شعار Levant Time

رأي

في سوريا، كل عدالة انتقائية هي عدالة مبتورة!
بقلم
يوسف معوض
نُشر
مايو 16, 2026 - 12:23

لقد جرى تصوير مسيرة الموت: فليس من المعتاد أن يُرتكب قتل جماعي بحق 288 مدنيًا بينهم 12 طفلًا! جرت الوقائع في الضاحية الجنوبية لدمشق، و«وفق الأصول». نحن في عام 2013، في حي التضامن. أكثر من 24 مقطع فيديو وثّقت مشاهد تقشعر لها الأبدان، من بينها المشهد التالي: ميليشيات موالية للنظام تقود مدنيين معصوبي الأعين ومكتوفي الأيدي إلى حافة خندق؛ ثم تدفعهم إلى داخله قبل أن تطلق النار عليهم لترديهم قتلى. وبعد ذلك، كما نُقل إلينا، تُحرق الجثث ثم تُدفن بواسطة جرافة لطمس كل أثر. وذروة الفظاعة أن هذه «الإنجازات» التي ارتكبتها جماعة آل الأسد صُوّرت بالتفصيل على أيدي الجلادين أنفسهم. غير أن هذه الفيديوهات المُدانة انتشرت، بفعل ظروف معينة، على مواقع التواصل الاجتماعي ابتداءً من عام 2022، لتصبح رمزًا لوحشية النظام. دليل إدانة يُظهر المدعو أمجد يوسف، بطل فيلم الرعب هذا، وهو يوزّع الموت بكل هدوء! العدالة الانتقائية ليست عدالة للجميع! هذا العنصر السوري الصغير، غير ذي الرتبة، اعتقلته السلطات السورية في أواخر شهر أبريل الماضي، ويمكن تخيّل الفرحة العارمة التي اجتاحت ذوي الضحايا والسكان عمومًا عند الإعلان عن توقيفه. لكن المفاجأة أنه، عندما ظهر مجددًا على شاشة التلفاز خلال برنامج بثّته وزارة الداخلية السورية، أدلى باعترافات مثيرة للدهشة: إذ تحمّل المسؤولية كاملة، وادعى أنه تصرف بمفرده، في حين كان الجميع يتوقع أن يورّط رؤساءه المباشرين لينجو بنفسه. لقد بات واضحًا للجميع أن الأمر يتعلق باعترافات انتُزعت بالقوة، بهدف التستر على بعض أركان النظام السابق الذين غيّروا ولاءاتهم. وبدأ الرأي العام يتساءل إن كانت الحكومة الحالية قد أبرمت اتفاقات مشبوهة مع هؤلاء المنشقين الذين تتداول أسماؤهم همسًا. وقيل إن ذلك ربما جرى لدواعٍ أمنية، ولضمان الاستقرار والتهدئة في بعض مناطق البلاد! لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. فقد ألمحت ألسنة خبيثة إلى أن رشاوى دُفعت لمسؤولين في الجهاز الأمني (1). ما دفع أحد الباحثين في «مركز دراسات النزاعات» بجامعة أوترخت في هولاندا إلى القول: «لقد انتقلنا من العدالة الانتقالية إلى عدالة انتقائية وشكلية» (2). فالتركيز على بعض المذنبين دون غيرهم لا يضمن شفافية العدالة. هل تصرّف من تلقاء نفسه؟ وفي مطلع شهر مايو الجاري، جرى توقيف شخصية أخرى سيئة السمعة، لكنها هذه المرة برتبة جنرال: خرضل ديوب، الذي تورط في هجوم الغوطة الشرقية بالسلاح الكيميائي في أغسطس 2013. وقد أسفر ذاك الهجوم عن نحو 1500 ضحية، بينهم أكثر من 400 طفل. ومن ينسى مشهد الجثث والزبد يخرج من الأفواه؟ لذلك، وأكثر من أي وقت مضى، باتت المحاسبة ضرورة ملحّة: فالشعب السوري من حقه معرفة الحقيقة. فلا يأتِ أحد ليقول لنا عبر التلفزيون الرسمي إن هذا الجنرال، وقد خانه تقديره، تصرف من تلقاء نفسه! 1-Michael Safi & Melvyn Ingleby, “Syria arrests suspected leader of Tadamon massacre”, The Guardian , April 24, 2026. 2--Melvyn Ingleby & William Christou, “Security or justice? Syria faces post-Assad reckoning after string of arrests”, The Guardian , May 4, 2026.

ملف المبعدين إلى إسرائيل: جرح الهوية النازف في غياب العدالة الانتقالية

يشكّل ملف اللبنانيين المبعدين إلى إسرائيل واحدًا من أكثر الملفات اللبنانية تعقيدًا وحساسية، لكونه يتقاطع مع ثلاثة أبعاد متشابكة: تداعيات الاحتلالين السوري والإسرائيلي، ومخلّفات الحرب الداخلية، والانقسام العميق حول مفاهيم الدولة والسيادة والعدالة. لقد غابت الدولة عن الجنوب لعقود، تاركةً السكان في مهبّ التجاذبات بين الاحتلال وسلاح الميليشيات. وعندما عادت بعد التحرير، حضرت بمنطق أمني وقضائي صارم، مفتقرةً إلى روح المصالحة الوطنية الشاملة. ولهذا السبب، بقي الملف جرحًا مفتوحًا، لأن لبنان لم يخض تجربة حقيقية للعدالة الانتقالية تليق بمرحلة ما بعد الحرب والاحتلالات المتعددة. إنسانيًا، لا يمكن تجاهل المأساة التي عاشها آلاف الأشخاص وعائلاتهم، والتي تمثلت في: • الاقتلاع القسري من بيئتهم الطبيعية. • الانفصال الموحش عن الأهل والقرى. • أزمة الهوية والانتماء، والحياة المعلّقة بين بلدين. ويعيش الأبناء الذين وُلدوا أو نشأوا هناك أزمة مركّبة؛ فهم لم يندمجوا كليًا في ذلك المجتمع، وفي الوقت ذاته ينظر البعض إليهم، في وطنهم الأم لبنان، بريبة وعداء. وهنا يبرز السؤال الأخلاقي والجوهري: هل يجوز أن تمتدّ المسؤولية القانونية والسياسية لتشمل الزوجات والأبناء والأحفاد؟ إن هناك عائلات كاملة تدفع اليوم ثمن خيارات فرضتها ظروف قاهرة على بعض أفرادها، رغم أن معظمهم لم يحمل سلاحًا ولم ينخرط في أي نشاط أمني. ولإيضاح الصورة أكثر، يجب التأكيد على حقائق ثابتة: 1. أصالة الهوية: هؤلاء لبنانيون أصيلون، وليسوا غرباء أو طارئين على هذه الأرض. 2. خيار الحياة: لم يذهبوا إلى إسرائيل رغبةً، بل نفيًا قسريًا؛ إذ وُضعوا أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما مواجهة التهديدات بالتصفية الجسدية التي أطلقها الخصوم آنذاك ( السيد حسن نصرالله: "سنذبحكم في فراشكم")، وإما العيش في غربة قاسية بعيدًا عن الوطن والأحباء، فاختاروا البقاء على قيد الحياة. 3. غياب الدولة: لم يتآمروا على الدولة، بل إن الدولة هي التي تخلّت عنهم، حين تركتهم لقمة سائغة تحت تأثير الاحتلالات والوصايات الخارجية. 4. السجلّ المسالم: هؤلاء لم يتورّطوا في اغتيال رؤساء حكومات، ولا في تصفية نواب سياديين، ولم يفجّروا مساجد أو مرافق عامة. بين العدالة والانتقام إن الفرق الجوهري يكمن في التمييز بين العدالة القائمة على المحاسبة الفردية، وبين الانتقام الجماعي والنبذ الدائم. فالعدالة تقوم على تحديد المسؤوليات الفردية بدقة، وضمان المحاكمات العادلة، ورفض مبدأ "توريث التهمة" للأجيال اللاحقة. الخلاصة السياسية والإنسانية إن هذا الملف لا يُحلّ بالشعارات التخوينية، بل يتطلّب مقاربة "دولة حقيقية" تستند إلى: 1. الاعتراف بخصوصية مرحلة الاحتلال والظروف الضاغطة التي رافقتها. 2. التمييز الواضح بين من ارتكب جرائم فعلية ومن كان ضحية للظروف. 3. احترام القضاء اللبناني المستقل وسيادة القانون. 4. معالجة البعد الإنساني للعائلات والأبناء بعيدًا عن منطق الثأر والكراهية. إن ملف المبعدين إلى إسرائيل لا يمكن، ولا يجوز، أن يكون جزءًا من أي ملف آخر، لأن الخصم الحقيقي فيه هو الدولة اللبنانية نفسها، لا أي جهة أخرى. ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية والمعنوية تقع أولًا على عاتق رئيس الجمهورية، بصفته رأس الدولة والمعنيّ الأساسي بأمن الوطن وسلامته، وبمصير جميع أبنائه من دون استثناء. ومن اختار يومًا المواجهة مع إسرائيل دفاعًا عن الكرامة والسيادة، لا يجوز أن يعجز اليوم عن إيجاد سبيل لاستعادة أبنائه من المنافي القسرية، وإعادتهم إلى وطنهم تحت سقف القانون والعدالة والمصالحة الوطنية. في النهاية، يبقى التحدّي الأساسي أمام لبنان هو الانتقال من ذاكرة الحرب والانقسام إلى رحاب الدولة القادرة على الجمع بين العدالة والمصالحة، من دون التفريط بالسيادة أو بالكرامة الإنسانية لمواطنيها.

