
تراتبية المعرفة بين فلسفة ابن سينا والأفلاطونية المحدثة الإسماعيلية عند الكرماني

في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا. حملت الأولى، التي جاءت بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، عنوان “النبي والفيلسوف: تراتبية المعرفة بين الفلسفة عند ابن سينا والأفلاطونية المحدثة الإسماعيلية عند الكرماني”. ويُقدَّم نصها هنا في صيغة منقحة وموسعة، ضمن سلسلة من عشرة مقالات.
تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة لابن سينا والكرماني. وعلى الرغم من أن المفكرين يشتركان في أفق أفلاطوني محدث واسع، صاغته ميتافيزيقا الفيض، وتراتبية الوجود، والتوليف بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإنهما يطوران مشروعين فلسفيين متمايزين: ابن سينا ضمن التقليد المشائي للفلسفة، والكرماني في إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى اختلاف السياقين الفكريين اللذين ينتمي إليهما، يظل نظاماهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، وارتقاء النفس. كما يجسد مشروعاهما تصورين متباينين للسياسي، يضيئان طريقتين مختلفتين في التفكير في موقع الفلسفة إزاء السلطة والشريعة وتنظيم الجماعة. ويشكّل هذا المقال الجزء التاسع من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء.
IX - التلقي المتشعب للسينوية والرشدية في العالم المسيحي الوسيط: بناء تهمة “الحقيقة المزدوجة”
أصبح إثبات أن العقل لا يقوّض الوحي تمامًا ضربًا من الانشغال الفكري المشترك في العالم الإسلامي، والعالم المسيحي اللاتيني، والجماعات اليهودية التي تنقلت بينهما. ولم يكن هذا المسعى مشروعًا موحدًا بقدر ما كان قلقًا متكررًا ارتدى مفردات مختلفة: ففي علم الكلام اتخذ شكل الدفاع الجدلي، وفي الفلسفة شكل المصالحة الفلسفية، وفي التيارات المناهضة للفلسفة شكل الارتياب الصريح، وفي التصوف شكل تجاوز للمشكلة عن طريق التجربة، وفي أوروبا الوسيطة شكل البناء الدقيق للاهوت المدرسي. وبعبارة أخرى، كانت المشكلة نفسها تُطرح بلكنات مختلفة، وأحيانًا مع الثقة بأن حلها، هذه المرة وأخيرًا، قد أصبح ممكنًا.
في أوروبا الوسيطة، تبلور الجدل حول العلاقة بين العقل والوحي حول قطبين: المبدأ الأوغسطيني credo ut intelligam، أي “آمِن لكي تفهم”، والتوليف التوماوي الأكثر انتظامًا. وفي هذا الإطار، ذهب توما الأكويني إلى أن العقل البشري، حين يعمل وفق مقتضياته الخاصة، قادر على بلوغ بعض الحقائق الأساسية، وفي مقدمتها وجود الله، لكنه يظل محدودًا بطبيعته عندما يواجه أسرار العقيدة المسيحية التي تتجاوز العقل، كالتجسد والثالوث.
ويضع توما الأكويني شرطًا واضحًا لهذا التوليف بين اللاهوت والفلسفة: أن تؤدي الفلسفة وظيفة ancilla theologiae، أي “خادمة اللاهوت”. وهو يعيد، بطريقته الخاصة، صياغة مبدأ غالبًا ما يُربط بابن رشد، ومفاده أن الحقيقة لا يمكن أن تناقض الحقيقة. وما دام الله يُعد مصدرًا لكل من “نور العقل” والوحي، فإن قيام تناقض حقيقي بينهما مستحيل من حيث المبدأ. ومن ثم فإن أي تعارض ظاهري يعود إما إلى خطأ في الاستدلال العقلي، وإما إلى سوء تفسير للنص المقدس.
وعلى هذا الأساس، يصوغ توما الأكويني مقولته الشهيرة: النعمة لا تدمر الطبيعة، بل تكملها. وبحلول القرن الثالث عشر، بلغ هذا التصور أكثر أشكاله انتظامًا داخل الفكر المدرسي مع توما الأكويني، حيث احتل اللاهوت موقع magister scientiarum، أي “سيد العلوم”، وأسهم في تشكيل البنية الفكرية للجامعات الناشئة.
