


في كل محطة مفصلية يمر بها لبنان، يعود الخطاب نفسه: التهديد بإسقاط الحكومة، والتحذير من الانهيار، ورفع سقف المواجهة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: هل يستطيع نبيه بري إسقاط الحكومة؟ بل أصبح: ماذا بعد إسقاطها؟
ما هو المشروع البديل؟ وما هي الرؤية التي يحملها للبنان؟ وكيف سيخرج البلد من أزمته إذا دخل مرة جديدة في دوامة الفراغ السياسي والمؤسساتي؟
إذا كان الاعتراض على الاتفاق الإطاري نابعًا من حرص حقيقي على السيادة، فليتفضل أصحاب هذا الاعتراض ويقدموا بديلًا واضحًا وقابلًا للتنفيذ. أما الاكتفاء بشعار “إسقاط الحكومة” من دون خريطة طريق، فلا يقدم للبنانيين سوى مزيد من المجهول.
لكن السؤال الأكبر هو: هل المشكلة هي الحكومة وحدها؟
إذا كانت الحكومة، بحسب هذا المنطق، قد فقدت شرعيتها السياسية، فماذا عن مجلس النواب الذي انبثقت منه؟ وإذا كان الحل هو إسقاط السلطة التنفيذية، فلماذا لا يذهب أصحاب هذا الطرح إلى النهاية ويطالبون بحل المجلس النيابي أيضًا والعودة إلى الشعب عبر انتخابات نيابية مبكرة؟
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا: هل يضمن نبيه بري عودته رئيسًا للمجلس النيابي إذا جرت انتخابات جديدة؟ وهل يضمن الثنائي الشيعي أن تبقى موازين القوى كما هي داخل المجلس؟ وإذا كان الجواب غير محسوم، فمن حق اللبنانيين أن يتساءلوا: هل الهدف إنقاذ لبنان فعلًا، أم الحفاظ على موازين قوة قائمة منذ سنوات؟
الديمقراطية لا تُمارس بانتقائية. فمن يطالب بتغيير الحكومة يجب أن يكون مستعدًا لإعادة تكوين السلطة كلها، وأن يحتكم إلى صناديق الاقتراع، لا أن يختار أي المؤسسات يجب أن تتغير وأيها يجب أن تبقى بمنأى عن أي مساءلة.
لقد أثبتت التجارب أن سياسة التعطيل لم تبنِ دولة، بل ساهمت في إضعافها. وكلما اقترب لبنان من فرصة لإعادة بناء مؤسساته، ارتفعت لغة التهديد والوعيد، وكأن المطلوب إبقاء البلاد رهينة ميزان القوى لا حكم الدستور.
الأخطر في هذا الخطاب أنه يضع اللبنانيين أمام معادلة واحدة: إما الرضوخ للشروط السياسية التي يفرضها الثنائي، وإما إسقاط الحكومة والدخول في أزمة جديدة. وهذا لم يعد يُقرأ كمعارضة سياسية طبيعية، بل كوسيلة ضغط دائمة على الدولة ومؤسساتها، يدفع اللبنانيون وحدهم ثمنها.
في الأنظمة الديمقراطية، تُعارض الحكومات داخل المؤسسات، وتُسقط عندما تتوافر أكثرية دستورية وبرنامج بديل واضح، لا عندما يتحول التعطيل إلى وسيلة حكم، ولا عندما يصبح الفراغ أداة تفاوض.
إذا كان الرئيس نبيه بري يرفض الاتفاق، فهذا حقه السياسي. وإذا كان يريد إسقاط الحكومة، فهذا أيضًا حق يكفله الدستور إذا توافرت شروطه. لكن من حق اللبنانيين، في المقابل، أن يسألوه: ماذا بعد؟ من سيشكل الحكومة الجديدة؟ بأي أكثرية؟ وما هو برنامجها؟ وكيف ستنقذ الاقتصاد؟ وكيف ستعيد إعمار الجنوب؟ وكيف ستستعيد ثقة المجتمعين العربي والدولي؟
أما إذا كان الهدف مجرد امتلاك ورقة ضغط إضافية لفرض شروط سياسية، فإن اللبنانيين لم يعودوا قادرين على تحمل هذا النهج. فقد دفعوا أثمانًا باهظة نتيجة تعطيل المؤسسات، وانهيار الاقتصاد، وعزل لبنان عن محيطه، ولم يعد مقبولًا أن يبقى مستقبلهم رهينة حسابات القوى السياسية.
لقد آن الأوان للخروج من منطق “إما ما نريد أو لا دولة”. فالدولة ليست ملكًا لأحد، والحكومة ليست غنيمة، والمجلس النيابي ليس حكرًا على أحد، والشرعية لا تتجدد إلا بإرادة الناس.
إذا كان هناك من يؤمن فعلًا بالديمقراطية، فليقبل بالاحتكام إليها كاملة، لا مجتزأة. وليقبل بأن الشعب هو من يقرر من يحكم، ومن يرأس المجلس، ومن يبقى في السلطة ومن يغادرها.
أما سياسة التهديد بإسقاط الحكومة كلما تبدلت الظروف، مع رفض أي نقاش حول إعادة تكوين السلطة بأكملها، فلم تعد تقنع اللبنانيين. لقد سئموا الابتزاز السياسي، وسئموا تعطيل الدولة، وسئموا أن يكون مستقبلهم ورقة تفاوض في صراع لا ينتهي.
لبنان اليوم يحتاج إلى رجال دولة يبنون المؤسسات، لا إلى سياسيين يلوّحون بإسقاطها كلما تعارضت قراراتها مع مصالحهم.