لبنان بين السلاح والمفاوضات
بقلم
جاد الاخوي
نُشر
مايو 10, 2026 - 16:02

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يقف لبنان أمام سؤال مصيري يتجاوز السياسة اليومية والانقسامات التقليدية: ماذا يريد لبنان من أي مفاوضات محتملة مع إسرائيل، وماذا يستطيع أن يقدّم، وهل يملك أصلًا القدرة الداخلية على تنفيذ أي التزامات قد تنتج عنها؟ هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بمصير الدولة اللبنانية، وبقدرة مئات آلاف اللبنانيين على العودة إلى قراهم، وبإمكانية إخراج البلاد من موقع "ساحة الحرب المفتوحة" إلى موقع الدولة الطبيعية القادرة على حماية حدودها وقرارها. المشكلة الأساسية في لبنان اليوم ليست فقط في الحرب أو خطر الحرب، بل في غياب الدولة القادرة على فرض رؤية وطنية موحّدة. فمنذ سنوات طويلة، يعيش البلد في ظل ازدواجية قاتلة: دولة رسمية تمتلك المؤسسات والدستور والشرعية الدولية، وفي المقابل واقع عسكري وأمني يملك قدرة مستقلة على اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالحرب والسلم. وهذه الازدواجية هي ما يجعل أي مفاوضات مستقبلية شديدة التعقيد، لأن العالم لا يسأل فقط ماذا يريد لبنان، بل أيضًا: من يمثّل القرار اللبناني فعليًا؟ في أي مفاوضات جدية، لن يكون المطلوب من لبنان تقديم "تنازلات مجانية" كما يحاول البعض تصوير الأمر، بل تقديم رؤية واضحة لدولة تريد استعادة سيادتها واستقرارها. وهذا يبدأ أولًا بتثبيت مبدأ أساسي: حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية وحدها. فلا يمكن لأي دولة أن تفاوض بينما قرارها الأمني موزّع بين مؤسسات رسمية وقوى عسكرية موازية. ومن هنا، فإن أي مسار تفاوضي حقيقي سيكون مرتبطًا حتمًا بمسألة السلاح خارج إطار الدولة، ليس فقط لأن إسرائيل أو المجتمع الدولي يطرحان هذا الملف، بل لأن قيام دولة طبيعية في لبنان أصبح مستحيلًا من دون معالجة هذا الخلل البنيوي. لكن هنا تظهر المعضلة الكبرى. هل يستطيع الجيش اللبناني وحده حلّ هذه المسألة؟ الجواب الواقعي هو أن القضية أكبر بكثير من قدرة عسكرية صِرفة. فملف السلاح في لبنان ليس مجرد مسألة أمنية يمكن حسمها بقرار ميداني أو مواجهة داخلية، بل هو ملف متشابك مع التوازنات الطائفية، والصراع الإقليمي، والعلاقة بين حزب الله وإيران، وكذلك مع الصراع المفتوح مع إسرائيل. لذلك، فإن أي محاولة لفرض حل بالقوة الداخلية قد تدفع البلاد نحو انفجار شامل يهدد وحدة الجيش نفسه ويعيد إنتاج مشاهد الحرب الأهلية التي لا يزال اللبنانيون يحملون ندوبها حتى اليوم. هذا لا يعني أن الجيش اللبناني بلا دور، بل على العكس تمامًا. فالمؤسسة العسكرية تبقى الجهة الوطنية الوحيدة القادرة على لعب دور الضامن للاستقرار إذا توفرت لها المظلة السياسية والقدرات اللازمة. لكن الجيش لا يستطيع أن يتحول إلى أداة صدام داخلي من دون قرار سياسي جامع ودعم داخلي واسع. ومن هنا، فإن أي مقاربة جدية لمسألة السلاح تحتاج إلى استراتيجية وطنية تدريجية، تبدأ بتعزيز الدولة نفسها، وتقوية الجيش، وربط أي انتقال أمني بتفاهم داخلي واسع وتسوية إقليمية أكبر. فالواقع يقول إن قوة حزب الله لا تأتي فقط من الداخل اللبناني، بل أيضًا من كونه جزءًا من محور إقليمي تقوده إيران. وبالتالي، فإن أي تغيير جذري في هذا الملف سيكون مرتبطًا أيضًا بمستقبل العلاقة الإيرانية – الإسرائيلية، وبطبيعة التفاهمات الدولية في المنطقة. ولهذا السبب، فإن اختزال القضية بشعار "نزع السلاح بالقوة" لا يبدو واقعيًا، تمامًا كما أن استمرار الوضع الحالي لم يعد قابلًا للحياة بالنسبة إلى الدولة اللبنانية. في المقابل، هناك ملف لا يقل أهمية، بل ربما هو الأكثر إلحاحًا بالنسبة إلى اللبنانيين اليوم: ملف الجنوب والنازحين والقرى المدمّرة. فآلاف العائلات اللبنانية تعيش حالة اقتلاع مستمرة بسبب الحرب والتوتر الحدودي، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل يمكن للبنان أن يحصل خلال أي مفاوضات على ضمانات إسرائيلية بالانسحاب وعودة النازحين؟ نظريًا، نعم. فمن الطبيعي أن يطالب لبنان بوقف العمليات العسكرية، وانسحاب إسرائيل من أي نقاط تحتلها، وتأمين عودة السكان إلى قراهم بأمان. لكن التجربة التاريخية في المنطقة أثبتت أن "الوعود" وحدها لا تكفي. فالشرق الأوسط مليء بالاتفاقات الهشة والتفاهمات التي انهارت عند أول تبدل ميداني أو سياسي. لذلك، فإن أي ضمانات حقيقية تحتاج إلى أكثر من مجرد تصريحات سياسية أو تفاهمات شفوية. لبنان يحتاج، في حال الدخول في أي مسار تفاوضي، إلى اتفاق واضح ومكتوب يتضمن جداول زمنية دقيقة وآليات رقابة وتنفيذ. كما يحتاج إلى رعاية وضمانات دولية فعلية من أطراف قادرة على الضغط، مثل الولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة. كذلك سيكون من الضروري تعزيز دور اليونيفيل أو أي آلية مراقبة دولية أخرى لضمان الالتزام المتبادل بوقف إطلاق النار ومنع الانهيار السريع لأي تفاهم. لكن حتى لو توفرت الضمانات الأمنية، تبقى هناك معركة أخرى لا تقل أهمية: إعادة الإعمار. فالعودة ليست مجرد فتح طريق إلى القرية، بل تعني إعادة بناء المنازل والبنى التحتية والمدارس والمستشفيات وتأمين الحد الأدنى من الحياة الطبيعية. ولذلك، فإن أي تفاوض جدي يجب أن يربط الأمن مباشرة بخطة دعم اقتصادي وإعادة إعمار للجنوب اللبناني، وإلا ستبقى العودة شكلية وهشة. المشكلة في لبنان أن جزءًا كبيرًا من النقاش الداخلي يتم بعقلية الشعارات القصوى. فهناك من يعتقد أن أي تفاوض هو استسلام، وهناك من يتخيّل أن الحل يمكن أن يأتي عبر مواجهة داخلية سريعة تنهي كل شيء دفعة واحدة. بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا بكثير. لبنان اليوم ليس في موقع يسمح له بالمغامرات الكبرى، لا العسكرية ولا السياسية. البلد يعيش انهيارًا اقتصاديًا، ومؤسسات الدولة منهكة، والمجتمع اللبناني نفسه منقسم وخائف ومتعب بعد سنوات طويلة من الأزمات. لهذا، فإن أي مقاربة واقعية يجب أن تنطلق من هدف أساسي: إعادة بناء الدولة اللبنانية نفسها. فالمشكلة الحقيقية ليست فقط في وجود تهديد إسرائيلي أو نفوذ إيراني، بل في ضعف الدولة الذي سمح بتحول لبنان إلى مساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية. وعندما تكون الدولة ضعيفة، تصبح كل التسويات الخارجية مؤقتة، وكل الهدن قابلة للانفجار. إن التحدي الأكبر أمام لبنان ليس فقط كيف يفاوض إسرائيل، بل كيف يستعيد قراره الوطني أولًا. فالتفاوض الحقيقي لا يبدأ على الطاولة، بل يبدأ عندما تمتلك الدولة سلطة فعلية على أرضها وحدودها ومؤسساتها. وعندها فقط يمكن لأي اتفاق أن يتحول من هدنة هشّة إلى استقرار طويل الأمد. لبنان لا يحتاج إلى شعارات انتصار وهمية، ولا إلى خطابات استسلام. ما يحتاجه فعليًا هو مشروع دولة: دولة تحمي حدودها بجيشها، وتمنع تحويل أراضيها إلى منصة لحروب الآخرين، وتؤمّن لشعبها الحق الطبيعي في الأمن والاستقرار والحياة. وأي مفاوضات مستقبلية يجب أن تُقاس بهذا المعيار وحده: هل تقرّب لبنان من الدولة، أم تعيده مرة جديدة إلى منطق الساحات والمحاور والحروب المفتوحة؟

