شعار Levant Time

رأي

الكورار والدولة
بقلم
جواد بقرادوني
نُشر
أبريل 29, 2026 - 10:26

تبدو المسألة الفلسفية حول مَن سبق الآخر، البيضة أم الدجاجة ، بسيطةً للغاية أمام الإشكالية التي تواجهها البلاد اليوم: معاهدة (سلام) يرهن توقيعها بنزع سلاح حزب الله. هذا الشرط، الذي قررته حكومتنا، وفرضه الإسرائيليون، وتمنّته الأغلبية المتزايدة من الشعب اللبناني، لا يمكنه أن يتحقق في إطار زمني محدد. فمهما كانت الوسيلة، سواء عبر الجيش اللبناني أو قصف مواقع الحزب، لا تزال الترسانة الميليشياوية تعمل بكامل جاهزيتها. لا تكمن المشكلة في مجرد وجود السلاح فحسب، بل في تغلغل الميليشيا داخل مفاصل معينة من أجهزة الدولة. فهذه الميليشيا تشلّ أي إجراء يُتخذ ضدها، بل والأسوأ من ذلك، أنه يثير اضطرابات داخلية، ويجعل شبح التمرد يخيم فوق سفينة تائهة بدأت فعلياً بالغرق. سواء تمثّل الأمر في مدّعٍ عام سابق يُحبط مسار تحقيق ما، أو في قاضٍ يكتفي بفرض غرامة بسيطة على أفعال جرمية، أو في كبار ضباطٍ متغلغلين في صفوف الجيش يعملون بصفة مخبرين، أو في جنرال في جهاز أمني يطلق أسراباً أمنية ضد المدنيين؛ فإن الأمثلة تكاد لا تُحصى، وهي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن حزب الله قد تغلغل في مستويات عديدة. فعندما يُحقن “الكورار” (أو سَمُّ السهام) في الجسد، ترتخي الأعضاء والعضلات كافة، بما في ذلك الجهاز التنفسي، وصولاً إلى مرحلة الاختناق. عندها، إما أن يُعطى المريض ترياقاً، أو يتم استئصال السم عبر عملية «تطهير». “التطهير”. مصطلح ذو دلالة سلبية يستحضر إلى الذاكرة الحقبة السوفياتية. ولكن للأسف، «آخر الدواء الكي». إن إجراء عملية«تطهير» في بنية الدولة، ولو على مستوى بعض المراكز الحساسة، يشكل بداية لحلّ قابل للحياة، حلّ داخلي غير مستورد، على عكس الاستقواء بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. إن كفّ يد كبار الموظفين، عسكريين ومدنيين، بل وملاحقة أولئك الذين عرقلوا مسار العدالة أو استغلوا المرافق العامة لتأجيج التوترات الداخلية – ملوّحين بذلك بخطر الحرب الأهلية – قد أضحى أمراً ملحّاً. وستكون هذه، على الأرجح، الخطوة الأولى، إن لم تكن الوحيدة، الكفيلة بمنح الدولة مصداقية في عيون المجتمع الدولي. وهذه المصداقية هي التي ستشكل رافعة للمطالبة بمساعدات تهدف إلى تعزيز سيادة السلطة العامة الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية. سيتذرع حلفاء حزب الله وأتباعه بضرورة تغليب الحوار كحل وحيد للمعضلة. لكن التجارب الماضية أثبتت أن طاولات “الحوار الوطني” المتعاقبة لم تكن سوى وسيلة لترسيخ هيمنة الحزب على مفاصل الدولة. «يمكنك الحصول على الكثير عبر كلمة طيبة ومسدس، أكثر بكثير مما قد تحصل عليه بكلمة طيبة وحدها». كان صاحب هذه المقولة محقاً تماماً، بل وقد جعل منها عقيدته الراسخة. لم يكن صاحبها سوى آل كابوني. إحالات على التقاعد المبكر، توقيفات فورية عن العمل، أو قرارات صرف؛ لا يهم المصطلح المستخدم، بل ما يهم هو إعادة هيكلة حقيقية لأجهزة الدولة، مهما علا شأن المنصب أو الرتبة. فمتى استُؤصل السّم من الجسد، تمكّنت الأعضاء والمفاصل من استعادة حركتها من جديد. المهمة ليست سهلة بالتأكيد. ولكن، إذا كان الرئيس عون والرئيس سلام يرغبان حقاً في منع مركب لبنان من الانقلاب وإعادته إلى بر الأمان، دون الاضطرار إلى الاستعانة بـ”قراصنة” أو طلب نجدة خارجية، فربما يكون هذا هو الحل الوحيد. من المؤكد أن أطرافاً سياسية نافذة ستزرع طريقهم بالألغام لعرقلة أي إمكانية لنزع السلاح، وبالطبع، لمنع توقيع أي اتفاق من أي نوع مع إسرائيل. لكن تأتي لحظة يصبح فيها الاختيار بين إنقاذ الوطن وحماية المصالح الخاصة أمراً لا يحتمل الجدل. إنها عملية أشبه بتنظيف “إصطبلات أوجياس” بنسخة سياسية، وهي مهمة أشقّ بكثير من «أعمال هرقل»، لكنها ضرورية لكي يتمكن «فينيق» لبنان من جمع رماده والإشراق من جديد.