وفي هذه التراتبية، يوفر اللاهوت الأفق الشامل، فيما تندمج الفنون الحرة، المنظمة ضمن trivium، أي النحو والمنطق والبلاغة، وquadrivium، أي الحساب والهندسة والفلك والموسيقى، بوصفها علومًا تمهيدية. ومن ثم لا تكون قيمتها مستقلة، بل أداتية: فهي لا تكتسب معناها الكامل إلا بقدر ما تتجه في نهاية المطاف نحو الفهم اللاهوتي، وتصب، إذا جاز التعبير، في إطاره الجامع.
علم الكلام والفقه وسيادة النقل
في المقابل، لم يبلغ علم الكلام في المجال الإسلامي مثل هذه الهيمنة الشاملة. فلم ينجح في إخضاع الفلسفة لغاياته، كما لم يتمكن من الحفاظ على مركزيته أمام الفقه. بل اندمج في منظومة فقهية أوسع بوصفه حقلًا تابعًا، أي علمًا للعقيدة، لم يعد، بعد القرون العباسية الأولى، قادرًا على منافسة الزخم الهائل للفقه وأصول الفقه، ولا اتساعهما وعمقهما النظري. وهكذا تطورت الحضارة الإسلامية بوصفها “حضارة الشريعة”. وفي ثنائية العقل والنقل، مالت الكفة إلى جانب النقل، وإن ظل ذلك مصحوبًا بمحاولات متواصلة لدفع ما بدا من تعارض بينهما.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك كتاب ابن تيمية درء تعارض العقل والنقل. فابن تيمية، بوصفه شخصية نموذجية في السلفية، لم يسع إلى إلغاء العقل، بل إلى إثبات أن “صريح العقل” يقود بالضرورة إلى “صحيح النقل”. غير أن النقل يظل في هذه المعادلة هو المعيار، بينما يؤدي العقل دور الشاهد الذي يؤكده.
ومن اللافت أن تعريف “العقل” نفسه انتقل من النموذج الأشعري-الغزالي إلى النموذج الحنبلي-السلفي عند ابن تيمية. فبالنسبة إلى الغزالي، كان العقل “ميزانًا” منطقيًا، أرسطيًا إلى حد بعيد، وأداة ضرورية لإثبات صدق النبوة، لكنه يقف مع ذلك عند عتبة الغيب. وكان أي تعارض ظاهري يستدعي، في نظره، التأويل، فيما يعمل العقل نفسه بوصفه “نورًا” يقذفه الله في القلب.
أما عند ابن تيمية، فالعقل مرتبط بالفطرة، أي الطبيعة الأصلية أو الاستعداد الفطري. وقد رفض حصر العقل في قواعد المنطق اليوناني، معتبرًا أن “صريح العقل” هو ببساطة ما ينسجم مع الفطرة السليمة. ولم يكن العقل لديه أداة خارجية، بل ملكة فطرية منسجمة بطبيعتها مع الوحي.
وإذا كان المعتزلة والفلاسفة قد سعوا إلى ترجيح كفة العقل، فإن الغلبة الفكرية آلت في نهاية المطاف إلى من وضعوا العقل تحت سيادة النقل، وأعادوا تعريفه من خلال مفهوم الفطرة.
وفي المحصلة، أصبحت أصول الفقه الميدان الحقيقي للإبداع المنطقي الإسلامي. فبدلًا من بناء منظومات لاهوتية كبرى على غرار منظومة توما الأكويني، اتجهت الثقافة الفكرية الإسلامية نحو “منهجية استنباط الأحكام”. وجرى “احتواء” العقل وتوظيفه في مشروع ضخم من الهندسة اللغوية والمنطقية في خدمة النص. وهنا لا يكون العقل مشرّعًا سياديًا، بل “مهندسًا” يفسر ويقيس.
أوكام وسيجر البرابانتي وأزمة التوليف المدرسي
ومن المفارقات أن نجاح الفلسفة المدرسية اللاتينية نفسه في ترسيخ أولويتها هيأ الظروف لتراجعها لاحقًا. فمن خلال استيعاب الأرسطية والمنطق البرهاني بهدف جعل الإيمان “حصنًا منيعًا عقلانيًا”، أوجدت المدرسية من دون قصد الأدوات التي ستتيح لاحقًا تقويض سلطتها نفسها.
