شعار Levant Time
العودة إلى المقال
رأي

إيران ولبنان: جبهتان لحرب واحدة؟

صورة للأخبار
سفن راسية في مضيق هرمز، قبالة سلطنة عُمان، في 17 أيار 2026، وقد بات المضيق مشلولاً جراء حصار بحري ولد من رحم الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. (أ ف ب)
صورة المؤلف
بقلم جان باتريك دايراس
نُشر مايو 19, 2026 - 14:23

تتجه التصريحات المتقلبة والمواقف المتناقضة للرئيس دونالد ترامب نحو إعادة صياغة العلاقات مع الأوروبيين، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وحلفاء الولايات المتحدة على حد سواء. ولن تمر دون أن تثير ردود فعل واضحة من دول منطقتي المحيط الهادئ والشرق الأوسط، التي كانت ترى في الحماية الأميركية ضمانة موثوقة. وفيما ينحو الغربيون نحو الاعتدال، يطمح هؤلاء إلى حجز دور لهم في ترتيبات أمن مضيق هرمز غداة وقف الأعمال العدائية. فهل ستكون الولايات المتحدة خارج اللعبة الإقليمية لمصلحة حامٍ آخر غير متوقع؟ وهل تسوية الملف اللبناني ستتحقق مع فرنسا؟ أم مع أوروبا أم بدونها؟

 

عقب التدخل الأميركي والإسرائيلي ضد إيران في 28 شباط 2026، والذي لم يُحط علمًا به رؤساء دول أو حكومات البلدان الغربية والأوروبية وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، طلب الرئيس دونالد ترامب من هؤلاء دعمه عبر المشاركة في حفظ الأمن بضيق هرمز، وتقديم دعم مباشر للعمليات الأميركية. إلا أن غالبية رؤساء الدول والحكومات رفضوا ذلك.

 

وجاء رد فعل الرئيس ترامب واضحاً، وإن بدا فاقداً للترابط؛ فبعدما اعتبر أن الأمر يشكل خطأً فادحاً ووصف الدول الأوروبية بالجبن، أكد أنه ليس بحاجة إليها وأنه سيتحرك بمفرده، لكونه "الأقوى في العالم". وفي مبالغة إضافية، أعلن أن حلف الناتو من دون الولايات المتحدة سيكون "نمراً من ورق". حتى أنه أثار فكرة الانسحاب من الحلف، ملوّحاً بذلك بتهديد التحلل من واجباته كعضو، لا سيما ما يتعلق بتطبيق المادة الخامسة من معاهدة المنظمة. وتحديداً لأبعاد تصريحاته، أوضح أنه يعيب على الحلفاء عدم دعم الولايات المتحدة في حالات الأزمات، والاستفادة من تحالف يسير في اتجاه واحد؛ وبناءً على ذلك، ما الذي يدفعه إلى الدفاع التلقائي عنهم؟

 

ثم أطلق تهديداته المتمثلة في سحب جزئي للقوات الأميركية المتمركزة في أوروبا، ومطالبه بالدعم التي شملت المشاركة في الحصار البحري المفروض على إيران. وبعدما عبرت دول عدة عن موقفها الرافض في هذا الصدد، حظرت أجوائها أمام الطائرات الأميركية المشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران.

 

غياب التناسق

 

تفتقر تصريحات الرئيس ترامب إلى التناسق؛ فبعد حاجته إلى الدعم، بل والمشاركة الفعالة، يبدي فجأة تجاهلاً مدفوعاً بالازدراء، بحجة أن الولايات المتحدة – "الأقوى في العالم" – قادرة على كسب هذه الحرب بمفردها. وهنا تبرز فكرة الحرب التي يتذرع الرئيس الأميركي بشأنها بوجوب إيفاء أعضاء الناتو بالتزاماتهم بناءً على المعاهدة التأسيسية. إلا أنه هو نفسه من أشعل فتيل هذه الحرب – بتحريض من إسرائيل، الشريكة في القتال. وبالتالي، فهو المعتدي. وبما أن وظيفة حلف شمال الأطلسي "دفاعية"، فإن المادة الخامسة لا تنطبق على هذه الحالة بالذات. وحتى في المرات التي تدخل فيها الحلف سابقاً، لم يفعل ذلك إلا بتفويض من الأمم المتحدة.