لبنان وثلاثية النفوذ
بقلم
جاد الاخوي
نُشر
أبريل 27, 2026 - 20:34

يردد اللبنانيون مقولة باتت شبه بديهية في توصيف أزمتهم: إن لبنان عالق بين ثلاثية “متطرفة” عقائديًا ودينيًا، تتمثل في إسرائيل ، ايران والولايات المتحدة الاميركية. هذه العبارة تختزل شعورًا عميقًا بالحصار والضغط، وتعبّر عن إدراك شعبي بأن مصير البلد لم يعد يُصاغ داخليًا فقط. غير أن قوة هذه السردية تكمن في بساطتها، بينما يكمن ضعفها في أنها قد تحجب تعقيد الواقع وتعدد مستوياته. فعليًا، لا يمكن وضع هذه القوى الثلاث في خانة واحدة تحت عنوان “التطرف الديني” دون الوقوع في التبسيط. صحيح أن الدين يلعب دورًا متفاوتًا في سياسات هذه الأطراف، لكنه ليس العامل الوحيد، ولا حتى الأساسي في بعض الحالات. الأجدر هو فهم كل طرف ضمن بنيته الخاصة، ومن ثم قراءة كيفية تقاطع هذه البُنى فوق الساحة اللبنانية. في حالة إسرائيل، يظهر البعد الديني بوضوح في صعود التيارات القومية الدينية التي تضفي على الصراع طابعًا عقائديًا، خصوصًا في ما يتعلق بالأرض والهوية. لكن، رغم هذا الحضور، تبقى المؤسسة الإسرائيلية في جوهرها محكومة بعقيدة أمنية صارمة. لبنان، في هذه الرؤية، ليس ساحة دينية بقدر ما هو مصدر تهديد محتمل، خاصة مع وجود حزب الله كقوة عسكرية غير خاضعة للدولة. لذلك، فإن سلوك إسرائيل تجاه لبنان يُفهم أكثر من زاوية الردع وإدارة المخاطر، لا من زاوية مشروع ديني صرف. أما إيران، فتقدّم نموذجًا مختلفًا حيث يتداخل الديني بالسياسي بشكل بنيوي. النظام قائم على مرجعية “ولاية الفقيه”، ما يجعل الأيديولوجيا الدينية جزءًا لا يتجزأ من عملية اتخاذ القرار. في هذا السياق، يصبح دعمها لحزب الله امتدادًا لرؤية أوسع تعتبر أن الصراع في المنطقة ليس مجرد تنافس دول، بل مواجهة ذات أبعاد عقائدية وسياسية. ومع ذلك، فإن حصر الدور الإيراني في هذا الإطار فقط يغفل جانبًا مهمًا، وهو أن طهران تتحرك أيضًا بمنطق المصالح، مستخدمة هذه الأيديولوجيا كأداة لتعزيز نفوذها الإقليمي. في المقابل، تبدو الولايات المتحدة بعيدة نسبيًا عن هذا التصنيف الديني. فهي دولة تقوم على نظام علماني، ولا تعتمد الدين كمرجعية رسمية في سياستها الخارجية. لكن هذا لا يعني غياب التأثير الديني تمامًا، إذ تلعب بعض التيارات، كالمحافظين الإنجيليين، دورًا في توجيه مواقف معينة، لا سيما في ما يتعلق بإسرائيل. ومع ذلك، يبقى المحدد الأساسي للسياسة الأميركية هو البراغماتية: حماية المصالح، ضمان استقرار الحلفاء، وموازنة نفوذ الخصوم، وعلى رأسهم إيران. من هنا، يتضح أن “التطرف الديني” ليس قاسمًا مشتركًا متساويًا بين هذه القوى، بل عنصر حاضر بدرجات متفاوتة، يُستخدم أحيانًا كأداة تعبئة أو تبرير. الأدق هو القول إن لبنان يقف عند تقاطع ثلاثة مشاريع كبرى: مشروع أمني تقوده إسرائيل، مشروع أيديولوجي تقوده إيران، ومشروع نفوذ عالمي تقوده الولايات المتحدة. هذه المشاريع لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تتقاطع وتتصادم، ما يجعل الساحة اللبنانية عرضة لتجاذبات مستمرة. غير أن التركيز على هذه المشاريع الخارجية، رغم أهميته، لا يكتمل دون التوقف عند العامل الداخلي. فلبنان لم يتحول إلى ساحة مفتوحة فقط بسبب قوة الخارج، بل أيضًا بسبب ضعف الداخل. الدولة اللبنانية، منذ عقود، تعاني من أزمة بنيوية تتجلى في غياب احتكار السلاح، وتفكك القرار السياسي، واستمرار نظام طائفي يعمّق الانقسامات بدل معالجتها. لقد تحوّلت الطوائف، في كثير من الأحيان، إلى قنوات ارتباط مع الخارج، بحيث بات لكل محور إقليمي امتداداته داخل لبنان. هذا الواقع لم يُفرض بالكامل من الخارج، بل ساهمت فيه قوى داخلية رأت في التحالف مع هذه القوى وسيلة لتعزيز موقعها في الداخل. وهكذا، تداخل المحلي بالإقليمي، وفقدت الدولة قدرتها على لعب دور الحكم بين مكوناتها. في هذا الإطار، تصبح مقولة “لبنان عالق بين ثلاثية متطرفة” تعبيرًا عن نتيجة أكثر مما هي تفسير للسبب. فهي تصف حالة الحصار، لكنها لا تشرح لماذا أصبح لبنان قابلًا لهذا الحصار أصلًا. السبب الأعمق يكمن في غياب مشروع وطني جامع، قادر على إعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وبين لبنان ومحيطه. إن الخروج من هذا الواقع لا يمر فقط عبر تغيير سلوك القوى الخارجية وهو أمر خارج قدرة لبنان بل يبدأ بإعادة بناء الداخل. وهذا يتطلب خطوات أساسية، منها: إعادة ترسيخ مفهوم السيادة من خلال حصر السلاح بيد الدولة، بما يعيد توحيد القرار الأمني. إصلاح النظام السياسي باتجاه تقليل الطائفية وتعزيز المواطنة، بما يخفف من قابلية الاستقطاب الخارجي. بناء مؤسسات قوية وشفافة تستعيد ثقة المواطنين، وتحدّ من الاعتماد على شبكات الولاء التقليدية. اعتماد سياسة خارجية متوازنة، تسعى إلى تقليل الانخراط في صراعات المحاور، بدل الانحياز الكامل لأي منها. في النهاية، لا يمكن للبنان أن يعزل نفسه عن محيطه الإقليمي والدولي، لكنه يستطيع أن يحدّ من تأثير هذا المحيط عليه. الفرق بين “الساحة” و”الدولة” لا يكمن في الموقع الجغرافي، بل في القدرة على إدارة هذا الموقع. وعندما يمتلك لبنان هذه القدرة، ستفقد السرديات المبسطة بما فيها سردية “الثلاثية المتطرفة” جزءًا كبيرًا من قوتها، لأنها لن تعود تعكس واقعًا مفروضًا، بل مرحلة تم تجاوزها.

إيران ولبنان: مسرحان، حرب واحدة؟
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر
أبريل 27, 2026 - 11:21

ستؤدي التصريحات المختلفة والتقلبات في مواقف الرئيس دونالد ترامب إلى تغيير العلاقات مع الأوروبيين وحلف شمال الأطلسي وحلفاء الولايات المتحدة. وسوف تثير ردود فعل من جانب دول المحيط الهادئ والشرق الأوسط. ويلعب الغربيون دوراً معتدلاً ويريدون تولي دور في تأمين مضيق هرمز بعد وقف الأعمال العدائية. فهل ستصبح الولايات المتحدة خارج اللعبة في المنطقة؟ في 28 فبراير 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية ضد إيران دون إبلاغ رؤساء دول وحكومات الدول الغربية والأعضاء في حلف شمال الأطلسي مسبقاً. وفي أعقاب ذلك، طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعمهم، لاسيما لتأمين مضيق هرمز، وكذلك لتقديم دعم مباشر للعمليات الأمريكية. ومع ذلك، رفضت الغالبية العظمى من رؤساء الدول والحكومات هذا الطلب. كانت ردة فعل الرئيس ترامب واضحة رغم عدم اتساقها في بعض الأحيان. فبعد أن استنكر ما وصفه بـ «الخطأ الفادح» و«الجبن»، أكد أنه ليس بحاجة إليهم وأنه سيتصرف بمفرده كونه «الأقوى في العالم». بل إنه أشار إلى احتمال فك الارتباط بحلف شمال الأطلسي، ملوحاً بتهديد التخلي عن واجباته كعضو، كما ينص على ذلك المادة 5 من معاهدة هذه المنظمة. كما أشار إلى إمكانية السحب الجزئي للقوات الأمريكية المتمركزة في أوروبا. وبالنسبة له، فإن أوروبا بدون الولايات المتحدة، ستكون «نمراً من ورق». ولتوضيح معنى تصريحاته، قال إنه يلوم الحلفاء على عدم دعم الولايات المتحدة في أوقات الأزمات والاستفادة من تحالف من جانب واحد. ونتيجة لذلك، ما هو المبرر لضمان دفاعهم تلقائياً؟ كل هذه الانتقادات لم تمنعه لاحقاً من طلب مشاركة الأوروبيين في الحصار البحري الذي فرضه على الموانئ الإيرانية. بعد التعبير عن رفضهم، حظرت بعض الدول تباعاً مجالها الجوي على الطائرات الأمريكية المشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران. عمل دفاعي وليس هجومياً لذلك يفتقر الرئيس ترامب في تصريحاته إلى الاتساق. فبعد الحاجة إلى الدعم، بل والمشاركة النشطة، يأتي التجاهل المزدري والتأكيد على أن الولايات المتحدة قادرة على كسب هذه الحرب بمفردها. وهكذا أصبح مفهوم الحرب موضوعاً للنقاش. ووفقاً لدونالد ترامب، يجب على أعضاء حلف شمال الأطلسي احترام التزاماتهم بموجب المعاهدة التأسيسية. غير أنه هو نفسه من أشعل هذه الحرب، بتحريض من إسرائيل، التي أصبحت بالتالي طرفاً مشاركاً في القتال. ولذلك فهو المعتدي. إلا أن منظمة حلف شمال الأطلسي «دفاعية». وفي هذه الحالة بالذات، لا تنطبق المادة 5. وينص النص المعني على أن أي هجوم مسلح ضد واحد أو أكثر من الأعضاء في أوروبا أو أمريكا الشمالية يعتبر عدواناً على الجميع، مما يبرر التدخل العسكري أو العمل الدفاعي الجماعي. وإذا كان لحلف شمال الأطلسي أن يتدخل، فإن ذلك لن يكون إلا بناءً على تفويض من الأمم المتحدة. كان رئيس الولايات المتحدة ينتظر في الواقع دعماً نشطاً من حلفائه، دون إدراجه ضمن الإطار الرسمي للتحالف عبر الأطلسي. ومع ذلك، أدى هذا الوضع إلى إثارة الشكوك حول مدى موثوقية الضمانات الأمريكية المعلنة والرسمية في الأماكن التي تلعب فيها الولايات المتحدة دور الحامي. ليست دول حلف شمال الأطلسي والأوروبيون وحدهم من يعبرون عن هذه الشكوك. فدول أخرى في المحيط الهادئ، وفي مقدمتها اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية، لم يعد بوسعها الآن إلا أن تشكك في الدعم الأمريكي المضمون في حال التدخل الصيني. ويضاف إلى هذه الدول تايوان وإندونيسيا والفلبين والدول المطلة على الخليج العربي الفارسي، لا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان. عندما يقوم رئيس دولة، يعتبر «الأول بين أقرانه» داخل حلف شمال الأطلسي، بإشعال فتيل نزاع يمكن أن يؤدي إلى حرب عالمية، لا يمكنه أن يطلب من أعضاء المنظمة المعنية دعمه والمشاركة الفعالة وعيونهم مغمضة في العمليات العسكرية. يتبين من كل ذلك أن أعضاء التحالف، على الرغم من غياب الإجماع وبعض الخلافات، يتجمعون حول موقف واحد تنضم إليه العديد من دول المحيط الهادئ. وهكذا يجمع مشروع تأمين مضيق هرمز بعد وقف الأعمال العدائية بين عدد كبير منهم. في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الشرق الأدنى والأوسط، وبالتالي في لبنان، يحظى ضبط النفس من جانب روسيا والصين بالتقدير. ومع ذلك، سيكون من السذاجة الاعتقاد بأنهما لا تتصرفان في الكواليس وفقاً لمصالحهما الخاصة. لكن موقفهما، المماثل لموقف الأوروبيين وحلفاء الولايات المتحدة، والمتسم بعدم المشاركة في العمليات العسكرية، يبعد خطر الانزلاق نحو مواجهة ذات أبعاد عالمية. الخط العام الذي تبنته الحكومات الأوروبية ودول حلف شمال الأطلسي والدول المعنية الرئيسية في المحيط الهادئ جدير بالموافقة بكل تأكيد، دون أن ننسى التزامها المبدئي بتأمين مضيق هرمز. ومع ذلك، ينبغي تمديد هذا الأخير ليشمل بحر العرب والخليج العربي الفارسي ثم البحر الأحمر. وفي هذه الحالة، سيكون هناك ما يدعو للإشادة بحكمتها. ويبقى سؤال واحد: هل من الوهم، أو حتى من الطوباوية، الاعتقاد بأن هذا الموقف المشترك يمكن أن يؤخذ في الاعتبار من قبل الإيرانيين خلال أي محادثات سلام محتملة؟ قد يميل المرء إلى أن يرى في لبنان امتداداً للصراع نفسه: إذ يبدو الأطراف، للوهلة الأولى، متطابقين. فمن ناحية، هناك حزب الله الذي تديره إيران عن بعد؛ وإسرائيل كلاعب رئيسي؛ وفي الخلفية، الولايات المتحدة التي تلعب، في الوقت الحالي، دور الوسيط المعتدل. ومن ناحية أخرى، هناك إيران كفاعل مركزي مهما قيل؛ والولايات المتحدة كلاعب رئيسي آخر؛ وإسرائيل التي أصبحت تابعة بعد أن كانت المحرض الأولي ثم تم تأطيرها. ومع ذلك، تختلف الآفاق بشكل كبير فيما يتعلق بتطور هذين المسرحين. فأحدهما يبقى ضمن إطار إقليمي بحت بينما يأخذ الآخر بعداً عالمياً. الأول يستبعد أوروبا، وخاصة فرنسا. أما الآخر فيهمش في الوقت الحالي أوروبا والتحالف المتصور الذي يضم حوالي أربعين دولة، من بينها العديد من دول المحيط الهادئ. تبدو المشكلة الإيرانية غير قابلة للحل طالما أن المطالب -المبررة- للولايات المتحدة تتعارض مع تلك التي يدافع عنها بقوة الحرس الثوري، الذي أصبح الآن سيد البلاد. بعيداً عن هذه المطالب التي لا يمكن التوفيق بينها في الوقت الحالي، يبدو أن سلوك دونالد ترامب في مجالات التحليل والدبلوماسية وإتقان المفاوضات من هذا النوع، بعيد كل البعد عما قد يتطلبه هذا النوع من المواقف. ويبدو، في الوقت الراهن، مقتصراً على اللجوء إلى العنف. إذا استمر في هذا الموقف، فلن يكون مستبعداً رؤية التدخل الروسي والصيني. وسيعتمد ما سيحدث بعد ذلك إلى حد كبير على الخيارات التي سيتخذها: على مستوى تطور الأزمة، وإدارة الشؤون الدولية، أو تسوية النزاعات بين الدول. من المحتمل جداً أن يفوز دونالد ترامب. ولكن بأي ثمن؟ ومن وماذا سيضحي قبل نوفمبر؟ على المدى الطويل، قد تظهر إيران كفائز حقيقي. وعلى مقياس المخاطر، فإن المحتمل يطغى على الممكن. هل يمكن أن تؤدي إعادة النظر العميقة في مدى موثوقية الحماية الأمريكية من قبل دول الخليج إلى استبدال القواعد الأمريكية؟ ولكن بأي حامٍ؟ ستستفيد الصين وروسيا من ذلك. إذا قررت فرنسا مساندة لبنان بالحزم الذي أظهره رئيسها، فسيتعين عليها القيام بذلك بقناعة وعزم. فلم يعد هناك متسع لأنصاف الحلول في مثل هذا السياق. لذلك يتعلق الأمر بحربين مختلفتين يجب تنسيق حلولهما. يمكن التعامل مع إحداهما بمعزل عن الأخرى، بينما الأخرى لا يمكن ذلك. فهل سيأخذ الرئيس ترامب ذلك بعين الاعتبار خلال الجولة الأخيرة من المفاوضات مع الحرس الثوري؟ «أكثر ما تغير هناك، ليس الصين، ولا روسيا، بل أوروبا: فقد توقفت عن أن يكون لها أهمية» (أ. مالرو). بدلاً من إبداء الإعجاب الشديد بأوكرانيا وعدم تناول الشرق الأوسط إلا من زاوية أسعار النفط، يجب على الأوروبيين، وخاصة فرنسا، أن يطمحوا إلى تعزيز «سلام وطيد» في لبنان.

بين المفاوضات والميدان: هل من مجال للجمع؟
بقلم
رامي الريّس
نُشر
أبريل 25, 2026 - 23:50