في القرن الرابع عشر، ذهب وليام الأوكامي إلى أن المفاهيم الكلية لا تتمتع بوجود مستقل، بل ليست سوى “أسماء”، وهو الموقف الذي ارتبط لاحقًا بالاسمية. وكان لهذا التحول الفلسفي أثران رئيسيان. أولهما أنه وسّع المسافة بين الإيمان والعقل، من خلال القول إن “الإرادة المطلقة” لله لا يمكن إخضاعها للمنطق البشري. وثانيهما أنه، بتحويل الاهتمام من الكليات اللاهوتية إلى الجزئيات، أسهم في تمهيد الأرضية المفهومية لنشوء العلم التجريبي.
لكن قبل أوكام، كان هناك سيجر البرابانتي وتأثير الرشدية اللاتينية. فقد جسّد سيجر المفكر الذي حاول، قبل أوانه، تحرير الفلسفة من غلافها اللاهوتي. وكان رجل دين غير رهباني، لا عضوًا في الرهبانيات المتسولة كما كان توما الأكويني وبونافنتورا، وأصبح سيجر (نحو 1240-1284) أبرز ممثلي الرشدية اللاتينية. وقد درّس الفلسفة بوصفها حقلًا مستقلًا من دون السعي إلى إخضاعها للاهوت.
اتُّهم سيجر بالهرطقة ولاحقته السلطات الكنسية في فرنسا، ففر إلى إيطاليا ليستأنف قضيته أمام الكوريا البابوية في أورفييتو، حيث طعنه سكرتيره لاحقًا حتى الموت. ومن اللافت أن دانتي أليغييري وضع سيجر في الفردوس في الكوميديا الإلهية (النشيد العاشر)، إلى جانب خصمه الفكري توما الأكويني، وقدّمه بوصفه روحًا “استنبطت بالقياس حقائق أثارت الحسد”.
وفي المناخ الفكري لجامعة باريس في أواخر القرن الثالث عشر، احتل سيجر البرابانتي موقعًا بالغ التوتر. فلم يكن مجرد خصم للإيمان ولا لاهوتيًا تقليديًا، بل مفكرًا حاول دفع العقلانية الأرسطية إلى حدودها الداخلية، إلى حد بعيد من خلال عدسة ابن رشد.
ولم يكن مشروعه يقوم على معارضة الوحي في ذاته، بل على استخلاص النتائج بصرامة إذا التزم المرء استقلال البرهان الفلسفي التزامًا كاملًا. ومن هذا المنطلق، أثارت مجموعة من الأطروحات جدلًا خاصًا.
كانت الأولى تتعلق بأزلية العالم. ففي مواجهة عقيدة creatio ex nihilo، أي الخلق من العدم، دافع سيجر عن الإمكان الفلسفي لكون أزلي لا بداية زمنية له، بل عن ضرورته من منظور الفيزياء الأرسطية. وفي هذا التصور، لا توجد “لحظة أولى”، ولا واقعة بشرية تأسيسية بالمعنى الكتابي، وإنما استمرارية غير منقطعة للحركة والعلية.
أما الثانية فكانت العقيدة المرتبطة عادة بالرشدية، أي نظرية وحدة العقل. وتتمثل الفكرة المركزية هنا في أن العقل الفعال واحد وكلي، لا يتعدد بتعدد الأفراد. والنتيجة جذرية: فمع أن أفعال التفكير تحدث لدى الأفراد، فإن مبدأ التعقل واحد بعينه لدى البشرية كلها.
ويقود ذلك إلى نتيجة ثالثة أشد زعزعة. فإذا لم يكن العقل متمايزًا فرديًا بالمعنى الأنطولوجي الصارم، يصبح من الصعب الحفاظ، ضمن إطار فلسفي محض، على المفاهيم التقليدية للخلود الشخصي والمسؤولية الأخلاقية الفردية. وبذلك يصبح الإطار التقليدي للثواب والعقاب مهددًا بفقدان أساسه الميتافيزيقي.
