

لبنان لم ينهار لخلل في الأرقام، بل لأن المعاني والقيم اختلّت.
فجأة، لم تعد أموال الناس المسلوبة تُسمّى سرقة، بل "فجوة مالية". لم يعد هناك مسؤولون، بل "خسائر".
ولم يعد هناك ضحايا، بل "مودعون" يُطلب منهم تفهّم الأوضاع، والمشاركة في تحمّل الكلفة.
هذه ليست مجرد لغة. هذا جوهر المعركة.
حين تُختزل الجريمة بمصطلح محاسبي، يصبح النقاش تقنياً بدل أن يكون أخلاقياً وقانونياً. تُسحب المسألة من ساحة العدالة إلى ساحة الإدارة، من سؤال: "من سرق؟" إلى سؤال: "كيف نوزّع الخسارة؟". وهنا، يبدأ الانزلاق الكبير: الضحايا يتحوّلون تدريجياً إلى أطراف في الحل، لا إلى أصحاب حق.
ما جرى في لبنان لم يكن عاصفة مالية عابرة. كان نتيجة تآمر منظومة متكاملة: دولة استدانت بلا حدود، مصرف مركزي هندس الأوهام، ومصارف راكمت أرباحاً خيالية قبل أن تُغلق الأبواب في وجه أصحاب الأموال. ومع ذلك، تُطرح اليوم حلولاً تبدأ من جيوب الناس، لا من مكامن الخلل.
تُقدَّم خطط تحت عناوين "واقعية" أو "إنقاذية"، فيما هي في جوهرها إعادة توزيع للخسارة، لا معالجة لأسبابها. يُطلب من المودعين القبول بشطب جزء من أموالهم، أو تحويلها إلى أسهم في كيانات غير واضحة القيمة. حتى الطروحات التي تبدو أقل قسوة، كفكرة إنشاء صندوق سيادي تُوضع فيه أصول الدولة، تعد خطرة، ليس من الفكرة نفسها… بل ممن يديرها. لذا تظل فكرة ملتبسة وخطيرة إذا لم تُربط بشرط بديهي: من يضمن الشفافية، ومن يحاسب؟
التناقض الاساسي، أن من يطالب بالشفافية والإصلاح القضائي، يقترح في الوقت نفسه تسليم أصول الدولة لمنظومة لم تثبت حتى الآن أي قدرة على الشفافية أو المحاسبة.
بالنسبة لي، المشكلة ليست فقط في الحلول، بل في ترتيب الأولويات: هل نبدأ بالمحاسبة، أم بالقفز فوقها؟
كيف يمكن الحديث عن "حوكمة" و"إدارة رشيدة" لأصول الدولة، في بلد لم ينجح حتى الآن في إجراء أي تدقيق جدي، أو في محاسبة أي مسؤول فعلي عن الانهيار؟ كيف يمكن الوثوق بأن ما لم يُحفظ في المصارف سيُحفظ في صندوق؟ أليس في ذلك نقل للخسارة من ميزانيات المصارف إلى جسد الدولة نفسه، أي إلى المجتمع ككل؟
الأخطر من ذلك، هو القفز فوق مبدأ أساسي: لا يمكن بناء أي حل مستدام على قاعدة تجاهل المسؤوليات. هنا، لا يعود النقاش اقتصادياً فقط، بل قانونياً أيضاً. فلبنان ليس خارج العالم، وهو ملتزم باتفاقيات دولية لمكافحة الفساد، و UNCAC، التي تضع بوضوح مسألة استعادة الأموال المنهوبة والمحاسبة في صلب أي مسار إصلاحي.
إذا كان هناك فساد، لا يكفي "إدارة نتائجه"، بل يجب: كشفه، ومحاسبة المسؤولين، واستعادة الأموال المنهوبة. الدول مُلزمة بالسعي لاسترجاع الأموال التي نُهبت أو حُوّلت بطرق غير شرعية. ولا يمكن القفز فوق تحديد المسؤوليات: من اتخذ القرارات؟ ومن استفاد؟ ومن غطّى؟
المطلوب الشفافية: أي إصلاح يجب أن يمرّ: بتدقيق فعلي، وقضاء مستقل، ووضوح في الأرقام.
لست خبيرة مالية، لكنني أعرف أن هناك فرقاً بين معالجة الخسائر ومعالجة أسبابها.
بمعنى آخر: قبل أن يُطلب من الناس أن يتحمّلوا الخسارة، يجب أن يُبذل جهد جدي لاستعادة ما تم تحويله أو الاستفادة منه بطرق غير مشروعة. وقبل إعادة هيكلة النظام المصرفي، يجب تحديد من أساء استخدامه.
لكن الأخطر ربما ليس فقط في مضمون هذه الطروحات، بل في توقيتها.
في لحظة حرب، وقلق وجودي، ومفاوضات مصيرية مفتوحة على احتمالات طويلة، يُعاد فتح ملف أموال المودعين. ليس لأنه الوقت المناسب، بل لأنه قد يكون مناسباً لمن يريد تمرير ما لا يحتمل نقاشه بشكل واسع. ففي لحظات الانشغال العام، تنخفض القدرة على الاعتراض، وتُختصر النقاشات، ويصبح ما كان مرفوضاً قابلاً للمرور تحت عنوان "الضرورة".
القضايا الوجودية تحتاج إلى وعي عام، لا إلى تعب عام. تحتاج إلى نقاش مفتوح، لا إلى ضغط الوقت والخوف. لأن الحلول التي تُفرض في لحظات الضعف، نادراً ما تكون عادلة.
هذا لا يعني أن الملف يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية. لكن الفرق كبير بين طرح قضية مصيرية في سياق نقاش وطني مفتوح، وبين إدخالها في زحمة الخوف والتعب، حيث يتحوّل الناس من مواطنين إلى متلقّين.
القضايا الكبرى لا تحتاج فقط إلى حلول، بل إلى ظروف عادلة لطرحها.
تحتاج إلى وعي عام، لا إلى إنهاك عام.
وإلا، فإن أي حل- مهما بدا تقنياً أو متوازناً- سيحمل في داخله خلل اللحظة التي وُلد فيها.
ليست المشكلة في البحث عن حلول، بل في نوع الحلول التي تُطرح، وفي ترتيب الأولويات. حين تبدأ أي خطة من شطب الحقوق بدل تثبيتها، ومن حماية المنظومة بدل مساءلتها، فهي لا تعالج الأزمة، بل تعيد إنتاجها بشكل آخر.
ما يُطلب اليوم ليس معجزة مالية، بل حدّ أدنى من العدالة. وأن تُسمّى الأشياء بأسمائها. وأن تُحدَّد المسؤوليات.
أن تُبذل محاولة حقيقية لاستعادة الأموال.
وإلا، سنكون أمام مشهد مألوف:
لغة جديدة، مصطلحات جديدة، وصيغة جديدة…لكن النتيجة نفسها.
ليست "فجوة" بل قصة واضحة: أموال سُلبت، ومنظومة تحاول أن تُقنع أصحابها بأن يقبلوا الخسارة كقدر.