

يدخل النظام العالمي مرحلةً انتقاليةً تسمها إعادةُ البناء لا الانهيار. فالنظامُ الذي أرسته نهايةُ الحرب العالمية الثانية، والذي انفردت بقيادته الولايات المتحدة — وأكثرَ من أي وقت مضى منذ سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1990 — يتكيّف اليوم مع معطيات جديدة.
ثقلُ الصين الاقتصادي يمنحها رافعةً استراتيجية تمتدّ أبعدَ بكثير من دوائر التجارة والمال، فتُرسّخها منافساً قوياً للولايات المتحدة. وإن كان نمطُ تدخّلها يختلف عن نمط القوى الغربية، فإن نفوذها المتنامي في مناطق كالشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ليس في نهاية المطاف سوى وجهٍ آخر من وجوه الاستعمار الجديد، ومن ثمّ ليس أقلَّ وطأةً على المصالح الأمريكية الكونية.
أما روسيا، وعلى الرغم مما أفقدته الحربُ في أوكرانيا من رصيدها الاستراتيجي، فإنها ليست في وارد التهوين من شأنها باعتبارها قوةً عالمية. فهي لا تزال تمارس نفوذها في أفريقيا والشرق الأوسط وسواهما، وتحتفظ بشبكة نفوذ جيوسياسي ممتدة. وهكذا تبقى، في حسابات واشنطن، تهديداً حقيقياً — أضعفَ مما كانت عليه، غير أنه ليس بائداً.
والأهم من ذلك كله أن الانخراط المتذبذب للقوى التقليدية — كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا — وما تراكم عليها من تحديات داخلية، قد أوجد فراغاً استراتيجياً أتاح لطيف جديد من الفاعلين الإقليميين في الشرق الأوسط وآسيا الصعودَ إلى مرتبة «صانعي النفوذ» الجدد.
المشهدُ الناشئ متعدد الأقطاب، وهو في الوقت ذاته بالغُ التشابك. باتت المنافسة في جوهرها اقتصاديةً وتكنولوجية. فالسيطرة على سلاسل التوريد والبنى التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي وتدفقات الطاقة والمعادن النادرة أصبحت ترسم خرائط النفوذ الاستراتيجي أشدَّ تأثيراً وأبقى أثراً من أي توسع إقليمي مادي.
في هذا السياق، باتت الشركاتُ الكبرى والمؤسسات المالية تمارس تأثيراً عابراً للحدود غير مسبوق، وتكشف عن أشكال جديدة من هشاشة الدول.
من منظور واقعي، يمثّل ذلك تبدّداً جزئياً للسلطة بعيداً عن قبضة الدولة. فرغم أن الحكومات تبقى الفاعلَ الرئيسي، فإن قدرتها على إسقاط نفوذها باتت تتآكل تحت وطأة كيانات خاصة تمسك بزمام الأصول الحيوية. والدول التي تعتمد على سلاسل توريد خاضعة لسيطرة أجنبية، أو على منصات رقمية، أو أسواق رأس المال، تجد نفسها مقيّدة هيكلياً في استقلاليتها الاستراتيجية، مما يُضيّق حريةَ حركتها حتى في الملفات التي كانت تُعدّ تاريخياً شأناً سيادياً خالصاً. وهكذا تُصبح الإكراهاتُ الاقتصادية ونقاط الاختناق التكنولوجية والرافعة المالية بدائلَ عن القوة العسكرية.
قد تبدو هذه الحقيقة الجديدة وكأنها تُرسّخ تبادلاً معقداً للاعتماد المتبادل، تضطلع فيه الشركاتُ بدور الوساطة بين الاقتصادات الوطنية. بيد أن هذا التشابك ليس بمتكافئ. فالدول المندمجة في الأسواق العالمية، من دون أن تمتلك ناصية السيطرة المحلية على تمويلها وتكنولوجيتها وطاقتها، هي الأشدّ عُرضةً للصدمات الخارجية وللقرارات الصادرة عن جهات خاصة تقع خارج نطاق رقابتها.
كثيراً ما يوازي حجمُ الفاعلين من غير الدول وتأثيرُهم ذلك الذي تحظى به الدول القومية، مما يُثير نقاشات جوهرية حول الحوكمة والتنظيم والتوازن الاقتصادي. فالحوكمة تتحول تدريجياً من المؤسسات العامة إلى شبكات الشركات العابرة للحدود، التي تضع المعايير وتتحكم في تدفق البيانات وتؤثر في المنظومات التنظيمية. وسلطة الدولة لا تُمحى، لكنها تتفتت وتُقاسَم مع فاعلين من غير الدول، تحرّكهم اعتبارات الربح وإدارة المخاطر ومصالح المساهمين لا الاستراتيجية الوطنية.
