

منذ عقود، تميّزت إمارة الشارقة بكونها العاصمة الثقافية للعالم العربي، وهو اللقب الذي منحتها إياه منظمة اليونسكو عام 1998 اعترافاً منها بالتزام الشارقة في تشجيع الفن والثقافة والتعليم.
لقد طورت الامارة في المنطقة اطارا مميزا من اجل تحقيق هذا الهدف وذلك بفضل توجيهات الامير سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة منذ عام 1972 . أدت هذه السياسة الى تحويل الشارقة الى وجهة مهمة لعشاق الفنون من الهواة والمحترفين المحليين والعالميين على حد سواء.
ترتبط النهضة الفنية الحديثة في الشارقة ارتباطاً وثيقاً بمؤسسة الشارقة للفنون التي تأسست عام 2009 . فقد شكّلت هذه المؤسسة بادارة الشيخة حور القاسمي، منصة لدعم المبدعين المحليين والإقليميين وعززت في الوقت عينه الروابط مع الفنانين العالميين.
تنظم المؤسسة بشكل دوري معارض كبرى، وتقيم ورش عمل بالشراكة مع مؤسسات مختلفة، إضافة إلى المنح والبرامج التوجيهية من اجل تشجيع واطلاق الفنانين الشباب والنساء و كافة المبدعين الطليعيين.
من ابرز إنجازات المؤسسة تنظيم معرض Biennale de Sharjah الذي انطلق عام 1993 وقد أصبح حدثاً عالمياً يجذب آلاف الزوار. فهو يعرض أعمالاً تعكس المتغيرات الاجتماعية والفنية في العالم العربي وخارجه. ولقد جمعت نسخته الأخيرة عام 2025، التي حملت عنوان To Carry، أكثر من 200 فنان من خلفيات مختلفة طرحوا العديد من القضايا المعاصرة الملحّة واطلقوا حوارا ثقافيا عابرا للحدود.
كما أولت الشارقة اهتماماً كبيرا لترميم وحماية تراثها العمراني، فحي المريجة التاريخي مثلا يحتضن عدداً من المتاحف والمساحات الفنية داخل بيوت تراثية مرممة بعناية، مما يتيح للزائر التفاعل مع الفنون المعاصرة وسط أجواء معمارية عريقة.
في هذا السياق، لا بد من ذكر متحف الشارقة للفنون، أحد أكبر المتاحف في منطقة الخليج. يفتح المتحف أبوابه مجاناً أمام الجمهور و ينظم معارض عدة متنوعة تتراوح بين روائع الرسم العربي الكلاسيكي والتصوير الفوتوغرافي المعاصر، في إطار يهدف إلى جعل الفنون في متناول الجميع.
الى جانب هذه المؤسسات الكبرى، تضم الشارقة معالم بارزة منها مؤسسة بارجيل للفنون التي انشئت خصيصا عام 2010 من اجل عرض مجموعة التحف الفنية الخاصة بالسلطان سعود القاسمي، ومركز مرايا للفنون المتخصص بالفنون البصرية والرقمية، ومتحف الشارقة للحضارة الإسلامية الذي يسلط الضوء على الفنون الإسلامية التقليدية ويحتوي على تحف ومخطوطات نادرة.
كما تزيد من غنى المشهد الفني عشرات المعارض و دور الرسم المستقلة التي تعزز التبادل الثقافي بين الفنانين والقيّمين على المعارض من جهة و الجمهور من جهة اخرى.
تعكس وتيرة المشاريع الثقافية الناشطة في الشارقة التي تشجع على الابتكار والتجارب الفنية الرائدة، رؤية البلد الثقافية وهي جعل الفن والثقافة في متناول الجميع وبناء مجتمع منفتح ومتفاعل مع الآخرين.
في هذا الاطار، غالباً ما ترافق المبادرات الفنية الرائدة مؤتمرات وحفلات موسيقية وعروض سينمائية ومعارض ضخمة لفنانين من مختلف الجنسيات. على سبيل المثال المعرض الذي اقيم لاهم اعمال الفنان الكويتي طارق الغوصين وكذلك معرض الفنان الاماراتي حسن شريف، إضافة الى عدة معارض لمبدعين اوروبيين واميركيين واسيويين.
على الرغم من تجذّرها في التقاليد المحلية والعربية العريقة، فإن تأثير الشارقة الفني منتشر عالمياً بفضل تعاونها الوثيق مع مؤسسات ثقافية دولية، أبرزها اليونسكو، فضلاً عن مشاركة فنانين من المهجر العربي واجانب في المعارض.
تجسّد هذا التعاون جائزة اليونسكو–الشارقة للثقافة العربية، التي أُطلقت عام 1998، والتي تمنح سنوياً الى شخصيتين أو مؤسستين تميزتا في خدمة الثقافة والفنون العربية..
وقد حققت الإمارة بفضل نشاطها هذا اعترافاً دولياً واسعاً بدورها الرائد في نشر الثقافة في المنطقة، فلقد اعطي لها عام 2014 مثلا إضافة الى لقب عاصمة الثقافة العربية لقب العاصمة الإسلامية للثقافة من منظمة التعاون الإسلامي، ولقب العاصمة العالمية للكتاب لعام 2019 من اليونسكو..
لقد نجحت الشارقة من خلال برامجها الطموحة، وتمسكها بالتنوع، وشراكاتها مع الفنانين والمؤسسات العالمية في مجالي الفن والثقافة في بناء توازن دقيق بين التقاليد العريقة والحداثة، بين الشرق والغرب، فأصبحت مركزا فنيا ديناميكيا مبتكرا ورسّخت عبر السنين مكانتها الرائدةً كعاصمة للثقافة العربية على الساحة الدولية.