


لقد جرى تصوير مسيرة الموت: فليس من المعتاد أن يُرتكب قتل جماعي بحق 288 مدنيًا بينهم 12 طفلًا! جرت الوقائع في الضاحية الجنوبية لدمشق، و«وفق الأصول». نحن في عام 2013، في حي التضامن. أكثر من 24 مقطع فيديو وثّقت مشاهد تقشعر لها الأبدان، من بينها المشهد التالي: ميليشيات موالية للنظام تقود مدنيين معصوبي الأعين ومكتوفي الأيدي إلى حافة خندق؛ ثم تدفعهم إلى داخله قبل أن تطلق النار عليهم لترديهم قتلى. وبعد ذلك، كما نُقل إلينا، تُحرق الجثث ثم تُدفن بواسطة جرافة لطمس كل أثر. وذروة الفظاعة أن هذه «الإنجازات» التي ارتكبتها جماعة آل الأسد صُوّرت بالتفصيل على أيدي الجلادين أنفسهم. غير أن هذه الفيديوهات المُدانة انتشرت، بفعل ظروف معينة، على مواقع التواصل الاجتماعي ابتداءً من عام 2022، لتصبح رمزًا لوحشية النظام. دليل إدانة يُظهر المدعو أمجد يوسف، بطل فيلم الرعب هذا، وهو يوزّع الموت بكل هدوء!
العدالة الانتقائية ليست عدالة للجميع!
هذا العنصر السوري الصغير، غير ذي الرتبة، اعتقلته السلطات السورية في أواخر شهر أبريل الماضي، ويمكن تخيّل الفرحة العارمة التي اجتاحت ذوي الضحايا والسكان عمومًا عند الإعلان عن توقيفه. لكن المفاجأة أنه، عندما ظهر مجددًا على شاشة التلفاز خلال برنامج بثّته وزارة الداخلية السورية، أدلى باعترافات مثيرة للدهشة: إذ تحمّل المسؤولية كاملة، وادعى أنه تصرف بمفرده، في حين كان الجميع يتوقع أن يورّط رؤساءه المباشرين لينجو بنفسه.
لقد بات واضحًا للجميع أن الأمر يتعلق باعترافات انتُزعت بالقوة، بهدف التستر على بعض أركان النظام السابق الذين غيّروا ولاءاتهم. وبدأ الرأي العام يتساءل إن كانت الحكومة الحالية قد أبرمت اتفاقات مشبوهة مع هؤلاء المنشقين الذين تتداول أسماؤهم همسًا. وقيل إن ذلك ربما جرى لدواعٍ أمنية، ولضمان الاستقرار والتهدئة في بعض مناطق البلاد! لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. فقد ألمحت ألسنة خبيثة إلى أن رشاوى دُفعت لمسؤولين في الجهاز الأمني (1). ما دفع أحد الباحثين في «مركز دراسات النزاعات» بجامعة أوترخت في هولاندا إلى القول: «لقد انتقلنا من العدالة الانتقالية إلى عدالة انتقائية وشكلية» (2). فالتركيز على بعض المذنبين دون غيرهم لا يضمن شفافية العدالة.
هل تصرّف من تلقاء نفسه؟
وفي مطلع شهر مايو الجاري، جرى توقيف شخصية أخرى سيئة السمعة، لكنها هذه المرة برتبة جنرال: خرضل ديوب، الذي تورط في هجوم الغوطة الشرقية بالسلاح الكيميائي في أغسطس 2013. وقد أسفر ذاك الهجوم عن نحو 1500 ضحية، بينهم أكثر من 400 طفل. ومن ينسى مشهد الجثث والزبد يخرج من الأفواه؟
لذلك، وأكثر من أي وقت مضى، باتت المحاسبة ضرورة ملحّة: فالشعب السوري من حقه معرفة الحقيقة. فلا يأتِ أحد ليقول لنا عبر التلفزيون الرسمي إن هذا الجنرال، وقد خانه تقديره، تصرف من تلقاء نفسه!
1-Michael Safi & Melvyn Ingleby, “Syria arrests suspected leader of Tadamon massacre”, The Guardian, April 24, 2026.
2--Melvyn Ingleby & William Christou, “Security or justice? Syria faces post-Assad reckoning after string of arrests”, The Guardian, May 4, 2026.