شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
عنصر ميليشيا تبدو عليه السعادة بعد سيطرة حزب الله على القسم الغربي من بيروت. (أ ف ب)
استراتيجيا
صورة المؤلف
بقلم خليل حلو
نُشر سبتمبر 7, 2026 - 13:10
تتيح هذه السلسلة من المقالات فهماً أعمق للوضع الراهن في ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات الحماسية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تغفل عن الحقائق. ونهجنا يترك للقارئ مسؤولية استخلاص النتائج التي تفرض نفسها. أما الأجزاء الأربعة عشر السابقة فكانت قراءة جديدة للأحداث المتعلقة بصعود حزب الله، ونزاعاته المسلحة مع إسرائيل، وهيمنته على لبنان، منذ اتفاق الطائف وصولاً إلى اتفاق الدوحة. أيار (مايو) 2008، الجبل بعد بيروت. في 7 أيار (مايو) 2008، احتل حزب الله وحلفاؤه (حركة أمل والحزب السوري القومي الاجتماعي) بالقوة العسكرية مكاتب تيار المستقبل التابع لسعد الحريري في بيروت، وجزءاً كبيراً من الأحياء السنية في العاصمة التي كانت تشكل القاعدة الشعبية لتحالف 14 آذار. سقطت مواقع تيار المستقبل بسرعة بيد المهاجمين، إذ ابتعد الجيش إلى حد كبير عن هذه المواجهات، ولم تتمكن الوساطات السياسية من وقف العملية في الوقت المناسب. وقد واجه القائد العام للجيش معضلة حقيقية: فمن جهة، كان يدرك أن تدخل الجيش بالقوة في بيئة حضرية سيكلف أرواحاً بشرية غالية، مدنية وعسكرية على حد سواء، ناهيك عن الأضرار المادية؛ ومن جهة أخرى، كان يواجه إحباط الضباط، لا سيما السنة منهم، الذين رأوا أحياء ذويهم محرومة من حماية الجيش. مقر تلفزيون "المستقبل" بعد نهبه في بيروت. (فرانس برس) كانت هيئة الأركان لا تزال تحمل في ذاكرتها معركة نهر البارد التي خاضها الجيش ضد تنظيم فتح الإسلام الإرهابي قبل عام، والتي أودت بحياة 170 عسكرياً في معارك استمرت 105 أيام في ساحة عمليات أقل تحضراً وخالية من سكانها، لا تتجاوز مساحتها كيلومتراً مربعاً واحداً. أما معركة في بيروت ذات الكثافة السكانية العالية، فكانت ستكون باهظة الثمن من حيث الأرواح البشرية، وستمتد جغرافياً لتشمل كامل الأراضي اللبنانية، ولن يكون لها نهاية، في ظل تمتع حزب الله بخطوط إمداد لوجستية مفتوحة على مصراعيها من سوريا. إلا أن الجيش وجد فرصته في الانتشار بقوة بين حزب الله وأنصار تيار المستقبل في شارع المزرعة، حيث منع بالقوة أي تحرك مسلح لعبور هذا الشارع من الجهتين، وحال دون شن أي هجوم على حي طريق الجديدة، معقل تيار المستقبل. كما شكلت القوات مربعات أمنية حول السرايا الحكومية حيث كان يتواجد رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، وحول مقر إقامة وليد جنبلاط، أحد أبرز أقطاب تحالف 14 آذار. مسلحون شيعة قرب شارع الحمرا: الشخص الذي يحمل صاروخ آر بي جي-7 المضاد للدروع يرتدي بزة قوى الأمن الداخلي… (فرانس برس) ساهمت هذه الإجراءات، إضافة إلى الاتصالات التي أجرتها عواصم خليجية، في ثني حزب الله عن مهاجمة السرايا. غير أن الحزب الشيعي أراد السيطرة على معقل الدروز في جبل لبنان. وبلغت التوترات ذروتها في 9 أيار (مايو) حين أقدم مسلحون تابعون لحزب الله على خطف عناصر من الشرطة البلدية في عاليه، ما أثار رد فعل مسلح من ميليشيا الحزب التقدمي الاشتراكي الدرزي. سرعان ما اتسعت رقعة المعارك لتشمل الشويفات وعاليه وسوق الغرب وبيصور. واستخدم الطرفان الأسلحة الثقيلة، فيما تمركز مقاتلو الحزب التقدمي الاشتراكي في التحصينات والخنادق القديمة الموروثة من الحرب الأهلية، ما مكّنهم من وقف تقدم حزب الله. وحاول الأخير احتلال التلة 888 المطلة على مطار بيروت، الواقعة بين عاليه وسوق الغرب، لكنه فشل في ذلك. في المقابل، نجح في احتلال قلعة نيحا القديمة في الشوف، بهدف تأمين خط إمداد لوجستي مباشر يربط البقاع بجنوب لبنان من دون الحاجة إلى المرور عبر الطريق الساحلي. الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط (في الواجهة، وسط الصورة) ووزير الإعلام غازي العريضي (وسط يسار الصورة) خلال مشاركتهما في تجمع شعبي في بلدة بيصور الدرزية بجبل لبنان، وذلك غداة رفع الحواجز عن طرقات العاصمة، وهو ما وضع حداً لأسبوع من الأحداث الدامية. (أ ف ب) خلال نهار الأحد 11 مايو/أيار، حاول حزب الله مهاجمة الباروك والشويفات دون جدوى، وقد كلّفه ذلك حياة 36 من مقاتليه، من بينهم قائد القوة المهاجمة في الشويفات. وفي اليوم نفسه، انتشر الجيش في المدينة وطالب الطرفين بالانسحاب. عندها سلّم الحزب التقدمي الاشتراكي مواقعه للجيش، وانسحب حزب الله حاملاً قتلاه وجرحاه. حاول مسؤولون سياسيون حلفاء لحزب الله، بطرق مباشرة وغير مباشرة، عرقلة انتشار الجيش في الشويفات، لكن دون جدوى. كان هدفهم منح حزب الله الوقت الكافي لإعادة تنظيم صفوفه واستئناف الهجوم وتحقيق نصر في المدينة، إلا أن قائد الوحدة المكلفة بالمهمة رفض الاستجابة لهذا الضغط، فجنّب المدينة مزيداً من الدمار وأراح القرى المجاورة، كفرشيما ووادي شحرور والبساتين، من ويلات القتال. ترك المسلحون على باب هذه الشقة في الشويفات رسالة واضحة تماماً... (أ ف ب) في اليوم نفسه، روّج حزب الله شائعات لا أساس لها من الصحة على الإطلاق، مفادها أن القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع تستعد لمهاجمة منزل ميشال عون، زعيم التيار الوطني الحر، في الرابية، وقرى الشيعة في قضاء جبيل. كان الهدف من هذه الشائعات توسيع رقعة النزاع المسلح لتشمل المناطق المسيحية، عبر إقحام التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية فيه. غير أن أجهزة الاستخبارات العسكرية تدخلت ووضعت حداً لهذه الشائعات. ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة انساق تيار المستقبل وحلفاؤه في تحالف 14 آذار إلى التفاوض بعد هزيمتهم في 7 مايو/أيار 2008. وفرضت قطر نفسها وسيطاً، ورعت اتفاق الدوحة (مايو/أيار 2008) الذي جاء بمثابة تسوية لصالح حزب الله وحلفائه إلى حد كبير. وأفضى هذا الاتفاق إلى انتخاب قائد الجيش، العماد ميشال سليمان، رئيساً للجمهورية، فسدّ بذلك فراغاً رئاسياً دام ستة أشهر، إذ لم يكن بمقدور أي من مرشحي تحالفي 14 و8 آذار للرئاسة تأمين أغلبية كافية من الأصوات في البرلمان. أُعيد تكليف فؤاد السنيورة برئاسة الحكومة، وبمشاركة قطرية مباشرة، شكّل حكومة وحدة وطنية. غير أن هذه الحكومة كانت محكومة سلفاً بالشلل في القرارات الكبرى، إذ ضمّت 16 وزيراً ينتمون إلى الأغلبية البرلمانية لـ14 آذار، مقابل 11 وزيراً من المعارضة المنضوية في 8 آذار، بما فيها حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر. وبذلك كان بحوزة هؤلاء الأخيرين «الثلث المعطل». تضمّن البيان الوزاري لهذه الحكومة صيغة ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة». وكانت هذه الصيغة قد بدأت مسيرتها مع إميل لحود وحسن نصر الله. فقد صرّح لحود، في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 سبتمبر/أيلول 2006، أي بُعيد حرب يوليو/تموز بين حزب الله وإسرائيل، بالحرف الواحد: «... هذه الوحشية (الإسرائيلية) لم تُضعف شعبي، ولم تنَل من عزيمته على المقاومة، ولم تؤثر في تمسكه بالدولة والجيش والمقاومة الوطنية...». وكان لحود، منذ التسعينيات، حين كان قائداً للجيش، يشدد في خطاباته على الروابط التي لا تنفصم بين الجنود النظاميين والمواطنين والمقاومة في مواجهة إسرائيل. أما حسن نصر الله، فقد أوضح في خطاباته المتعددة بعد حرب الـ33 يوماً أن لبنان لم يستطع الصمود في وجه إسرائيل إلا بفضل التنسيق التلقائي بين الجيش والمقاتلين، ودعم الشعب.
