


مِن المستغرب، بل ومِن المفارقة حقاً، أن نطالع حتى يومنا هذا تقارير منحازة واختزالية، تنشرها وسائل إعلام موجّهة وتتناقلها منصات التواصل الاجتماعي، في وقت يواجه فيه الوطن تطورات مفصلية على الصعيدين الداخلي والدولي، ويواجه مصيره اختباراً عسيراً منذ عقود.
وللأسف، لا يشكّل هذا الأمر سابقة من نوعه. فنحن نقف اليوم أمام مناورات إعلامية تهدف إلى التعمية وتحويل الأنظار عن القضايا الساخنة والملحّة؛ ونعني بها تلك الحرب الضروس التي تجرّ البلاد نحو دمار شامل، وتهوي بها في قعر هُوّة سحيقة، اقتصادياً واجتماعياً ومالياً، غير مسبوقة.
إن هذه الملحمة بأكملها، والتي لم تعد غريبة في واقع الأمر، تبدو أشبه بـ«سيناريو مكرر». لازمة رنّانة ومدروسة تعكس رغبة واضحة في التقويض التام: تشويه سمعة حاكم مصرف لبنان السابق، رياض سلامة، وشقيقه رجا، عبر اجترار المسألة آلاف المرات، مع إضافة لمسة جديدة هذه المرة من خلال إقحام دور بنك (HSBC).
وكأنَّ رياض سلامة بات، وحده، المتسبّب في إفلاس نظامنا المالي والاقتصادي وانهياره. فمن السهل، بالفعل، تغذية الرأي العام بهذه الأسطوانة المشروخة بعد كل ما شهدته الساحة السياسية اللبنانية من فبركات إعلامية، لطمس حقيقة مليارات الدولارات التي هُدرت - وربما نُهبت - على مدى سنوات، عبر وزارات متعاقبة وبموجب قرارات اتخذتها الحكومات المتتالية، وصادق عليها مجلس النواب، قبل أن يطويها النسيان مع الأسف الشديد.
وفي هذا السياق القاتم والمربك، والذي يلامس حدّ الهوس غالباً، لا يبدو أنَّ ثمة ما يحرّك الساكن أو يدعو، على الأقل، إلى التفكير الهادئ، طالما أنَّ العقول أسيرة أوهامها. فقد نقلت صحيفة "لوموند" الفرنسية عن محامي رياض سلامة، أنَّ الأخير تمكّن من الاستحواذ على عقاراته بفضل المداخيل المرتفعة التي كان يتقاضاها إبّان عمله مستشاراً مالياً لدى شركة "ميريل لينش" (Merrill Lynch)، وذلك قبل تعيينه في منصب حاكم مصرف لبنان... غير أنَّ إشارة الصحيفة الفرنسية هذه تتبدد كأوراق الخريف المتساقطة.
والأمر سيّان حين يقدّم وكيل الحاكم السابق للقضاء الأدلة والمستندات التي تثبت مصدر الأموال المتعلقة باستثماراته المختلفة ووجهتها. ألا يمكن، أخيراً، ترك العدالة تأخذ مجراها قبل إطلاق اتهامات لا أساس لها من الصحة؟
وبالحديث عن القضاء، أليس من المفاجئ حقاً أن تكفّ هذه السلطة، التي تشكّل ركيزة الدولة، عن ملاحقة زعماء سياسيين ورؤساء أحزاب يتحمّلون مسؤولية جسيمة - وهو أمر ليس سراً على أحد - عن الثغرات التي اعتورت إدارة الأمن والقضاء، وإنفاق الدولة في مجالات الشؤون الاجتماعية والكهرباء والتعليم؟ هذا ناهيك عن بعض الجمعيات الوهمية، مدنية كانت أم دينية، أو مليارات الدولارات التي تبخّرت في دعم البنزين والقمح والمواد الغذائية الأخرى...
فلا نقعنَّ إذن في فخّ هذه المناورات الإعلامية، ولا في شِباك هذا التوقيت السياسي الموجّه والمجحف، وهو توقيت - نذكّر مجدداً - لا يمتّ إلى الصدفة بصلة. وإذا كان إلقاء اللوم على مسؤول رفيع يهدف إلى استمطار العقوبات ولعنات السماء عليه، فلنمتلك على الأقل الشجاعة واللياقة للاعتراف بأنَّ رياض سلامة هو الوحيد، حتى اليوم، الذي دفع الثمن. ومع ذلك، لم يخرج من نفق الأزمة بعد. فلنترك للقضاء مَهمة إنجاز عمله والبتّ في القضية في أجواء هادئة، دون سلب الحاكم السابق حقّه في الدفاع عن نفسه.
وختاماً لهذا الفصل بكل تواضع، قد يكون من المفيد التذكير بمقولة شهيرة: «إذا كنت تبحث عن القشة في عين جارك، فعليك أولاً أن تملك الأمانة لترى الخشبة في عينك». ولا شك في أنَّ هذه العبارة تستدعي اليوم الكثير من التأمل.
*أنطوان منسى هو الرئيس المؤسس لمجلس رجال الأعمال اللبنانيين الفرنسيين في فرنسا(HALFA).