
هرمية المعرفة بين فلسفة ابن سينا والأفلاطونية المحدثة الإسماعيلية عند الكرماني


في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا. وتُقدَّم هنا المحاضرة الأولى، التي أُلقيت بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، وحملت عنوان “النبي والفيلسوف: هرمية المعرفة بين فلسفة ابن سينا والأفلاطونية المحدثة الإسماعيلية عند الكرماني”، في صيغة منقحة وموسعة، منشورة على هيئة سلسلة من عشرة أجزاء.
تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة لفكر ابن سينا والكرماني. فعلى الرغم من اشتراك المفكرين في أفق أفلاطوني محدث واسع، يتأسس على ميتافيزيقا الفيض، وهرمية الوجود، وتركيب يجمع بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإن كلاً منهما يبلور مشروعاً فلسفياً متميزاً: ابن سينا ضمن تقليد الفلسفة (falsafa) المشائي، والكرماني ضمن إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى الرغم من اختلاف هذين الأفقين الفكريين، يظل مشروعاهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، ومسار ارتقاء النفس. كما يجسد كل منهما تصوراً مختلفاً للعلاقة بالسياسي، بما يسلط الضوء على طرائق متباينة لفهم موقع الفلسفة إزاء السلطة، والقانون، وتنظيم الجماعة. وتمثل هذه المقالة الحلقة الخامسة من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء.
V - بين ما يتعذر التعبير عنه والضرورة: أزمة القاهرة والمنعطف الأنطولوجي
يجب فهم وصول حميد الدين الكرماني إلى القاهرة في سياق إحدى أشد الأزمات اللاهوتية والسياسية حدةً في تاريخ الدعوة الإسماعيلية الفاطمية: السنوات الأخيرة من حكم الحاكم بأمر الله (حكم 996-1021م). وقد بلغت هذه الأزمة ذروتها مع “الانشقاق الدرزي”. وكان السبب الأساسي إعلان بعض المحرّضين أن الخليفة الإمام الحاكم لم يكن مجرد “حجة الله” أو “ركن من أركان الملأ الأعلى”، بل التجلي المطلق للألوهية ذاتها. وتاريخياً، ظل موقف الحاكم من هذه الشخصيات متقلباً، وهو موقف متغير لم يؤدِّ إلا إلى مزيد من تغذية النزعة إلى إسقاط أحكام الشريعة داخل الحركة. وقد ذهب هؤلاء المنشقون إلى أنه، ما دامت “نهاية الأزمنة” و“الحقيقة النهائية” قد تحققتا في شخص الحاكم، فإن الشريعة الدينية الظاهرة، بما فيها الصلاة والصيام والحج، قد أصبحت متجاوزة. ومن وجهة نظرهم، لم تعد وساطة الشريعة ضرورية في مواجهة حضور جذري ومباشر.
ومن منظور الدعوة الفاطمية الرسمية، مثّل هذا التطور انحرافاً خطيراً. فقد حافظ المذهب الإسماعيلي التقليدي على تمييز ميتافيزيقي صارم: الله متعالٍ تعالياً مطلقاً ومنزّه عن كل إسناد، في حين أن الإمام إنسان مصطفى على نحو فريد، وهو المؤوِّل المخوّل للوحي الإلهي. وأي انهيار لهذا التمييز باتجاه مفاهيم الحلول أو التجلي الإلهي كان يهدد بنية التوحيد الإسماعيلي ذاتها.
وفي سياق هذا الانشقاق العقائدي، استُدعي الكرماني إلى القاهرة من قبل المؤسسة المركزية للدعوة الفاطمية. وباعتباره واحداً من أكثر فلاسفة الإسماعيلية عمقاً في عصره، كان مؤهلاً على نحو خاص لمواجهة هذه الأزمة. وفي مواجهة النزعات الناشئة نحو تأليه الحاكم، أعاد الكرماني تأكيد تصور كوني هرمي صارم. ففي نظامه، يظل الله متعالياً تعالياً مطلقاً؛ ومنه يصدر العقل الأول بفعل الإبداع (ibdāʿ)، ثم تتبعه هرمية منظمة من العقول والمبادئ الكونية. وضمن هذه البنية، لا يمكن لأي شخصية بشرية، بما فيها الإمام، أن تحتل مرتبة الألوهية أو الحلول. ويظل الإمام سلطة معرفية وتأويلية أساسية، ولكن ضمن النظام المخلوق حصراً.