مفاوضات واشنطن: هل يكسر لبنان قيود "الساحة" ليدخل عصر "الدولة"؟

منذ نشأة الصراع العربي الإسرائيلي، سعى لبنان جاهداً لحماية نفسه من الانزلاق الكامل في أتون الحروب المفتوحة، متبنياً سياسة قامت على ركيزتين: الأولى، أن يكون آخر دولة عربية توقّع اتفاق سلام مع إسرائيل؛ والثانية، أن يظل "دولة مساندة" للقضية الفلسطينية لا "دولة مواجهة" تتحمل وحدها أعباء الحرب. انطلقت هذه المقاربة من طبيعة لبنان الخاصة، بتوازناته الدقيقة وتركيبته السياسية والاجتماعية التي لا تحتمل صراعات ممتدة تتجاوز قدراته وإمكاناته. إلا أن هذه المعادلة بدأت تهتز تدريجياً مع صعود العمل الفدائي الفلسطيني المسلح، حين تحوّلت مناطق واسعة من الجنوب إلى ما عُرف بـ "فتح لاند" بدعم من قوى إسلامية ويسارية. دخل لبنان آنذاك مرحلة جديدة من الانقسام، خاصة مع استغلال نظام الأسد لهذا الواقع وتوظيفه لخدمة مشاريعه الإقليمية، فصار لبنان ساحة مفتوحة للحروب والتسويات الخارجية. ومع مرور السنوات، تبدّلت الأسماء والوجوه وبقي المشهد على حاله؛ خرجت التنظيمات الفلسطينية ليحل مكانها النفوذ الإيراني عبر "حزب الله"، وتراجع الدور السوري لمصلحة طهران التي أمسكت بالقرارين السياسي والعسكري. غير أن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة العلاقة بين إيران والحزب، إذ لم تعد مجرد تحالف مصالح، بل تحولت إلى ارتباط عقائدي وعضوي عميق، مما جعل فك الارتباط بين القرار اللبناني والمشروع الإيراني مسألة غاية في التعقيد. اليوم، تشهد المنطقة تحولات كبرى تعيد رسم التوازنات؛ فمع عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تبدلت المعادلات الدولية. وداخلياً، منح انتخاب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية وتكليف الدكتور نواف سلام تشكيل الحكومة أملاً باستعادة الدولة لسيادتها بعد سنوات من الانهيار والهيمنة المسلحة. من هذا المنطلق، طُرح مشروع الحوار مع إسرائيل بعدما أوصدت إيران أبواب الحلول ووصلت البلاد إلى حافة الانهيار الشامل. بات واضحاً أن استمرار الوضع القائم يعني سقوط لبنان نهائياً في عزلة مدمرة، لذا تعتبر السلطة الجديدة أن الإنقاذ يمر عبر تثبيت سلطة الدولة، وحصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الشرعية، وإخراج البلاد من لعبة المحاور. غير أن هذا التوجه يصطدم بعراقيل داخلية؛ فالعلاقة بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئاسة الجمهورية تشهد توتراً متزايداً، مع شعور "عين التينة" بأن المسار التفاوضي يتجاوز التفاهمات التقليدية. وفي المقابل، يبدو موقف "الحزب" أكثر تعقيداً بعد انتقال قراره السيادي إلى الحرس الثوري الإيراني، مما يربط أي حوار داخلي بحسابات طهران ومفاوضاتها مع واشنطن. تؤكد السلطة اللبنانية اليوم رفضها ربط مستقبل البلاد بقطار التفاوض الإيراني الأمريكي، انطلاقاً من قناعة بأن لبنان لا يمكن أن يظل "ورقة ضغط" للخارج. وفي خطوة قد تؤسس لمسار سياسي جديد، يُرتقب عقد لقاء بين وفدين لبناني وإسرائيلي في واشنطن، يمثل محاولة جدية لاستعادة موقع "الدولة الطبيعية". يقف لبنان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما العودة إلى منطق الدولة والسيادة والمؤسسات، وإما البقاء رهينة للسلاح والمحاور الخارجية التي لم تورث اللبنانيين سوى الدمار والانهيار. هل يكسر لبنان قيود "الساحة" ليدخل عصر "الدولة"؟