 

وفجأة، يرى الرئيس الأميركي أن التدخل ليس من شأن الناتو، ويريد إبقاء الحلف خارج هذا النزاع، ثم يعود ليمارس الضغط على الحلفاء، معلناً في الوقت عينه أنه سيتصرف بمفرده لقدرته على ذلك. وفي الواقع، هو يريد دعماً تشاركياً من حلفائه، ولكن من دون أن يأتي هذا الدعم تحت مظلة الناتو.

 

والنتيجة هي نشوء شكوك حول مدى موثوقية الضمانات المعلنة والرسمية في كل مكان تلعب فيه الولايات المتحدة دور الحامي. ولا يقتصر هذا الشك على دول الناتو والأوروبيين؛ فدول المحيط الهادئ – وفي مقدمها اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية – باتت تشكك حتماً في الدعم الأميركي المضمون في حال حدوث تدخل صيني. وينطبق هذا الأمر أيضاً على تايوان، وإندونيسيا، والفلبين، ودول الخليج العربي، لاسيما السعودية، والإمارات، وسلطنة عمان.

 

عندما يقدم رئيس دولة، يُفترض أنه "الأول بين متساوين" داخل حلف الناتو، على إشعال نزاع قد يؤدي إلى حرب عالمية، فلا يمكنه أن يطلب من أعضاء المنظمة اللحاق به ودعمه، والمشاركة الفعالة في العمليات العسكرية بشكل أعمى. كما لا يمكنه، بعدما عاملهم بأسلوب غير لائق ومبتذل وجارح – وهو يخاطب مسؤولين منتخبين، وبالتالي الشعوب التي يمثلونها – أن يعلن بنبرة ازدراء أنه قادر على التصرف بمفرده ولا يحتاج إليهم.

 

وفي كل الأحوال، لا بد من الإشارة إلى أن أعضاء الناتو، وإن لم يتبنوا موقفاً جامعاً، وإن شهدت صفوفهم بعض الخلافات، يجدون أنفسهم اليوم على الموجة نفسها، إن لم تكن متطابقة، وتشاركهم في ذلك دول من منطقة المحيط الهادئ. إذ إن مشروع ضمان الأمن في مضيق هرمز، بعد وقف الأعمال العدائية، يجمع عدداً كبيراً منهم.

 

أما العالم أجمع، بما فيه الشرق الأدنى والأوسط، وبالتالي لبنان، فيمكنه تلمّس ضبط النفس الذي تعتمده روسيا والصين. وبطبيعة الحال، سيكون من السذاجة الاعتقاد بأنهما لا تتحركان في الكواليس وفقاً لمصالحهما الخاصة. إلا أن موقفهما، الشبيه بموقف الأوروبيين وحلفاء الولايات المتحدة والقائم على عدم المشاركة في العمليات العسكرية، يبعد خطر الانزلاق نحو مواجهة قد تأخذ أبعاداً عالمية.

