آن واحد ويحذر الجميّل من أن تركيا تمنع فعليًا، عبر سفنها الحربية، أي شركة نفط من التنقيب في المناطق التي تعتبرها حقوقًا للقبارصة الأتراك، مما قد يشكّل، بالإضافة إلى النزاع البحري مع سوريا، خطرًا عمليًا وسياسيًا على تنفيذ الاتفاق. النقطة الثلاثية العالقة: قنبلة حدودية مؤجلة يؤكد الجميّل أن الاتفاق ترك مسألة النقطة الثلاثية رقم 7 (سوريا – قبرص – لبنان) معلقة إلى حين إتمام الترسيم مع سوريا. إلا أن الإشكالية أعمق من ذلك، إذ تعتبر سوريا أن الحدود المتنازع عليها مع لبنان تمتد من النقطة اللبنانية رقم 5 جنوبًا إلى النقطة رقم 7 شمالًا، وعلى مساحة نزاع تُقدّر بحوالي ألف كيلومتر مربع، ويرى الجميّل أن هذا الواقع قد يتحول إلى مشكلة مستقبلية حقيقية. خريطة الطريق المطلوبة: تسريع الترسيم وتعويض الخسائر في ضوء هذه المعطيات، يرى الجميّل أن لبنان يجب أن يسارع أولًا إلى حل النزاع البحري مع سوريا لضمان تثبيت حدوده الشمالية بشكل نهائي، كما يدعو إلى الإسراع في تلزيم واستغلال البلوكات النفطية اللبنانية المجاورة لقبرص لتعويض جزء من الخسائر الناتجة عن اتفاق يعتبره في جوهره غير متوازن. قراءة استراتيجية للاتفاق: ثلاث خلاصات أساسية إذا كانت تصريحات الجميّل واضحة في إبراز المخاطر القانونية والجيوسياسية، فإن التحليل الاستراتيجي يشير إلى ثلاثة ملاحظات رئيسية: الاستثمار السريع مقابل الغموض الزمني الأولوية الاقتصادية القصيرة المدى: لبنان اختار تأمين استثمارات سريعة عبر رفع العوائق القانونية أمام شركات النفط، لكنه لم يحل مسألة استغلال الموارد بشكل فوري، خصوصًا مع طول مهلة البلوك 8. نزاعات الإقليم تعود من الباب البحري 2. استمرار التهديدات الإقليمية: النزاعات مع سوريا ورفض تركيا لحقوق القبارصة الأتراك تضع لبنان أمام مخاطر متكررة قد تعرقل التنقيب والإنتاج. الاتفاق يوفر إطارًا قانونيًا، لكنه لا يحمي عمليًا من الاحتكاكات السياسية أو العسكرية. حدود واضحة… وسيادة هشّة 3. توازن داخلي هش: الاتفاق يعكس قرارًا سياسيًا سريعًا، لكنه يترك لبنان مع حدود واضحة قانونيًا لكن معرضة للتحديات المستقبلية، مما يقلل من حرية الحركة في التفاوض مستقبليًا ويؤثر على العوائد الاقتصادية المتوقعة. خلاصة: اتفاق قانوني بلا ضمانات استراتيجية في المجمل، يوفر الاتفاق مع قبرص استقرارًا شكليًا ومرجعًا قانونيًا، لكنه يضع لبنان أمام تحديات استراتيجية حقيقية. إن نجاح هذا الاتفاق كمصدر سيادة اقتصادية وطاقة مستدامة سيعتمد على معالجة النزاع مع سوريا بسرعة، تسريع عمليات الاستكشاف، وإدارة العلاقات الإقليمية بحذر، لضمان أن يتحول الاتفاق من مجرد نص قانوني إلى فرصة حقيقية للاقتصاد اللبناني والطاقة الوطنية. المقال السابق: اتفاق لبنان-قبرص: بين المكاسب القانونية والخسائر البحرية

"انتفاضة الخصوصيات" تضعف أوروبا أمام التاريخ
بقلم
فادي نون
نُشر
يناير 20, 2026 - 14:09

في الجزء الأول من هذا التحليل، بدأنا في مقارنة الرؤيتين لأوروبا كما رآها مؤسسوها، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ولا سيما روبرت شومان، وكما هي اليوم، محرومة من زخمها التأسيسي ومخفية جذورها المسيحية واليونانية الرومانية. وفيما يلي الجزء الثاني، الذي يستند إلى تحليل الفيلسوفة شانتال ديلسول، التي نشرت مؤخرًا كتابًا عن «القارة العجوز». في كتابها «تمرد الخصوصيات» (L’Insurrection des particularités)، تقدم شانتال ديلسول تشخيصًا صارمًا للابتعاد التدريجي عن هذه الروح التأسيسية. ووفقًا لها، استبدلت أوروبا المعاصرة بالإرث إيديولوجية الحياد، وبالثقافة إدارة، وبالأنثروبولوجيا المسيحية فردانية مجردة. وبادعائها الاعتماد حصريًا على معايير عالمية منفصلة عن أي تقليد، فقد أزالت الشرعية تدريجيًا عن الانتماءات الملموسة – الأمم، الثقافات، الأديان، أنماط الحياة – التي كانت على الرغم من ذلك تشكل الفضاء الأوروبي. من هذا التطور ينشأ ما تسميه ديلسول «تمرد الخصوصيات». فالشعوب والهويات تتمرد ضد أوروبا التي يُنظر إليها على أنها بعيدة، معيارية، وغير مبالية بالخصوصيات. فبينما رأى شومان في الأمم وساطات ضرورية للسلام، تميل أوروبا المعاصرة إلى اعتبارها بقايا يجب تجاوزها. وينتج عن هذا الرفض مفارقة: فبمجرد رغبتها في إلغاء الفروقات باسم الشمولية، فإنها