

تُظهر نظرة سريعة على المشهد الثقافي والفني المتنامي في دول الخليج الموارد الهائلة المُخصصة لمجموعة واسعة من المشاريع، التي غالبًا ما تكون فخمة ورائدة، وتهدف إلى تعزيز الفن والثقافة، على أسس قد تختلف من دولة لأخرى. ويتجلى حماس مماثل في جميع المجالات، مما يعكس رغبة مشتركة في الانفتاح والتبادل مع عالم الثقافة والفن.
لا شك أن جميع هذه المشاريع تُسهم في تعزيز نوع من "الدبلوماسية الثقافية" - إن صح التعبير - وتعزيز التأثير الثقافي لهذه الدول على الصعيد الدولي. ومع ذلك، من الخطأ اختزال الإنجازات التي تحققت بالفعل وتلك المُخطط لها إلى مجرد عملية تسويقية. فإلى جانب الحجم الهائل للمشاريع الجارية، هناك دوافع أخرى أكثر أهمية.
في المجتمعات التي تشهد تحولات عميقة، يُعدّ الفن والثقافة محركين للتحول الاجتماعي والسياسي. لكنها في الوقت نفسه وسيلة لحماية ونقل معارف البلاد وتقاليدها وإرثها الثقافي. كما أنها تُسهم بشكل كبير في تعزيز الفخر الوطني وترسيخ الشعور بالانتماء. ويدرك قادة دول الخليج هذا الأمر تمامًا. ويتجلى حرصهم على الحفاظ على هذه الهوية الثقافية وتعزيزها جليًا في جميع المشاريع المنفذة أو قيد التطوير.
وبعيدًا عن القضايا التي يمكن وصفها، على نطاق أوسع، بالجيوسياسية، يُعد الفن، في المجتمعات التي تمر بمرحلة انتقالية، حارسًا للذاكرة. كما أنه يسمح بتغيير سلس وعميق في المجتمع. إنه الخيط الذي يربط الماضي بالحاضر والمستقبل. ولتحقيق هذه الغاية، يشجع القادة المشاريع الفنية والثقافية الطليعية، مع التركيز في الوقت نفسه على الحفاظ على التراث الثقافي والتقاليد والخبرات المتوارثة وتعزيزها.
في سلسلة من المقالات المخصصة لهذا الموضوع، تناولت "ليفانت تايم" المشاريع الرئيسية التي تعكس بوضوح رغبةً في تحويل دول الخليج إلى مركز ثقافي وفني عالمي، ومكانًا للتبادل بين مختلف الفاعلين الثقافيين في مجالات متنوعة كالرسم والموسيقى والرقص والسينما والأدب. هذه المشاريع طموحة ومتعددة، لكن المخاطر كبيرة بنفس القدر.
في ظل السياق الحالي السائد في هذا الجزء من العالم وعلى الصعيد الدولي، هل ستنجح هذه المجتمعات سريعة التغير في إيجاد توازن مناسب بين التراث العربي الإسلامي من جهة، وواقع القرن الحادي والعشرين من جهة أخرى؟ هل ستتمكن من دخول عالم الغد ببراعة وبدء عصر نهضة فنية وثقافية، على غرار عصر النهضة الإيطالية مثلاً؟ هل ستنجح في تحولها دون أن تفقد هويتها وروحها على طول الطريق؟ هذه بعض الأسئلة التي ستحاول "ليفانت تايم" الإجابة عليها في سلسلة مقالاتها المخصصة للمشاريع الثقافية والفنية الكبرى في مختلف دول الخليج.
المقال التالي: دار الأوبرا السلطانية في مسقط