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
حين تتحوّل السرقة إلى "فجوة"
بقلم
منى فياض
نُشر

لبنان لم ينهار لخلل في الأرقام، بل لأن المعاني والقيم اختلّت. فجأة، لم تعد أموال الناس المسلوبة تُسمّى سرقة، بل "فجوة مالية". لم يعد هناك مسؤولون، بل "خسائر". ولم يعد هناك ضحايا، بل "مودعون" يُطلب منهم تفهّم الأوضاع، والمشاركة في تحمّل الكلفة. هذه ليست مجرد لغة. هذا جوهر المعركة. حين تُختزل الجريمة بمصطلح محاسبي، يصبح النقاش تقنياً بدل أن يكون أخلاقياً وقانونياً. تُسحب المسألة من ساحة العدالة إلى ساحة الإدارة، من سؤال: "من سرق؟" إلى سؤال: "كيف نوزّع الخسارة؟". وهنا، يبدأ الانزلاق الكبير: الضحايا يتحوّلون تدريجياً إلى أطراف في الحل، لا إلى أصحاب حق. ما جرى في لبنان لم يكن عاصفة مالية عابرة. كان نتيجة تآمر منظومة متكاملة: دولة استدانت بلا حدود، مصرف مركزي هندس الأوهام، ومصارف راكمت أرباحاً خيالية قبل أن تُغلق الأبواب في وجه أصحاب الأموال. ومع ذلك، تُطرح اليوم حلولاً تبدأ من جيوب الناس، لا من مكامن الخلل. تُقدَّم خطط تحت عناوين "واقعية" أو "إنقاذية"، فيما هي في جوهرها إعادة توزيع للخسارة، لا معالجة لأسبابها. يُطلب من المودعين القبول بشطب جزء من أموالهم، أو تحويلها إلى أسهم في كيانات غير واضحة القيمة. حتى الطروحات التي تبدو أقل قسوة، كفكرة إنشاء صندوق سيادي تُوضع فيه أصول الدولة، تعد خطرة، ليس من الفكرة نفسها… بل ممن يديرها. لذا تظل فكرة ملتبسة وخطيرة إذا لم تُربط بشرط بديهي: من يضمن الشفافية، ومن يحاسب؟ التناقض الاساسي، أن من يطالب بالشفافية والإصلاح القضائي، يقترح في الوقت نفسه تسليم أصول الدولة لمنظومة لم تثبت حتى الآن أي قدرة على الشفافية أو المحاسبة. بالنسبة لي، المشكلة ليست فقط في الحلول، بل في ترتيب الأولويات: هل نبدأ بالمحاسبة، أم بالقفز فوقها؟ كيف يمكن الحديث عن "حوكمة" و"إدارة رشيدة" لأصول الدولة، في بلد لم ينجح حتى الآن في إجراء أي تدقيق جدي، أو في محاسبة أي مسؤول فعلي عن الانهيار؟ كيف يمكن الوثوق بأن ما لم يُحفظ في المصارف سيُحفظ في صندوق؟ أليس في ذلك نقل للخسارة من ميزانيات المصارف إلى جسد الدولة نفسه، أي إلى المجتمع ككل؟ الأخطر من ذلك، هو القفز فوق مبدأ أساسي: لا يمكن بناء أي حل مستدام على قاعدة تجاهل المسؤوليات. هنا، لا يعود النقاش اقتصادياً فقط، بل قانونياً أيضاً. فلبنان ليس خارج العالم، وهو ملتزم باتفاقيات دولية لمكافحة الفساد، و UNCAC، التي تضع بوضوح مسألة استعادة الأموال المنهوبة والمحاسبة في صلب أي مسار إصلاحي. إذا كان هناك فساد، لا يكفي "إدارة نتائجه"، بل يجب: كشفه، ومحاسبة المسؤولين، واستعادة الأموال المنهوبة. الدول مُلزمة بالسعي لاسترجاع الأموال التي نُهبت أو حُوّلت بطرق غير شرعية. ولا يمكن القفز فوق تحديد المسؤوليات: من اتخذ القرارات؟ ومن استفاد؟ ومن غطّى؟ المطلوب الشفافية: أي إصلاح يجب أن يمرّ: بتدقيق فعلي، وقضاء مستقل، ووضوح في الأرقام. لست خبيرة مالية، لكنني أعرف أن هناك فرقاً بين معالجة الخسائر ومعالجة أسبابها. بمعنى آخر: قبل أن يُطلب من الناس أن يتحمّلوا الخسارة، يجب أن يُبذل جهد جدي لاستعادة ما تم تحويله أو الاستفادة منه بطرق غير مشروعة. وقبل إعادة هيكلة النظام المصرفي، يجب تحديد من أساء استخدامه. لكن الأخطر ربما ليس فقط في مضمون هذه الطروحات، بل في توقيتها. في لحظة حرب، وقلق وجودي، ومفاوضات مصيرية مفتوحة على احتمالات طويلة، يُعاد فتح ملف أموال المودعين. ليس لأنه الوقت المناسب، بل لأنه قد يكون مناسباً لمن يريد تمرير ما لا يحتمل نقاشه بشكل واسع. ففي لحظات الانشغال العام، تنخفض القدرة على الاعتراض، وتُختصر النقاشات، ويصبح ما كان مرفوضاً قابلاً للمرور تحت عنوان "الضرورة". القضايا الوجودية تحتاج إلى وعي عام، لا إلى تعب عام. تحتاج إلى نقاش مفتوح، لا إلى ضغط الوقت والخوف. لأن الحلول التي تُفرض في لحظات الضعف، نادراً ما تكون عادلة. هذا لا يعني أن الملف يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية. لكن الفرق كبير بين طرح قضية مصيرية في سياق نقاش وطني مفتوح، وبين إدخالها في زحمة الخوف والتعب، حيث يتحوّل الناس من مواطنين إلى متلقّين. القضايا الكبرى لا تحتاج فقط إلى حلول، بل إلى ظروف عادلة لطرحها. تحتاج إلى وعي عام، لا إلى إنهاك عام. وإلا، فإن أي حل- مهما بدا تقنياً أو متوازناً- سيحمل في داخله خلل اللحظة التي وُلد فيها. ليست المشكلة في البحث عن حلول، بل في نوع الحلول التي تُطرح، وفي ترتيب الأولويات. حين تبدأ أي خطة من شطب الحقوق بدل تثبيتها، ومن حماية المنظومة بدل مساءلتها، فهي لا تعالج الأزمة، بل تعيد إنتاجها بشكل آخر. ما يُطلب اليوم ليس معجزة مالية، بل حدّ أدنى من العدالة. وأن تُسمّى الأشياء بأسمائها. وأن تُحدَّد المسؤوليات. أن تُبذل محاولة حقيقية لاستعادة الأموال. وإلا، سنكون أمام مشهد مألوف: لغة جديدة، مصطلحات جديدة، وصيغة جديدة…لكن النتيجة نفسها. ليست "فجوة" بل قصة واضحة: أموال سُلبت، ومنظومة تحاول أن تُقنع أصحابها بأن يقبلوا الخسارة كقدر.

مالي : تشريح صراع
بقلم
LevantTime .
