Logo Levant Time
Retour à l’article
رأي

المرض الثقافي

Image d'actualité
Portrait de l'auteur
Par خليل حلو
Publié مايو 5, 2026 - 17:02

إنّ الداء الذي يُصيب البلاد ليس ميليشيا حزب الله وحدها، رغم أنها تُشكّل التحدي الأكبر، ولا الميليشيات الأخرى، ولا الجماعات المسلحة في المخيمات الفلسطينية، ولا غياب السيادة، ولا الفساد المستشري منذ عهد المتصرفية (1862-1915).

هذا الداء، الذي هو تآكل ثقافة الدولة وسيادتها، قد أصاب العقول وانتشر فيها منذ الاحتلال البعثي السوري.

وقد تفاقم لاحقًا، وتحوّل إلى سرطانٍ في ظل هيمنة حزب الله.

على مدى 21 عامًا، عمل حزب الله، على جميع مستويات هرميته، وأينما وُجد في المؤسسات، بلا هوادة على تشكيل العقول وإخضاعها، مستخدمًا هذه المؤسسات كدرعٍ اجتماعي وسياسي وأمني لمصلحته الخاصة. وهكذا، تشوّهت الدولة ومؤسساتها، ووُصِم أي مسؤول لا يتبنى خطاب "المقاومة" بالخيانة والعمل لصالح الصهيونية. وبالمثل، تُصنّف الدول الصديقة التي يقيم فيها مئات الآلاف من اللبنانيين، سواء كانوا مُجنسين أم لا، كأعداء، ويُتجنّب ممثلوها أو يُقاطعون تحت طائلة اتهامات التواطؤ مع الإمبريالية. ووفقًا لهذه الثقافة السائدة، ينبغي على لبنان أن يعزل نفسه عن العالمين العربي والغربي.

أما بالنسبة لمن لا يُعجبون بحزب الله، فإنّ متلازمة ستوكهولم تُسيطر عليهم وتُصبح أمرًا شائعًا. وأمام هذا الواقع، لا يجد دعاة الأمر الواقع ما هو أفضل من ممارسة لعبة "البراغماتية" الفارغة.

في المقابل، تُلقي موجة المعارضة الشديدة للجماعة المسلحة باللوم على "الدولة العميقة" في وضعنا الراهن. وهذا، بحكم تعريفه، ذو توجه تجاري بحت، بينما في الحقيقة ما نعانيه هو "الدولة الوهمية"، أو "دولة حزب الله المُقنّعة". لذلك، فإنّ إلقاء اللوم على "الدولة العميقة" فيما يحدث هو تبسيط مُخلّ. علاوة على ذلك، فإن إعفاء أعلى مستويات التسلسل الهرمي للدولة، ومن هم في مواقع وسيطة بين هذا التسلسل الهرمي وقاعه، من المسؤولية أمر خاطئ.

إن ثقافة الدولة، التي تصورها الآباء المؤسسون للبنان الحديث قبل قرن من الزمان، ترسخت تدريجيًا على يد طبقة نخبوية، أولًا في ظل الانتداب الفرنسي، ثم في ظل رؤساء وحكومات متعاقبة حتى عام ١٩٧٥. ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح من خلال إعادة قراءة صحف تلك الفترة واستذكار طبيعة الحياة اليومية قبل الحرب. لا شك أنه في تلك الفترات، كانت هناك دولة ومؤسسات تعمل رغم أوجه قصورها ونقاط ضعفها وعيوبها. وقد برزت هذه المشكلات بأبعادها الحقيقية خلال الولايات الرئاسية الأربع الأولى بعد الاستقلال، إلا أن هذه الفترة لم تكن كافية لتحقيق النضج الاجتماعي والسياسي اللازم لدى جميع المواطنين، لا سيما بعد أربعة قرون من الثقافة الطائفية في ظل نظام "الملّة" العثماني.

منذ عام ١٩٧٥، يتوق اللبنانيون إلى دولة ذات سيادة يحكمها القانون، ولا يزالون يسعون إليها، لكن أغلبية كبيرة منهم لم تعد تفهم ماهيتها.

أصبحت مؤسسات الدولة، بدلًا من خدمة المواطنين، أدواتٍ للسلطة والهيمنة والإثراء.

يجد الكثيرون هذا الوضع روتينًا ويتعايشون معه "بشكل طبيعي". علاوة على ذلك، أصبح تواطؤ الدولة مع الميليشيات الموالية لإيران واجبًا في نظر مؤيدي حزب الله، وأمرًا عاديًا بالنسبة للجميع.

لتغيير هذا الوضع وتصحيحه، نحتاج إلى رجال دولة حقيقيين، لا مجرد ممثلين عن جماعات دينية، والذين غالبًا ما ينتمون إلى دوائر شعبوية.

التنوع الديني حقيقة واقعة، لكن لا يمكن ترك إدارته للمتواضعين. النخب داخل كل جماعة دينية أو حزب ضرورية في هذه الظروف.

رئيس برلماننا ليس قائدًا حقيقيًا بالمعنى التقليدي. فهو يمارس حق النقض على السلطة التنفيذية والهيمنة على إدارة الدولة لتسهيل شؤون حاشيته وأنصاره. يدير البرلمان أشبه ما يكون بمجلس قبلي، لا كفريق يسنّ القوانين ويناقش الرؤى وخطط العمل لمواجهة التحديات الاستراتيجية. والدليل على ذلك هو غياب البرلمان التام عن حرب حزب الله وإسرائيل منذ عام ٢٠٢٣.

أما رئيس الوزراء، فهو منفصل تماماً تقريباً عن القرارات الأمنية والعسكرية. وحكومتنا، رغم وزرائها الأكفاء، لا تشبه فريق عمل جماعي يحدد المشاكل ويضع الحلول. لا وجود لسياسة خارجية واضحة، ولا لاستراتيجية تفاوض مع إسرائيل، التي يرفضها قطاع من السلطتين التنفيذية والتشريعية.

يُدلي رئيس الجمهورية بتصريحات عديدة، لكنه يفشل في القيام بدوره كقائد دستوري.

ولا تُواجَه الهجمات والتشهير الذي يتعرض له بإجراءات مؤسسية.

علاوة على ذلك، يتنافس السياسيون وقادة العشائر والميليشيات ووسائل الإعلام على الظهور الإعلامي والإعلان عن دعمهم أو معارضتهم للمفاوضات مع إسرائيل، لكن الأمر لا يعدو كونه مجرد اتخاذ مواقف.

إن الشكاوى ضد "الدولة الوهمية" مبررة، لكنها غير كافية. ما ينقصنا هو تحرك من رجال الدولة.

إن دول المنطقة، سواء أكانت حليفة أم معادية أم خصومًا، تعمل بلا كلل لحماية مصالح شعوبها والخروج من الأزمة الإقليمية بأقل قدر من الضرر. إذا استمر الوضع على هذا المنوال، فسيتم فرض الحلول من الخارج؛ وإلا، فسنُحكم علينا بالاكتفاء بإدارة شؤوننا اليومية. أخيرًا، قد يبدو ما قيل عن سيادة القانون وسيادة الدولة مثاليًا، لكن إن لم نطمح إلى أعلى المستويات، فإننا نخاطر ليس فقط بالبقاء في مكاننا، بل بالانحدار إلى الحضيض.

Articles liés
Voir tout
Vidéos liées
Voir tout
Podcasts liés
Voir tout