يا سوريين، اقضوا بالعدل - ولكن بالعدل فقط!
بقلم
يوسف معوض
نُشر
مايو 9, 2026 - 02:09

أقام المتظاهرون مشنقة أمام محكمة دمشق. كان ذلك يوم الأحد، 27 أبريل/نيسان، في العاصمة السورية: حشد غفير حضر الجلسة الأولى للمحاكمات التي تهدف إلى تحديد مصير مجرمي نظام بشار الأسد المنهار. كان المتظاهرون يهتفون مطالبين بالانتقام: لم يكونوا ليترددوا في أخذ القانون بأيديهم! هذا يعطي فكرة عن الأجواء المتوترة للغاية التي قد تُلقي بظلال من الشك على مسار التطورات المستقبلية. إنشاء محكمة خاصة بسوريا، على غرار تلك التي أُنشئت ليوغوسلافيا السابقة، كان سيثير قلقًا أقل. كل هذا ينذر بالسوء للطائفة العلوية، التي سيطرت على السلطة لأكثر من 50 عامًا، وتُحمّل مسؤولية القمع الذي أهلك الشعب. الوضع الراهن لذا، كان من المتوقع أن يعكس النظام القضائي السوري الحالي نضال البلاد المستمر لالتئام جراح الحرب الأهلية. لا تزال الحرب حاضرة بقوة في أذهان الناجين، وستظل آثارها تلاحق الأفراد والجماعات المختلفة لفترة طويلة قادمة. ومن العوامل الأخرى التي لا تُسهم في تحقيق العدالة أو المصالحة، أن النظام القضائي السوري، في مجمله، لم يكن يتمتع بالسيادة الحقيقية منذ استيلاء حزب البعث على السلطة. فمنذ ستينيات القرن الماضي، كان القضاة خاضعين للنظام، وهذا خير دليل! خمسة عقود من الخضوع لنظام الأسد، الأب والابن، لم تكن لتُنتج قضاةً نزيهين، مؤهلين مهنيًا للحكم، ومستقلين تمامًا. ويُضاف إلى ذلك، كما أشار أحد المراقبين، أن الآلية القضائية، في هذه اللحظة بالذات، بُنيت حول "مجموعة غير متجانسة من الآليات: عمليات عدالة انتقالية وطنية غير مسبوقة، ومبادرات محلية، غالبًا ما تكون غير رسمية، لتقصي الحقيقة، تتسم بردود الفعل والهشاشة، ووعود بإجراء محاكمات مستقبلية، وتنوع غير مسبوق في النشاط القضائي الدولي". نظام قضائي مزدوج في الواقع، لا ينبغي نسيان أن محاكمات مجرمي النظام المنهار قد بدأت في أوروبا قبل انعقاد الجلسة الأولى في دمشق الشهر الماضي. ويعود ذلك إلى أن بعض الدول الأوروبية، بموجب مبدأ "الولاية القضائية العالمية"، تمكنت من مقاضاة مرتكبي جرائم لم تُرتكب على أراضيها. فبينما أصدرت فرنسا مذكرات توقيف بحق بشار الأسد وشقيقه ماهر وآخرين، لم تتردد المحاكم الألمانية في كوبلنز وشتوتغارت وفرانكفورت في إصدار أحكام بالسجن على مسؤولين سوريين، بما في ذلك حكمان بالسجن المؤبد. يا له من حظٍ سعيدٍ لهؤلاء الفارين الذين مثلوا أمام المحاكم الأوروبية: فقد نجوا من عقوبة الإعدام، ولا تزال ظروف سجنهم أفضل بكثير من تلك السائدة في سجون دمشق. العين بالعين؟ وهذا سببٌ إضافيٌّ للخوف من تطبيق مبدأ "العين بالعين" خلال ما يُمكن تسميته الآن "محاكمات دمشق"، وهي محاكمات ستكشف فظائع النظام المخلوع. ستُعقد الجلسة القادمة في العاشر من مايو/أيار، وستُحدد مصير اللواء عاطف نجيب، ابن عم الرئيس بشار الأسد والرئيس السابق للأمن السياسي في درعا، مهد انتفاضة 2011. فكيف يُمكن الحفاظ على الهدوء في المحاكم بعد الكشف الكامل عن جرائم هذا المعتدي على الأطفال؟ وإلى أي مدى سيتمكن نظام أحمد الشرع من احتواء موجة الضغط الشعبي المتصاعدة، من حلب إلى حمص وحماة، والمطالبة بإقامة المشنقة فورًا في ساحة المرجة؟* *هذه الساحة نفسها التي شُنق فيها القوميون العرب عام 1916، والجاسوس إيلي كوهين عام 1965.