نُشر

تشهد مالي منذ عام 2012 أزمة متعددة الأبعاد، تمتد جذورها، بشكل لا لبس فيه، إلى الانهيار الليبي، الذي أطلق في منطقة الساحل تدفقات هائلة من الأسلحة والمقاتلين، فأعاد، بصورة مستدامة، تشكيل التوازنات الأمنية في كامل الإقليم. في ذلك العام، أعلن متمردون طوارق استقلال شمال البلاد، قبل أن يُقصَوا سريعاً على يد حلفائهم الإسلاميين المرتبطين بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وتدخّلت فرنسا عسكرياً في عام 2013 لاحتواء التقدم الجهادي، من دون أن تنجح، في أي مرحلة، في القضاء عليه نهائياً. أما العقد الذي تلا، فقد كان بالنسبة إلى مالي عقد التدهور المتواصل. فالاتفاقات السلمية التي وُقّعت في الجزائر عام 2015 بين باماكو والحركات المسلحة في الشمال لم تُنفَّذ يوماً بشكل كامل. وامتد الإرهاب تدريجياً نحو وسط البلاد وجنوبها، فيما تصاعدت وتيرة العنف بين المكونات المجتمعية. وفي عامي 2020 و2021، قاد انقلابان متتاليان إلى وصول العقيد عاصمي غويتا إلى السلطة، حيث أطلقت الطغمة العسكرية على نفسها اسم “المرحلة الانتقالية” (في انتظار العودة إلى النظام الدستوري)… غير أن المؤقت، بحكم طبيعته حين يطول، بات دائماً، إذ تمضي هذه “المرحلة الانتقالية” منذ خمس سنوات من دون أي أفق انتخابي ذي مصداقية. ظلّ بوتين على إفريقيا باشرت الطغمة العسكرية فوراً بقطع علاقاتها مع الشركاء التقليديين. فقد طُلب من فرنسا سحب قواتها. كما جرى تقليص مهمة الأمم المتحدة لحفظ السلام قبل طردها نهائياً. وفي المقابل، وصل… مجموعة فاغنر، الميليشيا الروسية الخاصة التي أُعيدت تسميتها لاحقاً “الفيلق الإفريقي”، وانتشرت على الأراضي المالية بعدة آلاف من العناصر. ثم انضمت مالي إلى بوركينا فاسو والنيجر، اللتين تخضعان أيضاً لسلطات عسكرية منبثقة عن انقلابات، لتشكيل “تحالف دول الساحل” (AES)، الذي قطع علاقاته مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، وهي المنظمة الإقليمية التي تضم خمسة عشر بلداً، واتجه نحو موسكو طلباً للدعم الأمني. ولا يمكن، بأي حال، اعتبار الوجود الروسي في مالي عملاً خيرياً في مجال الأمن. فهو يقوم على نموذج سبق أن اختُبر في إفريقيا الوسطى والسودان وليبيا، ويقضي بمقايضة الحماية العسكرية بإتاحة الوصول إلى الموارد الطبيعية. وفي الحالة المالية تحديداً، يتمثل ذلك في الذهب، حيث جرى توثيق وجود “الفيلق الإفريقي” في مواقع التعدين الحرفي الرئيسية في البلاد. وإلى جانب ذلك، تسعى موسكو إلى تحقيق أهداف أوسع، من بينها ترسيخ سردية الغرب “الاستعماري الجديد”، وضمان حلفاء داخل منظومة التصويت في الأمم المتحدة، ومراقبة التحركات العسكرية والدبلوماسية الفرنسية والأميركية في منطقة الساحل، وفتح أسواق جديدة لصناعاتها العسكرية، وغير ذلك. المغرب والجزائر يبدو الصراع المالي الحالي، في قراءة أولى، وكأنه مواجهة بين حكومة عسكرية ضعيفة مدعومة بحلفائها الروس، وبين نوعين من الخصوم المسلحين: الجماعات الجهادية المرتبطة بتنظيم القاعدة، وعلى رأسها “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (GSIM/JNIM)، التي تمثل البنية العملياتية الرئيسية في الساحل، والحركات الانفصالية في الشمال، المجمَّعة ضمن “جبهة تحرير أزواد” (FLA)، وهي الامتداد المعاد تشكيله لحركات التمرد الطوارقية لعام 2012. غير أن هذه القراءة، القائمة على توازنات القوة الفعلية، تبقى قاصرة من دون إدراج البعد الجيوسياسي الإقليمي، حيث يتقابل في الواقع مشروعان متنافسان للنفوذ: مشروع الجزائر، التي مارست طويلاً تأثيراً على الملف المالي عبر وساطاتها وشبكاتها، ومشروع المغرب، الذي بنى، بتدرج وصبر، حضوراً إفريقياً قائماً على التعاون الاقتصادي والديني والأمني. وقد جاء التحول الدبلوماسي المالي في 10 نيسان 2026 — والمتمثل في سحب الاعتراف بـ“الجمهورية الصحراوية” المدعومة من الجزائر — ليكشف هذه المنافسة بشكل فجائي وعلى الملأ. هجوم 25 نيسان في هذا السياق، جاءت هجمات 25 نيسان 2026، اليوم الذي شنّت فيه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد سلسلة من الهجمات المنسقة على باماكو وكاتي وموبتي وسيفاري وغاو وبوريم وكيدال، أي على كامل المحور الممتد من الشمال إلى الجنوب، من الصحراء الكبرى إلى العاصمة. كانت تلك عملية هجومية ذات طابع منظومي، تجاوزت خطوط الجبهة التقليدية لتصل إلى عمق الجغرافيا السياسية الإقليمية، كاشفة في الوقت ذاته عن تصدعات حاولت الدبلوماسية إخفاءها. فقد استهدفت الهجمات، في آن واحد، قلب النظام السياسي في الجنوب وقواعده العسكرية في الشمال. وتُعد سيفاري/موبتي، على سبيل المثال، المركز العصبي وعقدة الطرق الأساسية في البلاد، حيث يؤدي سقوطها إلى عزل الشمال عن الجنوب. أما غاو، عاصمة الشمال، فهي مركز عسكري رئيسي للجيش المالي وتضم جسراً استراتيجياً على نهر النيجر. وبوريم تمثل نقطة تقاطع بين غاو وتمبكتو. أما كيدال، الواقعة على بعد 1500 كيلومتر من باماكو، بالقرب من الحدود الجزائرية، فهي المعقل التاريخي للتمردات الطوارقية. أما مجرد الوصول، ولو بشكل عابر، إلى باماكو، حيث تمكن مقاتلو الجماعة الجهادية من التسلل إلى ضواحيها واحتلال محيط مطار موديبّو كيتا الدولي، فيمثل رسالة سياسية غير مسبوقة. وعليه، فإن خطورة الوضع الراهن غير مسبوقة منذ أحداث آذار 2012، عندما سيطر متمردون طوارق، سرعان ما أزاحهم حلفاؤهم الإسلاميون المرتبطون بالقاعدة، على كيدال وغاو وتمبكتو. طبيعة الهجوم بحسب الحكومة المالية، لم تكن الهجمات الجهادية تهدف فقط إلى بث الرعب، بل إلى كسر التماسك الوطني وإسقاط مؤسسات “المرحلة الانتقالية”. وكان الحدث الأكثر رمزية بلا شك مقتل وزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، إثر هجوم بسيارة مفخخة يقودها انتحاري داخل مقر إقامته في كاتي، على بعد خمسة عشر كيلومتراً فقط من العاصمة… وفي قلب أهم قاعدة عسكرية في البلاد. بعد ذلك، سقطت كيدال بالكامل تحت سيطرة جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، بعد أن أبرمت القوات الروسية التابعة للفيلق الإفريقي (الوريث المؤسسي لمجموعة فاغنر المنتشرة في مالي منذ 2021) اتفاق انسحاب، وتم إجلاؤها إلى تيساليت، فيما وقع الجنود الماليون الذين بقوا في الموقع في الأسر. وهذه النقطة الأخيرة تستحق التوقف عندها، نظراً لكونها، على الأرجح، الحدث الاستراتيجي الأثقل خلال تلك الأسبوع. ففي نوفمبر 2023، كانت السيطرة على المدينة قد قُدمت بوصفها الانتصار المؤسس لشرعية الطغمة العسكرية. وفي أقل من ثلاثين شهراً، تم محو هذا “الأسطورة التأسيسية”. وأبعد من ذلك، تكشف خسارة كيدال عن هزيمة عملياتية للنموذج الأمني الذي تبنته السلطة المالية منذ 2021، والقائم على سيادة مسلحة مدعومة بشراكة مع الفيلق الإفريقي الروسي، بديلاً عن الأطر متعددة الأطراف التي جرى التخلي عنها. غير أن هذه الشراكة، التي بنت عليها باماكو جزءاً كبيراً من شرعيتها الداخلية ومكانتها الدولية، لم تصمد أمام هجوم منسق استهدف نقطة مفصلية في الشمال. وقد جاءت حصيلة الهجوم كارثية: شلل الطرق المؤدية إلى باماكو، ووضع المدن المركزية التي تربط الشمال بالجنوب تحت السيطرة أو تحت النيران، وانتقال خط الجبهة من الشمال والوسط إلى أبواب العاصمة نفسها. تشابك الفاعلين يتضح، في أعقاب ذلك، أن التنسيق بين جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين يتجاوز بكثير السياق العسكري البحت. فالفكرة التي طالما جرى الترويج لها، والقائلة بوجود تمرد أزوادي محصور في مطالب هوياتية منفصلة عن البنى الجهادية، تبدو اليوم وقد تزعزعت بشكل عميق. إذ بات من الصعب، في المرحلة الراهنة، الفصل بين هذه الملفات. وفي الواقع، كانت المؤشرات على هذا التداخل تتراكم منذ سنوات، من دون أن تحظى بالاهتمام الكافي الذي تستحقه. الرد المغربي في هذا السياق، اتسم موقف المغرب بوضوح واتساق لافتين. فقد عبّرت وزارة الشؤون الخارجية، بقيادة ناصر بوريطة، في بيان رسمي، عن إدانتها الشديدة للهجمات الإرهابية التي شهدتها مالي، مؤكدة تضامنها الكامل مع السلطات والشعب المالي، ومقدمة تعازيها لأسر الضحايا. كما ذكّرت بأن المغرب حذّر منذ فترة طويلة من خطورة الوضع في عدد من دول الساحل، وشدد على ضرورة تعزيز قدرات حكوماتها ومؤسساتها في مواجهة التهديدات الإرهابية والانفصالية. ويندرج هذا الموقف ضمن نهج ثابت، بُني على مدى سنوات، يقوم على احترام سيادة الدول، والرفض