 

لا يسعنا إلا تأييد الموقف العام الذي تبنته الحكومات الأوروبية، ودول الناتو، ودول المحيط الهادئ الرئيسية المعنية، مع عدم إغفال التزامها المبدئي بهدف ضمان الأمن في مضيق هرمز، والذي سيكون من الجيد توسيعه ليشمل بحر عمان والخليج العربي، ومن ثم البحر الأحمر بأكمله. وإذا تحقق ذلك، فلن يكون أمامنا سوى الإشادة بحكمتها. فهل من الوهم، أو من قبيل الخيال، الاعتقاد بأن الإيرانيين قد يأخذون هذا الموقف المشترك في الاعتبار خلال محادثات السلام؟

 

وقد يظن المرء أن الأمر في لبنان يتعلق بالحرب نفسها؛ فالأطراف الفاعلة تبدو هي نفسها للوهلة الأولى. فمن جهة، هناك حزب الله الذي يتحرك بتوجيه من إيران، وإسرائيل بصفتها ممسكة بزمام اللعبة، وخلفها الولايات المتحدة التي تتخذ حالياً موقع المعتدل. ومن جهة أخرى، نجد إيران الممسكة بزمام اللعبة مهما قيل، والولايات المتحدة كطرف رئيسي آخر، وإسرائيل التي تحولت من محرض أُعيد إلى حجمه لاحقاً، إلى تابع. غير أن الفوارق تظل جوهرية فيما يخص مستقبل هاتين الجبهتين؛ فإحداهما إقليمية والأخرى عالمية. والأولى تستبعد أوروبا، وتحديداً فرنسا، في حين تستبعد الثانية حالياً أوروبا والتحالف المرتقب الذي يضم نحو أربعين دولة – من بينها دول المحيط الهادئ.

 

تبدو المعضلة الإيرانية مستعصية على الحل، نظراً لأن المطالب الأميركية – المحقة – تتعارض كلياً مع الشروط التي يدافع عنها الحرس الثوري بقوة، وهو الذي بات يمسك بمقاليد البلاد. وبعيداً عن هذه المطالب غير المتوافقة حتى الساعة، فإن سلوك دونالد ترامب في مجالات التحليل، والدبلوماسية، والخبرة في مثل هذه المفاوضات، يبدو بعيداً كل البعد عما تقتضيه الحاجة؛ فهو لا يملك ما يقدمه سوى العنف. وإذا ما لجأ إليه، فعلينا ألا نتوقع تدخلاً مباشراً من الروس والصينيين. أما في المرحلة المقبلة، فإن السلوك والقرارات التي سيُضطر إلى اتخاذها ستترك تداعيات واضحة على إدارة الشؤون الدولية وحل النزاعات بين الدول.

 

من المحتمل جداً أن يفوز دونالد ترامب، ولكن مقابل أي تنازلات؟ ومن وماذا سيضحي به قبل تشرين الثاني؟ المرجح أن الفائز الحقيقي على المدى الطويل سيكون إيران. وفي سلم المخاطر، يتقدم "المرجح" على "المحتمل". ألا يمكن أن يؤدي التشكيك العميق من جانب دول الخليج في موثوقية الحماية الأميركية إلى استبدال القواعد الأميركية؟ وبأي حامٍ؟ المؤكد أن الصين وروسيا ستستفيدان من ذلك.

 

وإذا ما قررت فرنسا مساندة لبنان في موقف الحزم الذي ينتهجه رئيسه من الآن فصاعداً، فعليها أن تفعل ذلك بقناعة وثبات؛ إذ لم يعد هناك مجال لأنصاف الحلول.

 

نحن إذن أمام حربين مختلفتين يجب تنسيق حلولهما؛ إحداهما يمكن معالجتها بشكل منفصل، والأخرى لا. فهل سيأخذ الرئيس ترامب ذلك في الحسبان خلال "الجولة" النهائية من المفاوضات مع الحرس الثوري؟

 

"إن أكثر ما تغير هناك ليس الصين، ولا روسيا، بل أوروبا التي لم يعد لها أي وزن" (أندريه مالرو –خاتمة كتاب "الغزاة"). وبدلاً من الانحياز المفرط لأوكرانيا بأوكرانيا وعدم التفكير إلا في أسعار النفط عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، ينبغي للأوروبيين ولفرنسا أن يطمحوا إلى تعزيز "سلام راسخ" في لبنان.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل