


يكاد المرء يعتقد أن لبنان لم يعش إلا على إيقاع العواصم الأجنبية: كانت هناك المرحلة المصرية في عهد جمال عبد الناصر، ثم المرحلة الفلسطينية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، ثم المرحلة السورية في ظل السلالة الجمهورية لعائلة الأسد، وبالطبع المرحلة الإيرانية عندما أمسك حزب الله بمفاصل القرار عبر وكلاء. وما يميز الواقع اللبناني أنه كلما خفّ نفوذ نظام عربي أو أجنبي أو تلاشى، سارعت هيمنة نظام آخر إلى الحلول مكانه. وكأن الأمر بديهي، فـ«الطبيعة تأبى الفراغ»، وسياسيونا لا يريدون التخلي عن منطق التبعية.
إنها لعنة وقدر!
ومن مرحلة إلى أخرى، كانت طبيعة هذه الهيمنة تختلف بين قدر أكبر أو أقل من الإكراه، إذ ثمة فرق شاسع، ليس في الدرجة فحسب بل في الجوهر أيضاً، بين احتلال عسكري أو إخضاع سياسي من جهة، وبين مجرد تنسيق دبلوماسي من جهة أخرى. فالمؤشر قد يرتفع أو ينخفض تبعاً للظروف والمفاجآت والتقلبات. لكن، رغم تبدّل الأحوال، تبقى حقيقة لا يمكن إنكارها: لقد اضطر بلدنا الصغير، وسيضطر للأسف، إلى التكيف مع أوضاع غير مريحة والخضوع لإرادة دول أكبر منه وأكثر قوة. فهل كان لبنان، الذي فرضت عليه الجغرافيا والتاريخ نوعاً من «الفنلدة»، قادراً أصلاً على أن يطمح إلى مكانة تتجاوز موقع الدولة التابعة أو الدولة العميلة؟
لكن لنتخيّل للحظة أن الزمن توقّف، وأن لبنان تحرر، ولو مؤقتاً، من هذا التشابك الخارجي الذي لا يمت إلى الأخوة بصلة. فلنفترض أن عبد الحميد خدام قرر أن يصرف النظر عن لبنان ويمنحه هدنة قصيرة. ماذا كان سيحدث لنا، نحن البؤساء، وماذا كانت ستفعل نخبنا السياسية؟
الجواب بسيط: كانت ستندفع، بدافع غريزي متجذر، نحو عاصمة عربية أو غربية أخرى، تستجدي تدخلها الفوري، أو مساعدتها المالية، أو حتى دعمها العسكري. وكانت ستقبل بكل أشكال الارتهان، ما دام ذلك يتيح لها تصفية حساباتها مع خصومها المحليين، بل وحتى البلديين. وفي هذه اللعبة، لم يكن أحد بريئاً: لا الطرف الذي قدّم الدعم، ولا الطرف الذي طلبه؛ لا المانح، ولا المستفيد.
يُعرف مدى سيادة أي دولة بقدرتها على طرد سفير أجنبي. ففي 21 تموز/يوليو 1958، أفادت صحيفة نيويورك تايمز بأن عبد الحميد غالب، سفير الجمهورية العربية المتحدة المعتمد في بيروت، أُعلن شخصاً غير مرغوب فيه وطُلب منه مغادرة لبنان. فقد اتُّهم بالتحريض على التمرد وتقديم الدعم المسلح للمعارضة المناهضة للرئيس كميل شمعون(1). وبالفعل، كان غالب قد شجع على العصيان والتمرد المدني في مناطق مختلفة من البلاد.
ولم تهدأ الأوضاع إلا بعد إنزال قوات المارينز الأميركية وانتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية في 31 تموز/يوليو. ولم يعد السفير المثير للجدل إلى منصبه إلا في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه(2)، حيث افتتحت السلطة الجديدة، في ظل عبد الناصر الذي كان في ذروة نفوذه، مرحلة من التعاون الصادق معه. وقد نجح عبد الحميد غالب في تطبيع العلاقات بين بيروت والقاهرة، وعزز النفوذ المصري داخل الساحة السياسية اللبنانية، الأمر الذي أثار اتهامات متكررة بالتدخل المباشر في الشؤون اللبنانية. ومع احتفاظ بيروت بانتمائها إلى الفلك الغربي، فإنها حرصت في الوقت نفسه على مراعاة المصالح الناصرية في المنطقة.
لكن بعد هزيمة عبد الناصر عام 1967 وغيابه عن الساحة عام 1970، انتقل لبنان من سيئ إلى أسوأ. فجاءت سنوات طويلة من الألم، تعاقبت خلالها المقاومة الفلسطينية المسلحة، ثم الاحتلال السوري، ثم الهيمنة الإيرانية، وكلها انتهكت السيادة اللبنانية بصورة يومية.
وهكذا، ومنذ زمن بعيد، لم يكن لبنان، في المطلق، حراً ولا مستقلاً ولا سيداً على قراره، حتى وإن كان العيش في بيروت يبقى أفضل من العيش في دمشق أو بغداد، حيث حكم حزب البعث بكل جبروته، أو في طهران وأصفهان، حيث كان رجال الدين يستظلون بعباءة ولاية الفقيه.
من المسلّم به أن الدولة لا تكون ذات سيادة إلا إذا كانت قادرة على أن تغلق الباب في وجه سفير أجنبي. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الثنائي جوزيف عون – نواف سلام أثبت قدراً من الحزم عندما «ألقى من النافذة» مبعوث الجمهورية الإسلامية، أي حين سحب اعتماد رئيس البعثة الإيرانية محمد رضا شيباني.
لكن، هل سأل أحد نفسه من سيخلفه؟
إن الابتعاد عن الجمهورية الإسلامية خطوة محمودة بلا شك، لكن السؤال يبقى: بمن سيُستعاض عنها؟
فالاستقبال الذي حظي به وزير الخارجية السوري في مدينة طرابلس يثير شيئاً من الحيرة. فهل وجدت الطائفة السنية، بعد طول تيه، مرشداً جديداً يناسب تطلعاتها؟ ثمة من يقول ذلك.
غير أن أحمد الشرع لديه أولويات أخرى، في مقدمتها تثبيت سلطته في دمشق وسائر أنحاء سوريا المنقسمة. وسيكون من غير الحكمة أن ينجرف إلى إغراء فتح جبهة لبنانية جديدة، لأنه، حتى مع الدعم التركي، لا يملك الإمكانات اللازمة لانتهاج سياسة إقليمية طموحة.
فلنبحث عن بديل آخر!
(1) Sam Pope, "Envoy from Cairo Ousted by Beirut; Lebanese Say He Had Been Plotting with Rebels," The New York Times, July 21, 1958.
(2) Le Monde, "The UAR Ambassador to Lebanon Resumes His Duties," November 6, 1958.