شعار Levant Time
العودة إلى المقال
رأي

الكورار والدولة

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم جواد بقرادوني
نُشر أبريل 29, 2026 - 10:26

تبدو المسألة الفلسفية حول مَن سبق الآخر، البيضة أم الدجاجة، بسيطةً للغاية أمام الإشكالية التي تواجهها البلاد اليوم: معاهدة (سلام) يرهن توقيعها بنزع سلاح حزب الله.

 

هذا الشرط، الذي قررته حكومتنا، وفرضه الإسرائيليون، وتمنّته الأغلبية المتزايدة من الشعب اللبناني، لا يمكنه أن يتحقق في إطار زمني محدد. فمهما كانت الوسيلة، سواء عبر الجيش اللبناني أو قصف مواقع الحزب، لا تزال الترسانة الميليشياوية تعمل بكامل جاهزيتها.

 

لا تكمن المشكلة في مجرد وجود السلاح فحسب، بل في تغلغل الميليشيا داخل مفاصل معينة من أجهزة الدولة. فهذه الميليشيا تشلّ أي إجراء يُتخذ ضدها، بل والأسوأ من ذلك، أنه يثير اضطرابات داخلية، ويجعل شبح التمرد يخيم فوق سفينة تائهة بدأت فعلياً بالغرق.

 

سواء تمثّل الأمر في مدّعٍ عام سابق يُحبط مسار تحقيق ما، أو في قاضٍ يكتفي بفرض غرامة بسيطة على أفعال جرمية، أو في كبار ضباطٍ متغلغلين في صفوف الجيش يعملون بصفة مخبرين، أو في جنرال في جهاز أمني يطلق أسراباً أمنية ضد المدنيين؛ فإن الأمثلة تكاد لا تُحصى، وهي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن حزب الله قد تغلغل في مستويات عديدة.

 

فعندما يُحقن “الكورار” (أو سَمُّ السهام) في الجسد، ترتخي الأعضاء والعضلات كافة، بما في ذلك الجهاز التنفسي، وصولاً إلى مرحلة الاختناق. عندها، إما أن يُعطى المريض ترياقاً، أو يتم استئصال السم عبر عملية «تطهير».

 

“التطهير”. مصطلح ذو دلالة سلبية يستحضر إلى الذاكرة الحقبة السوفياتية. ولكن للأسف، «آخر الدواء الكي». إن إجراء عملية«تطهير» في بنية الدولة، ولو على مستوى بعض المراكز الحساسة، يشكل بداية لحلّ قابل للحياة، حلّ داخلي غير مستورد، على عكس الاستقواء بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

 

إن كفّ يد كبار الموظفين، عسكريين ومدنيين، بل وملاحقة أولئك الذين عرقلوا مسار العدالة أو استغلوا المرافق العامة لتأجيج التوترات الداخلية – ملوّحين بذلك بخطر الحرب الأهلية – قد أضحى أمراً ملحّاً. وستكون هذه، على الأرجح، الخطوة الأولى، إن لم تكن الوحيدة، الكفيلة بمنح الدولة مصداقية في عيون المجتمع الدولي. وهذه المصداقية هي التي ستشكل رافعة للمطالبة بمساعدات تهدف إلى تعزيز سيادة السلطة العامة الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية.

 

سيتذرع حلفاء حزب الله وأتباعه بضرورة تغليب الحوار كحل وحيد للمعضلة. لكن التجارب الماضية أثبتت أن طاولات “الحوار الوطني” المتعاقبة لم تكن سوى وسيلة لترسيخ هيمنة الحزب على مفاصل الدولة.

 

«يمكنك الحصول على الكثير عبر كلمة طيبة ومسدس، أكثر بكثير مما قد تحصل عليه بكلمة طيبة وحدها». كان صاحب هذه المقولة محقاً تماماً، بل وقد جعل منها عقيدته الراسخة. لم يكن صاحبها سوى آل كابوني.

 

إحالات على التقاعد المبكر، توقيفات فورية عن العمل، أو قرارات صرف؛ لا يهم المصطلح المستخدم، بل ما يهم هو إعادة هيكلة حقيقية لأجهزة الدولة، مهما علا شأن المنصب أو الرتبة. فمتى استُؤصل السّم من الجسد، تمكّنت الأعضاء والمفاصل من استعادة حركتها من جديد.

 

المهمة ليست سهلة بالتأكيد. ولكن، إذا كان الرئيس عون والرئيس سلام يرغبان حقاً في منع مركب لبنان من الانقلاب وإعادته إلى بر الأمان، دون الاضطرار إلى الاستعانة بـ”قراصنة” أو طلب نجدة خارجية، فربما يكون هذا هو الحل الوحيد.

 

من المؤكد أن أطرافاً سياسية نافذة ستزرع طريقهم بالألغام لعرقلة أي إمكانية لنزع السلاح، وبالطبع، لمنع توقيع أي اتفاق من أي نوع مع إسرائيل. لكن تأتي لحظة يصبح فيها الاختيار بين إنقاذ الوطن وحماية المصالح الخاصة أمراً لا يحتمل الجدل.

 

إنها عملية أشبه بتنظيف “إصطبلات أوجياس” بنسخة سياسية، وهي مهمة أشقّ بكثير من «أعمال هرقل»، لكنها ضرورية لكي يتمكن «فينيق» لبنان من جمع رماده والإشراق من جديد.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل