

يُجمع عدد كبير من المحللين الغربيّين على أن الولايات المتحدة لم تتمكن من تحقيق أهدافها في الحرب ضد إيران. وتستند هذه القراءات، بشكل أساسي، إلى الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط الذي ألقت تداعياته بظلالها على الاقتصاد العالمي، ولا سيما على أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية داخل الولايات المتحدة؛ وهو ملف يتصدر بانتظام اهتمامات الصحافة الأميركية. ويرى هؤلاء المحللون أن طهران باتت اليوم في موقع أقوى ضمن مسار المفاوضات. فأين تكمن الحقيقة وسط هذه المعطيات؟
عودة إلى الدوافع الحقيقية للحرب
يجزم المحلل الجيوسياسي جورج فريدمان بعدم اقتناعه بقدرة بنيامين نتنياهو على استدراج دونالد ترامب إلى الحرب. ولا يعود ذلك، بحسب الخبير، إلى صعوبة إقناع الأخير فحسب، بل لأن البرنامج النووي الإيراني يمثل مصدر قلق للولايات المتحدة أكثر مما يمثله لإسرائيل.
علاوة على ذلك، تُظهر استراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2025 (NSS 2025) أن أولويات واشنطن باتت تتركز في الداخل الأميركي وعلى مستوى القارة الأميركية؛ إذ يسعى ترامب إلى تقليص الدور الأميركي في الشرق الأوسط، تاركاً مهمة إدارة شؤون المنطقة لحلفائه من الموقعين على اتفاقات أبراهام. بيد أن إيران تظل عقبة كأداء في هذا المسار، نظراً لما تشكله ترسانتها العسكرية من تهديد وتدخلاتها المستمرة في دول المنطقة.
الاستراتيجية الأميركية: إضعاف إيران
يتمثل هدف واشنطن، إذاً، في إضعاف إيران والميليشيات الموالية لها. ومع سقوط نظام البعث في سوريا، وانحسار قوة حزب الله وحركة حماس، وصولاً إلى الضربات الأميركية - البريطانية ضد الحوثيين بين آذار وأيار 2025، فقدَ نظام الملالي الكثير من قدراته على الهيمنة. ولاحقاً، أدت ضربات حزيران 2025 ضد الداخل الإيراني إلى تدمير دفاعاته الجوية، وإلحاق أضرار جسيمة ببرنامجه النووي وبقدراته على إنتاج الصواريخ. ومع توقف تلك الضربات، سارع الإيرانيون على مدى ثمانية أشهر إلى استنفار إمكاناتهم، ونجحوا في ترميم جانب من تلك الأضرار.
إلا أن الحرب الراهنة حرمت الجمهورية الإسلامية من جزء كبير من ترسانتها، وقيدت قدرتها على دعم حلفائها الإقليميين. وفي ظل اقتصاد إيراني يترنح تحت الركام، فإن المعضلة الحقيقية لنظام الملالي ستبرز إذا ما أفضت المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران إلى اتفاق لا يتضمن رفعاً للعقوبات.
تطول قائمة الناقمين في الداخل الإيراني، وفي مقدمهم الأقليات المهمشة (الأكراد، الآذريون، البلوش، التركمان...)، إلى جانب التجار، والطلاب، والنساء، والبراغماتيين؛ وربما يمتد الاستياء إلى الارتش (الجيش الإيراني) الذي يرى أن الحرس الثوري يحظى دائماً بالأولوية على حسابه.
ومع ذلك، يظل عامل الوقت اللازم لتغيير سلوك طهران أو نظامها أمراً مجهولاً. فالضربات الجوية لم تثنِ طهران، التي لا تزال تحتفظ بقدرات غير متماثلة كافية لتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وإرباك الاقتصاد العالمي، وشن هجمات ضد دول المنطقة. علاوة على ذلك، لا تزال لدى حماس وحزب الله القدرة والإرادة لإعادة ترتيب صفوفهما مع مرور الوقت. وفي حين لا تزال عملية السلام في غزة هشّة، فإن المسار التفاوضي اللبناني لا يزال في بداياته. وخلاصة القول، إن تحقيق الأهداف الأميركية في الشرق الأوسط قد أحرز تقدماً، لكنه يظل منقوصاً؛ بيد أن لدى واشنطن اليوم أولويات أكثر إلحاحاً.