ومن هذه التوترات نشأت مشكلة “الحقيقة المزدوجة”، التي كثيرًا ما نُسبت إلى سيجر في صيغة مبسطة. ففي صورتها الفجة، تعني أن أمرًا ما قد يكون صحيحًا في الفلسفة وخاطئًا في اللاهوت. غير أن موقف سيجر أكثر دقة. فقد يصل الاستدلال الفلسفي، حين يعمل وفق الضرورة البرهانية، إلى نتائج تختلف عن العقيدة الموحى بها، من دون أن يؤدي هذا الاختلاف إلى إبطال سلطة الوحي، التي تظل مطلقة ضمن مجالها الخاص. وبالتالي، لا تتعلق المسألة بمجرد تناقض، بل بتعايش نظامين معرفيين متمايزين يعملان وفق معيارين مختلفين للحقيقة.
ومع ذلك، ثبت أن إصراره على استقلال البحث الفلسفي كان متفجرًا على المستوى المؤسسي. ففي جامعة باريس، أسهم هذا الاتجاه الفكري في أزمة أوسع حول موقع الأرسطية في الحياة الفكرية المسيحية، بلغت ذروتها مع إدانة عام 1277، حين جرى رسميًا حظر عدد من القضايا المرتبطة بالقراءات الراديكالية لأرسطو.
ومن ثم، لا تكمن الأهمية التاريخية لسيجر في عقيدة منهجية بعينها بقدر ما تكمن في الضغط الذي مارسه موقفه على التوليف الوسيط نفسه. فقد كشف هشاشة الحد الفاصل بين لاهوت قادر على استيعاب الفلسفة وفلسفة تهدد، بفعل صرامتها نفسها، بالإفلات من هذا الاستيعاب.
إرنست بلوخ و”اليسار الأرسطي”
في مقابل “اليمين الأرسطي” لدى المدرسيين، الذين نظروا إلى المادة بوصفها وعاءً سلبيًا للصورة الإلهية، سعى الفيلسوف الماركسي-اللاهوتي إرنست بلوخ، في كتابه ابن سينا واليسار الأرسطي، إلى بناء جينيالوجيا لـ”يسار أرسطي”. وتتبع سلسلة فكرية متمردة تبدأ مع الإسكندر الأفروديسي وتبلغ ذروتها في مفهوم “خصوبة المادة” عند ابن سينا.
وتستمر هذه السلسلة عبر ابن رشد قبل أن تعبر إلى العالم المسيحي مع سيجر البرابانتي. وهي تمثل عند بلوخ “التيار الدافئ” للمادية، أي تيارًا يمنح الأولوية لقدرة العالم الطبيعي الذاتية على الحركة والإبداع في مواجهة الفرض اللاهوتي.
لكن هذه الجينيالوجيا التي تبدو متصلة تتجاوز إشكالية واضحة: فقد أمضى ابن رشد جزءًا كبيرًا من مسيرته محاولًا تفكيك فلسفة ابن سينا، ناهيك عن التلقي المختلف جذريًا، والمتناقض في كثير من الأحيان، لـ”مرجعيتيهما” في الغرب اللاتيني.
ومع ذلك، يظل حدس بلوخ لامعًا. فعبقريته لا تكمن بقدر كبير في الدقة التاريخية الباردة، بقدر ما تكمن في طريقته المتجاوزة للحدود في مد الجسور بين التقاليد الفكرية الإسلامية والوسيطة، بغية بناء مخيال فلسفي قادر على إحياء الماضي. وقد أصاب بلوخ في تحديد ابن سينا بوصفه المفكر الذي أعاد بث الروح في المادة: فمن خلال النظر إليها باعتبارها “حاملة للصورة” في ذاتها، لا وعاءً فارغًا، أسهم في وضع الأسس المفهومية لفيزياء مستقلة.
ولعل الأهم أن اختيار بلوخ إدراج ابن سينا وابن رشد معًا في معسكر “يساري” واحد يقدم بديلًا لافتًا عن المشروع البنيوي المؤثر لمحمد عابد الجابري. ففي مشروعه النقدي، سعى الجابري إلى الحفاظ على نقاء “العقل البرهاني”، فرأى في ابن رشد ذروة نهضة عقلانية يمكن أن تقود إلى الحداثة، في حين اعتبر توليف ابن سينا انعطافًا نحو العرفان، عقّد المسار الفكري للمشرق.