تثير عودتها في شكل توترات، وانكماشات هووية، وانقسامات. تترافق هذه الأزمة الثقافية اليوم مع أزمة جيوسياسية كبرى، كشفت عنها الحرب في أوكرانيا بوضوح. فعودة صراع عالي الشدة إلى الأراضي الأوروبية يعمل ككاشف: فأوروبا التي بنيت على رفض الحرب تكتشف أنها تخلت أيضًا عن التفكير في القوة والدفاع والصراع. ويتلاشى وهم قارة مسالمة بشكل دائم، تحكمها فقط القانون والتجارة، أمام حقيقة التاريخ. يسلط الصراع الأوكراني الضوء على حدود القدرات العسكرية الأوروبية، التي أُهملت طويلًا باسم نزعة سلام أصبحت هيكلية. فأوروبا، المعتمدة على الناتو، وفي النهاية على الولايات المتحدة لأمنها، تجد صعوبة في تصور نفسها كفاعل استراتيجي مستقل. هذا الضعف العسكري ليس تقنيًا فحسب: بل هو عرض لنزع سلاح أعمق، ثقافي وسياسي. فقارة لا تعرف من هي، ولا ما تريد الدفاع عنه، تجد صعوبة منطقية في قبول فكرة القوة. يظهر هذا الضعف أيضًا في ملفات جيوسياسية أخرى، مثل النقاشات التي أثارتها الرغبات الأمريكية تجاه غرينلاند. فـ«القارة العجوز»، التي كانت في السابق مركز ثقل العالم، يبدو أنها أحيانًا تعود لتصبح هدفًا للاطماع بدلاً من أن تكون فاعلًا سياديًا في التاريخ. وهنا أيضًا، يعكس الضعف الاستراتيجي تآكل الوعي الحضاري. بالنسبة لشانتال ديلسول، لقد نسيت أوروبا ما يميزها: القدرة على ربط العام بالخاص. فبفصلها عن المسيحية كأساس ثقافي — ليس كدين للدولة، بل كرؤية للإنسان والعالم — فقدت مبدأ وحدتها الداخلية. وبالتالي، فإن تمرد الخصوصيات ليس انحرافًا عرضيًا، بل هو النتيجة المنطقية لهذا النسيان. وهكذا يكشف التناقض بين شومان وديلسول عن بديل حاسم. فبينما جعلت الديمقراطية المسيحية بعد الحرب من الذاكرة - «لن يتكرر هذا أبدًا» - محركًا للبناء، يبدو أن أوروبا المعاصرة تريد أن تبني على النسيان. ولكن، القارة التي لم تعد تعرف من أين أتت، ولا ما كانت تريد تجنبه، تجد نفسها عرضة للخطر، سواء على الصعيد الداخلي أو في مواجهة توازنات القوى الخارجية. ربما تدعونا الحرب في أوكرانيا، بشكل مأساوي، إلى إعادة اكتشاف الحدس التأسيسي لشومان: أوروبا واعية بحدودها، وفية لتراثها، قادرة على التوحيد دون محو، وعلى الدفاع عن نفسها دون التنكر للروح التي أوجدتها والتاريخ الذي صاغها. المقال السابق: «القارة العجوز» بين الذاكرة التأسيسية والتجريد الحضاري

مسار برشلونة: تعاون غني بالوعود (٣/٥)
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر
يناير 20, 2026 - 13:29

المقال الثالث في سلسلتنا من المقالات حول الشراكة الأورو-متوسطية: عملية برشلونة، تطوراتها، تمويلها ثم استبدالها اعتبارًا من عام 2008 بالاتحاد من أجل المتوسط البحر الأبيض المتوسط، الغني بالثقافات، ومساحة الترابط، ومفترق الحضارات، هو مجموعة من الدول التي تتشارك تراثًا، حيث أثرت ثقافاتها المختلفة إحداها على الأخرى. وقد امتدت العلاقات لتشمل التبادلات الاقتصادية والعلمية. وقد أدت هذه الهوية الفريدة إلى إنشاء شبكات تستمر على خلفية شعور بالوحدة الإقليمية. اقترح الاتحاد الأوروبي إطارًا للتعاون المتعدد الأطراف مع جميع دول حوض البحر الأبيض المتوسط، بدءًا لمرحلة جديدة في علاقاتهم، حيث تناول للمرة الأولى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبشرية والثقافية وقضايا الأمن المشترك. تحققت هذه الشراكة من خلال اعتماد إعلان خلال مؤتمر برشلونة (27 و 28 نوفمبر 1995) من قبل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والدول الاثني عشر الشريكة في البحر الأبيض المتوسط (PTM): الجزائر، قبرص، مصر، إسرائيل، الأردن، لبنان، مالطا، المغرب، سوريا (تم تعليق عضويتها منذ مايو 2011)، تونس، تركيا، السلطة الفلسطينية، وبصفة مراقب موريتانيا. دُعيت جامعة الدول العربية واتحاد المغرب العربي (UMA). كان الإعلان الختامي للمؤتمر الأورو-متوسطي بداية لما أطلق عليه «عملية برشلونة» أو «الشراكة الأورو-متوسطية» (PEM)، والتي تسمى أيضًا «أوروميد». تتمحور أهدافها وطرائق عملها حول ثلاثة محاور هيكلية: التعاون السياسي والأمني بهدف تحديد فضاء مشترك للسلام والاستقرار، والتعاون الاقتصادي والمالي لبناء منطقة ازدهار مشترك، والتعاون الثقافي والاجتماعي لتعزيز التفاهم بين الثقافات والتبادلات بين المجتمعات