ولا يمكن فصل فكر الكرماني عن مهمة ثلاثية وعن توتر يتجلى على ثلاثة مستويات. أولاً، سعى إلى ترسيخ الإسماعيلية الفاطمية بوصفها إسلاماً مؤسسياً متجذراً في تقليد فقهي راسخ، وهو مشروع أسهمت أعمال القاضي النعمان إسهاماً مركزياً في تشكيله. ثانياً، أراد أن يجعل الإسماعيلية، في آن واحد، حركة دعوية ناشطة داخل حدود الإمبراطورية وخارجها، وديناً إمبراطورياً. وثالثاً، سعى إلى تقديم الإسماعيلية بوصفها ديناً فلسفياً، وعلمياً بحسب معايير ذلك العصر، متجذراً بعمق في كوسمولوجيا زمانه وعلم الفلك فيه.
ويطرح كل ذلك سؤالاً مركزياً: كيف يمكن لعقيدة باطنية أن تحكم دولة ظاهرية، وكيف يمكن، في المقابل، لإمبراطورية مرئية أن تقوم على ميتافيزيقا غير مرئية؟ بالنسبة إلى مفكر كالكرماني، تكمن الإجابة في نظرية المطابقة بين النظامين السماوي والأرضي: فكل ما في العالم الأعلى له نظير في العالم الأدنى. وهكذا تعكس بنية الإمامة الهرمية الكونية.
راحة العقل
في تصحيحه للنموذج الأفلاطوني المحدث السابق الذي ورثه عن السجستاني، أزال الكرماني حتى أدنى أوجه النقص من العالم الأعلى. وكان يسعى بذلك إلى جعل الحياة الأرضية منسجمة مع شكل من أشكال الوفاق (concordia)، أي تناغم يقوم على “راحة العقل”. وتتحقق هذه الحال عندما يدرك العقل أن العقل الأول هو أول مُبدَع وأول موجود؛ وأن إبداعه يصدر عن مصدر محجوب أزلاً وبلا نهاية؛ وأن كل بحث فيما يقع “وراءه” ممتنع منعاً قاطعاً؛ وأن ما يقع “دونه” عاقل (ʿāqil) ومعقول (maʿqūl) في آن واحد؛ وأن الإمامة هي الصورة الأرضية لهذا النظام من العقول؛ وأنها تمثل الصلة بنور هذه العقول، لا تجلياً للمحجوب الذي لا يتجلى أبداً.
واقترن ذلك، لدى الكرماني، بمحاولة لمنع أي شكل من أشكال الاستقلال الفكري الذي قد يدفع العقل إلى ادعاء الاكتفاء الذاتي، بدلاً من أن يتواضع لتلقي تعاليم الإمام، الذي يمتلك وحده مفتاح التأويل الباطني. كما شدد على توازن صارم بين الباطن والظاهر، وبين العرفان الفلسفي والفقه، وبين شكلي العبادة: العقلية والعملية.
من القاهرة إلى ألموت
تمثل فترة الحاكم بأمر الله (386-411هـ / 996-1021م) اللحظة “الحرجة” أو “الدرامية” في التاريخ الإسماعيلي. فقد كشفت عن التصدعات الكامنة بين الأبعاد المتعددة للمشروع الإسماعيلي. وعندما اختفى الحاكم بأمر الله في ظروف غامضة ذات ليلة من سنة 411هـ، انهار “الجسر” الذي كان الكرماني يحاول تدعيمه. ورفض قسم من الدعوة، ولا سيما في بلاد الشام، الاعتقاد بأن الحاكم قد مات، ورأى في اختفائه “غيبة”. وأدى ذلك إلى نشوء الجماعة الدرزية، التي انفصلت كلياً عن الإطار الإمبراطوري الفاطمي.
وأثبت ذلك أن البعد “الإمبراطوري” لم يعد قادراً على احتواء الدعوة “الثورية”. واضطر الخلفاء الذين أتوا بعد الحاكم، الظاهر ثم المستنصر، إلى تبني نهج شديد المحافظة من أجل الحفاظ على العرش. وهمّشوا الأبعاد الكونية والفلسفية “الخطرة” التي كادت تطيح بالدولة، وركزوا بدلاً منها على الأشكال التقليدية للحكم الإمبراطوري.