المرض الثقافي
بقلم
خليل حلو
نُشر
مايو 5, 2026 - 17:02

إنّ الداء الذي يُصيب البلاد ليس ميليشيا حزب الله وحدها، رغم أنها تُشكّل التحدي الأكبر، ولا الميليشيات الأخرى، ولا الجماعات المسلحة في المخيمات الفلسطينية، ولا غياب السيادة، ولا الفساد المستشري منذ عهد المتصرفية (1862-1915). هذا الداء، الذي هو تآكل ثقافة الدولة وسيادتها، قد أصاب العقول وانتشر فيها منذ الاحتلال البعثي السوري. وقد تفاقم لاحقًا، وتحوّل إلى سرطانٍ في ظل هيمنة حزب الله. على مدى 21 عامًا، عمل حزب الله، على جميع مستويات هرميته، وأينما وُجد في المؤسسات، بلا هوادة على تشكيل العقول وإخضاعها، مستخدمًا هذه المؤسسات كدرعٍ اجتماعي وسياسي وأمني لمصلحته الخاصة. وهكذا، تشوّهت الدولة ومؤسساتها، ووُصِم أي مسؤول لا يتبنى خطاب "المقاومة" بالخيانة والعمل لصالح الصهيونية. وبالمثل، تُصنّف الدول الصديقة التي يقيم فيها مئات الآلاف من اللبنانيين، سواء كانوا مُجنسين أم لا، كأعداء، ويُتجنّب ممثلوها أو يُقاطعون تحت طائلة اتهامات التواطؤ مع الإمبريالية. ووفقًا لهذه الثقافة السائدة، ينبغي على لبنان أن يعزل نفسه عن العالمين العربي والغربي. أما بالنسبة لمن لا يُعجبون بحزب الله، فإنّ متلازمة ستوكهولم تُسيطر عليهم وتُصبح أمرًا شائعًا. وأمام هذا الواقع، لا يجد دعاة الأمر الواقع ما هو أفضل من ممارسة لعبة "البراغماتية" الفارغة. في المقابل، تُلقي موجة المعارضة الشديدة للجماعة المسلحة باللوم على "الدولة العميقة" في وضعنا الراهن. وهذا، بحكم تعريفه، ذو توجه تجاري بحت، بينما في الحقيقة ما نعانيه هو "الدولة الوهمية"، أو "دولة حزب الله المُقنّعة". لذلك، فإنّ إلقاء اللوم على "الدولة العميقة" فيما يحدث هو تبسيط مُخلّ. علاوة على ذلك، فإن إعفاء أعلى مستويات التسلسل الهرمي للدولة، ومن هم في مواقع وسيطة بين هذا التسلسل الهرمي وقاعه، من المسؤولية أمر خاطئ. إن ثقافة الدولة، التي تصورها الآباء المؤسسون للبنان الحديث قبل قرن من الزمان، ترسخت تدريجيًا على يد طبقة نخبوية، أولًا في ظل الانتداب الفرنسي، ثم في ظل رؤساء وحكومات متعاقبة حتى عام ١٩٧٥. ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح من خلال إعادة قراءة صحف تلك الفترة واستذكار طبيعة الحياة اليومية قبل الحرب. لا شك أنه في تلك الفترات، كانت هناك دولة ومؤسسات تعمل رغم أوجه قصورها ونقاط ضعفها وعيوبها. وقد برزت هذه المشكلات بأبعادها الحقيقية خلال الولايات الرئاسية الأربع الأولى بعد الاستقلال، إلا أن هذه الفترة لم تكن كافية لتحقيق النضج الاجتماعي والسياسي اللازم لدى جميع المواطنين، لا سيما بعد أربعة قرون من الثقافة الطائفية في ظل نظام "الملّة" العثماني. منذ عام ١٩٧٥، يتوق اللبنانيون إلى دولة ذات سيادة يحكمها القانون، ولا يزالون يسعون إليها، لكن أغلبية كبيرة منهم لم تعد تفهم ماهيتها. أصبحت مؤسسات الدولة، بدلًا من خدمة المواطنين، أدواتٍ للسلطة والهيمنة والإثراء. يجد الكثيرون هذا الوضع روتينًا ويتعايشون معه "بشكل طبيعي". علاوة على ذلك، أصبح تواطؤ الدولة مع الميليشيات الموالية لإيران واجبًا في نظر مؤيدي حزب الله، وأمرًا عاديًا بالنسبة للجميع. لتغيير هذا الوضع وتصحيحه، نحتاج إلى رجال دولة حقيقيين، لا مجرد ممثلين عن جماعات دينية، والذين غالبًا ما ينتمون إلى دوائر شعبوية. التنوع الديني حقيقة واقعة، لكن لا يمكن ترك إدارته للمتواضعين. النخب داخل كل جماعة دينية أو حزب ضرورية في هذه الظروف. رئيس برلماننا ليس قائدًا حقيقيًا بالمعنى التقليدي. فهو يمارس حق النقض على السلطة التنفيذية والهيمنة على إدارة الدولة لتسهيل شؤون حاشيته وأنصاره. يدير البرلمان أشبه ما يكون بمجلس قبلي، لا كفريق يسنّ القوانين ويناقش الرؤى وخطط العمل لمواجهة التحديات الاستراتيجية. والدليل على ذلك هو غياب البرلمان التام عن حرب حزب الله وإسرائيل منذ عام ٢٠٢٣. أما رئيس الوزراء، فهو منفصل تماماً تقريباً عن القرارات الأمنية والعسكرية. وحكومتنا، رغم وزرائها الأكفاء، لا تشبه فريق عمل جماعي يحدد المشاكل ويضع الحلول. لا وجود لسياسة خارجية واضحة، ولا لاستراتيجية تفاوض مع إسرائيل، التي يرفضها قطاع من السلطتين التنفيذية والتشريعية. يُدلي رئيس الجمهورية بتصريحات عديدة، لكنه يفشل في القيام بدوره كقائد دستوري. ولا تُواجَه الهجمات والتشهير الذي يتعرض له بإجراءات مؤسسية. علاوة على ذلك، يتنافس السياسيون وقادة العشائر والميليشيات ووسائل الإعلام على الظهور الإعلامي والإعلان عن دعمهم أو معارضتهم للمفاوضات مع إسرائيل، لكن الأمر لا يعدو كونه مجرد اتخاذ مواقف. إن الشكاوى ضد "الدولة الوهمية" مبررة، لكنها غير كافية. ما ينقصنا هو تحرك من رجال الدولة. إن دول المنطقة، سواء أكانت حليفة أم معادية أم خصومًا، تعمل بلا كلل لحماية مصالح شعوبها والخروج من الأزمة الإقليمية بأقل قدر من الضرر. إذا استمر الوضع على هذا المنوال، فسيتم فرض الحلول من الخارج؛ وإلا، فسنُحكم علينا بالاكتفاء بإدارة شؤوننا اليومية. أخيرًا، قد يبدو ما قيل عن سيادة القانون وسيادة الدولة مثاليًا، لكن إن لم نطمح إلى أعلى المستويات، فإننا نخاطر ليس فقط بالبقاء في مكاننا، بل بالانحدار إلى الحضيض.

السم الأخير
بقلم
أكرم نعمة
نُشر
مايو 4, 2026 - 07:57

حزب الله، الذي طالما أرعب البلاد برمّتها طوال سنوات بسلاحه ورجاله وتهديداته، بات اليوم لا يجد ما يصنعه سوى تشويه سمعة البطريرك الماروني بشارة الراعي عبر جيوش من الحسابات المجهولة والجرأة المزيفة والإهانات المكتوبة من خلف الشاشات. حتى طريقتهم في السقوط باتت صغيرة. لماذا هذا الغضب؟ لأن البطريرك اكتفى بتذكيرهم بشيء بات لا يُطاق عليهم: لبنان للبنانيين. جملة بسيطة. جملة عادية. ومع ذلك لم يعودوا قادرين على إسكاتها. فراحوا يضربون في الهواء، كمن يحسّ أن الأرض تنزلق من تحت قدميه. ليس هذا دليلَ قوة، بل هو على العكس تماماً. الحركات الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى أن تُرسل مجهولين للهجوم على رجل دين. حين يُستعاض عن الحجج بالوحل، فذلك لأن المرء يعلم في قرارة نفسه أن جزءاً من المعركة قد خُسر. ثمة لحظة في حياة المنظمات تدرك فيها أن الخوف الذي كانت تُلهمه بدأ يتبدد. وحين يرحل الخوف، لا يبقى سوى القليل. عندئذٍ تبدأ ردود الفعل المتوترة، والإهانات، والتجاوزات، والضربات التي لا طائل منها. كعقرب مُحاصَر يلدغ مرةً أخيرة، لا لأنه لا يزال يسيطر، بل لأنه لم يعد يعرف كيف يموت على نحوٍ آخر. في تاريخ لبنان، حين تشرع حركةٌ ما في مهاجمة سلطةٍ دينية بهستيريا، فذلك في الغالب دليل على أنها استنفدت سائر خياراتها. الحجة السياسية لم تعد مقنعة. والحجة العسكرية لم تعد كافية. ولم يبقَ إذن سوى الوحل. غير أن الوحل الذي يُرمى في وجه بطريرك لا يُلوّث من يستهدفه، بل يكشف قبل كل شيء من يرميه. ما يجري اليوم يتخطى بكثير مجرد جدل مع البطريرك الراعي. إنه مشهد نظام يحسّ أن الزمن يتبدل من حوله. ونظام يستشعر نهايته كثيراً ما يصبح عدوانياً مضطرباً صاخباً. أصعب ما يواجهونه هو تلك اللحظة البالغة الدقة حين يتحوّل الخوف إلى الجانب الآخر. الميت لا يعلم أنه مات. أما المحتضر فيعلم.