القاطع للإرهاب، ودعم المؤسسات الوطنية في مواجهة التفكك. وهو نهج يكتسب قوة إضافية من كونه يتقاطع، في الوقت ذاته، مع المصالح الاستراتيجية الواقعية للرباط في منطقة توسع فيها نفوذها بشكل ملحوظ، بحيث إن تلاقي المبدأ مع المصلحة يمنحه، تحديداً، تلك الاستمرارية التي يعجز الحساب التكتيكي البحت عن إنتاجها. وكان مصدر دبلوماسي مغربي قد أوضح، منذ 25 نيسان، أن الرباط تابعت بقلق بالغ الهجمات الإرهابية والانفصالية التي استهدفت باماكو ومدناً أخرى، مشيراً إلى أنها طالت بشكل متعمد مناطق مدنية وعسكرية. وتعكس هذه السرعة في التفاعل مستوى التقارب الاستراتيجي الذي بلغته العلاقات بين الرباط وباماكو، والذي وصل إلى ذروة دبلوماسية بارزة قبل أسابيع قليلة فقط من وقوع الهجوم. منعطف 10 نيسان في 10 نيسان 2026، سحبت مالي رسمياً اعترافها بـ“الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، وهي الكيان الذي أعلنه “جبهة البوليساريو”، الحركة الانفصالية الصحراوية المدعومة من الجزائر منذ سبعينيات القرن الماضي، والتي حظيت تاريخياً بدعم عدد من الدول الإفريقية بوصفها ورقة ضغط على الرباط. وكانت باماكو قد حافظت على هذا الموقف لعقود طويلة. ويعكس هذا التحول الدبلوماسي رغبة السلطات الانتقالية في مالي في انتهاج سياسة خارجية مستقلة وبراغماتية، قائمة على تحالفات تمليها المصالح المتبادلة والمكاسب الملموسة. وقد كانت نتائجه فورية: إلغاء مرتقب لتأشيرة السفر الإلكترونية للمواطنين الماليين المتجهين إلى المغرب، إلى جانب مضاعفة عدد المنح الدراسية المخصصة للطلبة الماليين، لتصل إلى ثلاثمئة منحة سنوياً. ويندرج هذا التقارب ضمن سياق دولي أوسع، مدعوم بقرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025 بأغلبية أحد عشر صوتاً، والذي مدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، مع تأكيد الدعم الكامل للمسار التفاوضي القائم على مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب، فيما اختارت الجزائر، كما في العام السابق، عدم المشاركة في التصويت. انعكاسات القرار على الجزائر بالنسبة إلى الجزائر، لا يشكل التحول المالي في 10 نيسان مجرد انتكاسة دبلوماسية، بل يتجاوز ذلك بكثير. إذ أدت هذه الخطوة إلى زيادة عزلة كيان البوليساريو على الساحة الإفريقية، وإلى تكريس شراكة استراتيجية بين باماكو والرباط، ما حرم الجزائر من أحد أهم أدوات نفوذها التاريخية في منطقة الساحل. وقد جاءت هجمات 25 نيسان بعد خمسة عشر يوماً فقط من هذا التحول، في بلد كانت الشروط الموضوعية لشن هجوم واسع من قبل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد قائمة فيه بشكل مستقل عن الإيقاع الدبلوماسي. فقد كان تعطيل المحاور الطرقية في الشمال، الموثق منذ خريف 2025، يشكل بالفعل مقدمة للتصعيد. صحيح أن ردّ كل الأسباب إلى التسلسل الدبلوماسي وحده يُعد تبسيطاً مفرطاً؛ غير أن التزامن الزمني يتيح استخلاص نتيجة أكثر توازناً، مفادها أن هجمات 25 نيسان قد جرى استغلالها، وربما التعجيل بها، في سياق كان لبعض الفاعلين الإقليميين فيه دوافع حديثة وقوية لإبراز هشاشة الخيار المالي. حرب السرديات لا تقتصر هذه الأزمة على ساحة المواجهة العسكرية، بل تمتد أيضاً إلى ساحة أخرى قد تكون أكثر حساسية على المدى الطويل. إذ تتقاطع عدة مؤشرات لتشير إلى وجود هجوم معلوماتي منسق، يهدف إلى استغلال الهجمات لتقويض صورة مالي وبث الشكوك حول خياراتها الاستراتيجية. وقد تجلّى ذلك في نشاط مكثف على وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنصات شبه الإعلامية، حيث جرى تداول محتويات غير موثقة، وشائعات عن هروب مسؤولين ماليين، وأرقام مبالغ فيها للخسائر، وسيناريوهات انهيار مؤسساتي جرى تعميمها على نطاق واسع… بهدف مزدوج يتمثل في إضعاف الثقة الداخلية، وتشويه صورة البلاد خارجياً. ومن الضروري، في هذا السياق، التمييز بين الوقائع القابلة للتحقق والتفسيرات. فازدهار حملات التضليل في الساعات التي تلت الهجمات، عبر شبكات تداخلت فيها الأخبار الكاذبة مع المزايدات القومية والدعوات إلى العنف، هو أمر موثق، ويعود إلى ما قبل أحداث نيسان ضمن سياق أطول من التوترات الجزائرية المالية. أما فرضية وجود تنسيق مركزي لهذه الحملات، فهي فرضية معقولة ومنسجمة مع أنماط معروفة في ساحات تنافس إقليمي أخرى، لكنها تظل بحاجة إلى أدلة إضافية لإثباتها بشكل قاطع. غير أن منطق المصلحة لا يحتاج إلى إثبات: إذ إن زعزعة السردية المالية، في هذا التوقيت تحديداً، لا تخدم إلا الجهات التي لها مصلحة في إظهار فشل التحول الدبلوماسي في 10 نيسان. أزواد ليست الصحراء من بين المناورات الخطابية الأكثر دلالة في الأيام الأخيرة، تبرز محاولة إقامة معادلة بين قضية أزواد وقضية الصحراء المغربية. غير أن هذه المقارنة مصطنعة بالكامل، وتهدف إما إلى تقويض الموقف المغربي من خلال ربطه بعنف الساحل، أو إلى إضفاء شرعية دولية على المطالب الأزوادية، وهي شرعية نسفتها أحداث 25 نيسان بشكل واضح. فالقضية الصحراوية تندرج ضمن مسار دولي يسعى إلى حل سياسي قائم على حكم ذاتي تحت السيادة المغربية، وهو مسار يحظى بدعم متزايد. صحيح أنه لا يخلو من اعتراضات قانونية، ولا تنفرد الجزائر بطرحها، لكنه يستند إلى أرضية أممية متينة، وإلى اعتراف غربي واسع، وإلى عملية دبلوماسية نشطة. أما الوضع في شمال مالي، فينتمي إلى سياق مختلف تماماً، يتمثل في أزمة داخلية تتسم بالعنف المسلح، وبالتداخل مع البنى الجهادية، وبغياب أي مسار تفاوضي مماثل. وقد أظهرت هجمات 25 نيسان، بشكل لا لبس فيه، أن الانفصالية والإرهاب باتا، في هذا المسرح، جسداً عملياتياً واحداً. صمت تحالف دول الساحل ثمة عنصر آخر يستحق الإشارة إليه من دون مواربة. فقد التزم تحالف دول الساحل (AES)، الذي يضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر منذ عام 2023، قدراً ملحوظاً من الصمت، ولم يقدم أي دعم صريح لباماكو في لحظة الهجمات. وبحسب صحيفة Le Monde ، فإن الإدانات الأكثر وضوحاً للهجوم الجهادي على الطغمة العسكرية جاءت من خصومها على المستوى الجيوسياسي، ولا سيما من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، التي دانت بشدة هجمات 25 نيسان، ودعت إلى توحيد الجهود الإقليمية في مواجهة الإرهاب. وهكذا، فإن التضامن بين دول الساحل، الذي كثيراً ما جرى التلويح به كأساس أيديولوجي للتحالف، بدا، في اللحظة التي كان يُفترض أن يتجلى فيها، أقرب إلى خطاب منه إلى ممارسة فعلية. وهي مفارقة سيكون على الطغمة المالية، في رفضها البنيوي لإيكواس، أن تواجهها يوماً بالقدر من الوضوح الذي تفرضه عادة اللحظات القصوى. ما تكشفه الأزمة بعيداً عن الظرف الآني، تبدو الأزمة المالية أكثر من أي وقت مضى كاشفة لديناميات تنافس إقليمي، حيث تتداخل التحديات الأمنية مع الحروب المعلوماتية وصراعات النفوذ العميقة. كما تكشف حدود نموذج حكم استبدل الشراكات المستقرة بولاءات ظرفية، ليجد نفسه، في لحظة الاختبار، أكثر عزلة مما كان يتصور. وفي هذا السياق، تجد دول مثل المغرب أو الإمارات العربية المتحدة، المنخرطة في أشكال من التعاون مع باماكو، نفسها في قلب حملات تستهدف تقويض صورتها أو التشكيك في دورها… وهو ما يكشف، على وجه التحديد، عن الأهمية الاستراتيجية لهذه الشراكات في نظر من يسعون إلى مواجهتها. الدرس الذي تفرضه هذه الأيام يتعلق بطبيعة الخيار المطروح أمام دول الساحل: بين سيادة تستند إلى شراكات قائمة على الاحترام المتبادل، وعلى مكافحة صريحة للإرهاب، وعلى رؤية طويلة الأمد للتنمية الإقليمية، وبين ارتهان لمنطق التلاعب الخارجي الذي يستثمر في هشاشتها من دون أن يعالجها. لقد اختارت باماكو طريقاً يمكن مناقشة تفاصيله وحدوده، غير أن تماسكه العام يصمد أمام الفحص… وهو خيار بدا مقلقاً بما يكفي لبعض الأطراف، إلى درجة أن تزامن الأحداث في هذه الحالة يفقد كثيراً من براءته. فمالي ليست مجرد ساحة صراع، بل أيضاً مختبر جيوسياسي. وما كشفه 25 نيسان هو الحد البنيوي لهذا النموذج. أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، من دون أن يجد جواباً بعد، فهو التالي: إذا اهتزت الطغمة العسكرية على نحو دائم، فهل ستدافع موسكو عن حليفها… أم عن مناجمه؟ ذلك هو السؤال الأبدي، المؤلم، الذي يطرحه التاريخ، منذ فجر الأزمنة، على كل من يجد نفسه في آن واحد موضع أطماع وموضع هشاشة… حين تأخذه نشوة السلطة، فينسى شرطه الأول.