بالنسبة للشرق الأوسط، تنطوي هذه المرحلة الانتقالية على مخاطر وفرص في آنٍ معاً. فالموقع الجغرافي الاستراتيجي ومبادرات التحول في قطاع الطاقة والاستثمارات في البنية التحتية تُرسّخ المنطقة عقدةً محوريةً في الشبكات العالمية المتشكّلة. والسؤال ليس هل ستتأثر المنطقة — بل كيف ستتمكن من صياغة هذا التحول والاستفادة منه. وقدرة دول الشرق الأوسط على ذلك تتفاوت تفاوتاً كبيراً، وهي في جوهرها مشروطة بهشاشات بنيوية متجذّرة.
كثيرٌ من هذه المواطن الهشّة تضرب جذورها في إرث التكوين الاستعماري للدول، الذي أفرز حدوداً ومؤسساتٍ واقتصاداتٍ سياسية لا تنسجم مع واقع المجتمعات. وقد اعتمدت نماذج الحكم التي تلت الاستقلال في الغالب على الإكراه والريوع الخارجية والمحسوبية، عوضاً عن المشاركة السياسية الشاملة، مما أفضى إلى عقود اجتماعية واهية أو ممزّقة. ومع الوقت، زادت التكريساتُ الاستبدادية والنزاعاتُ المسلحة وسوءُ الإدارة الاقتصادية من تآكل شرعية الدولة وقدرة مؤسساتها.
ومع ذلك، فإن التحول الأعمق يجري على مستوى المجتمعات.
فقد أفضى تعادُ الاستقرار — من التقلبات المالية إلى الصدمات الجيوسياسية — إلى إعادة تشكيل التوقعات العامة. ما كان يُشعل ردود فعل جماهيرية مستدامة صار اليوم لا يثير سوى استجابات محدودة. دورات المعلومات تتسارع، والأزمات تتراكب، مما يُقلّص آفاق انتباه الرأي العام.
هذا التحول لا يعني بالضرورة توجيهاً ممنهجاً للرأي، لكنه يعكس تحولاً بنيوياً في آليات امتصاص المجتمعات للاضطراب. وقد باتت القدرة على التكيّف سمةً محددة للمجتمعات المعاصرة. غير أن الخطر يكمن في أن التكيّف من دون مشاركة فاعلة قد يُضعف الانخراط المدني على المدى البعيد.
النظامُ العالمي الناشئ لن تُشكّله المنافسةُ الاستراتيجية بين الدول وحدها، بل أيضاً الطريقةُ التي تفسّر بها المجتمعاتُ التغيرَ المتواصل وتتجاوب معه.
في نهاية المطاف، قد لا يكون التحول الأعمق جيوسياسياً، بل معرفياً. إذ مع تبدّد السلطة على الدول والشركات والشبكات العابرة للحدود، يجد المواطنون أنفسهم أمام أنظمة حكم تبدو بعيدةً ومبهمةً وعسيرة التأثير فيها. والسؤال المحوري هو: هل تتجاوب المجتمعات مع هذا التعقيد من خلال تجديد انخراطها السياسي، أم أنها تنكفئ إلى مجاراة دائمة لأُطر لم تعد تُسهم في صياغتها؟
في سياقات كثيرة، أفرز التعرّضُ المديد للأزمات والهشاشة الاقتصادية والتبعية الخارجية سياسةَ المهادنة بدلاً من المشاركة. فالمواطنون يعيدون معايرة توقعاتهم نزولاً، مُؤثِرين الصمود والتكيف الفردي على العمل الجماعي. والحكمُ، في المقابل، يخاطر بالانزلاق إلى نشاط تكنوقراطي يكتفي بإدارة الاضطراب عوضاً عن بلورة مشاريع سياسية مشتركة. هذا التحول المعرفي — من المِلكية إلى التحمّل — ينخر ببطء في أُسس المحاسبة والرضا.
لن يُحسم مآل هذه المرحلة الانتقالية بالدول والشركات والمؤسسات وحدها. فهو رهينٌ بما إذا كان المواطنون سيظلون فاعلين في صياغة أُطر الحكم، أم سيستكينون إلى حالة من التكيّف الأبدي مع قوى لم يعودوا يُجادلونها.
العالمُ يُعاد كتابته في الزمن المباشر. وما إذا كانت الفاعلية الإنسانية ستتطور بالتوازي مع ذلك — أو ستتآكل تحت ثقل التعقيد والإرهاق — سيحدد ليس شرعية نماذج الحكم المستقبلية وحسب، بل طبيعةَ الحقبة القادمة برمّتها.