المدنية. كان الهدف النهائي هو إنشاء منطقة ازدهار مشترك في منطقة تجارة حرة أورو-متوسطية (ZLEM)، وهو ما بدأ في إطار الاتحاد من أجل المتوسط (UpM) في عام 2010. وكانت الأداة المالية لهذه السياسة الأورو-متوسطية هي برنامج MEDA (الإجراءات المالية والتقنية المصاحبة) التابع للاتحاد الأوروبي لتنفيذ الشراكة الأورو-متوسطية وأنشطتها. اعتبارًا من 1 يناير 2007، تولى أداة الجوار والشراكة الأوروبية (IEVP) زمام الأمور. تستفيد عشرة بلدان شريكة للاتحاد الأوروبي، من خلال برنامج MEDA، من أموال البنك الأوروبي للاستثمار. وضع هذا المؤتمر والإعلان المعتمدان أسس عملية تهدف إلى تحقيق إطار متعدد الأطراف للحوار والتعاون بين الاتحاد الأوروبي والبلدان المتوسطية الشريكة، مما يسمح أيضًا بتحديد برنامج عمل: في إطار الشراكة السياسية والأمنية، يلتزم الأعضاء بدعم التسوية العادلة والشاملة والمستدامة للصراعات في الشرق الأوسط، استنادًا بشكل خاص إلى قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. في إطار الشراكة الاقتصادية والمالية، يتم تنظيم إنشاء منطقة التجارة الحرة الأورو-متوسطية بموجب اتفاقيات الشراكة الأورو-متوسطية واتفاقيات التجارة الحرة بين بلدان البحر الأبيض المتوسط الشريكة. تُبرم هذه الاتفاقيات في احترام قواعد منظمة التجارة العالمية (OMC). يحدد الشركاء أولويات لتسهيل إنشاء منطقة التجارة الحرة، ويجب عليهم أيضًا تحديد أولويات التعاون المتعلقة بالبنية التحتية للنقل، وتطوير تكنولوجيا المعلومات وتحديث الاتصالات. فيما يتعلق بالشراكة الاجتماعية والثقافية والإنسانية، يتعاون الأعضاء بهدف تنمية الموارد البشرية وتعزيز التفاهم بين الثقافات والتبادلات بين المجتمعات المدنية. في عام 2005، بهدف تعزيز وتوثيق روابط الشراكة مع إعادة تأكيد وتطوير أهدافها التي تكتسب بذلك عمقًا، تم التأكيد على هدف إنشاء منطقة تجارة حرة بين جميع دول منطقة اليوروميد. هذه الشراكة، القائمة على علاقات السلام بين جميع الدول الأعضاء التي لديها مصالح مشتركة وتاريخ طويل من التبادلات المتبادلة، تمتد لتشمل الهجرة ومكافحة الإرهاب اللذين يصبحان مجالين ذوي أولوية. عملية برشلونة، التي أطلقت عام 1995، هي مبادرة فريدة وطموحة أرست أسس شراكة إقليمية جديدة في إطار التعاون الأورو-متوسطي. تم تنفيذ الشراكة في عام 2008 مع إنشاء الاتحاد من أجل المتوسط. كان نوفمبر 2025 هو الذكرى الثلاثون لعملية برشلونة، وهي مبادرة تاريخية للتعاون الأورو-متوسطي أطلقت عام 1995 على أمل تحقيق سلام مشترك في الشرق الأوسط. جمعت هذه المبادرة دولًا من ضفتي البحر الأبيض المتوسط لتعزيز روابطها ومواجهة التحديات المشتركة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والبيئية. وقد مهدت عملية برشلونة الطريق لإنشاء الاتحاد من أجل المتوسط (UpM) في عام 2008، مما عزز روح التعاون الإقليمي التي لا تزال قائمة حتى اليوم. أثبت الصراع في الشرق الأوسط أن استقرار المنطقة أمر حاسم للأمن العالمي، وأي أزمة داخلها أو حولها تؤثر حتمًا على العالم بأسره. بالإضافة إلى ذلك، تواجه المنطقة تفاوتات اقتصادية متزايدة، وحالة طوارئ مناخية متفاقمة، وهشاشة اجتماعية، وتظهر ضعفًا كبيرًا. في سياق حرج كهذا، من المهم التساؤل عما إذا كانت قد بذلت جهود كافية على مدى الثلاثين عامًا الماضية لتعزيز أطر التعاون الإقليمي والمتعدد الأطراف لمواجهة التحديات المشتركة. المقال التالي: الاتحاد من أجل المتوسط، تقييم عام منذ عام 1995، وسيقدم آفاقًا لعام 2026 دون إخفاء العوائق. المقالات السابقة: 1/5 الاتحاد من أجل المتوسط: ماذا حل بعملية برشلونة؟ 2/5 الفكرة المتوسطية في مواجهة التوازنات الأوروبية

«القارة العجوز» بين الذاكرة التأسيسية والتراجع الحضاري