المفاوضات مع إسرائيل تعرض حياة عون للخطر

يبدو أن الكباش المحتدم بين رئاسة الجمهورية و«حزب الله»، وإصرار رئيس الدولة جوزيف عون على المضي في مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية واشنطن بات يشي بتهديدات جدية على حياته. هذا ما كشفت عنه الساعات الـ24 الماضية عبر مصدر غير متوقع: الاستخبارات الإسرائيلية. إذ بثّت القناة 12 الإسرائيلية تقريراً نقل محضر اجتماع للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، جاء فيه أن «تورط الرئيس اللبناني في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل من شأنه أن يعرّض حياته للخطر». وبحسب معلومات قناة الـ «أم تي في» المحلية، فإن قصر بعبدا، مقر الرئاسة، يتعامل بجدية مع هذه المعطيات. ومع ذلك، لا يبدو أن جوزيف عون في وارد التراجع عن التزامه بالسعي إلى اتفاق مع تل أبيب لإنهاء الحرب التي استدرج «حزب الله» البلاد إليها. فهل ألقت هذه المعلومات بظلالها على اللقاء الذي كان من المقرر أن يعقده رئيس الدولة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، الأربعاء في بعبدا، للبحث في آلية المفاوضات؟ في مطلع النهار، سرت معلومات عن «تردّد» لدى بري، ليتضح لاحقاً أن الأخير لن يتوجه إلى القصر الجمهوري، وذلك تحت ذريعة «التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان». وكان المسؤولون الثلاثة قد أجروا محادثات هاتفية في الليلة السابقة. لا تزال الأسباب التي أدت إلى عدم انعقاد اللقاء الثلاثي في بعبدا يوم الأربعاء، والذي أُرجئ إلى أجل غير مسمى، غامضة. فأي دور لعبته التهديدات الأمنية في ذلك؟ وهل هي السبب الحقيقي الكامن وراء ذريعة «التصعيد الإسرائيلي» التي تذرّع بها بري؟ ويبدو من الأكثر واقعية الاعتقاد بأن تردد رئيس مجلس النواب يرتبط أساساً بخشيته من الاضطرار إلى اتخاذ موقف علني من المفاوضات المباشرة، وهو ما قد يوقعه في حرج شديد. فنبيه بري، بصفته رئيساً لحركة «أمل» وحليفاً لـ«حزب الله» - وإن كان يتمايز عنه أحياناً في مواقفه – قد كشف أوراقه مسبقاً بإعلانه تأييد المفاوضات غير المباشرة بدلاً من المباشرة. عليه، فإن أي اجتماع مع رئيس الجمهورية قد يُفسَّر على أنه ابتعاد صريح عن «الحليف المسلح». ومن شأن ذلك أن يمسّ بلعبة التوازنات الدقيقة التي يتقنها «عرّاب» السياسة اللبنانية منذ بداية هذا الصراع، ولا سيما منذ انطلاق الاجتماعات التمهيدية اللبنانية-الإسرائيلية في واشنطن. عنصر آخر لافت برز هذا الأربعاء: معلومات قناة الـ «أم تي في» المحلية حول «تنسيق بين بعبدا والسفارة الأميركية بشأن اللقاء الثلاثي في القصر الرئاسي». وهي إشارة جديدة، في حال تأكدت، إلى الانخراط الأميركي في إدارة هذه المرحلة الصعبة التي يمر بها لبنان. «أنطوان لحد» من جديد من جهته، لا يزال جوزيف عون عرضة لحملة تشهير ممنهجة تُحمّله مسؤولية الفشل الذريع لوقف إطلاق النار في جنوب لبنان. يأتي ذلك في وقت كان فيه أنصار «محور الممانعة» قد نسبوا الفضل في إرساء هذا الاتفاق، في 16 نيسان الماضي، إلى إيران. ويبدو، بالنسبة إلى «حزب الله» وحلفائه، أن النجاح يُجيّر حكماً لطهران، بينما يُلقى باللوم في الفشل على عاتق الدولة اللبنانية. ولم تعد أصوات «ممانعة» تتردد في نعت المسؤولين اللبنانيين، ورئيس الجمهورية تحديداً، بـ«الخونة الذين فرطوا بالأرض للصهاينة»، وهي عبارة باتت تتردد بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي هذا السياق، عمد النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله – الذي بات بوضوح الناطق الرسمي باسم الحزب المكلّف بشنّ الهجمات ضد رئيس الدولة – يوم الأربعاء، إلى تشبيه الأخير مجدداً بأنطوان لحد، قائد «جيش لبنان الجنوبي» منذ الثمانينات وحتى انسحاب قوات الدولة العبرية عام 2000. ويحمل هذا التصريح إهانة بالغة، كونه يلمح إلى أن إسرائيل تسعى لتنصيب «دمية» لها في لبنان، في حين أن نية الرئيس والحكومة اللبنانية تتركز على إخراج البلاد من العباءة الإيرانية. وفي غضون ذلك، يواصل «حزب الله» تراجعه ميدانياً في جنوب لبنان، على الرغم من تمكّنه، ولا سيما عبر مسيّراته، من تكبيد العدو الإسرائيلي خسائر في صفوفه. ولعل الصورة الأبرز التي طبعت الساعات الـ24 الماضية، كانت الفيديو الذي نشره الجيش الإسرائيلي لعملية تفجير نفق ضخم تابع للميليشيا اللبنانية في بلدة القنطرة؛ وهو تفجيرٌ أحدث هزّة أرضية خفيفة شعر بها سكان لبنان وسجّلتها المراصد. ويبدو التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان جلياً منذ أيام، في حين لا تزال مناطق أخرى، ولا سيما بيروت، بمنأى عن الغارات منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. وقد نُفذت في الساعات الـ24 الماضية ضربات دموية بشكل خاص، أسفرت عن سقوط ثلاثة مسعفين من الدفاع المدني في منطقة صور، وعائلات بأكملها، بالإضافة إلى استشهاد جندي وشقيقه. «انتهى زمن اللين!» أما على مقلب المفاوضات الإيرانية-الأميركية، فلم تُسجل الساعات الـ24 الماضية أي خروق ملموسة. وفي المقابل، تزداد حدة تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب (الكثيرة كالعادة)، وصولاً إلى عبارته المدوية «انتهى زمن اللين!» (No more Mr. Nice Guy) التي أطلقها منتصف ظهر الأربعاء. وأمام ملك بريطانيا تشارلز الثالث، أكد ترامب أن «الولايات المتحدة قد حسمت بوضوح الحرب ضد إيران». وعبر منصته «تروث سوشيال»، نشر الرئيس الأميركي صورة له وهو يحاكي حركة إطلاق النار من بندقية، متّهماً إيران بأنها «غير قادرة على اتخاذ قرار، ولا على توقيع اتفاق غير نووي». وأضاف كاتبًا: «الأفضل لهم أن يستعيدوا رشدهم سريعاً». وقد يكمن التفسير وراء البطء الإيراني في الاستجابة للمطالب الأميركية في تقرير بالغ الأهمية نشرته وكالة «رويترز» الأربعاء؛ إذ كشف الوثيقة أن الحرس الثوري الإيراني بات هو الممسك بزمام قرارات الحرب، وأن مهمة المرشد الأعلى، مجتبى خامنئي، تقتصر فقط على المصادقة عليها. وعليه، فإن المشكلة لا تكمن فقط في غياب الموقف الموحد داخل إيران، بل في الاستحالة البنيوية للتوفيق بين المطالب الأميركية والتنازلات التي يبدي «الباسداران» استعداداً لتقديمها. ونقلت «رويترز» عن مصادر باكستانية (الوسيط الرئيسي) تأكيدها أن أي رد يصدر عن طهران يستغرق ما بين يومين وثلاثة أيام، وأن الشخصية المحورية في الوقت الراهن هي أحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري. ونقلت «رويترز» عن آلن آير، الدبلوماسي الأميركي السابق والخبير في الشؤون الإيرانية، تقديره بأن كلا الطرفين لا يرغبان فعلياً في خوض حوار حقيقي؛ إذ يخشى «الباسداران» الظهور بمظهر الضعف أمام الأميركيين، في حين تضع واشنطن نصب أعينها حسابات انتخابات منتصف الولاية. وهي معطيات تفسّر أسباب هذه «المماطلة» الحاصلة. ومع ذلك، لا تزال آفاق الحرب في إيران غير واضحة المعالم. فوفقاً لصحيفة «وول ستريت جورنال»، اجتمع الرئيس الأميركي بمسؤولي الأمن القومي لإبلاغهم بضرورة بقاء الجيش على أهبة الاستعداد لـ«حصار طويل». وبحسب الصحيفة، فقد أعرب ترامب عن استيائه من الاقتراح الإيراني السابق الهادف إلى إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، مع ترحيل المفاوضات النووية إلى وقت لاحق. إذ يعتقد الرئيس ترامب، من جهته، أنه قادر على دفع إيران إلى تعليق تخصيب اليورانيوم لمدة 20 عاماً، والقبول بقيود صارمة في مرحلة ما بعد تلك الفترة. أما في ما يخص الأهداف المتعلقة بإيران ومسار الحرب، فقد بدأت التباينات بين واشنطن وتل أبيب تخرج إلى العلن (رغم وجودها الدائم). فبينما تسعى إدارة ترامب جاهدة إلى «إركاع» النظام الإيراني، لا يزال الإسرائيليون يأملون في تحقيق «تغيير النظام». وهو ما عبّر عنه بوضوح وزير الخارجية الإسرائيلي غدعون ساعر الأربعاء بقوله: «إذا وجدنا سبيلاً لتغيير النظام في إيران، فسنتحرك». وفي غضون ذلك، تستمر حملة الاعتقالات في صفوف المعارضين داخل إيران بوتيرة متسارعة، وكأنها تأتي للتعويض عن حالة «الانسداد» التي تواجهها السلطة. ووفقاً للمفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، فقد جرى إعدام 21 شخصاً واعتقال أكثر من 4000 آخرين منذ اندلاع الصراع.

ما هي البدائل في حرب إيران؟
بقلم
خليل حلو
نُشر

يُجمع عدد كبير من المحللين الغربيّين على أن الولايات المتحدة لم تتمكن من تحقيق أهدافها في الحرب ضد إيران. وتستند هذه القراءات، بشكل أساسي، إلى الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط الذي ألقت تداعياته بظلالها على الاقتصاد العالمي، ولا سيما على أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية داخل الولايات المتحدة؛ وهو ملف يتصدر بانتظام اهتمامات الصحافة الأميركية. ويرى هؤلاء المحللون أن طهران باتت اليوم في موقع أقوى ضمن مسار المفاوضات. فأين تكمن الحقيقة وسط هذه المعطيات؟ عودة إلى الدوافع الحقيقية للحرب يجزم المحلل الجيوسياسي جورج فريدمان بعدم اقتناعه بقدرة بنيامين نتنياهو على استدراج دونالد ترامب إلى الحرب. ولا يعود ذلك، بحسب الخبير، إلى صعوبة إقناع الأخير فحسب، بل لأن البرنامج النووي الإيراني يمثل مصدر قلق للولايات المتحدة أكثر مما يمثله لإسرائيل. علاوة على ذلك، تُظهر استراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2025 (NSS 2025) أن أولويات واشنطن باتت تتركز في الداخل الأميركي وعلى مستوى القارة الأميركية؛ إذ يسعى ترامب إلى تقليص الدور الأميركي في الشرق الأوسط، تاركاً مهمة إدارة شؤون المنطقة لحلفائه من الموقعين على اتفاقات أبراهام. بيد أن إيران تظل عقبة كأداء في هذا المسار، نظراً لما تشكله ترسانتها العسكرية من تهديد وتدخلاتها المستمرة في دول المنطقة. الاستراتيجية الأميركية: إضعاف إيران يتمثل هدف واشنطن، إذاً، في إضعاف إيران والميليشيات الموالية لها. ومع سقوط نظام البعث في سوريا، وانحسار قوة حزب الله وحركة حماس، وصولاً إلى الضربات الأميركية - البريطانية ضد الحوثيين بين آذار وأيار 2025، فقدَ نظام الملالي الكثير من قدراته على الهيمنة. ولاحقاً، أدت ضربات حزيران 2025 ضد الداخل الإيراني إلى تدمير دفاعاته الجوية، وإلحاق أضرار جسيمة ببرنامجه النووي وبقدراته على إنتاج الصواريخ. ومع توقف تلك الضربات، سارع الإيرانيون على مدى ثمانية أشهر إلى استنفار إمكاناتهم، ونجحوا في ترميم جانب من تلك الأضرار. إلا أن الحرب الراهنة حرمت الجمهورية الإسلامية من جزء كبير من ترسانتها، وقيدت قدرتها على دعم حلفائها الإقليميين. وفي ظل اقتصاد إيراني يترنح تحت الركام، فإن المعضلة الحقيقية لنظام الملالي ستبرز إذا ما أفضت المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران إلى اتفاق لا يتضمن رفعاً للعقوبات. تطول قائمة الناقمين في الداخل الإيراني، وفي مقدمهم الأقليات المهمشة (الأكراد، الآذريون، البلوش، التركمان...)، إلى جانب التجار، والطلاب، والنساء، والبراغماتيين؛ وربما يمتد الاستياء إلى الارتش (الجيش الإيراني) الذي يرى أن الحرس الثوري يحظى دائماً بالأولوية على حسابه. ومع ذلك، يظل عامل الوقت اللازم لتغيير سلوك طهران أو نظامها أمراً مجهولاً. فالضربات الجوية لم تثنِ طهران، التي لا تزال تحتفظ بقدرات غير متماثلة كافية لتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وإرباك الاقتصاد العالمي، وشن هجمات ضد دول المنطقة. علاوة على ذلك، لا تزال لدى حماس وحزب الله القدرة والإرادة لإعادة ترتيب صفوفهما مع مرور الوقت. وفي حين لا تزال عملية السلام في غزة هشّة، فإن المسار التفاوضي اللبناني لا يزال في بداياته. وخلاصة القول، إن تحقيق الأهداف الأميركية في الشرق الأوسط قد أحرز تقدماً، لكنه يظل منقوصاً؛ بيد أن لدى واشنطن اليوم أولويات أكثر إلحاحاً. البرنامج النووي الإيراني: تهديد حقيقي بعد ضربات حزيران 2025، تعرّض البرنامج النووي الإيراني لأضرار جسيمة. ومع ذلك، كانت طهران تملك القدرة على إعادة تنشيطه، نظراً لاستمرار حيازتها 430 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة يمكن رفعها بسهولة إلى 90%. كما أن أجهزة الطرد المركزي اللازمة لهذا الغرض ظلت سليمة داخل مصانع الإنتاج، إذ لم تكن قد وُزعت بعد في المواقع النووية التي طالها القصف، فضلاً عن أن الجامعات الإيرانية واصلت نقل المعرفة التقنية والخبرات اللازمة في هذا المجال. وخلاصة القول، كان بإمكان إيران، في غضون سنوات قليلة، استعادة قدراتها وحيازة سلاح نووي. ومع اندلاع الحرب الراهنة، لا شك في أن الأضرار التي لحقت بهذا البرنامج باتت أكثر جسامة، غير أنه لا تتوفر حتى الساعة أي تقييمات موثوقة في هذا الشأن. وتسعى الولايات المتحدة بكل قوتها إلى منع إيران من إعادة تنشيط برنامجها النووي، ليس خوفاً من امتلاك الجمهورية الإسلامية صواريخ مزودة برؤوس نووية – وهو أمر لا يقلق واشنطن بالقدر نفسه – بل بسبب صلات نظام الملالي بتنظيم القاعدة، المسؤول عن هجمات 11 أيلول 2001، والذي استضافت إيران قادته على أراضيها. فالمسؤولون الأمنيون في الولايات المتحدة يخشون تحديداً تكرار سيناريو «11 أيلول نووي»؛ حيث يتم تسليم قنبلة ذرية إيرانية صغيرة الحجم إلى تنظيم القاعدة، تُخبأ ضمن شحنة تجارية وتُرسل إلى ميناء نيويورك مثلاً، لتخلف كارثة تحصد أرواح مئات الآلاف. وهذا السيناريو ليس من قبيل الخيال، خصوصاً أن القاعدة سبق أن ضربت العمق الأميركي ودولاً أخرى. وبالمثل، فإن «أذرع إيران الطولى»، المسؤولة عن هجمات سابقة في الأرجنتين ودول الخليج وبلغاريا، قادرة بدورها على تنفيذ مخطط مماثل. كيف ستنتهي هذه الحرب؟ في المحصلة، لا يزال النظام الإيراني صامداً، ولم يطرأ أي تغيير على سلوكه. وعلى الرغم من تراجع قدراته النووية وترسانته من الصواريخ والطائرات المسيّرة بشكل ملحوظ، إلا أنها تظل واقعاً قائماً. وفيما لا يزال الحرس الثوري يغلق مضيق هرمز، تفرض البحرية الأميركية حصاراً بحرياً، في وقت تتصاعد فيه العقوبات ضد الجمهورية الإسلامية (بما في ذلك العقوبات الأوروبية). ومع ترنّح الاقتصاد الإيراني تحت الركام، تراوح مفاوضات إسلام آباد مكانها، لتبقى الحرب فصلاً لم يكتمل بعد. لا يمكن للجمهورية الإسلامية أن تدعي تحقيق «نصر بيري» (نصر مكلف يعادل الهزيمة)، إلا أمام أنصارها السذج والمؤدلجين. وفي المقابل، يظل انتصار الولايات المتحدة عبر الضربات الجوية وحدها أمراً بعيد المنال. ومع أن خيار العملية البرية الأميركية لا يزال قائماً، إلا أن ترامب لا يبدو ميالاً لخوضها نظراً لتكلفتها الباهظة. ومع تزايد الضغوط على الرئيس الأميركي بسبب الأثمان التي تفرضها الحرب على الاقتصاد العالمي، يبدو أن عامل الوقت لا يصب في مصلحته. صحيح أن إيران تعيش حالة اختناق، وأن الوقت لا يخدمها بتاتاً، إلا أن ذلك لا يمنعها من الرهان على هذا العامل بالذات للتلاعب بالرأي العام الأميركي ضد ترامب، تماماً كما فعل الشيوعيون إبان حرب فيتنام مع الرئيسين جونسون ونيكسون. لكن الفارق الجوهري يكمن في أن الخسائر البشرية الأميركية في هذه الحرب لا تزال طفيفة مقارنة بحروب فيتنام والعراق وأفغانستان. وفي المقابل، فإن النجاحات العسكرية التي حققها البنتاغون تفوق بأشواط ما تحقق في تلك الحروب. وإذا ما استمرت إيران في المراهنة على كسب الوقت، فإن شن عملية برية أميركية خاطفة وواسعة النطاق ضد أهداف محددة في الداخل الإيراني يظل خياراً غير مستبعد، وإن كان مكلفاً.

الكورار والدولة
بقلم
جواد بقرادوني
نُشر

تبدو المسألة الفلسفية حول مَن سبق الآخر، البيضة أم الدجاجة ، بسيطةً للغاية أمام الإشكالية التي تواجهها البلاد اليوم: معاهدة (سلام) يرهن توقيعها بنزع سلاح حزب الله. هذا الشرط، الذي قررته حكومتنا، وفرضه الإسرائيليون، وتمنّته الأغلبية المتزايدة من الشعب اللبناني، لا يمكنه أن يتحقق في إطار زمني محدد. فمهما كانت الوسيلة، سواء عبر الجيش اللبناني أو قصف مواقع الحزب، لا تزال الترسانة الميليشياوية تعمل بكامل جاهزيتها. لا تكمن المشكلة في مجرد وجود السلاح فحسب، بل في تغلغل الميليشيا داخل مفاصل معينة من أجهزة الدولة. فهذه الميليشيا تشلّ أي إجراء يُتخذ ضدها، بل والأسوأ من ذلك، أنه يثير اضطرابات داخلية، ويجعل شبح التمرد يخيم فوق سفينة تائهة بدأت فعلياً بالغرق. سواء تمثّل الأمر في مدّعٍ عام سابق يُحبط مسار تحقيق ما، أو في قاضٍ يكتفي بفرض غرامة بسيطة على أفعال جرمية، أو في كبار ضباطٍ متغلغلين في صفوف الجيش يعملون بصفة مخبرين، أو في جنرال في جهاز أمني يطلق أسراباً أمنية ضد المدنيين؛ فإن الأمثلة تكاد لا تُحصى، وهي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن حزب الله قد تغلغل في مستويات عديدة. فعندما يُحقن “الكورار” (أو سَمُّ السهام) في الجسد، ترتخي الأعضاء والعضلات كافة، بما في ذلك الجهاز التنفسي، وصولاً إلى مرحلة الاختناق. عندها، إما أن يُعطى المريض ترياقاً، أو يتم استئصال السم عبر عملية «تطهير». “التطهير”. مصطلح ذو دلالة سلبية يستحضر إلى الذاكرة الحقبة السوفياتية. ولكن للأسف، «آخر الدواء الكي». إن إجراء عملية«تطهير» في بنية الدولة، ولو على مستوى بعض المراكز الحساسة، يشكل بداية لحلّ قابل للحياة، حلّ داخلي غير مستورد، على عكس الاستقواء بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. إن كفّ يد كبار الموظفين، عسكريين ومدنيين، بل وملاحقة أولئك الذين عرقلوا مسار العدالة أو استغلوا المرافق العامة لتأجيج التوترات الداخلية – ملوّحين بذلك بخطر الحرب الأهلية – قد أضحى أمراً ملحّاً. وستكون هذه، على الأرجح، الخطوة الأولى، إن لم تكن الوحيدة، الكفيلة بمنح الدولة مصداقية في عيون المجتمع الدولي. وهذه المصداقية هي التي ستشكل رافعة للمطالبة بمساعدات تهدف إلى تعزيز سيادة السلطة العامة الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية. سيتذرع حلفاء حزب الله وأتباعه بضرورة تغليب الحوار كحل وحيد للمعضلة. لكن التجارب الماضية أثبتت أن طاولات “الحوار الوطني” المتعاقبة لم تكن سوى وسيلة لترسيخ هيمنة الحزب على مفاصل الدولة. «يمكنك الحصول على الكثير عبر كلمة طيبة ومسدس، أكثر بكثير مما قد تحصل عليه بكلمة طيبة وحدها». كان صاحب هذه المقولة محقاً تماماً، بل وقد جعل منها عقيدته الراسخة. لم يكن صاحبها سوى آل كابوني. إحالات على التقاعد المبكر، توقيفات فورية عن العمل، أو قرارات صرف؛ لا يهم المصطلح المستخدم، بل ما يهم هو إعادة هيكلة حقيقية لأجهزة الدولة، مهما علا شأن المنصب أو الرتبة. فمتى استُؤصل السّم من الجسد، تمكّنت الأعضاء والمفاصل من استعادة حركتها من جديد. المهمة ليست سهلة بالتأكيد. ولكن، إذا كان الرئيس عون والرئيس سلام يرغبان حقاً في منع مركب لبنان من الانقلاب وإعادته إلى بر الأمان، دون الاضطرار إلى الاستعانة بـ”قراصنة” أو طلب نجدة خارجية، فربما يكون هذا هو الحل الوحيد. من المؤكد أن أطرافاً سياسية نافذة ستزرع طريقهم بالألغام لعرقلة أي إمكانية لنزع السلاح، وبالطبع، لمنع توقيع أي اتفاق من أي نوع مع إسرائيل. لكن تأتي لحظة يصبح فيها الاختيار بين إنقاذ الوطن وحماية المصالح الخاصة أمراً لا يحتمل الجدل. إنها عملية أشبه بتنظيف “إصطبلات أوجياس” بنسخة سياسية، وهي مهمة أشقّ بكثير من «أعمال هرقل»، لكنها ضرورية لكي يتمكن «فينيق» لبنان من جمع رماده والإشراق من جديد.

