شعار Levant Time
العودة إلى المقال
دياكرونيا

النبيّ والفيلسوف (1/10)

هرمية المعرفة بين فلسفة ابن سينا والأفلاطونية المحدثة الإسماعيلية عند الكرماني

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم وسام سعادة
نُشر أغسطس 6, 2026 - 22:28

في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا . وتُقدَّم هنا المحاضرة الأولى، التي تمت بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، والتي حملت عنوان “النبي والفيلسوف: هرمية المعرفة بين فلسفة ابن سينا والأفلاطونية المحدثة الإسماعيلية عند الكرماني”، في صيغة مقالة موسعة ومنقحة، منشورة على هيئة سلسلة من عشرة أجزاء.

تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة لفكر ابن سينا والكرماني. فعلى الرغم من اشتراك المفكرين في أفق أفلاطوني محدث واسع، يتأسس على ميتافيزيقا الفيض، وهرمية الوجود، وتركيب يجمع بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإن كلاً منهما يبلور مشروعاً فلسفياً متميزاً: ابن سينا ضمن تقليد الفلسفة (falsafa) المشائي، والكرماني ضمن إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى الرغم من اختلاف هذين الأفقين الفكريين، يظل مشروعاهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، ومسار ارتقاء النفس. كما يجسد كل منهما تصوراً مختلفاً للعلاقة بالسياسي، بما يسلط الضوء على طرائق متباينة لفهم موقع الفلسفة إزاء السلطة، والقانون، وتنظيم الجماعة. وتمثل هذه المقالة الحلقة الأولى من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء.

ما الخيط الذي يربط، للوهلة الأولى، بين هرمية المعرفة عند ابن سينا وحميد الدين الكرماني، وتعقيدات الطائفية في لبنان، وديناميات القومية الدينية في جنوب آسيا وغربها، والدور الذي تؤديه الأخرويات في صراعات الشرق الأوسط؟ قد تبدو هذه القضايا متباعدة، لكنها ليست سوى تجليات مختلفة لتذبذب أوسع، وربما مستمر، داخل الحقل اللاهوتي السياسي. وتظهر هذه الدينامية اللاهوتية السياسية أولاً في صورة استقطاب، سواء على مستوى هرمية المعرفة، أو في التوتر القائم بين قول الحقيقة وما يمكن تسميته “القول القويم”، عندما نتجه إلى تقاليد الفلسفة المهلْننة في الإسلام وإلى الأفلاطونية المحدثة كما أعادت الدعوة الفاطمية صياغتها. ثم تتخذ هذه الدينامية شكلاً آخر في السياق اللبناني، حيث تتجلى في صعوبة، وربما في عجز، عن صون التعددية على أساس المعاملة بالمثل، أو عن إرساء أي هرمية مشتركة داخل نموذج سياسي مأزوم ومترنح.

ويكتسب اللاهوتي السياسي بُعداً آخر عند الانتقال إلى مسألة القومية. فهنا تتكشف الدينامية عبر متاهات العلمنة: إذ تُنقل الرابطة الجماعية أولاً إلى صيغة الأمة، قبل أن تخضع لحركة ثانية من التكثيف، من خلال عمليات إعادة التقديس، والأسطرة، والأخْرَوة، لما كان قد أُضفيت عليه صفة العلمنة في البداية. وما يتبدى أمامنا، والحال هذه، ليس انتقالاً خطياً بسيطاً من المقدس إلى العلماني، بل حركة ارتدادية يصبح فيها العلماني ذاته موضع عودة المقدس في صورة مزاحة. ويتجلى هذا المسار بوضوح خاص في حالة القومية الدينية. كما يمكن تلمس ديناميات مشابهة في مفارقات النموذج اللبناني للدولة الطائفية، وفي تطور الطائفية عندما تُقرأ من منظور يمكن وصفه بما بعد العثماني.

لقد دأب البروفيسور جيوفاني جورجيني على وصل تاريخ الفلسفة السياسية بإشكاليات العصر الراهن. ويتجلى ذلك بوضوح في معالجته لمسألة الطغيان، بالمعنى الذي بلوره ليو شتراوس، بوصفه، في آنٍ معاً، حكم الاعتباط ومشكلة فلسفية نموذجية تتصل بالعلاقة بين المعرفة والسلطة وسعي الإنسان إلى الخير، وكذلك في اهتمامه بمفهوم الفرونيسيس (Phronēsis) باعتباره الحصافة، أو الحكمة العملية. فهذه الحصافة، لكي لا تستسلم للاعتباط، لا بد أن تمنح الأولوية للفعل، إذ إن الفعل لا يحتمل التأجيل إلى ما لا نهاية. وقد شكّل اقتراح جورجيني قراءة كتاب الأمير لمكيافيللي في ضوء الفرونيسيس عند أرسطو وشيشرون، أي بوصفه بحثاً في حكمة الحصافة باعتبارها نمط الحكم الملائم للوقائع السياسية المتغيرة، منطلقاً بالغ الإيحاء لتأملاتي الخاصة.