أما بلوخ، فمن خلال منظوره الخاص، فينجح في المصالحة بين هذين العملاقين. وإذ يضعهما في سلسلة ثورية واحدة، تدعونا هذه الجينيالوجيا إلى التعرف إلى تيار أكثر شمولًا من الفكر المادي، يمنح “المادة الخصبة” لدى ابن سينا قيمة لا تقل عن قيمة المنطق الصارم لدى ابن رشد، متجاوزًا بذلك الثنائيات الحادة التي حكمت طويلًا دراسة تراث الفلسفة.
التلقي المتشعب لابن سينا وابن رشد في الغرب اللاتيني
يرجع التلقي المتباين للسينوية والرشدية، التي مثّل سيجر البرابانتي أحد أبرز المدافعين عنها، في القرن الثالث عشر إلى بنية فكر ابن سينا نفسها. فعلى خلاف أرسطية ابن رشد الصارمة، قدم ابن سينا جسورًا ميتافيزيقية وجدها الغرب اللاتيني ضرورية. وبينما نُظر إلى سيجر البرابانتي بوصفه تهديدًا وجوديًا بسبب تمسكه بأرسطو “نقي” وراديكالي، كان ابن سينا قد سبق إلى توليف الأرسطية والأفلاطونية المحدثة، ما جعل منظومته أكثر “توافقًا” مع العقيدة التوحيدية.
وقد ميّز ابن سينا بين ماهية الشيء، أي ما هو، ووجوده، أي كونه موجودًا. والله وحده هو واجب الوجود، الذي تتطابق ماهيته مع وجوده. أما سائر الموجودات فليست سوى “ممكنات” أو موجودات ممكنة: فهي لا تملك الوجود بذاتها، بل تتلقاه من الله. وقد أتاحت هذه البنية للاهوتيين في العصور الوسطى صياغة تبعية العالم الأنطولوجية الكاملة للخالق صياغة فلسفية، في حين كان أرسطو “الرشدي” لدى سيجر يوحي بكون أزلي قائم بذاته.
وفضلًا عن ذلك، وعلى خلاف ابن رشد وسيجر البرابانتي، اللذين ارتبطا، بطرق مختلفة وبدرجات متفاوتة من الدقة، بنظرية وحدة العقل، أي القول بعقل واحد تشترك فيه البشرية جمعاء، دافع ابن سينا عن فردية النفس البشرية وبقائها بعد الموت.
ومن خلال مناورة جدلية متطورة، وظّف توما الأكويني التوترات الداخلية بين التأويلات “العربية”، مستخدمًا السينوية للحد من الرشدية، والرشدية للحد من السينوية، بغية إرساء أسس بنائه المدرسي الخاص.
وقد “عمّد” توما الأكويني أرسطو، إن جاز التعبير، عبر تصفية دقيقة لهذه التأويلات الشرقية. فاحتفظ بهيكل أنطولوجيا الوجود عند ابن سينا، مع استبعاد حتميتها القائمة على الفيض؛ وفي المقابل، احتفظ بالصرامة التحليلية لابن رشد، مع تفكيك نظرية وحدة العقل لديه. ومن خلال تعريف النفس بأنها صورة الجسد، ربط توما الأكويني العقل بالفرد البيولوجي. وفي هذا الإطار، لا يكون الإنسان روحًا حبيسة جسد، كما عند أفلاطون أو ابن سينا، ولا جسدًا يسكنه عقل جمعي واحد، كما عند ابن رشد، بل وحدة جوهرية.
وبجرأة لافتة، أقر توما الأكويني بأن العقل وحده عاجز عن إثبات أزلية العالم أو بدايته الزمنية. ومع أنه كان يؤمن، من حيث العقيدة، بأن العالم بدأ في الزمن لأن الوحي يقول بذلك، فإنه رأى أن عالمًا أزليًا خلقه الله يظل، من الناحية الفلسفية، احتمالًا منطقيًا.
لكن الجانب الأشد أثرًا في التدخل التوماوي تمثل في صياغته للمشهد الفكري بوصفه خيارًا ثنائيًا. فإما أن تعلن الفلسفة استقلالها وتنزلق نحو “عبثية” الحقيقة المزدوجة، وإما أن تخضع للاهوت وتسهم في الصياغة العقلانية للإيمان، فتقبل بذلك دور “الخادمة” (ancilla).