وأخيرًا، محاكمات دمشق!
بقلم
يوسف معوض
نُشر
مايو 2, 2026 - 09:58

لقد شهد العالم محاكمات في نورمبرغ (1945-1946) وطوكيو (1946-1948)، بل وحتى في إسطنبول، حيث نُصبت المشانق في يوليو 1919 لإعدام بعض قادة «تركيا الفتاة» المسؤولين عن الإبادة الجماعية للأرمن. ومع ذلك، كان من المشروع التساؤل عن سبب تأخر سلطة أحمد الشرع في إطلاق عجلة القضاء في سوريا. فهل كان هذا الأخير مترددًا في معاقبة الانتهاكات التي ارتكبت بحق شعب كامل على يد سلالة الطغاة آل الأسد وحاشيتهم؟ وكان هذا التساؤل أكثر إلحاحًا في ظل توقيف أكثر من عشرين مسؤولًا — من الصفين الأول والثاني إن صحّ التعبير — مازالوا يقبعون في السجون بانتظار محاكمتهم. وها هي في السادس والعشرين من أبريل تُفتتح في دمشق أولى الجلسات العلنية بهذه العبارة التي أعلنها القاضي فخر الدين العريان: «اليوم نبدأ أولى المحاكمات في إطار العدالة الانتقالية في سوريا». مقارنة موجزة من منا لا يتمنى لجارتنا سوريا أن تشهد محاكمات علنية تُدين مجرمي النظام البعثي، لا بدافع الانتقام بل تحقيقًا للعدالة؟ ولكن، أليس من الضروري تجنّب الاقتداء بالنموذج العراقي أو اللبناني؟ فلنذكر أنه في العراق، جرى عام 2006 ما يشبه المحاكمة الصورية، تلك المعروفة بمحاكمة صدام حسين. فقد أُعدم على عجل بعد إدانته في قضية الدجيل، وقبل أن تُستكمل محاكمته في قضية حلبجة التي تعود إلى عام 1988، حيث استُخدمت الأسلحة الكيميائية ضد السكان المدنيين. وهكذا، حُرم الأكراد، كما غيرهم من ذوي الضحايا، من عدالة سليمة كان من شأنها أن تخفف من شعورهم العميق بالظلم، إذ إن محاكمة حسب الأصول كانت ستُسهم بلا شك في عملية التئام الجراح. أما في لبنان، هذا البلد الاستثنائي الذي شهد خمسة عشر عامًا من حرب أهلية كامنة واحتلالات أجنبية، فقد كان الأمر أكثر اختصارًا وصرامة: إذ جاء قانون العفو لعام 1991 ليمحو بجرّة قلم كل الفظائع التي ارتُكبت*. في انتظار بشار وماهر وغيرهما فهل ستكون الأمور مختلفة في سوريا؟ على أي حال، يبدو أن المحاكم السورية لا تعرف عطلة، إذ عُقدت أولى الجلسات يوم أحد، في إطار مسار سيكشف بلا شك فظائع النظام السابق. لقد غاب عن الجلسة اثنين من أبرز الملاحقين : الرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر. كما اختفى غيرهما من المرتكبين الذين ينعمون اليوم بحياة مريحة في روسيا أو لبنان أو العراق أو إيران، بل وحتى في ألمانيا والسويد وبلجيكا، كما يُقال! إن عدد مجرمي النظام الذين سيفلتون من عدالة بلادهم يُقدّر بالآلاف. وسيدفع «صغار المنفذين» الثمن بدلًا من أولئك الذين خططوا وأمروا بعمليات القتل والتعذيب المنهجي، تلك السمة المميزة لنظام السجون السوري. العدالة الانتقالية وسيادة القانون؟ لا بد من المحاكمات، أقلّه لأثرها التطهيري. ولكن ليس بدافع الانتقام ! إن «العدالة الانتقالية» التي أشار إليها القاضي العريان لا يجوز أن تتحول إلى تصفية حسابات، بل ينبغي أن تهدف إلى إظهارالحقيقة، وتعويض الضحايا، وتمهيد الطريق للمصالحة الوطنية. ولكن، أليس هذا مجرد أمل طوباوي؟ لقد كان أساتذتنا في الصغر يحذروننا من الأوهام والمثالية. فكما أن الإحسان، كذلك العدالة، لا يمكن أن تكون في تطبيقها إلا «جزئية ومنحازة». *على أن بعض الجرائم، ولا سيما تلك المرتكبة بحق شخصيات سياسية أو دينية أو دبلوماسية، لم تكن مشمولة بقانون العفو.