وتكفل هذه المقاربة ألا تُفهم الفضيلة (virtù) المكيافيلية بوصفها مجرد تشويه لمفهوم الحصافة الكلاسيكي، بل باعتبارها إعادة تصور معقدة له، تدرك بعمق مقتضيات الفاعلية السياسية، وإن كانت أقل التزاماً بكثير بالمثل الكلاسيكي للوفاق (concordia).

وأنا أتأمل هذه المسائل، وجدت نفسي أعود إلى سؤال يبدو، خلافاً لما يوحي به لأول وهلة، أقل بساطة مما نظن: إلى أي حد تؤدي الفرونيسيس دور شكلٍ خفي من أشكال مقاومة الطغيان؟ وعند أي عتبة دقيقة يتحول التزامها بـ«الممكن» إلى ستار بالغ الإحكام يخفي وراءه السلبية السياسية؟

وفي العالم الإسلامي الحضاري (Islamicate)، لا يمكن فصل هذا السؤال عن هاجس آخر، يصعب التعبير عنه في كثير من الأحيان، يتعلق بما وراء العالم، أو بالأحرى بالأبعاد الميتافيزيقية والكونية لحكم الاعتباط. ولعل السعي إلى الالتفاف على الميل إلى الاعتباط، على المستويين الكوني والميتافيزيقي معاً، مع الحرص في الوقت نفسه على ألا تُخنق الروح، هو، فيما أعتقد، جوهر التوتر الذي يكشف عنه الكاتبان اللذان تتمحور حولهما هذه الدراسة.

I - الحصافة الميتافيزيقية: مغامرات الفرونيسيس في المجال الحضاري الإسلامي

تتناول هذه الدراسة الجدلية بين النبي والفيلسوف في الفلسفة الإسلامية المهلْننة (الفلسفة / falsafa) من خلال مقارنة بين أبي علي الحسين بن سينا (ت. 1037م) ومعاصره، المفكر الإسماعيلي حميد الدين الكرماني (ت. نحو 1020م). وهي، في معرض ذلك، تتناول أيضاً، وإن بصورة غير مباشرة، إشكاليتي الطغيان والفرونيسيس ضمن المشهد الفكري للقرن الحادي عشر.

وترتبط الفرونيسيس، أو الحصافة، عند ابن سينا بالعقل العملي، وهو الملكة المعنية بالفعل، والمداولة الأخلاقية، وتنظيم شؤون الحياة اليومية. ومع أن ابن سينا يتحرك ضمن الإطار الأرسطي للفضائل العقلية، فإنه يوسّع نطاق هذا المفهوم توسعاً دقيقاً، من خلال ربط الحصافة بكمال النفس وتوجيهها نحو نوع من الاتزان الأخلاقي. وهكذا تغدو الفرونيسيس، في الفلسفة الإسلامية المهلْننة، جزءاً من رحلة النفس ذات البعد الكوني.

أرسطو وبنية الفرونيسيس

غير أن بنا أن نعود، للحظة، إلى أرسطو.

في كتاب “الأخلاق النيقوماخية”، يضع أرسطو الفرونيسيس (φρόνησις) ضمن بنية أشمل من الفضائل العقلية والأخلاقية، تتكامل جميعها لتمكين الفرونيموس (phronimos)، أي الإنسان المتحلي بالحصافة، من أن يحيا حياة صالحة ويمارس فعلاً صالحاً، بما يفضي إلى بلوغ الأودايمونيا (eudaimonia)، أي الازدهار الإنساني أو الحياة الفاضلة.

أما الفضائل الأخلاقية (aretai ēthikai)، فتتعلق بالخلق والانفعال والعادة. وهي ليست فطرية، بل تُكتسب بالممارسة والاعتياد، لا بالتعليم النظري. وتمثل كل واحدة منها وسطاً (mesotēs) بين طرفين متقابلين، هما الإفراط والتفريط، بحسب مقتضيات كل حالة. فالشجاعة تقع بين التهور والجبن، والعفة بين الانغماس في اللذات وبلادة الحس، والكرم بين التبذير والبخل، والعدالة في إعطاء كل ذي حق حقه، أما عظمة النفس فتقوم على تقدير سليم للذات، بعيداً عن الغرور كما عن امتهان النفس.

وإلى جانب هذه الفضائل الأخلاقية، يميز أرسطو الفضائل العقلية (aretai dianoētikai)، التي تخص الجانب العاقل من النفس، وتُكتسب بالتعليم والتعلم والتأمل. وتشمل الإبستيميه (epistēmē)، أي المعرفة البرهانية بالحقائق الضرورية والكلية؛ والتخنيه (technē)، أي القدرة على الصنع أو الإبداع؛ والسوفيا (sophia)، أي الحكمة النظرية التي تجمع بين الإبستيميه وإدراك المبادئ الأولى؛ والنوس (nous)، أي الحدس المباشر لتلك المبادئ الأولى نفسها. وضمن هذه المنظومة تحتل الفرونيسيس، أي الحصافة أو الحكمة العملية، مكانة متميزة لا يمكن اختزالها في غيرها.

ولا تمثل الفرونيسيس عند أرسطو معرفةً تأملية بالحقائق الأزلية، ولا مهارة تقنية موجهة نحو الإنتاج، بل هي القدرة على حسن المداولة في شأن الفعل ضمن شروط التغير والخصوصية. إنها، بهذا المعنى، عقل الممارسة (praxis)؛ أي عقلانية تطبيقية تحدد ما ينبغي فعله هنا والآن في سبيل الحياة الفاضلة. والأهم من ذلك أن الفضائل الأخلاقية، كالشجاعة أو العدالة، تظل ناقصة في بنيتها من دون الفرونيسيس. فإذا كانت الفضيلة تمثل هيئة راسخة في الخلق، فإن الفرونيسيس هي التي تمنح القدرة على التمييز الملائم لكل موقف، بما يسمح بتجسيد تلك الهيئة على الوجه الصحيح. فقد يدرك الإنسان معنى الشجاعة أو العدالة إدراكاً مجرداً، لكنه، من دون الفرونيسيس، يعجز عن معرفة الكيفية التي ينبغي أن تتحققا بها في وضع واقعي معقد لا يقبل الاختزال. ومن ثم تكشف الحصافة أن المعرفة الأخلاقية عند أرسطو ليست معرفة نظرية خالصة، بل هي معرفة لا تنفصل عن الحكم، والمداولة، والفعل في سياق التجربة المعيشة.

من الفرونيسيس إلى الحكمة

في هذا السياق، تبدو المقولة التي طرحها مؤخراً أحد الفلاسفة المغاربة ذوي التوجه الإسلامي، والتي تأسف فيها لأن التقليد الفلسفي المهلْنن في العربية ظل “أسيراً” لإطار الفضائل الأرسطية الأربع، ومن ثم أخفق في بلورة أخلاق إسلامية أصيلة قائمة على التقوى، بما هي في التقليد الإسلامي وعيٌ دائم بالله، ويقظةٌ لحضوره، وانضباطٌ أخلاقي يروم اجتناب الخطأ والوفاء بالواجبات الدينية والأخلاقية، مقولةً تنطوي على اختزال مفهومي واضح.

وتفترض هذه القراءة وجود تعارض حاد بين أخلاق الفضيلة “اليونانية” المزعومة والأفق الأخلاقي “الإسلامي”، وكأن تلقي أرسطو في الثقافة الفلسفية العربية كان شكلاً من أشكال الانغلاق المفهومي، لا فضاءً للترجمة الخلاقة وإعادة البناء الفكري.

كما أنها تغفل ليس فقط تقليد الفلسفة (falsafa) نفسه، بل أيضاً الثقافة الأوسع لـالأدب (adab)، وكلاهما استوعب بصورة فاعلة معجماً أخلاقياً مستمداً من أصول متعددة: يونانية-هلنستية، وفارسية-ساسانية، وقرآنية-نبوية. ولم تتخلَّ هذه التقاليد عن مرجعياتها الإسلامية، بل كثيراً ما نسجت تركيباً أخلاقياً متعدد الطبقات، ووضعت فيه الوحي، والحكمة الموروثة، والتفكير الفلسفي، في علاقة دينامية متواصلة.

ومن ثم فإن خيبة الأمل التي يعبر عنها هذا المفكر المعاصر، ومفادها أن الفلاسفة (falāsifa) في العصور الوسطى لم ينجحوا في إنتاج أخلاق “إسلامية” خالصة، تعيد فتح سوء فهم أعمق وأكثر رسوخاً يتعلق بطبيعة الفلسفة ذاتها. كما تثير سؤالاً أوسع: ما الذي يجعل خطاباً أخلاقياً ما “إسلامياً”؟ وهل تُلتمس الأصالة في نقاء العقيدة، أم في المسارات التاريخية المتعددة التي تشكلت عبرها العقلانية الأخلاقية فعلياً في تاريخ الفكر الإسلامي؟

وبالنسبة إلى أرسطو، فإن الفرونيسيس هي الحصافة، أي القدرة على حسن المداولة في شأن الفعل، وهي تختلف عن السوفيا (sophia) التي تدل على الحكمة النظرية.