يشير مفهوم «القارة العجوز» إلى أوروبا التي صاغها تاريخ طويل، وتعدد شعوبها، وعمق روحي فريد. ومع ذلك، فإن هذه أوروبا ليست حقيقة ثابتة: لقد تم التفكير فيها وإعادة بنائها وإعادة تفسيرها على مر العصور. رؤيتان تسمحان بقياس تطورها وتوتراتها المعاصرة: الأولى التي صيغت بعد الحرب العالمية الثانية من قبل روبرت شومان والديمقراطية المسيحية؛ والثانية التي وصفتها اليوم شانتال ديلسول في كتابها تمرد الخصوصيات. بين هاتين اللحظتين، تحولت أوروبا من مشروع حضاري قائم على المصالحة إلى أزمة هوية تتسم بالتجزئة والعجز الاستراتيجي. في أعقاب الحرب مباشرة، ترتكز فكر روبرت شومان على تجربة تاريخية مؤلمة. خرجت أوروبا منهكة من حربين عالميتين نشأتا على أرضها. الشعار الضمني الذي سكن وعي الناس آنذاك كان بسيطًا، جذريًا، وجوديًا تقريبًا: «لن يتكرر هذا أبدًا». لن تتكرر الحرب الأخوية أبدًا، ولن تتكرر القوميات القاتلة أبدًا، ولن يتكرر إنكار الكرامة الإنسانية أبدًا. هذا الرفض المطلق للعودة إلى البربرية يشكل الأساس الأخلاقي للمشروع الأوروبي كما تصوره شومان، وأديناور، ودي جاسبري، وجميعهم من تقاليد الديمقراطية المسيحية. بالنسبة لشومان، أوروبا ليست في المقام الأول فضاءً اقتصاديًا أو تكنوقراطيًا، بل هي مجتمع مصير قائم على فكرة معينة عن الإنسان. هذه الأنثروبولوجيا موروثة من المسيحية، ليس كعقيدة مفروضة، بل كمصفوفة ثقافية شكلت المفهوم الأوروبي للشخص والقانون والسلطة. وبهذا المعنى يؤكد، في عبارة ظلت مشهورة: «ستكون الديمقراطية مسيحية أو لن تكون» (1). بعيدًا عن الإشارة إلى خلط بين الإيمان والسياسة، تعبر هذه الجملة عن القناعة بأن الديمقراطية لا يمكن أن تنجو بدون أساس أخلاقي يعترف بكرامة الإنسان، والمسؤولية، والتضامن، وحدود السلطة. يعكس إعلان 9 مايو 1950 هذه الرؤية بشكل ملموس. لن تتحقق أوروبا بالمرسوم، بل من خلال إنجازات ملموسة تخلق تضامنًا فعليًا. لا يتعلق الأمر بإلغاء الأمم، بل بوضعها في إطار أعلى قادر على تحييد دوافعها المدمرة. يُنظر إلى «القارة العجوز» آنذاك على أنها حضارة تدرك جذورها اليونانية الرومانية، والمسيحية، والإنسانية، ومصممة على تحويل ذاكرتها المأساوية إلى مبدأ سلام دائم. وهكذا تقدم الديمقراطية المسيحية توليفة أصلية: وحدة بلا تجانس، تعدد بلا مواجهة، ذاكرة بلا استياء. المقال التالي: تمرد الخصوصيات: أوروبا بلا دفاع في وجه التاريخ (1) رينيه لويجون، روبرت شومان، أبو أوروبا، فايارد (ص 169).

المشروع المتوسطي بين الطموح والواقع الأوروبي (٢/٥)
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر
يناير 17, 2026 - 10:27

بعد تحديد الإطار الجغرافي للاتحاد المتوسطي وشرح الأسباب التي أدّت إلى استبعاد البحار المجاورة وكذلك الدول الساحلية غير المرتبطة بالبحر المتوسط، سيتم عرض مجلسي دول بحر البلطيق والمجلس الشمالي، إلى جانب أهدافهما، من أجل تحديد أوجه التقارب مع هذا الاتحاد والفوارق التي تميّز أهداف كل منهما. كانت الحدود الجغرافية للاتحاد المتوسطي محددة بدقة: البحر المتوسط، المحصور بين مضيقي جبل طارق والدردنيل وقناة السويس. أما الدول المعنية فهي تلك التي يمكن تسميتها بالقوس المتوسطي الأوروبي (بما في ذلك البرتغال، بحكم لغتها وتاريخها وثقافتها)، إضافة إلى الدول الساحلية في الجنوب والشرق، وعددها ست عشرة دولة: المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، مصر، إسرائيل، الأردن، لبنان، فلسطين، سوريا، تركيا؛ وفي الأدرياتيكي: البوسنة والهرسك، كرواتيا، ألبانيا، والجبل الأسود؛ وأخيرًا موريتانيا، لسبب مشابه – وإن لم يكن مطابقًا – للسبب الذي يبرر إدراج البرتغال. كان هدف المبادر إلى المشروع ألا يظهر البحر المتوسط كمجرد سلسلة متصلة من الدول تحيط بفراغ مركزي، بل كفضاء للحياة والإنتاج والتبادلات الإنسانية والتجارية والثقافية، يتكوّن من البحر المتوسط والدول الساحلية المحيطة به. لقد كان يُنظر إليه ككلٍّ لا يتجزأ: اتحاد دول، أي اتحاد أراضٍ، ولكن أيضًا اتحاد هذه الأراضي مع البحر، باعتباره الفضاء المركزي الذي يربط بينها. غير أن الأهداف المحددة تبدو في معظمها برية الطابع، إذ لا يتناول أيٌّ منها البحر بشكل مباشر. في ذلك الوقت، طالبت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بضم جميع الدول السبع والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى هذا المشروع. ولتفادي أي مواجهة، اضطر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى تعديل المشروع عبر إدراج جميع دول الاتحاد الأوروبي وتغيير تسميته لإزالة أي لبس. ومع ذلك، يكون من المفيد أحيانًا العودة إلى المراحل المختلفة لتكوين أي مسار سياسي لفهم أسباب نجاحه أو تعثّره، وبالتالي الصعوبات التي واجهها الاتحاد من أجل المتوسط (UpM) في