لا يمكن للبنان واللبنانيين مواجهة التحديات الماثلة أمام البلاد بهذا القدر من الانقسام حيال الخيارات الاستراتيجية الكبرى، خصوصاً مسألة كيفية التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي ومعالجة قضية حصر السلاح بيد الدولة، وهو مطلب محق وبديهي ومعتمد في كل الدول، فليس ثمة دولة تقبل بوجود فصيل مسلح خارج عن سيطرتها قادر على إشعال حرب كبرى ليس دون موافقتها فحسب، بل دون مشورتها من الأساس! خطوط الانقسام اللبناني العامودي آخذة في التوسع، والشرخ بين اللبنانيين يزداد عمقاً، وتكاد الأدبيات السياسيّة اللبنانيّة تنحصر بين مهرول نحو سلام لم تنضج ظروفه بعد، وبين منكفئ يقود الميدان من دون قراءة المتغيرات الاستثنائية التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، من التفوق الإسرائيلي دون منازع، إلى سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، إلى الحرب الأميركيّة- الإسرائيليّة- الإيرانيّة… أما مقولة أن من يفاوض هو ليس من يقاوم في الميدان، فهي مقولة صحيحة وتعرقل مسيرة المفاوضات الجارية في واشنطن، ولو أنها لا تزال في بدايتها، خصوصاً أن إسرائيل- في كل التجارب التفاوضيّة السابقة مع أطراف أخرى- لم تكن يوماً ممن يقدمون تنازلات بالمطلق، فكم بالحري تنازلات مجانيّة. وإزاء هذا الشرخ السياسي الخطير بين اللبنانيين، لا بد من استعادة بعض العناوين التي لا يمكن إغفالها أو اشاحة النظر عنها من الطرفين أو الأطراف المتباينة في الخطاب والموقف حتى العظم وفي طليعة تلك العناوين ما يتصل بالاقرار بأن ثمة اعتداءات إسرائيليّة تاريخيّة في لبنان وأن الحروب المتتالية التي شنتها على اللبنانيين لم تكن تتصل حصراً بتحقيق الأهداف التي أعلنتها مثل (إخراج الفلسطينيين في السابق والقضاء على حزب الله راهناً). ثمة انتقام إسرائيلي واضح من لبنان، من المدنيين فيه (وصور الأربعاء الأسود في 8 نيسان/ أبريل 2026 لا تزال ماثلة أمامنا)، من قراه ومدنه، من بناه التحتية، من مستشفياته، والأهم من كل ذلك، من تجربته التعدديّة التي تناقض الآحاديّة الإسرائيليّة وتعكس ثراء المجتمع اللبناني الذي- رغم كل الصعوبات- يفاخر بتنوعه، بعكس المجتمع الإسرائيلي الذي ينادي بتفوق عنصر واحد فيه ويتعامل باستعلاء واستخفاف شديدين مع العناصر الأخرى. أما العناوين الأخرى التي لا بد من الإقرار بها هو عودة الاحتلال إلى أرض الجنوب، وابتداع ما سُمّي "الخط الأصفر" تيمناً بقطاع غزة، وبالألوان الأخرى التي تعتمدها إسرائيل في تقطيع أوصال الضفة الغربيّة وزرع المستوطنات فيها. هناك 55 قرية باتت عملياً تحت الاحتلال وهذا تراجع خطير إذا ما قيس بالانجاز الوطني الكبير الذي تحقق في العام 2000 ألا وهو إنسحاب كامل دون قيد أو شرط ودون معاهدة سلام أو حتى اتفاقيّة ترتيبات أمنيّة. ولكن المشكلة لا تكمن فقط في الإقرار بهذه العناوين، بل أيضاً في البحث الجدي في سبل التعامل معها سواء أكان عبر المقاومة المسلحة أم عبر التفاوض السياسي. والمعضلة تكمن أيضاً في أنه لا يجوز ألا يستفاد في التفاوض السياسي من ورقة الميدان، وكما أنه من غير المنطقي أن يكون الميدان منعزلاً تماماً عن التفاوض السياسي. في مجال المفاوضات، من المفيد مواصلة العمل على فصل المسار اللبناني عن أي مسار آخر. يكفي لبنان ربط مساراته ومصيره بمسارات أخرى، وتجربة "توأمة" المسارين اللبناني والسوري في حقبة الوصاية لا تزال ماثلة أمام اللبنانيين، وأثبتت تماماً أنها لم تكن في مصلحة لبنان لا من قريب أو من بعيد. ولكن، باستطاعة المفاوض اللبناني الاستفادة من ورقة الميدان بشكل أو بآخر، بدل الذهاب خالي الوفاض إلى واشنطن، وبدل أن تكون مقاربته تنطوي على شيء من الاستجداء واستدرار العطف. فإذا صدف أن اللحظة السياسيّة الراهنة تشهد إلتفاتاً أميركياً إلى لبنان يتمثّل في ضغط على الحكومة الإسرائيليّة لوقف إطلاق النار، فإنه لا بد من التنبه إلى أن شبكة المصالح الأميركيّة- الإسرائيليّة أكثر عمقاً وتجذراً من الحسابات اللبنانيّة المتواضعة. لبنان لن يستطيع أن يزاحم إسرائيل في "حب واشنطن"، فالمسألة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. إلا أن الاستفادة من "ورقة الميدان" تتطلب أيضاً إقراراً من قبل حزب الله، ومن يقف خلفه، بأن مرحلة الانفكاك الكامل عن الدولة اللبنانيّة لم تعد مقبولة لبنانياً أو عربياً أو دولياً، ومن تجلياتها توريط لبنان في حروب لا تنتهي ولا طائل منها، وأن ثمة حاجة جديّة للعمل- وفق صيغة ما- تحت كنف الدولة. والأهم أن هذه الخطوة، لا تكفي لدعم موقف لبنان التفاوضي فحسب، بل تساهم أيضاً في رأب الصدع الداخلي وتنفيس الاحتقان والابتعاد عن احتمال الانفجار الأمني أو الاجتماعي الذي تتراكم عناصره رويداً رويداً. وإذا كانت صيغ الحوار الفضاضة من خلال طاولات الحوار الوطني لم تعد تجدي تنفعاً، فلا بد من ابتكار صيغ جديدة تراعي المتغيرات وتعزّز مناعة لبنان وتقطع الطريق أمام الاقتتال الأهلي في لحظة تتربص فيها إسرائيل لتأليب الطوائف على بعضها البعض، وهي لعبة لطالما لعبتها في الماضي. في هذا الإطار، تبرز الحاجة كذلك لأن يفرمل "معسكر السلام" إندفاعته بعض الشيء، سواء في الهرولة للتطبيع "الإعلامي"، أو في إثارة قضايا سابقة لأوانها تماماً ولا تعدو كونها تقدّم هدايا مجانيّة لإسرائيل منها مثلاً المقترح المتسرع في إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل الذي أقر سنة 1955، وتجريم التعامل معها. لا يزال لبنان في حالة عداء حتى اللحظة، وإسرائيل ثبت ذلك يومياً أقله من الألفي شهيد وأكثر الذين سقطوا في الحرب الأخيرة. تماماً كما هو مطلوب من "معسكر المقاومة" الإقلاع عن التهديد بالفتنة والحرب الداخلية والانقضاض على سائر اللبنانيين بهدف "تأديبهم" والتلويح بورقة 7 أيار جديدة، وهي وصمة عار غير مبررة على من قام بها سنة 2008. كما هو مطلوب منه الامتناع عن إلصاق تهم العمالة والتخوين والصهينة بحق كل من يعارضه الرأي. قد يكون لبنان أمام فرصة تاريخيّة، وهذا صحيح. ولكن المسألة تتطلب دراية ووعي في طريقة إدارتها بدل التسرّع والتهوّر كي لا تنقلب الفرصة إلى لعنة تشعل فتيل الحرب الداخليّة مجدداً. من دون حوار ما بطريقة ما، سوف تتفاقم التوترات، وتصعب مهمة تحرير الأراضي المحتلة ووضع حد نهائي للحرب.

الحزب، ذراع مسلحة لجسد مقطوع الرأس
بقلم
جان الفغالي
نُشر
أبريل 25, 2026 - 22:36

مَن يدقق في شكل شعار حزب الله والرسم الموجود داخله، يستشف أن الحزب هو منذ اليوم الأول أحد أذرع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. والموضوع لم يعد مجرد رسم بل أصبح واقعًا معززًا بالوقائع : حزب الله ساند إيران لأنه ذراعها، وإيران غالبًا ما تباهت بأنها تسيطر على أربع عواصم عربية ومن بينها بيروت. وتأكد الإرتباط العضوي بين " الرأس" و" الذراع " مع وقف إطلاق النار في إيران وفي لبنان، فكان التلازم بين الإتفاقَيْن، تتصدَّع في طهران فتتصدَّع في بيروت، إلى درجة أن بعض مراكز الأبحاث والدراسات تؤكد أن " الحرس الثوري الإيراني" كما يسيطر على مراكز القرار في إيران، يسيطر على مراكز القرار لدى حزب الله في بيروت، وهناك دليلان على الأقل على ذلك: الأول، مقتل قيادي في الحرس الثوري الإيراني مع السيد حسن نصرالله في الغرفة ذاتها. والثاني إصابة السفير الأيراني السابق في بيروت بعملية " البيجر" لأنه كان يستخدم جهاز "البيجر" الذي كان موزَّعًا على المسؤولين العسكريين والأمنيين في الحزب والحرس. العَلَم او الشعار ، كما الصورة، مرسومة فيه صورة ذراع تحمل بندقية ، وفوقها كلمة "حزب الله هم الغالبون" علمُ حزب الله يبدوهكذا،ذراعًا إيرانية تحمل بندقية. لم يعد توصيف حزب الله كـ"ذراع إيرانية" مجرد شعار سياسي يردده خصومه، بل تحوّل مع مرور الوقت إلى قراءة مدعومة بسلسلة من الوقائع الميدانية والتاريخية التي تكشف عمق الارتباط العضوي بين الحزب والحرس الثوري الإيراني، فالعلاقة بين الطرفين لم تُبنَ على تحالف عابر أو تقاطع مصالح موقت، بل على تأسيس مباشر، وتمويل مستمر، وتوجيه استراتيجي يظهر بوضوح في لحظات الحرب والسلم. لم يكن الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصرالله يناور حين قال:" إن سلاحنا من إيران وأموالنا من إيران"، ووصل به الأمر مرة أنْ قال:" أفتخر بأن اكون جنديًا في جيش ولاية الفقيه" منذ نشأته أواخر العام 1982، لم يكن الحزب مشروعًا لبنانيًا ، بل امتدادًا عمليًا لمشروع الثورة الإسلامية في إيران. فقد أشرف الحرس الثوري على تدريب النواة الأولى لمقاتليه في بعلبك، ووضع له الإطار العقائدي القائم على "ولاية الفقيه"، وهو ما يجعل مرجعيته النهائية في إيران. هذه النقطة وحدها كافية لتقويض فكرة إستقلاليته ، إذ إن التنظيم الذي يستمد شرعيته الفكرية من قيادة خارجية لا يمكن اعتباره فاعلًا لبنانيًا سياديًا صرفًا. عند الانتقال من التأسيس إلى الممارسة، تتضح الصورة أكثر، خلال حرب تموز 2006، لم تكن المواجهة مجرد رد فعل محلي، بل جاءت في سياق إقليمي متشابك، حيث اعتُبرت جزءًا من استراتيجية الردع الإيرانية في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، فعملية خطف الجنديين الإسرائيليين، جاءت بطلب إيراني، كما اظهرت الوثائق التي كشفت لاحقًا، والدعم العسكري واللوجستي الذي تدفق إلى الحزب خلال تلك الحرب لم يكن خفيًا، بل كان عنصرًا حاسمًا في قدرته على الصمود، ما يعزز فرضية أن القرار العسكري لم يكن منفصلًا عن الحسابات الإيرانية الكبرى. الأمر نفسه تكرر في المحطات اللاحقة. فمشاركة الحزب في الحرب السورية لم تكن بدافع لبناني داخلي، بل جاءت استجابة مباشرة لحماية نفوذ إيران في دمشق، الحليف الأهم في "محور المقاومة". هنا، لم يعد الحزب مجرد متلقٍ للدعم، بل تحوّل إلى أداة تنفيذ ميدانية لسياسات إقليمية تقودها طهران، ما عمّق توصيفه كذراع عسكرية متقدمة. وفي السنوات الأخيرة، ازدادت المؤشرات وضوحًا. فالأحداث التي تلت 8 تشرين الأول 2023، وما وُصف بحرب "الإسناد والمشاغلة"، أظهرت نمطًا من العمليات المنسقة التي تتجاوز الحسابات اللبنانية الضيقة، كما أن إطلاق الصواريخ في أكثر من مناسبة، ومنها الصواريخ الستة في الثاني من آذار الفائت، يعكس مستوى من الانخراط في صراع إقليمي أوسع، حيث تتقاطع الجبهات من غزة إلى لبنان إلى اليمن، ضمن إطار استراتيجي واحد تقوده إيران. قد يجادل البعض بأن الحزب يحتفظ بهامش قرار مستقل، وأنه يأخذ بعين الاعتبار البيئة اللبنانية وتعقيداتها الطائفية والسياسية، غير أن هذا الطرح يصطدم بواقع التمويل والتسليح والتدريب، إذ يعتمد الحزب بشكل شبه كامل على إيران في هذه الجوانب الحيوية. وفي العلوم السياسية، من يمتلك أدوات القوة يمتلك القدرة الأكبر على توجيه القرار. وبالتالي، فإن الحديث عن الاستقلالية يبدو أقرب إلى التجميل النظري منه إلى الواقع العملي. حتى الرمزية البصرية للحزب تحمل دلالات تتجاوز البعد المحلي. فشعاره الشهير الذي يظهر يدًا ترفع بندقية، إلى جانب عبارة "حزب الله هم الغالبون"، ليس مجرد تصميم دعائي، بل انعكاس لثقافة الثورة الإسلامية التي تمجّد "المقاومة المسلحة" كأداة عقائدية. صحيح أن تفسير اليد كـ"ذراع للحرس الثوري" يبقى تأويلًا رمزيًا، لكنه ينسجم مع واقع العلاقة البنيوية بين الطرفين، حيث يتحول الرمز إلى تعبير بصري عن وظيفة سياسية وعسكرية قائمة بالفعل. الأهم من ذلك أن سلوك الحزب الإقليمي ينسجم بشكل شبه كامل مع أولويات إيران الاستراتيجية. فهو يقاتل حيث تقاتل، ويهدأ حيث تهدأ، ويصعّد حين يتطلب الأمر إرسال رسائل ردع. هذا التزامن لا يمكن تفسيره بالصدفة أو بمجرد تقاطع مصالح، بل يشير إلى مستوى عالٍ من التنسيق، إن لم يكن التوجيه المباشر في بعض الحالات. في المحصلة، لا يعني وصف حزب الله بأنه "ذراع إيرانية" أنه مجرد أداة بلا إرادة، لكنه يعني أن إرادته محكومة بسقف استراتيجي ترسمه طهران. فالوقائع من التأسيس، إلى التمويل، إلى السلوك العسكري تشير بوضوح إلى أن الحزب يعمل ضمن منظومة تقودها إيران، ويشكّل أحد أهم أذرعها العسكرية في المنطقة. وعليه، فإن النقاش لم يعد يدور حول ما إذا كان الحزب مرتبطًا بإيران، بل حول مدى هذا الارتباط وحدوده. لكن ما هو ثابت حتى الآن، أن هذا الارتباط عميق إلى درجة تجعل الفصل بين القرارين اللبناني والإيراني في حالة حزب الله أمرًا شديد الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا في لحظات الصراع الكبرى.

​عفوٌ شيعي عام ... من أجل دخول العصر
بقلم
إيلي الحاج
نُشر
أبريل 24, 2026 - 03:45

تابعت مرة حديثاً طويلاً لأمين عام "حزب الله" الراحل السيد حسن نصرالله روى فيه بالتفاصيل الدقيقة ما حدث "يوم سبي نساء النبيّ"، وكان شديد التأثر. وأذكر أنني استغربت جداً استحضار الحادثة الأليمة كأنها وقعت قبل يومين أو ثلاثة، وعرضها بأسلوب لا يقبل الجدل في صحتها، لكأنها منقولة عن شهود عيان لا سبيل إلى الشك في صحة أقوالهم. بالطبع مرت في ذهني صور نساء قرويات يدمعن في الكنائس يوم الجمعة العظيمة لدى سماعهن ترتيلة "واحبيبي" أو "أنا الأم الحزينة"، لكن تلك الطقوس تبقى مربوطة بصبغتها الروحية وليس بزمن الحادثة ومكانها وظروفها كما في مراسم إحياء عاشوراء ومن إيامها "سبي نساء النبي". وأقول اليوم ​لعلّها المفارقة الأكبر في الذاكرة الجماعية لغالبية شيعية تكمن في البقاء أسرى لحظة "الطف"، كأن الزمن توقف هناك في كربلاء سنة 61 للهجرة. وبالأمس القريب، مطلع عام 2024، شهدت بغداد مشهداً سريالياً بامتياز: محاكمة ليزيد بن معاوية، لكأنّ القضاء المعاصر قادرٌ على حسم صراعٍ عمره أربعة عشر قرناً بقرار محكمة. ​والحقيقة أن هذه القضية الشديدة الحساسية لن تجد خواتيمها في أروقة المحاكم، بل في دهاليز النفس والذهنية التي تأبى حتى اليوم الخروج من "الحداد الأبدي". ​لقد آن الأوان لخطوة جريئة، ربما "صادمة" للبعض، لكنها ضرورية لمن يريد فعلاً عبور جسر التاريخ نحو المستقبل. نحن بحاجة إلى "عفو شيعي عام"، ليس من قبيل نسيان الجريمة، بل من باب التسليم بأن ما حدث كان صراعاً على السلطة، شأنه شأن آلاف الصراعات التي مرت بها الشعوب والدول عبر التاريخ، من مصر الفرعونية إلى امبراطوريات الفرس وبلاد ما بين النهرين وأثينا وروما إلى باريس وصولاً إلى أميركا. ​هذا العفو يجب أن يشمل الجميع، وحتى المتهم شمر بن ذي الجوشن، انطلاقاً من قاعدة "أنهم لا يدرون ماذا يفعلون". فالجميع كانوا أدوات في آلة حكمٍ لا ترحم، وقوداً لصراعٍ بشريّ صِرْف على الكرسي والنفوذ. ​وإذا كان الهاجس هو "العدالة"، فقد تولى المختار الثقفي المهمة في حينه، وأعمل السيف في رقاب القتلة وجميع المشاركين في تلك الفاجعة، او غالبيتهم ، فأغلق الحساب الدموي بالدم. أما استمرار الاستحضار النفسي للثأر اليوم وكل يوم، فهو وصفة لمزيد من الفواجع والنكبات والكوارث إلى أبد الآبدين. ` ​فتح صفحة جديدة ليس ترفاً، بل هو ملحّ. فدخول العصر مستحيل بذاكرة محملة بالدماء والندم والخصومات التاريخية ونداءات استعادة الكرامة الجريحة. نحن البشر نحتاج إلى غفران لنرتاح، إلى "العفو" لنمشي إلى الأمام. والتاريخ نقرأه لنتعلم منه، لا لنعيش فيه. اقلبوا الصفحة. صدقوني لا أجمل من الولادة من جديد صباح كل يوم. ​