الشرخ السياسي في لبنان يتفاقم إثر حرب السجالات بين عون وقاسم

لا تزال أصداء المواقف المتعارضة جذرياً، والتي صدرت بالأمس عن كل من رئيس الجمهورية جوزيف عون والأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، ترخي بظلالها الثقيلة على المشهد اللبناني اليوم الثلاثاء ٢٨ نيسان. وجاء كلام الرئيس عون في جوهره رداً مباشراً على مواقف قاسم؛ حيث اعتبر عون أن تهمة «الخيانة» التي يروج لها المعسكر الموالي لإيران ضده – منذ انطلاق المفاوضات المباشرة مع إسرائيل لإنهاء الحرب التي أشعلها الحزب في جنوب لبنان – يجب أن تُوجَّه في الواقع إلى أولئك الذين استدرجوا البلاد إلى دوامة الدمار والعنف. وكما كان متوقعاً، فإن الرد غير المسبوق لرئيس جمهورية على قائد ميليشيا كانت، حتى نهاية العام 2024، تفرض سيطرة تامة على مفاصل الدولة اللبنانية، أدى إلى انقسام البلاد وفق الاصطفافات السياسية المعروفة. ولا يزال جوزيف عون يتعرض لهجمات عنيفة من جمهور «حزب الله» عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومن قبل بعض الشخصيات السياسية كالنائب علي عمار، الذي اتهمه بـ«بيع البلاد للصهاينة». وفي سياق تثبيت موقف الحزب، أكد مسؤول فيه – نقلاً عن قناة «الجزيرة» القطرية ليل الإثنين – الاستعداد للعودة إلى تنفيذ العمليات الانتحارية ضد الجيش الإسرائيلي. في المقابل، يتلقى الرئيس رسائل دعم واسعة، ليس فقط من القاعدة الشعبية المؤيدة لنهجه، بل أيضاً من خلال مواقف معلنة لشخصيات سياسية بارزة، كالرئيس السابق ميشال سليمان ونائب بيروت فؤاد مخزومي. وفي المحصلة، يبدو «حزب الله» معزولاً بشكل متزايد على الساحة الداخلية. أما على الصعيد الدولي، فقد استقطبت مواقف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الاهتمام؛ إذ شدد على النمط «غير المسبوق» لاتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، معتبراً أن الدولتين «ليستا في حالة حرب». ورأى روبيو أن «حزب الله» لا يخوض حرباً ضد إسرائيل فحسب، بل ضد الدولة اللبنانية أيضاً، مشيراً إلى توافق الجانبين على دور للمؤسسة العسكرية يتيح لها تجريد الحزب من سلاحه، معتبراً في الوقت عينه أن للجيش الإسرائيلي الحق في التدخل حيثما تعجز السلطات اللبنانية عن القيام بذلك. من جهة أخرى، أكد الوزير الأميركي أن إسرائيل ليست لديها أطماع ترابية في لبنان، وهو ما كرر تأكيده نظيره الإسرائيلي غدعون ساعر في وقت لاحق من يوم الثلاثاء. وإذا كان المسؤول الأميركي يبدو داعماً للسلطات اللبنانية في كباشها مع «حزب الله»، إلا أنه يستغل أيضاً الانقسامات اللبنانية التي خرجت الآن إلى العلن. وبلا شك، يمر لبنان بمرحلة دقيقة من تاريخه، حيث يتحول الانقسام السياسي إلى عداء حقيقي في خضم حرب إقليمية مستعرة. فإلى أين سيؤدي ذلك بالبلاد؟ ترامب قد يكون رفض توسيع العمليات في لبنان ميدانياً، لا تزال الجبهة الجنوبية تشتعل؛ ففي حين يقرّ الإسرائيليون بتكبد خسائر بشرية، يواصل «حزب الله» عملياته العسكرية دون الإفصاح عن حصيلة خسائره في الأرواح. ويبدو أن مفاعيل وقف إطلاق النار تقتصر على المناطق الواقعة خارج نطاق الجنوب. وفي تطور خطير يوم الثلاثاء، وجّه الجيش الإسرائيلي إنذارات بإخلاء قرى عدة في قضاء بنت جبيل، كانت حتى اللحظة خارج ما يُعرف بـ «الخط الأصفر». وتتواصل التهديدات الإسرائيلية ضد «حزب الله»، ولا سيما تلك التي أطلقها، أمس، وزير الدفاع إسرائيل كاتس، محذراً من أن مواقف قاسم ستؤدي إلى «إحراق» لبنان بأسره. وتثير هذه التصريحات مخاوف جدية من توسع رقعة النزاع لتشمل مختلف المناطق اللبنانية. بيد أن ذلك قد لا يعكس حقيقة الواقع. فوفقاً لمعلومات أوردتها القناة 12 الإسرائيلية، وتداولتها وسائل الإعلام المحلية على نطاق واسع، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يكون قد رفض، في اتصال مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، توسيع نطاق العمليات الإسرائيلية في لبنان، داعياً إياه إلى ضبط النفس. كما طالبه بعدم تقويض اتفاق وقف إطلاق النار، وبالتالي المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل. ويُعد ذلك دليلاً إضافياً على أن الرئيس الأميركي، المدرك للتوازنات الهشة على الساحة اللبنانية، لا يزال حريصاً على تحقيق نجاح سريع على هذا الصعيد. فهل سيلتزم الإسرائيليون بما يشبه «الضوء الأحمر» الأميركي هذا، أم أن التصعيد الميداني – الذي قد يصب أيضاً في مصلحة «حزب الله» – سيُستخدم مجدداً كذريعة لعدم الامتثال؟ «الورقة الإيرانية» تحت المجهر أما على صعيد المفاوضات الأميركية-الإيرانية، فيبرز التطور الأساسي في اليومين الماضيين في «الورقة الإيرانية» التي سلمها وزير الخارجية عباس عراقجي للسلطات الأميركية، وذلك خلال جولته التي شملت سلطنة عُمان وباكستان وصولاً إلى موسكو. وبحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن مسؤولين مطلعين على الملف، فإن المقترح الإيراني «يهدف إلى كسر الجمود في المفاوضات». وتتضمن الورقة «خطة سلام من ثلاث مراحل، تبدأ بإنهاء الحرب الإسرائيلية-الأميركية على إيران، مع تقديم ضمانات بعدم استئناف الهجمات، على أن تعمل السلطات الإيرانية لاحقاً مع وسطاء لتسوية قضية إغلاق مضيق هرمز، وصولاً إلى اتفاق نهائي بشأن هذه المسألة». ودائماً وفقاً للصحيفة، يقترح الإيرانيون عدم العودة إلى طاولة المفاوضات بشأن الملف النووي وتمويل أذرع طهران العسكرية في المنطقة، إلا بعد الاتفاق على إنهاء القتال وحسم ملف المضيق، الذي لا يزالون يتمسكون بالسيطرة عليه. ويُشار إلى أن هذا المقترح نُقل إلى الأميركيين تزامناً مع وجود عراقجي في روسيا واستقباله من قبل الرئيس فلاديمير بوتين، وفي وقت حمّل فيه الولايات المتحدة «مسؤولية فشل المفاوضات حتى الآن»، مؤكداً أن النظام الإيراني أثبت «صلابته». وذلك في وقتٍ تستمر فيه التباينات الإيرانية الداخلية بالخروج إلى العلن عبر تسريبات إعلامية. وفي وقت لاحق من يوم الثلاثاء (ليل الولايات المتحدة)، أوردت صحيفة «وول ستريت جورنال» أنباءً تفيد بـ«استياء» دونالد ترامب من المقترحات الإيرانية. ونقلت الصحيفة عن مصادرها أن «الرئيس الأميركي يرفض هذه المقترحات حتى الساعة»، مشيرةً في الوقت عينه إلى أن «المفاوضات لا تزال مستمرة، مع العلم أن ترامب لا يستبعد استئناف عمليات القصف ضد إيران إذا لمس عدم جدية من الجانب الإيراني في المحادثات». وأضافت المصادر ناقلةً عن لسان ترامب: «سنقدم مقترحاً مضاداً خلال الأيام المقبلة». وفي السياق ذاته، أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن الرئيس الأميركي يرى أن المقترح الإيراني لا يراعي موازين القوى الراهنة، ويخلو من أي تنازلات جوهرية، لا سيما في ملف النووي الذي يظل مسألة «أساسية» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. فهل ستستمر المفاوضات الأميركية-الإيرانية بهذا الإيقاع البطيء، في وقت لا يزال فيه إغلاق مضيق هرمز يلقي بظلاله على الاقتصاد العالمي والأسعار؟ أم أننا أمام جولة جديدة من القتال؟ في كلتا الحالتين، تبدو دول الخليج متوجسة، تماماً كما عكسه التحذير القطري يوم الثلاثاء من مغبة استمرار هذا الصراع البارد والمستتر.