ومع ذلك، لم يدافع أي فيلسوف كبير، مسلمًا كان أو يهوديًا أو مسيحيًا، فعليًا عن “نظرية الحقيقتين”. غير أن إصرار هؤلاء على تراتبية المعرفة، التي تميز بين الحقائق البرهانية المتاحة للنخبة الفكرية والحقائق الخطابية الموجهة إلى عامة الناس، وفّر الأساس نفسه للاتهامات بالازدواجية التي وُجهت إليهم.
كان الكرماني وابن سينا وابن رشد جميعًا ملتزمين بحقيقة واحدة موحدة؛ ولم يفترض أي منهم وجود حقيقتين. وحتى سيجر البرابانتي لم يتصور الحقيقة على نحو مختلف. غير أن سيجر كان يفتقر إلى “الألعاب البهلوانية الأفلاطونية المحدثة” اللازمة للتوفيق بين اعتقاده بأزلية العالم والعقيدة الدينية، من دون أن يستطيع في الوقت نفسه رفض الحقيقة “غير الفلسفية” علنًا. أما خصومه فكانوا يعتقدون أنهم يعرفون تمامًا ما يفعله: لم تكن هناك، بالنسبة إلى سيجر، في نهاية المطاف سوى حقيقة واحدة، هي الحقيقة الأرسطية الفلسفية القائلة إن العالم موجود منذ الأزل.
من “الحقيقة المزدوجة” إلى فصل سبينوزا
أنتج هذا التوتر استراتيجيتين مختلفتين لفهم تاريخ الفلسفة وتقاطعها مع الفكر الديني: ارتبطت الأولى بسبينوزا في القرن السابع عشر، والثانية بليو شتراوس في القرن العشرين.
كان موقف سبينوزا أن السبيل الوحيد لإنهاء الاتهام المتكرر بالازدواجية الموجه إلى الفلاسفة هو فرض فصل صارم بين اللاهوت والفلسفة.
وقبله، لجأ فلاسفة مثل موسى بن ميمون، وكذلك الرشديون اللاتينيون، في كثير من الأحيان إلى استراتيجيات تأويلية لحماية حريتهم الفكرية. فقد ذهبوا إلى أن الكتاب المقدس “يتكلم بلغة البشر”، ومن ثم يجب تأويله تأويلًا مجازيًا للكشف عن الحقائق الفلسفية. غير أن هذه الطريقة جعلت الفيلسوف عرضة لاتهامه بالتلاعب بالكتاب المقدس لكي يلائم مشروعًا فلسفيًا محددًا سلفًا.
وبفصله المجالين، كان سبينوزا يقول، في جوهر الأمر: “دعوا الكتاب المقدس وشأنه”. فبالنسبة إليه، لا يحتوي الكتاب المقدس على حقائق فلسفية خفية؛ وليست وظيفته تعليم الفلسفة، بل غرس الطاعة والسلوك الأخلاقي.
وقد حرر هذا الفصل الفلسفة من دورها بوصفها “خادمة” (ancilla) للاهوت. فإذا كان اللاهوت لا يدعي امتلاك حقيقة فلسفية، وكانت غايته التقوى والطاعة، فلن يعود قادرًا على الدخول في تعارض حقيقي مع الفلسفة. وبالمثل، لن يعود في الإمكان اتهام الفيلسوف بـ”تحريف” كلام الله، بعدما أعلن أصلًا أن البحث الفلسفي يعمل في مستوى مختلف تمامًا.
ليو شتراوس وعودة التستر
ظل ليو شتراوس متشككًا. فقد رأى أن “الفصل” الذي أقامه سبينوزا كان هو نفسه درعًا بلاغيًا. فمن خلال القول إن الإيمان والعقل متوافقان تحديدًا لأنهما ينتميان إلى مجالين منفصلين، استطاع سبينوزا إدخال أفكار مادية أو إلحادية جذرية مع الحفاظ ظاهريًا على احترام “التقوى الحقيقية”.
وبالنسبة إلى شتراوس، يمكن فهم حتى هذا الفصل بوصفه شكلًا من أشكال التستر، لأن مشروع سبينوزا النهائي كان يقوم على إحلال سلطة العقل السيادية محل سلطة الوحي.
(ملاحظة: تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.)