التقدم بالوتيرة المرجوة. وسنرى أنه لا يشكل فشلًا، بل ربما – جزئيًا – ضحية الأعباء المرتبطة ببنيته الكلية، على نحو اعتادت أوروبا إنتاجه. يتم هنا عرض هيئتين: مجلس دول بحر البلطيق، الذي يشبه – إلى حد بعيد من حيث طموحاته وأهدافه – الاتحاد المتوسطي (أو الاتحاد من أجل المتوسط)، والمجلس الشمالي، على سبيل التذكير. وسيتم التطرق إلى هذا الأخير بإيجاز شديد، نظرًا لكونه غير متمركز حول بحر البلطيق في طبيعته. مجلس دول بحر البلطيق أُنشئ هذا المجلس عام 1992 بمبادرة من ألمانيا والدنمارك لتعزيز التعاون في منطقة بحر البلطيق، لا سيما في مجالي الأمن والبيئة. ويؤدي دور منصة إقليمية للتعاون في القضايا المدنية والبيئية والبحرية والمجتمعية. وهو منتدى إقليمي يضم عشرة دول: الدنمارك، إستونيا، فنلندا، ألمانيا، آيسلندا، لاتفيا، ليتوانيا، النرويج، بولندا، والسويد، وجميعها أعضاء في الاتحاد الأوروبي باستثناء آيسلندا والنرويج. كما تتمتع دول مثل فرنسا بصفة مراقب على المستوى الوطني. ويقع مقر أمانته العامة في ستوكهولم. وقد أدّى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى تغيير بعض مكوّنات هذا المجلس، ولا سيما من خلال تعليق عضوية موسكو. وتتمثل أهدافه في: * تعزيز الهوية الإقليمية والتعاون حول بحر البلطيق؛ * دعم تنمية مستدامة ومزدهرة للمنطقة؛ * ضمان منطقة آمنة ومستقرة (الأمن المدني، حماية الأشخاص، التعاون عبر الحدود)؛ * حماية البيئة وتعزيز الصمود الديمقراطي؛ * تشجيع التواصل الإنساني ونمو اقتصادي متوازن. وتشمل مجالات عمله حماية الملاحة البحرية، والاقتصاد البحري المستدام، ومكافحة الاتجار بالبشر والجريمة المنظمة، إضافة إلى التعليم والشباب والثقافة، مع دور معزز في التعاون الإقليمي الأوروبي في شمال شرق أوروبا. المجلس الشمالي أُنشئ المجلس الشمالي عام 1952، إلى جانب نظيره الوزاري الذي أُسس عام 1971، بهدف تعزيز التعاون بين الدول الشمالية في مجالات متعددة (التنقل، البيئة، الثقافة، المجتمع). وتقوم رؤيته بوضوح على التعاون والتكامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ويُعد نموذجًا لاتحاد إقليمي ديمقراطي. ويضم المجلس الدنمارك، فنلندا، آيسلندا، النرويج، والسويد، إلى جانب أقاليمها ذات الحكم الذاتي (غرينلاند، جزر فارو، وآلاند). ويقع مقره في كوبنهاغن. وتتمثل أهدافه الأساسية في تعزيز فضاء شمالي متكامل قائم على حرية التنقل والمساواة والاستدامة والابتكار، إضافة إلى ترسيخ القيم الديمقراطية والتضامن الإقليمي. لا يضم المجلس الشمالي ألمانيا ولا باقي دول الاتحاد الأوروبي، لكنه يُذكر هنا لإظهار أن هيئات إقليمية قائمة على أسس جغرافية، تجمع بعض دول الاتحاد الأوروبي مع دول غير عضو فيه ضمن نطاق جغرافي محدد، تتعايش وتعمل بنشاط. وهي تعمل على الأرجح بسلاسة أكبر من الاتحاد من أجل المتوسط، الذي يبدو واسعًا وربما مثقلًا أكثر من اللازم ليعمل بفاعلية ودينامية. ولا يمكن مقارنة الاتحاد المتوسطي إلا بمجلس دول بحر البلطيق، إذ إن كليهما يقوم على فضاء بحري يضم دولًا ساحلية. غير أن أهداف مجلس البلطيق لا ترقى إلى حجم طموحات الاتحاد المتوسطي. ومع ذلك، فإن الاتحاد المتوسطي، رغم إحاطته بالبحر المتوسط – مع إضافة بعدٍ أدرياتيكي وانفتاح أطلسي – يظل خاليًا من أهداف بحرية حقيقية. لقد كان الاتحاد المتوسطي عابرًا. وخلفه الاتحاد من أجل المتوسط، القائم اليوم. وهو أمر أساسي لشعوب المتوسط. وللبنان مكانه الطبيعي فيه. المقال المقبل: تحوّل مسار برشلونة إلى الاتحاد من أجل المتوسط (٣/٥) المقال السابق: الاتحاد المتوسطي: ماذا حلّ بمسار برشلونة؟ (١/٥)

إيران: حربٌ أهلية، على غرار ما حدث في سوريا، تظلّ احتمالًا قائمًا

نظام طهران لم يسقط؛ حتى لو كان ضعيفًا، فهو لا يترنح. إذا كانت المظاهرات والاضطرابات التي اندلعت في مدن إيران محل تقدير الأكاديميين والنساء والبازاريين وغيرهم من فئات المجتمع، فإن السؤال المطروح هو ما إذا كانت قد تجاوزت في حجمها تلك التي أطاحت بالشاه عام 1979. لكن هذه التشنجات والاحتجاجات قد تصل فجأة إلى خطورة غير متوقعة، ولن يكون من الوهم الرهان على نجاحها كما لا يتردد المستشار الألماني في الإعلان عن ذلك. حتى في حال توجيه ضربة إسرائيلية أو أمريكية! ومع ذلك، لن نشهد قريباً هروب النخبة السياسية-الدينية الإيرانية، ولا هروب مماليكها من الحرس الثوري والباسيج *. إنهم ليسوا أناساً يلوذون بالفرار أمام المتظاهرين العزل. ثم إن آية الله خامنئي، حتى لو أنهكه المرض، ليس رئيس الوزراء محمد مصدق الذي أطاح به بسهولة انقلاب دبرته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والمخابرات البريطانية MI6 عام 1953 لإعادة محمد رضا بهلوي. لذا، ما لم ينقلب النظام على نفسه، فإن مستقبل البلاد سيتحدد على المتاريس. لن يتخلى كبار المسؤولين في النظام عن نفوذهم، وليس لدى الحرس الثوري سوى رغبة واحدة: الاشتباك مع العدو الداخلي. كل هذا العالم لديه الكثير ليخسره من تناوب السلطة. وبعد تورطهم في الفساد والقمع، أين سيجد بارونات وأركان الدولة ملجأ لهم؟ في الصين أم في روسيا الاتحادية، بينما فنزويلا ممنوعة عليهم افتراضياً؟ مع ذلك، تحت التهديد الخارجي، يمكن للطبقة الحاكمة أن تتنازل. يمكن أن يصل الأمر إلى تقليص سلطة المرشد الأعلى، أو حتى التنازل عن الملف النووي، لكنها لن تتخلى عن السلطة. لنكن واضحين، هجمة إلكترونية خبيثة أو حتى قصف أمريكي، دون نشر قوات برية، ليسا قادرين على إسقاط النظام المكروه. لذا، مرة أخرى، سيكون على الشعب الذي نزل إلى الشوارع أن ينتزع النصر بصعوبة. لذا، من المرجح نشوب حرب أهلية غير متكافئة في البداية، كما حدث في سوريا. وهنا، لا ينبغي استبعاد تدخل روسي و/أو صيني، ولو لمجرد موازنة التدخل الإسرائيلي والأمريكي. وماذا عن لبنان إذن؟ ومع ذلك، لم نخرج من المأزق: إذا كان الدم سيُسفك في محافظات الجمهورية الإسلامية، فمن الأفضل أن نتوقع انفجاراً في لبنان. لأنه إذا شعر نظام الملالي بالتهديد في عقر داره، فلن يتردد في إشعال الشرق الأوسط بأكمله. نعم، لا يمكن استبعاد قرار انتحاري من جانب أولئك الذين انحدروا بسرعة في أقل من عامين ويعيشون حالة إنكار مذهلة. ومن هنا الدعوة إلى اليقظة والانتباه! *إذا وصل عددهم الحالي إلى 200 ألف جندي، فلا ينبغي أن نغفل أن «ما لا يقل عن مليوني باسيج وحارس ثوري خاضوا تجربة الجبهة الرهيبة. هذه الأخوة في السلاح تفسر التأثير اللاحق لشبكات تضامنهم من المحاربين القدامى المسرحين في جميع أنحاء الجسم الاجتماعي». جان بول بوردي، «إيران: عسكرة النظام من قبل الحرس الثوري»، مجلة الشرق الأوسط، 10 يناير 2024

الاتحاد المتوسطي: ماذا تبقّى من مسار برشلونة؟ (١/٢)
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر
يناير 16, 2026 - 12:39

في هذه السلسلة من المقالات، يتتبع ليفانت تايم نشأة الاتحاد من أجل المتوسط (UpM)، الذي لبنان عضو فيه، وإنشائه وطريقة عمله الحالية. سيختتم السلسلة نهج استشرافي حول ما يمكن لبلد الأرز أن يقوم به، والدور الذي يمكن أن يلعبه في إطار هذا الاتحاد. الاتحاد من أجل المتوسط (UpM) هو الوريث المباشر لعملية برشلونة، ثم للمشروع الذي أطلقه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عام 2008 تحت عنوان «الاتحاد المتوسطي». هذه المبادرة، التي حظيت بموافقة عدد كبير من الفاعلين ولكن رفضها، بل وانتقدها آخرون - خاصة دول شمال أوروبا، بقيادة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، التي كانت متشككة بشأن معالمها وتداعياتها - قدمت مع ذلك ميزتين أساسيتين. الأولى هي أنها أتاحت إنجاز مشروع، وإن كان تحت اسم آخر وبشكل آخر، ولكنه يجسد إنشاء «اتحاد من أجل المتوسط». والثانية هي أنها أعادت إحياء عملية برشلونة التي كانت في حالة تراجع آنذاك، من خلال الحلول محلها، ولكن بعكس منطق بنائها. ارتكز الافتراض الأولي على فكرة أن التنمية المشتركة - بين الشمال والجنوب وبين الجنوب والجنوب - ستسمح بإنشاء منطقة للتجارة الحرة للسلع والخبرات. كان من المفترض أن تساهم التبادلات بين الجنوب والجنوب، على وجه الخصوص، في جعل هذه المجموعة مساحة للسلام والتنمية الثقافية والتقدم الاجتماعي. وافترض أن السياسة ستتبع. وهنا تحديدًا تكمن الحداثة ومحاولة إعادة إطلاق عملية برشلونة، بشكل مختلف. فإذا كان من الممكن أن تدعي العملية بعض النجاحات في المجال الاقتصادي، فقد فشلت جوانبها السياسية والاجتماعية لسبب رئيسي: صعوبة إقامة حوار بين جميع البلدان المعنية، ويرجع ذلك بشكل خاص إلى استحالة حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والذي