ومع الترجمة اليونانية للكتاب المقدس العبري، أي الترجمة السبعينية، أصبحت كلمة السوفيا ترجمةً للكلمة العبرية حوخماه (ḥokhmah). غير أن حوخماه تشير أساساً إلى المهارة العملية والدراية التطبيقية، بينما أخذت السوفيا تكتسب، شيئاً فشيئاً، معنى المعرفة النظرية، بل ومعنى الحقيقة القصوى ذاتها. وفي السياقات الهلنستية والغنوصية اللاحقة، اكتسبت سوفيا بعداً ميتافيزيقياً ورمزياً، فشُخِّصت أحياناً بوصفها فيضاً إلهياً أو “أيوناً” أنثوياً، وفي بعض الروايات الغنوصية “تهبط” من العالم الروحي إلى العالم المادي قبل أن تستعيد مكانتها من جديد.

أما الحكمة (ḥikma) في العربية، وهي كلمة ترتبط في بنيتها اللفظية ارتباطاً وثيقاً بالعبرية حوخماه، فتشتق من الجذر ح-ك-م، الذي يدل في أصله على المنع والضبط والإحكام. ومن هذا الجذر تتولد معانٍ تتصل بالسلطة القانونية والسياسية، مثل الحكم، والحاكم، والحكيم. وهكذا يجمع هذا الحقل الدلالي بين الحكمة، وإصدار الحكم، وممارسة السلطة، والتمييز الرشيد.

وفي القرآن الكريم، تُعرض الحكمة بوصفها عطيةً إلهية مُنحت لشخصيات مثل داود عليه السلام:

﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾

ولقمان:

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾

ويرى معظم علماء الإسلام الكلاسيكيين أن لقمان لم يكن نبياً، بل كان رجلاً صالحاً أوتي حكمة استثنائية، ولذلك حظي بمكانة رفيعة في التراث الإسلامي. وفي الأدبيات الوسيطة المتأخرة، يُصوَّر لقمان كثيراً بوصفه صاحب حكايات أخلاقية، الأمر الذي جعله يُقارن بإيسوب. كما تصفه بعض الروايات قاضياً أو مستشاراً في عهد داود، الذي يصرح القرآن بنبوته. ولا يربط التراث الإسلامي بين لقمان الحكيم والنبي التوراتي ناثان، وإن كانت بعض الأخبار المتأخرة تشير إلى صلة نسب بينهما، بل تذهب أحياناً إلى اعتبار لقمان والد ناثان.

الامتداد الميتافيزيقي للحكمة

على الرغم من عدم وجود صلة اشتقاقية بينهما، فإن الحكمة (ḥikma)، في حقلها الدلالي الأصلي، أقرب إلى الفرونيسيس منها إلى السوفيا. بل إنها، على وجه الدقة، احتلت في بداياتها موقعاً وسطاً بينهما، فغدت وسيطاً بين الحكمة العملية والحكمة النظرية. وهي، شأنها شأن الفرونيسيس، تنطوي على معنى سلامة الحكم وحسن التقدير؛ أي القدرة على تطبيق المعرفة على الوقائع الملموسة والمتغيرة في سبيل غاية فاضلة. ففي الحالتين، لا تقتصر الحكمة على إدراك الحقيقة، بل تتمثل أيضاً في القدرة المكتسبة على تجسيدها من خلال التمييز، والخلق، والذكاء العملي.

غير أن الحكمة شهدت، خلال العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، توسعاً مفاهيمياً بالغ الأهمية، إذ غدت المقابل العربي المفضل للمصطلح اليوناني فيلوسوفيا (philosophia). وعلى الرغم من أن لفظ الفلسفة (falsafa) كان الأكثر شيوعاً للدلالة على العلوم اليونانية المترجمة، فإن الفلاسفة المسلمين الأوائل آثروا، في كثير من الأحيان، استعمال الحكمة لما يحمله هذا اللفظ من صدى قرآني. ويظهر ذلك منذ الكندي، ثم يتجسد مؤسسياً في عهد المأمون مع إنشاء بيت الحكمة في بغداد، الذي غدا مركزاً إمبراطورياً لترجمة ما عُرف بـ”العلوم العقلية” (ʿulūm ʿaqliyya)، وتصنيفها، وتطويرها، في مقابل “العلوم النقلية” (ʿulūm naqliyya).