الثنائي الشيعي والفكر الأحادي
بقلم
يوسف معوض
نُشر
أبريل 23, 2026 - 15:19

تعيش الطائفة الشيعية حالة أشبه بالـ«هانغوفر»، اي حالة من الصداع بعد الثمالة الثقيلة! فقد حملها الثنائي حزب الله–حركة أمل إلى ذروة قوتها: إذ تمكّنت من التغلغل في الدولة العميقة، فتحصّنت فيها، وتموضعت كفاعل إقليمي بعد قرون من التهميش والتمييز. ثم، ابتداءًمن أيلول/سبتمبر 2024، بدأ بيت الورق ينهار تحت الضربات الإسرائيلية المتتالية. وفي النهاية، آلاف العائلات النازحة والمشرّدة! مشهد يعتصر القلوب: سيارات مصطفّة كالسيل، توجّهت إلى الجنوب عند إعلان وقف إطلاق النارفي 17 نيسان/أبريل، ثم عادت أدراجها فوراً. إنها مأساة إنسانية مستمرة منذ أسابيع، تعاني منها طائفة بكاملها، ويُحمّل أفرادها عبء المسؤولية الناتجة من تكرار الإقتتال والحروب. لمحة تاريخية ما كان من شيء ينبىء بأن الشيعة الإثني عشرية مهيّأة لمثل هذا المصير القاسي، وهم الذين وُصفوا طويلاً بالميل إلى الهدوء والابتعاد عن الصخب السياسي. ففي عام 1967، كتب المؤرخ كمال صليبي: «إن تاريخاً طويلاً من الاضطهاد والقمع انعكس لدى الشيعة في حذرهم السياسي المميز وفي تنظيمهم الذي يبدو قليل البنية». لكن هذه الصورة قد تجاوزتها الأحداث إلى حد بعيد، إذ إن هذه «الملة» اللبنانية صعدت منذ الثمانينيات إلى الصفوف الأولى، وتمكّنت من المطالبة بمكانة بارزة على الساحتين اللبنانية والإقليمية. إلا أنه تحت ستارات الشعارات والخطابات التي تراوحت بين الحماسة المشتعلة والتطمين، لدى حزب الله وحركة أمل، كان هناك طموح واحد وفكرة عليا تعبّئ الأنصار كافة: إقامة كيان شيعي على ضفاف المتوسط، كنوع من استعادة رمزية لمجد الخلافة الفاطمية قبل ألف عام. وكأن الزمن الحالي أبى إلّا أن يثأر من التاريخ السحيق. طموحات مشروعة من لم يسمع الشيعي العادي يقول للمسيحي العادي: «تنحَّ جانباً، واترك لي مكانك، فهو من حقي أنا»؟ ومن لم يفاجأ بسماع أحد أنصار حزب الله أو نبيه بري يقول: «لن نسلّم سلاحنا إلا إذا مُنحنا مناصب كانت تقليدياً من حصة الموارنة، مثل رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش وحاكمية مصرف لبنان»؟ قد تبدو هذه الرغبات والطموحات مشروعة، وقد تتحقق تحت ضغط الثقل الديموغرافي والمالي والعسكري الذي يمتلكه هذا الثنائي. لكن… لكن هناك مشكلة لقد وُجد لبنان الكبير، منذ نشأته، ليكون ملاذاً أو حصناً للمسيحيين. فإذا فقد هؤلاء سلطتهم في رأس الدولة أو تخلّوا عن صلاحياتهم لمصلحة طوائف أخرى، فلن يبقى لهذا البلد سبب وجود ككيان مستقل عن سوريا. فلو افترضنا، في سيناريو معيّن، أن النظام الحاكم في دمشق اجتاح لبنان وأعلن ضمّه، هل تعتقدون أن الغرب المسيحي سيتحرّك إذا لم يعد لإخوته في الدين دور مؤثر، أو إذا صاروا مجرد أقلية هامشية؟ في مثل هذه الحالة، قد يقتصر الأمر على إدانات لفظية، كما حدث عندما ضمّ بوتين شبه جزيرة القرم. وفي سيناريو آخر: إذا لم يعد المسيحيون على رأس الدولة، وقررت سوريا وإسرائيل تقاسم لبنان كما فعل هتلر وستالين ببولندا عام1939، فأي عاصمة غربية ستتدخل لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه؟ وبالنتيجة، متى سندرك أن امتيازات المسيحيين في الدولة ليست فقط ضمانة لهم فحسب، بل أيضاً درعاً للأمة اللبنانية نفسها، إن كان هناك من أمة لبنانية؟ لماذا اختيار العدو الخطأ؟ من المفهوم أن يبقى ثنائي حزب الله–أمل على حذر، لكن إن كان لا بد من الحذر من شريك إقليمي، فالأجدر أن يكون من سوريا، حيث ارتُكبت فظائع، لا من مواطنيه اللبنانيين، سواء كانوا مسيحيين أو سنّة أو دروزاً. ليس هؤلاء من ينبغي افتعال الخصومة معهم! لكن كيف يمكن للعقل أن يسود عندما يفقد مجتمع ما حسّ الاعتدال بفعل الغرور، ويجد متعة مجانية في صناعة الأعداء؟ وقد بلغ الثنائي الشيعي، وهو في نشوة «انتصارات إلهية» مزعومة، حدّ وضع نفسه في مواجهة ليس فقط مع يهود إسرائيل، بل أيضاً مع سنّة سوريا ومسيحيي لبنان، فضلاً عن الدروز. فمن يزايد على ذلك؟

لبنان: حين تتحوّل الكراهية إلى نظام
بقلم
منى فياض
نُشر
أبريل 21, 2026 - 21:39

لم يعد الانقسام في لبنان نتيجةً للحرب، بل أصبح أحد أدواتها. يمكن تسمية ما يجري اليوم في لبنان باقتصاد الانقسام. أي تحويل الكراهية إلى مادة تنتج يومياً، تُصنّع وتُوزّع وتُستهلك، وتخدم أكثر من طرف في آنٍ واحد، ولو بدا هؤلاء الأطراف في حالة عداء معلن. انتقلت المعركة من العنف العسكري إلى العنف الرمزي، فحين يقف رجل مسنّ ليشتم رئيس الحكومة بهذه اللغة المنحطة، وآخر يهاجم رئيس الجمهورية ويذكره بمصير السادات، وحين يدرّب الأطفال على السباب، وحين تمجّد العسكرة ولو بواسطة حذاء، لا تعود المسألة تتعلق بالشخص، بل بما يمثّله من التفاف على القلق والخوف المُستشعر، وبقصد تدعيم صورة الدولة المنهارة في الوعي الشعبي، وتطبيع الإهانة وسيلة تعبير سياسي، فيُنقل الصراع من نقد السلطة إلى تحقيرها وتخوينها. هذا ليس مجرد انحدار أخلاقي أو انفلات غضب، إنه في العمق، مؤشر على تحوّل أخطر: ضرب صورة الدولة في الوعي العام، واستبدال النقاش العام بالتشهير. عندما لا تعود السلطة موضع مساءلة، بل هدفاً للتحقير، تُفرغ من أي شرعية رمزية. وهنا نكون أمام ما وصفه Pierre Bourdieu بـ"العنف الرمزي": حين تصبح اللغة نفسها أداة تفكيك من أجل السيطرة، لا مجرد وسيلة تواصل. ما نشهده اليوم ليس مجرد اختلاف في المواقف أو تباين في القراءة السياسية، بل عملية منهجية تُعيد تشكيل المجتمع من الداخل، عبر اللغة والصورة والتربية، لتجعله أكثر هشاشة، وأقل قدرة على إنتاج معنى مشترك أو موقف وطني جامع. لبنان اليوم لا يواجه فقط خطر الحرب، بل خطر التحول إلى مجتمع يُعاد تشكيله على قاعدة الإذلال. والأخطر من ذلك ما يُزرع في الأجيال الجديدة. أطفال يُدرَّبون على السباب، يُصوَّرون ويُحتفى بهم، كأنهم يؤدون دوراً بطولياً، يشاركونهم في عرضٍ تعبوي. هذا ليس تفصيلاً عابراً، بل آلية لإعادة إنتاج الانقسام عبر التربية. فالطفل الذي يتعلم أن الكراهية تعبير مشروع، وأن الإهانة وسيلة حضور، لن يكون في المستقبل مواطناً، بل أداة في صراع لا يفهم أبعاده. وفي هذه اللحظة، لا يعود الطفل ضحية، بل يتحوّل إلى أداة: ناقل مبكر للكراهية، ومشروع مواطن منزوع القدرة على التفكير خارج ما لُقِّن له. إنها عملية تشكيل بطيئة للوعي، حيث تُزرع الانقسامات في اللغة قبل أن تظهر في المواقف. إنها عملية "غسل دماغ ناعم"، لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى عبر التكرار والتطبيع والتشجيع الاجتماعي. أما الرموز، فقد دخلت بدورها في هذا المسار. صور تُظهر تمجيد الحذاء العسكري، أو تحويله إلى عنصر احتفالي، هذه ليست مجرد مظاهر مبتذلة، بل تعبير عن إعادة تعريف القيم: من الكرامة إلى الخضوع، ومن المواطنة إلى الطاعة وعودة الى زمن أصنام الجاهلية. في هذا المشهد، لا تعمل الأطراف المتصارعة بالضرورة بتنسيق مباشر، لكنها تلتقي في النتائج. وللمفارقة، بينما تمعن إسرائيل في العدوان والهدم والاحتلال، تظهر نفسها انها تحترم مقدسات اللبنانيين، فيعتذر ساعر عن تحطيم الجندي الإسرائيلي لتمثال يسوع، بينما يهاجمون الكنائس والجوامع في القدس وبيت لحم ويمنعون المصلين من ارتيادها. على العكس، يغطي الحزب عجزه بضرب كل ما يحترمه المواطن اللبناني. إسرائيل تستفيد من تفكك النسيج الاجتماعي، ومن تحويل كل ضربة عسكرية، على غرار عين سعادة وبيروت، إلى مادة خلاف داخلي، بما يضعف أي إمكانية لرد وطني موحد. وفي المقابل، يعمل "حزب الله" على تعميق الخوف المتبادل بين اللبنانيين، وعلى ضرب فكرة الدولة الجامعة، بما يعزز منطق "الحماية" خارج مؤسساتها. هكذا، وعلى نحو مفارق (paradoxal)، يتغذى الطرفان من المسار نفسه: كلما ازداد التفكك الداخلي، تعززت مبررات كل منهما. ولا تقف المسؤولية عند هذا الحد. فبقية القوى السياسية تشارك، بدرجات متفاوتة، في تكريس هذا الواقع: عبر خطاب طائفي، أو صمت انتقائي، أو توظيف الخوف في خدمة الزعامة. فيتحول الفضاء العام إلى ساحة مفتوحة للغرائز، لا للنقاش، وللتعبئة، لا للمساءلة. النتيجة الأخطر ليست فقط في الانقسام، بل في فقدان المعايير، فيفقد المجتمع قدرته على التمييز بين ما هو مقبول وما هو مرفوض. عندها، لا تعود المشكلة في حدثٍ معين، بل في البنية التي تستقبله وتعيد إنتاجه. يأتي كل ذلك في لحظة دقيقة، يُفترض فيها أن لبنان يقف على أعتاب مسار تفاوضي جديد. لكن بدل أن يشكّل هذا المسار فرصة لتوحيد الرؤية والدعم، يحدث تفتيت السرديات، فيتعمّق التصدع الداخلي، ما يضعف الدولة بدل تقويتها، ويجري إضعاف رمزيتها، ما يهدد بإفراغ أي تفاوض من مضمونه. فالدول لا تفاوض فقط بحدودها، بل بتماسك مجتمعاتها، وبقدرتها على إنتاج موقف واحد، أو على الأقل سردية مشتركة. لبنان اليوم لا يواجه فقط خطر الضربات العسكرية، بل خطر التحول إلى مجتمع مفكك من الداخل، ومجرد ساحة لإدارة الصراعات. وهذه هي المرحلة الأخطر: حين لا يعود التفكك نتيجة للحرب، بل شرطاً لاستمرارها. نصبح أمام مجتمع يُعاد تشكيله على أسس ما قبل الدولة. في مواجهة ذلك، لا يكفي تسجل المواقف أو التنديد، وأن نرفض الضربة هنا أو نستنكر الشتيمة هناك. المطلوب استعادة الحد الأدنى من المعنى: أن الضحايا ليسوا طوائف بل مواطنون، والدولة ليست طرفاً بل إطاراً، والكرامة ليست تفصيلاً يمكن التنازل عنه. من دون ذلك، لن تكون كل ضربة عسكرية سوى خطوة إضافية في مسار تفكيك بدأ من الداخل… هي المرحلة الأخطر: حين لا يعود التفكك نتيجةً للصراع، بل يتحول إلى ثقافة. عندها، لا تكون المعركة على الأرض فقط، بل على معنى الإنسان نفسه. المطلوب الآن استعادة المعنى. أن يُعاد الاعتبار لفكرة المواطن، وليس الرعية التابع. ويعاد الاعتبار للدولة، لا للرمز؛ للكرامة، لا للقوة. لأن المجتمع الذي يتصالح مع الإذلال، لا يحتاج إلى من يهزمه… بل يكفيه أن يستمر على هذا النحو.

والآن يا حزب الله، هل أنت راضٍ؟
بقلم
يوسف معوض
نُشر
أبريل 18, 2026 - 07:37

هذا البلد، بلدنا في نهاية المطاف، يستحق أفضل من مقاومتك! ولكن أيّ لعنة هذه التي تجثم علينا في هذا الشرق القابع تحت نزوات المشعِلين للحروب وطالبي الشهادة؟ كلما إستلذ القادة العرب بالخطابات النارية وانجرفوا نحو الحروب، كنا ننجرّ نحو الكوارث. وهكذا، عشية حزيران 1967، أدّت استفزازات حزب البعث السوري الحاكم في دمشق إلى جرّ مصر والأردن إلى حرب الأيام الستة. فمن جهة، خسرت مصر سيناء، والسيطرة على قطاع غزة، والتحكم بقناة السويس؛ ومن جهة أخرى، خسرت سوريا الجولان، بينما انتُزعت من المملكة الهاشمية الأردنية الضفة الغربية والقدس القديمة (1). ولم تتمكّن لا دمشق ولا عمّان حتى اليوم من التعافي من تلك الزلّة، إذ إن الأراضي التي «استولت» عليها إسرائيل لم تُسترجع قط. وحده لبنان، الذي بقي بمنأى، نجا من الانهيار واستطاع الحفاظ على كامل مساحته البالغة 10452 كلم². لكن لا الفلسطينيين، ولا الحركة الوطنية، ولا الإيرانيين الذين قدموا لاحقًا، كانوا على استعداد للقبول بذلك. فقد سعوا إلى زجّنا بأي ثمن في نزاع خاسر سلفًا، لإثبات تضامن عربي وإسلامي. وهذه الحركة الوطنية نفسها، مستندة إلى منظمة التحرير الفلسطينية، ظنّت أنها قادرة على تحقيق أهدافها عام 1975 عبر مهاجمة المعاقل «اللبنانية» والشرعية. وقد ضلّت بفعل خطابها التمرّدي، فرفضت سياسة «الانعزالية» التي انتهجها النظام القائم، في حين أن هذه السياسة حافظت على جنوب لبنان من اجتياح إسرائيلي. لكن ماذا كان بوسعنا أن نفعل؟ كُتب علينا أن نُحتل عاجلًا أم آجلًا من قِبل قوى أجنبية. مع فارق واحد، هو أننا اليوم في حالة حرب لا بدافع التضامن العربي، بل للثأر لإستشهاد المرشد الأعلى الإيراني. أحسنت، «بعد عشرين عامًا» وبما أننا في عين العاصفة، فلندع الأرقام تتحدث، ولنُقرّ بأن حزب الله قد تجاوز أرقامه لعام 2006. ففي حرب الثلاثة والثلاثين يومًا سُجّل 1200 قتيل، بينما اليوم، وفي الفترة الزمنية نفسها، نحصي بالفعل 1400 ضحية (2). أحسنت يا حزب! ولنواصل: إذا كان أكثر من 100 ألف مسكن قد دُمّر قبل عشرين عامًا، فإن التدمير هذه المرة كان منهجيًا، فسوّى أحياءً كاملة بالأرض، ومَحا قرى حدودية من الخريطة (3). ولإتمام المقارنة، نشير إلى أنه إذا كان النازحون الذين بلغ عددهم مليونًا في عام 2006 قد تمكنوا فور توقف القتال من العودة إلى منازلهم، فإنهم اليوم لن يستطيعوا ذلك في الوضع الراهن: إذ إن نزوح 1,200,000 شخص منذ الشهر الماضي قد يصبح دائمًا. ويُتوقّع الآن، كما يقول أحد المراقبين، حدوث تحوّل دائم في الأرض وإعادة تشكيل للمجال الجغرافي. أي إعادة ترتيب جغرافية للجنوب تقوم على«تفكيك المناطق الشيعية» عبر قطع طرق التواصل. والفكرة هي إقامة منطقة عازلة ربما تمهيدًا لضمّ تدريجي. أحسنت مرة أخرى يا حزب! الغرب، محرابنا! منذ الاستقلال، اختار لبنان أن يتميّز وأن ينفصل عن مجموعة الدول المجاورة التي كانت تتخبط في تخلفها وخطابها القومي. ومن دون أن نتنكر لأصولنا الشرقية، ولا للأخوة العربية، بل بثقة كبيرة، تطلعنا نحو الغرب الذي اتخذناه نموذجًا ومحرابًا. وكانت دولتنا تتحفّظ على المشاغبين الأيديولوجيين، كما على الخطباء المتحمسين ودعاة الحروب. وكان هذا الفارق بيننا وبين الدول العربية المجاورة هو ما ميّزنا، وضمن على أرضنا ازدهار الحريات الشكلية وحرية المبادرة الاقتصادية. وهي أمور كانت محظورة تمامًا في عهد جمال عبد الناصر، وفي ظلّ حافظ الأسد وابنه، وكذلك في عهد صدام حسين. غيرأن هذه الخصوصية اللبنانية عُدّت خيانة عظمى في نظر بعض الأحزاب السياسية وشريحة واسعة من شعبنا. ففي عام 1956، استطاع الرئيس كميل شمعون أن يرفض قطع العلاقات الدبلوماسية مع المملكة المتحدة وفرنسا اللتين تورطتا في عدوان السويس. لكن ابتداءً من عام 1990، لم يعد لدينا ما نواجه به، فاصطففنا نهائيًا إلى جانب دمشق... ومنذ ذلك الحين، وعلى الرغم من سقوط النظام البعثي، لا نزال نكافح للخروج من المأزق. ولنقولها بصراحة، لم ننتهِ بعد من حزب الله. فمن مواجهة إلى أخرى، يمعن في التفوق على نفسه: فهو ينتقل من كارثة إلى أخرى! 1-وقد قالت غولدا مائير للملك حسين: «كان كل ذلك سيبقى لكم لو لم تتدخلوا في 6 حزيران!» 2- وحتى اليوم، تجاوز عدد القتلى ألفي قتيل، هذا دون احتساب الجرحى والمعوقين مدى الحياة. 3- وسيكون لدينا متسع من الوقت لإجراء الإحصاء الكامل .

انتصار "المقتنعين"
بقلم
جواد بقرادوني
نُشر
أبريل 17, 2026 - 21:46

يعود مراهق شاب إلى منزله بفخر، معلنًا لوالديه نجاحه في الامتحان، ومقدمًا لهما ورقة علامته 3/20. علامة رسوب، بلا شك، لكنها بالنسبة للطالب، انتصار! ولماذا لا؟ أعلن حزب الله انتصاره في لحظة مشحونة نفسيًا، يوم الجمعة 17 أبريل، في أجواء احتفالية، حيث انفجرت فرحة أنصاره، مصحوبة بوابل من قذائف B7 وقاذفات RPG؛ أضاءت رشقات نارية من رشاشاتهم ذات الرصاص المتوهج السماء لأكثر من أربعين دقيقة. عرضٌ صوتي وضوئي مبهر فوق العاصمة، التي أُعلنت منطقة منزوعة السلاح قبل ساعات قليلة في مؤتمر... انتصار إلهي (مرارًا وتكرارًا) لن تشوبه بأي حال من الأحوال اعتبارات مثل الخسائر البشرية والمادية، مهما بلغت. بغض النظر عن الخسائر في الأرواح، والإصابات، والدمار، وسياسة الأرض المحروقة، واحتلال الجنوب، والتبعات الاقتصادية، وغيرها، طالما أن قادة الميليشيات، رغم تعليمهم ومعرفتهم، يروجون لهذه الخرافات ويروجون لها، بل ويصدقونها هم أنفسهم. وجود العقل لا يعني بالضرورة استخدامه. وهذا تحديدًا ما يجعل غسل أدمغة الآخرين أمرًا يسيرًا. لا يكتفي حزب الله باتخاذ القرارات نيابةً عن جميع اللبنانيين، بل يفكر أيضًا نيابةً عن أنصاره. فبينما قطع الجيش الإسرائيلي خطوط الاتصال بين الجنوب والشمال (عبر نهر الليطاني)، نجح قادة حزب الله في قطع الروابط العصبية لأتباعهم، لدرجة أن منطقهم (إن وُجد أصلًا) يجعل التشكيك في نصرهم بمثابة انحياز للعدو. أكثر من 2200 قتيل، وماذا في ذلك؟ هناك حروبٌ تكون فيها الأعداد أكبر بكثير، وبالتالي يُعتبر النصر نصرًا! أكثر من 40 قرية سُوّيت بالأرض، وماذا في ذلك؟ إنها مجرد حجارة، يمكن إعادة بنائها، إذن النصر! أكثر من عشرة كيلومترات من البلاد محتلة، وماذا في ذلك؟ في الخامس والعشرين من مايو، سنحتفل بيوم "التحرير"، وسيكون عطلة رسمية، إذن النصر! من المستحيل إذًا إقناع المهزوم بأنه مهزوم حقًا. وبما أن الواقع يبدو وكأنه متغير قابل للتعديل، فلماذا نتوقف الآن؟ يكفي تغيير الكلمات ومعانيها لتزييف الحقائق. بهذا المعدل، سيصبح كل تراجع تقدمًا استراتيجيًا، وكل خسارة دليلًا على مكسب، وكل هزيمة نصرًا مُساء فهمه، والسيادة مفهومًا مرنًا، والدمار شكلًا من أشكال الاستثمار، والموت حياة جديدة، وفوق كل ذلك، التفكير المستقل خيانة. ففي النهاية، عندما تُردد الكذبة بصوت عالٍ ولفترة طويلة، تصبح في النهاية حقيقة في نظر من توقفوا عن التدقيق. لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق ليس أن بعض الناس يحاولون إعادة كتابة الواقع، بل أن الكثير من الناس يبدو أنهم مستعدون لتصديقه دون حتى إعادة قراءته.