أضيف إليه الشكوك الكامنة، خاصة حول مواضيع حساسة مثل الهجرة. اعتبر الرئيس ساركوزي، وليس بدون سبب، أن التنمية المنسقة للاقتصادات من خلال مشاريع مشتركة من شأنها أن تسمح بإعادة فتح الحوار على جميع المستويات الأخرى: السياسي والاجتماعي والثقافي. هذا النهج استبعد فورًا ما كان يدعو إليه البعض، ربما لتهميش هذه الفكرة الجديدة، وهو تضاعف المشاريع الصغيرة. كان من المفترض أن يوفر الدفع الذي أعطي للمشاريع الهيكلية فرصة جديدة للمنطقة بأكملها، وما وراء ذلك، أن يكتسب قيمة نموذجية. كان الاتحاد المتوسطي يُنظر إليه على أنه تجمع للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وبالأساس الدول الساحلية، والدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط، بهدف تصميم وتنفيذ مشاريع مشتركة تعزز التنمية الاقتصادية للمنطقة وتحويل هذه المساحة إلى منطقة سلام. في عام 2008، كان الاتحاد الأوروبي قد توسع شرقًا بانضمام عضويه السادس والعشرين والسابع والعشرين، بلغاريا ورومانيا. كان اندماجهما قيد التنفيذ وكان من المقرر أن يكتمل على المدى المتوسط. بيد أن هذا التوسع، المرغوب فيه من بعض النواحي، بدا مفرطًا من حيث إمكاناته، مع خطر أن يؤدي إلى إعادة تشكيل أوروبا في دوائر متحدة المركز، وذلك لتمكين نواة صلبة من التقدم وسحب المجموعات الأخرى بوتيرة مستدامة. من هذا المنطلق، لم يكن ينبغي اعتبار هذين البلدين جزءًا من منطقة البحر الأسود، بل بمثابة الأطراف الشرقية للاتحاد الأوروبي. كانت المشكلات الخاصة بالبحر الأسود حقيقية بالفعل، ولم يكن حلها يعتمد، على المدى القصير، على الاتحاد الأوروبي، بل بالأساس على روسيا. وقد اعتمدت بشكل خاص على قدرة كل دولة ساحلية على حل صعوباتها الداخلية، الموروثة من تفكك الاتحاد السوفيتي السابق، وكذلك تلك المتعلقة بوجود أقليات، وهو وجود حاسم في بعض الأحيان. كانت هذه التحديات تتعلق بالدرجة الأولى بقدرة هذه الدول على إرساء ممارسات ديمقراطية والتحاور فيما بينها، دون إغفال قيودها الجيوسياسية وبيئتها الإقليمية المباشرة. بما أن تحليل الاتحاد من أجل المتوسط سيتم تناوله لاحقًا، فمن المناسب عدم دمج جميع المشكلات الكامنة أو المؤكدة في منظور إنشاء اتحاد، سواء كان أولاً «متوسطيًا»، ثم «من أجل المتوسط». فدول البحر الأبيض المتوسط كان لديها بالفعل ما يكفي من الصعوبات الخاصة بها، دون إضافة مشكلات أبعد، ولكن المستقبل سيظهر أهميتها. هذه العناصر، من بين أمور أخرى، كانت كافية لاستبعاد البحر الأسود وبحر مرمرة من النطاق المتصور. وبالتالي، فإن البحر الأبيض المتوسط المعتمد سيكون هو البحر الأبيض المتوسط في كتب الجغرافيا. المقال التالي: ولادة الاتحاد المتوسطي، مشروع عابر أصبح الاتحاد من أجل المتوسط.

المعايرة الدبلوماسية للكنيسة الكاثوليكية في النزاعات: مثال فنزويلا

من المفارقات أن الانقلاب الأمريكي في فنزويلا ليلة 3-4 يناير/كانون الثاني شكّل بداية فصل جديد من "عدم الاستقرار العالمي"، الذي حذّر منه البابا ليو الرابع عشر قبل أيام قليلة في رسالته بمناسبة اليوم الدولي التاسع والخمسين للسلام في 1 يناير/كانون الثاني 2026. وقال البابا: "في العلاقات بين المواطنين والحكومات، بتنا نعتبر عدم الاستعداد الكافي للحرب، والرد على الهجمات، والتصدي للعنف، خطأً. وبعيدًا عن مبدأ الدفاع عن النفس، يُعدّ هذا المنطق العدائي، سياسيًا، العامل الأبرز في حالة عدم الاستقرار العالمي التي تزداد حدةً وتقلبًا يومًا بعد يوم". وفيما يتعلق بـ"عدم الاستقرار" و"عدم القدرة على التنبؤ"، فقد أحسنت الولايات المتحدة التصرف! لا شك أن فنزويلا "لطالما وُصمت لسنوات طويلة بتجارة المخدرات والفساد"، وفقًا لما ذكره الأب جورج إنجل، وهو كاهن مبشر نقل عنه أوليفييه بونيل في أخبار الفاتيكان. ولذلك، لن يحزن أحد حقًا على نيكولاس مادورو، الذي انتُخب في 10 يناير 2025 لولاية ثالثة اعتبرتها أغلبية المجتمع الدولي غير شرعية. ومع ذلك، فإن تصرفات الولايات المتحدة غير مبررة. في الواقع، ردًا على الانقلاب، خلال صلاة التبشير الملائكي في 4 يناير، تجنب البابا بحرص الانحياز لأي طرف في النزاع، مكتفيًا بالقول إن "مصلحة الشعب الفنزويلي الحبيب يجب أن تسود على جميع الاعتبارات الأخرى". هذا الموقف المتزن سمة مميزة