لبنان ليس غزة
بقلم
مكرم رباح
نُشر
مايو 1, 2026 - 03:43

حين يُلوِّح مسؤولون إسرائيليون بمعاملة جنوب لبنان على غرار غزة، لا يكون هذا التصريح طائشاً وحسب، بل كاشفاً في الوقت ذاته عمّا آلت إليه المعادلة الإقليمية من تشابكٍ عضوي مع الحسابات الداخلية الإسرائيلية، ومعكوساً في الآن نفسه للشلل البنيوي المزمن الذي ينخر الدولة اللبنانية. تستحق هذه البلاغة أن تُردَّ إلى ما هي عليه في حقيقتها: استعراضٌ انتخابي يرتدي عباءة العقيدة الاستراتيجية. بيد أنها لا تنفصل عن واقعٍ أثقل وطأةً بكثير، إذ جُرَّ لبنان مجدداً إلى حربٍ لم يختَرها، على يد فاعلٍ لا يخضع لسلطة الدولة ولا يتحمّل تبعات خياراته بأي حساب. لا وجه للمقارنة الجدية بين غزة وجنوب لبنان، لا لأن حجم الدمار يتفاوت، بل لأن البنية السياسية التي يقوم عليها كلٌّ من الحالتين مختلفةٌ اختلافاً جوهرياً. فغزة تحكمها سلطةٌ تتبنّى علناً مسؤولية موقفها العسكري، في حين يبقى لبنان رهينَ معادلةٍ مقلوبة تحمل فيها الدولةُ أعباءَ الحرب دون أن تمتلك السيطرةَ السيادية على الأدوات التي تُشعلها. فالمواجهة الجارية على طول الحدود الجنوبية ليست نزاعاً ثنائياً بين إسرائيل وحزب الله فحسب، بل هي تجلٍّ صارخ لأزمةٍ أعمق في منظومة الحوكمة اللبنانية، حيث حوّل غيابُ مرجعيةٍ قرارية موحّدة البلادَ إلى ساحةٍ للآخرين عوض أن تكون فاعلاً في تحديد مصيرها. كثيراً ما يُصوَّر السلوك العسكري الإسرائيلي في الجنوب، ولا سيما الاستهداف الممنهج للبنى التحتية وشبكات الأنفاق، باعتباره ضرورةً أمنية محضة، غير أنه يضاهي في وقائعه تطبيقاً قسرياً لقراراتٍ دولية بقوة السلاح، بعد أن أخفقت الدولة اللبنانية في تنفيذ هذه القرارات أو أحجمت عنها. وليس في التمسّك الإسرائيلي الدائم بالقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن ما هو عابرٌ أو بلا دلالة؛ فهو يكشف عن ادّعاءٍ بإنفاذ التزاماتٍ تملّصت منها بيروت، لكن بوسائل إسرائيل الأحادية وعلى شروطها. ولا تقف هذه الديناميكية عند حدود تآكل سيادةٍ لبنانية هشّة أصلاً، بل تُوقع الدولةَ في فخٍّ لا مخرج منه: أن تُحاكَم وتُتجاوَز في آنٍ واحد، على يد فاعلين خارجيين لم يعودوا يرون فارقاً يُعتدّ به بين مؤسسات الدولة والتنظيم المسلح الذي يعمل في ظلها. ولعلّ ما يمنح هذه اللحظة خطورتها الفائقة هو الهوّة المتّسعة بين الروايات الرسمية والوقائع المعاشة على الأرض. فقد أكدت القيادة العسكرية اللبنانية مراراً التزامها بالإطار الرامي إلى تجريد المنطقة الواقعة جنوبي نهر الليطاني من السلاح، إلا أن مجريات الأحداث تُشير إما إلى قصورٍ في التطبيق أو إلى غياب الإرادة السياسية اللازمة لمواجهة الانتهاكات. وقد أفرز هذا الغموضُ فراغاً تنمو فيه الادعاءات المتضاربة وتتكاثر، مما يُتيح لإسرائيل تسويغ استمرار عملياتها، في حين يُمكِّن حزبَ الله من صون روايته في الردع والمقاومة. وفي بيئةٍ كهذه تتراجع الحقيقة أمام المنفعة، وتغدو الوقائع مادةً للتوظيف الانتقائي في خدمة أجنداتٍ مرسومةٍ سلفاً، لا أداةً لتوجيه السياسات وضبطها. ولا تقتصر تداعيات هذا التنافر على ساحة المعركة، إذ تمتدّ لتطال النسيج الاجتماعي والسياسي للبنان في أعماقه. فقد كشف نزوح أبناء الجنوب عن حجم الانهيار البنيوي الذي لا تُخطئه العين، وعن استحالة صون حياةٍ مدنية كريمة في ظل الظروف الراهنة، فيما تكشف موجات التهجير المتكررة، التي كثيراً ما تجري بإيعازٍ من الفاعلين أنفسهم الذين يتذرّعون بالدفاع عن السكان، عن نمطٍ مثيرٍ للقلق يُعامَل فيه الناسُ كأوراقٍ قابلة للحرق في حساباتٍ استراتيجية أكبر من أن تعنى بهم. ويبقى البُعد الإنساني لهذا الصراع، على كثرة ما يُحتجّ به في الخطاب الرسمي، خاضعاً لضرورات الحفاظ على مسرح مواجهةٍ يخدم مصالح تتخطّى حدود لبنان وتتجاوز أهلَه. وفي قلب هذه الأزمة تقبع حقيقةٌ أشدّ إيلاماً، طالما حرص المسؤولون اللبنانيون على تجنّب البوح بها بصراحة: لم يعد التآكل التدريجي للسيادة مجرد هاجسٍ نظري، بل بات حالةً يومية معاشة تُشكّلها ترسّخ قوةٍ عسكرية خارج سلطة الدولة واندراجها في محورٍ إقليمي تقوده طهران. إن وجود متّخذي قراراتٍ يعملون خارج دائرة المساءلة اللبنانية، ممن تنصبّ أولوياتهم في خدمة أهدافٍ استراتيجية خارجية، قد حوّل بحكم الواقع أجزاءً من الوطن إلى امتداداتٍ ميدانية لصراعٍ جيوسياسي أوسع. ويُعقّد هذا الواقع أيّ مسعىً للتفاوض على وقفٍ لإطلاق النار أو الحدّ من التصعيد، لأنه يطرح السؤال الجوهري بإلحاح: من يملك، بالضبط، الصلاحيةَ للالتزام باسم لبنان بالسلام؟ في هذا السياق وحده يمكن قراءة الجدل الدائر حول المفاوضات. إن إصرار بعضهم على أن الجلوس إلى طاولة التفاوض ضربٌ من الخيانة يعكس ثقافةً سياسية طالما خلطت بين الدبلوماسية والوهن، ورفعت المواجهةَ الدائمة إلى مرتبة الشرف الوطني. غير أن البديل المطروح، أي مواصلة حربٍ بلا هدفٍ محدد ودون إذن الدولة ودون أفقٍ يُرى للحل، لا يعِد بشيءٍ سوى مزيدٍ من الدمار. فالمفاوضات، بهذا المعنى، ليست تنازلاً بل استحقاق، شريطة أن تنبثق من رؤيةٍ متماسكة لسلطة الدولة وأن تُسنَد بإرادةٍ حقيقية في معالجة جذر الأزمة: وجود كيانٍ مسلح يعمل خارج القيادة الوطنية وبمعزلٍ عنها. وقد بات الفاعلون الدوليون والإقليميون، ولا سيما دول الخليج العربي، يُعبّرون عن موقفهم بوضوحٍ لا لبس فيه. فلن تتدفق المساعدات المالية ودعم إعادة البناء إلى منظومةٍ يُنظر إليها باعتبارها مرهونةً لإرادة الميليشيات، ولن يُمنح الغطاء السياسي لدولةٍ عاجزة عن إثبات أسبقية سلطتها في ملفّي الحرب والسلام. وهذا الاشتراط، الذي كثيراً ما يُقرأ ضغطاً خارجياً مرفوضاً، ليس في حقيقته إلا انعكاساً لتوافقٍ إقليمي ودولي أشمل مفاده أن الاستقرار لا يُبنى على الغموض، وأن السيادة لا تتجزأ ولا تُختار. يقف لبنان اليوم أمام مفترق طرقٍ طالما اقترب منه دون أن يجرؤ على اجتيازه. المسألة ليست اختياراً بين الحرب والسلام بمفهومهما المتعارف عليه، بل هي في جوهرها اختيارٌ بين الاستمرار في الوجود ساحةً مجزأة لقوى متنازعة أو استعادة الذات دولةً قادرةً على صياغة قراراتها وفرض تنفيذها. وطالما ظلّ احتكار العنف موضعَ تنازعٍ وطعن، ستظلّ كل هدنةٍ مؤقتة، وكل مسعىً لإعادة الإعمار معلّقاً، وكل مطالبةٍ بالسيادة منقوصة. والطريق إلى الأمام ليس يسيراً ولا مفتوحاً على الفور، لكنه يبدأ حين يُقرّ لبنان بما كثيراً ما حاول التهرّب منه: بلدٌ لا يُمسك بزمام سلاحه لا يُمسك بزمام مستقبله.