البرنامج النووي الإيراني: تهديد حقيقي
بعد ضربات حزيران 2025، تعرّض البرنامج النووي الإيراني لأضرار جسيمة. ومع ذلك، كانت طهران تملك القدرة على إعادة تنشيطه، نظراً لاستمرار حيازتها 430 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة يمكن رفعها بسهولة إلى 90%. كما أن أجهزة الطرد المركزي اللازمة لهذا الغرض ظلت سليمة داخل مصانع الإنتاج، إذ لم تكن قد وُزعت بعد في المواقع النووية التي طالها القصف، فضلاً عن أن الجامعات الإيرانية واصلت نقل المعرفة التقنية والخبرات اللازمة في هذا المجال. وخلاصة القول، كان بإمكان إيران، في غضون سنوات قليلة، استعادة قدراتها وحيازة سلاح نووي.
ومع اندلاع الحرب الراهنة، لا شك في أن الأضرار التي لحقت بهذا البرنامج باتت أكثر جسامة، غير أنه لا تتوفر حتى الساعة أي تقييمات موثوقة في هذا الشأن. وتسعى الولايات المتحدة بكل قوتها إلى منع إيران من إعادة تنشيط برنامجها النووي، ليس خوفاً من امتلاك الجمهورية الإسلامية صواريخ مزودة برؤوس نووية – وهو أمر لا يقلق واشنطن بالقدر نفسه – بل بسبب صلات نظام الملالي بتنظيم القاعدة، المسؤول عن هجمات 11 أيلول 2001، والذي استضافت إيران قادته على أراضيها. فالمسؤولون الأمنيون في الولايات المتحدة يخشون تحديداً تكرار سيناريو «11 أيلول نووي»؛ حيث يتم تسليم قنبلة ذرية إيرانية صغيرة الحجم إلى تنظيم القاعدة، تُخبأ ضمن شحنة تجارية وتُرسل إلى ميناء نيويورك مثلاً، لتخلف كارثة تحصد أرواح مئات الآلاف. وهذا السيناريو ليس من قبيل الخيال، خصوصاً أن القاعدة سبق أن ضربت العمق الأميركي ودولاً أخرى. وبالمثل، فإن «أذرع إيران الطولى»، المسؤولة عن هجمات سابقة في الأرجنتين ودول الخليج وبلغاريا، قادرة بدورها على تنفيذ مخطط مماثل.
كيف ستنتهي هذه الحرب؟
في المحصلة، لا يزال النظام الإيراني صامداً، ولم يطرأ أي تغيير على سلوكه. وعلى الرغم من تراجع قدراته النووية وترسانته من الصواريخ والطائرات المسيّرة بشكل ملحوظ، إلا أنها تظل واقعاً قائماً. وفيما لا يزال الحرس الثوري يغلق مضيق هرمز، تفرض البحرية الأميركية حصاراً بحرياً، في وقت تتصاعد فيه العقوبات ضد الجمهورية الإسلامية (بما في ذلك العقوبات الأوروبية). ومع ترنّح الاقتصاد الإيراني تحت الركام، تراوح مفاوضات إسلام آباد مكانها، لتبقى الحرب فصلاً لم يكتمل بعد.
لا يمكن للجمهورية الإسلامية أن تدعي تحقيق «نصر بيري» (نصر مكلف يعادل الهزيمة)، إلا أمام أنصارها السذج والمؤدلجين. وفي المقابل، يظل انتصار الولايات المتحدة عبر الضربات الجوية وحدها أمراً بعيد المنال. ومع أن خيار العملية البرية الأميركية لا يزال قائماً، إلا أن ترامب لا يبدو ميالاً لخوضها نظراً لتكلفتها الباهظة. ومع تزايد الضغوط على الرئيس الأميركي بسبب الأثمان التي تفرضها الحرب على الاقتصاد العالمي، يبدو أن عامل الوقت لا يصب في مصلحته. صحيح أن إيران تعيش حالة اختناق، وأن الوقت لا يخدمها بتاتاً، إلا أن ذلك لا يمنعها من الرهان على هذا العامل بالذات للتلاعب بالرأي العام الأميركي ضد ترامب، تماماً كما فعل الشيوعيون إبان حرب فيتنام مع الرئيسين جونسون ونيكسون. لكن الفارق الجوهري يكمن في أن الخسائر البشرية الأميركية في هذه الحرب لا تزال طفيفة مقارنة بحروب فيتنام والعراق وأفغانستان. وفي المقابل، فإن النجاحات العسكرية التي حققها البنتاغون تفوق بأشواط ما تحقق في تلك الحروب. وإذا ما استمرت إيران في المراهنة على كسب الوقت، فإن شن عملية برية أميركية خاطفة وواسعة النطاق ضد أهداف محددة في الداخل الإيراني يظل خياراً غير مستبعد، وإن كان مكلفاً.