للدبلوماسية الفاتيكانية، التي دائمًا ما تضع نفسها فوق الأطراف المتنازعة للدفاع عما تعتبره جوهريًا، حتى لو كان ذلك يُعرّضها لخطر اتهامها بمساواة المعتدي بالضحية. الجوهري والفرعي يأتي الجانب "الجوهري" محل النقاش لاحقًا في رسالة البابا. يتعلق الأمر بـ"تجاوز العنف والسير على درب العدالة والسلام، من خلال ضمان سيادة البلاد، وتأمين سيادة القانون المنصوص عليها في الدستور، واحترام حقوق الإنسان والحقوق المدنية لكل فرد، والعمل معًا لبناء مستقبل هادئ يسوده التعاون والاستقرار والوئام، مع إيلاء اهتمام خاص لأشد الناس فقرًا الذين يعانون من الوضع الاقتصادي الصعب". هذا النوع من الدبلوماسية، الذي لا تزال فيه سيادة الدول والقواعد الدستورية وحقوق الإنسان هي الأساس، هو "الحياد الفعال"؛ وهو ابتعاد عن "المحاور" الجيوسياسية، على غرار النهج الذي يأمل البطريرك الماروني أن يتبناه لبنان. يُشار إلى هذا المسار الدبلوماسي أيضًا في لغة الفاتيكان بـ"دبلوماسية الصالح العام". وتتمثل وسائله في الحوار، وهي وسائل "منزوعة السلاح وقادرة على نزع السلاح"، على حد تعبير البابا ليو الرابع عشر، مما يميزه، على سبيل المثال، عن دبلوماسية الأمم المتحدة، التي تختلف أدواتها اختلافًا جذريًا. الحياد الفعال، لا السلبي يعني "الحياد الفعال" أن الكرسي الرسولي لا ينحاز لأي طرف، دون أن يبقى سلبياً أو "محايداً" عند انتهاك الحقوق الأساسية. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2023، أعرب الكاردينال بارولين، في بيان علني، عن قلقه البالغ إزاء تصاعد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، واصفاً الأحداث الجارية بأنها قد ترقى إلى "إبادة جماعية". وبما أن الكرسي الرسولي لا يملك مصالح اقتصادية أو عسكرية، فإنه يستطيع تقييم الوضع استناداً إلى مبادئ أخلاقية، مع تشجيع الحوار واقتراح حلول سلمية للنزاعات كلما أمكن. وغالباً ما يعمل الفاتيكان، بالتوازي مع ذلك، في الخفاء، بسرية وثبات، في اتجاه اللاعنف. من الخاص إلى العام لا يمنع هذا دبلوماسية الفاتيكان، في جوهرها، من الانتقال من الخاص إلى العام. ففي رسالته بمناسبة اليوم العالمي للسلام، يناشد الفاتيكان وقف انتشار الأسلحة وصناعة التسلح. يأخذ هذا النداء في الحسبان، هذا العام، إدخال الخوارزميات والردع النووي في النزاعات، ليُبين أن هذا التطور الجديد، الذي تتجلى آثاره المدمرة في الشرق الأوسط وأوروبا، يُقوّض أسس الحضارة الإنسانية ويقود البشرية إلى حافة الهاوية. ويضيف البيان: "إننا نشهد عملية إعفاء القادة السياسيين والعسكريين من المسؤولية، نتيجةً لتزايد تفويض القرارات المتعلقة بحياة البشر وموتهم إلى الآلات. إنها دوامة تدميرية غير مسبوقة للنزعة الإنسانية القانونية والفلسفية التي تقوم عليها الحضارة الإنسانية وتحميها". الإنسانية الفلسفية والقانونية ما هي تحديدًا هذه "الإنسانية القانونية والفلسفية" التي طرحها البابا ليو الرابع عشر؟ فلسفيًا، تؤكد هذه الإنسانية على أن الإنسان يتمتع بكرامة متأصلة، مستقلة عن نفعه أو ثروته أو قوته؛ كما تؤكد على أن الإنسان مُنح العقل والحرية، وبالتالي فهو مسؤول عن أفعاله؛ وأخيرًا، تؤكد على أن المجتمع والسياسة والعلم يجب أن تخدم الإنسانية، لا العكس. تتوافق هذه المفاهيم، المتجذرة بعمق في الأنثروبولوجيا المسيحية، مع الإيمان بأن كل إنسان مخلوق على صورة الله، وأن كرامة الإنسان بالتالي غير قابلة للتصرف، حتى في حالات الضعف (المرض، الفقر، الشيخوخة، أو ارتكاب الخطأ). قانونيًا، تعني الإنسانية أن القانون وُجد لحماية الإنسان، وليس لمجرد تنظيم السلطة. وهذا يستلزم بشكل خاص رفض القوانين التي تُعامل البشر كأشياء (سلع، أدوات، بيانات)، لا سيما في علاقات الإنتاج. يشكل هذا نقدًا للأنظمة القانونية التقنية أو النفعية البحتة، وكذلك لفكرة أن "كل ما هو قانوني فهو عادل". وكما نرى، تستند الكنيسة في أحكامها إلى مبادئ واضحة للغاية. يصف البعض عصرنا بأنه "كارثي" ويرون في الأحداث الجارية علامة على "نهاية الزمان". ولكن لا داعي للمبالغة في الحكم. فكما أكد القديس أوغسطين، المرشد الفكري للبابا ليو الرابع عشر، فإن الناس أحرار ومسؤولون ومحاسبون على أفعالهم، وسيُحاسبون عليها. ومع ذلك، لا يمنع هذا عصرنا من أن يكون مثيرًا للقلق حقًا.