حين تتحوّل السرقة إلى "فجوة"
بقلم
منى فياض
نُشر
أبريل 30, 2026 - 20:43

لبنان لم ينهار لخلل في الأرقام، بل لأن المعاني والقيم اختلّت. فجأة، لم تعد أموال الناس المسلوبة تُسمّى سرقة، بل "فجوة مالية". لم يعد هناك مسؤولون، بل "خسائر". ولم يعد هناك ضحايا، بل "مودعون" يُطلب منهم تفهّم الأوضاع، والمشاركة في تحمّل الكلفة. هذه ليست مجرد لغة. هذا جوهر المعركة. حين تُختزل الجريمة بمصطلح محاسبي، يصبح النقاش تقنياً بدل أن يكون أخلاقياً وقانونياً. تُسحب المسألة من ساحة العدالة إلى ساحة الإدارة، من سؤال: "من سرق؟" إلى سؤال: "كيف نوزّع الخسارة؟". وهنا، يبدأ الانزلاق الكبير: الضحايا يتحوّلون تدريجياً إلى أطراف في الحل، لا إلى أصحاب حق. ما جرى في لبنان لم يكن عاصفة مالية عابرة. كان نتيجة تآمر منظومة متكاملة: دولة استدانت بلا حدود، مصرف مركزي هندس الأوهام، ومصارف راكمت أرباحاً خيالية قبل أن تُغلق الأبواب في وجه أصحاب الأموال. ومع ذلك، تُطرح اليوم حلولاً تبدأ من جيوب الناس، لا من مكامن الخلل. تُقدَّم خطط تحت عناوين "واقعية" أو "إنقاذية"، فيما هي في جوهرها إعادة توزيع للخسارة، لا معالجة لأسبابها. يُطلب من المودعين القبول بشطب جزء من أموالهم، أو تحويلها إلى أسهم في كيانات غير واضحة القيمة. حتى الطروحات التي تبدو أقل قسوة، كفكرة إنشاء صندوق سيادي تُوضع فيه أصول الدولة، تعد خطرة، ليس من الفكرة نفسها… بل ممن يديرها. لذا تظل فكرة ملتبسة وخطيرة إذا لم تُربط بشرط بديهي: من يضمن الشفافية، ومن يحاسب؟ التناقض الاساسي، أن من يطالب بالشفافية والإصلاح القضائي، يقترح في الوقت نفسه تسليم أصول الدولة لمنظومة لم تثبت حتى الآن أي قدرة على الشفافية أو المحاسبة. بالنسبة لي، المشكلة ليست فقط في الحلول، بل في ترتيب الأولويات: هل نبدأ بالمحاسبة، أم بالقفز فوقها؟ كيف يمكن الحديث عن "حوكمة" و"إدارة رشيدة" لأصول الدولة، في بلد لم ينجح حتى الآن في إجراء أي تدقيق جدي، أو في محاسبة أي مسؤول فعلي عن الانهيار؟ كيف يمكن الوثوق بأن ما لم يُحفظ في المصارف سيُحفظ في صندوق؟ أليس في ذلك نقل للخسارة من ميزانيات المصارف إلى جسد الدولة نفسه، أي إلى المجتمع ككل؟ الأخطر من ذلك، هو القفز فوق مبدأ أساسي: لا يمكن بناء أي حل مستدام على قاعدة تجاهل المسؤوليات. هنا، لا يعود النقاش اقتصادياً فقط، بل قانونياً أيضاً. فلبنان ليس خارج العالم، وهو ملتزم باتفاقيات دولية لمكافحة الفساد، و UNCAC، التي تضع بوضوح مسألة استعادة الأموال المنهوبة والمحاسبة في صلب أي مسار إصلاحي. إذا كان هناك فساد، لا يكفي "إدارة نتائجه"، بل يجب: كشفه، ومحاسبة المسؤولين، واستعادة الأموال المنهوبة. الدول مُلزمة بالسعي لاسترجاع الأموال التي نُهبت أو حُوّلت بطرق غير شرعية. ولا يمكن القفز فوق تحديد المسؤوليات: من اتخذ القرارات؟ ومن استفاد؟ ومن غطّى؟ المطلوب الشفافية: أي إصلاح يجب أن يمرّ: بتدقيق فعلي، وقضاء مستقل، ووضوح في الأرقام. لست خبيرة مالية، لكنني أعرف أن هناك فرقاً بين معالجة الخسائر ومعالجة أسبابها. بمعنى آخر: قبل أن يُطلب من الناس أن يتحمّلوا الخسارة، يجب أن يُبذل جهد جدي لاستعادة ما تم تحويله أو الاستفادة منه بطرق غير مشروعة. وقبل إعادة هيكلة النظام المصرفي، يجب تحديد من أساء استخدامه. لكن الأخطر ربما ليس فقط في مضمون هذه الطروحات، بل في توقيتها. في لحظة حرب، وقلق وجودي، ومفاوضات مصيرية مفتوحة على احتمالات طويلة، يُعاد فتح ملف أموال المودعين. ليس لأنه الوقت المناسب، بل لأنه قد يكون مناسباً لمن يريد تمرير ما لا يحتمل نقاشه بشكل واسع. ففي لحظات الانشغال العام، تنخفض القدرة على الاعتراض، وتُختصر النقاشات، ويصبح ما كان مرفوضاً قابلاً للمرور تحت عنوان "الضرورة". القضايا الوجودية تحتاج إلى وعي عام، لا إلى تعب عام. تحتاج إلى نقاش مفتوح، لا إلى ضغط الوقت والخوف. لأن الحلول التي تُفرض في لحظات الضعف، نادراً ما تكون عادلة. هذا لا يعني أن الملف يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية. لكن الفرق كبير بين طرح قضية مصيرية في سياق نقاش وطني مفتوح، وبين إدخالها في زحمة الخوف والتعب، حيث يتحوّل الناس من مواطنين إلى متلقّين. القضايا الكبرى لا تحتاج فقط إلى حلول، بل إلى ظروف عادلة لطرحها. تحتاج إلى وعي عام، لا إلى إنهاك عام. وإلا، فإن أي حل- مهما بدا تقنياً أو متوازناً- سيحمل في داخله خلل اللحظة التي وُلد فيها. ليست المشكلة في البحث عن حلول، بل في نوع الحلول التي تُطرح، وفي ترتيب الأولويات. حين تبدأ أي خطة من شطب الحقوق بدل تثبيتها، ومن حماية المنظومة بدل مساءلتها، فهي لا تعالج الأزمة، بل تعيد إنتاجها بشكل آخر. ما يُطلب اليوم ليس معجزة مالية، بل حدّ أدنى من العدالة. وأن تُسمّى الأشياء بأسمائها. وأن تُحدَّد المسؤوليات. أن تُبذل محاولة حقيقية لاستعادة الأموال. وإلا، سنكون أمام مشهد مألوف: لغة جديدة، مصطلحات جديدة، وصيغة جديدة…لكن النتيجة نفسها. ليست "فجوة" بل قصة واضحة: أموال سُلبت، ومنظومة تحاول أن تُقنع أصحابها بأن يقبلوا الخسارة كقدر.