وبعد ذلك بقليل، وجد دعاة فارس وخراسان، ومن بينهم ناصر خسرو (1004-نحو 1088م)، أنفسهم أمام فجوة هائلة. ففي الوقت الذي كانوا يبشرون بإمام كوني سيغيّر مجرى التاريخ، كانوا يرون بلاط القاهرة يغرق في الصراعات الصغيرة بين الوزراء وحرس القصر. وأفضى هذا التوتر في نهاية المطاف إلى الانشقاق الكبير: الصراع النزاري المستعلي.
وجاء الانفصال النهائي مع صعود حسن الصباح وتأسيس دولة ألموت. فقد رأى الإسماعيليون الشرقيون، أي النزاريون، أن المركز الفاطمي في القاهرة قد استبدل بروحه الثورية مظاهر إمبراطورية راكدة، فقطعوا صلاتهم بالخلافة القاهرية. وفي جبال فارس الوعرة، انفصلت “الدعوة الثورية” أخيراً عن “البعد الإمبراطوري”. وحولت ألموت المشروع الإسماعيلي إلى شبكة لامركزية من الحصون ذات الطابع العسكري، واستبدلت بالفقه الرسمي للقاهرة عقيدة التعليم، أي التعليم القائم على سلطة الإمام. ومثّل هذا التحول الانتصار النهائي لروح “الهادي”، المقاتلة والسرية والمشحونة بكثافة فلسفية، على البنى السياسية المتآكلة التي كان الكرماني قد أمل يوماً في إنقاذها.
من تعذر التعبير إلى الضرورة
يكشف المسار الفكري للدعوة الإسماعيلية عن مفارقة لافتة: فقد اتسم الانتقال من القاهرة إلى ألموت بتحول من اللاهوت التنزيهي الجذري إلى إطار أنطولوجي سيناوي.
وقد تمسك المفكرون الفاطميون الأوائل، مثل السجستاني والكرماني، بلاهوت تنزيهي صارم. فقد رأوا أن المبدع (al-Mubdiʿ) متعالٍ في “غيريته” إلى حد أنه يتجاوز الوجود واللاوجود معاً. وكان الهدف من هذا “النفي المزدوج” حماية التوحيد من أي تشبيه بشري أو مادي، ووضع الإلهي خارج متناول اللغة والمنطق.
أما في مرحلة ألموت، التي اتسمت بإعلان “القيامة” (Qiyāma)، وهو الحدث التحولي الذي أُعلن في ألموت سنة 1164م ومنح الأولوية للجوهر الروحي للحقيقة على المتطلبات الشكلية للشريعة، ثم شهدت لاحقاً مزيداً من التطوير على يد نصير الدين الطوسي (1201-1274م)، فقد تبنّى الفكر الإسماعيلي لغة “واجب الوجود” (wājib al-wujūd). ومع تحول الميتافيزيقا السينوية إلى مرجعية للفلسفة العليا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، تبنى مفكرو ألموت هذه المقولات سعياً إلى إضفاء مزيد من الصرامة الفكرية على منظومتهم. وفي حين كانت الأفلاطونية المحدثة لدى الكرماني نظاماً كثيفاً ونخبوياً، احتاجت دولة ألموت المحاصرة إلى أساس ميتافيزيقي أكثر مباشرة. ومن خلال تبني مفهوم “واجب الوجود”، ربط لاهوت ألموت النظام الكوني على نحو أوثق بالتعليم القائم على سلطة الإمام، موفراً بذلك أساساً أنطولوجياً ثابتاً لجماعة تعيش في حال من الثورة الدائمة.
وعندما دمّر المغول بقيادة هولاكو خان ألموت سنة 1256م، استسلم الطوسي إلى جانب الإمام الأخير، ركن الدين خورشاه. وسرعان ما أصبح أحد كبار مستشاري هولاكو، وأسهم في إنشاء مرصد مراغة.
ومنذ ذلك الحين، اتجهت مؤلفات الطوسي العلنية نحو التشيع الاثني عشري. فوضع كتاب “تجريد الاعتقاد” (Tajrīd al-Iʿtiqād)، الذي أصبح أحد النصوص الأساسية في علم الكلام الاثني عشري.
ومن المفارقات أن تنظيم الكرماني للعالم المعقول في مؤلفه الأبرز، “راحة العقل” (Rāḥat al-ʿAql)، ربما كان أعمق أثراً في الموحدين الدروز منه في أي جماعة أخرى. فعلى الرغم من أن مهمته في القاهرة كانت تهدف في الأصل إلى دحض الآباء المؤسسين لهذه الجماعة، أصبحت صرامة تصوره الكوني الأساس الفكري نفسه الذي أقاموا عليه بناءهم العقائدي.
(ملاحظة : تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.)