وبفضل مشروعيتها القرآنية، بقيت الحكمة، بوصفها مصطلحاً ومفهوماً، بمنأى نسبياً عن الشبهات التي أحاطت كثيراً بـالفلسفة أو بـالمنطق (manṭiq)، اللذين وُصفا أحياناً بأنهما وافدان غريبان، شديدا الارتهان للمصادر اليونانية، بل وربطهما بعضهم بـالزندقة (zandaqa). وقد احتلت تهمة الزندقة موقعاً محورياً في السجالات الفكرية في الإسلام الوسيط، إذ استخدمها بعض علماء الدين للطعن في التصورات الميتافيزيقية لدى الفلاسفة (falāsifa)، ولا سيما تلك المتأثرة بالأفلاطونية المحدثة والأرسطية. ومع أن المصطلح ارتبط في أصله بالثنوية المانوية والهرطقة، فإنه اتسع تدريجياً ليصبح تهمة فضفاضة تُوجَّه إلى كل فكر يُنظر إليه بوصفه مهدداً للتوحيد الأرثوذكسي. ولم يُتَّهَم الفارابي أو ابن سينا، في العادة، بالثنوية الحرفية، بل بإدخال بنى مفهومية أجنبية، مثل نظرية الفيض أو القول بأزلية العالم، وهي أفكار رأى بعض المتكلمين أنها تنطوي على خطر عقدي أو أنها مفرطة في طابعها الهلْنني.

وبوجه عام، تمحورت هذه الانتقادات حول ثلاثة محاور رئيسية. فقد اتُّهم الفلاسفة بالقول بأزلية العالم، في تعارض مع عقيدة الخلق من العدم (creatio ex nihilo). كما اتُّهموا بتبني تصور فيضي للوجود لا يترك مجالاً يُذكر للإطار التقليدي القائم على الخلق والوحي والخلاص. وأخيراً، نُسب إليهم تقويض الإيمان بالبعث الجسدي، إما بتأثرهم بالنزعة الأفلاطونية المحدثة التي تميل إلى القول بالنفس الكلية الواحدة بدلاً من تعدد النفوس الفردية، أو باستبدالهم التمييز الأخروي بين الجنة والعقاب بصورة من النعيم العقلي المقصور على العقل المطهر.

ويكشف ذلك عن مفارقة لافتة: فمع أن الحكمة كانت تميل في أصلها إلى معنى الحكمة العملية، فإن اعتمادها ترجمةً لـفيلوسوفيا، مقترناً بجذورها القرآنية، أتاح لها أن تتسع لتغدو مفهوماً أشمل وأكثر نزوعاً إلى التأمل الميتافيزيقي. وقد اتجه الفلاسفة، في الغالب، إلى مساواة الفلسفة بـالحكمة، والعكس بالعكس، مع تحويل الحكمة تدريجياً من مفهوم يجمع بين الحكمة العملية (الفرونيسيس) والحكمة النظرية (السوفيا) إلى تعبير عن اللوغوس (logos) الأسمى؛ أي المبدأ الجامع الذي يحتضن، في آنٍ واحد، البنية العقلانية والواقع الميتافيزيقي.

ومن ثم، لم تعد الحكمة تشير إلى مجرد التمييز الأخلاقي، بل أصبحت تدل على نمط من الحكمة الكلية، بل الكونية. ويتجلى هذا التحول بوضوح منذ ابن سينا، وبالتوازي داخل الفلسفة الإسماعيلية، ولا سيما في مؤلفات حميد الدين الكرماني، مثل “راحة العقل” (Rāḥat al-ʿAql). ثم يبلغ هذا المسار مرحلة جديدة مع المدرسة الإشراقية عند شهاب الدين السهروردي في “حكمة الإشراق” (Ḥikmat al-Ishrāq)، قبل أن يواصل تطوره في مدرسة أصفهان مع مير داماد وملا صدرا.

وفي هذه التطورات اللاحقة، لم تعد الحكمة تعني مجرد التوازن بين العملي والنظري، بل غدت شكلاً من أشكال الثيوصوفيا (الحكمة الإلهية)، حيث تتحد الممارسة العقلية والتحقق الروحي اتحاداً لا انفصام فيه. وهكذا لم تعد الحكمة مجرد القدرة على المعرفة أو على العمل القويم، بل أصبحت أيضاً مساراً يتحول فيه الإنسان نفسه بفعل الحقيقة.

ملاحظة : تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل