


لا تزال أصداء المواقف المتعارضة جذرياً، والتي صدرت بالأمس عن كل من رئيس الجمهورية جوزيف عون والأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، ترخي بظلالها الثقيلة على المشهد اللبناني اليوم الثلاثاء ٢٨ نيسان. وجاء كلام الرئيس عون في جوهره رداً مباشراً على مواقف قاسم؛ حيث اعتبر عون أن تهمة «الخيانة» التي يروج لها المعسكر الموالي لإيران ضده – منذ انطلاق المفاوضات المباشرة مع إسرائيل لإنهاء الحرب التي أشعلها الحزب في جنوب لبنان – يجب أن تُوجَّه في الواقع إلى أولئك الذين استدرجوا البلاد إلى دوامة الدمار والعنف.
وكما كان متوقعاً، فإن الرد غير المسبوق لرئيس جمهورية على قائد ميليشيا كانت، حتى نهاية العام 2024، تفرض سيطرة تامة على مفاصل الدولة اللبنانية، أدى إلى انقسام البلاد وفق الاصطفافات السياسية المعروفة.
ولا يزال جوزيف عون يتعرض لهجمات عنيفة من جمهور «حزب الله» عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومن قبل بعض الشخصيات السياسية كالنائب علي عمار، الذي اتهمه بـ«بيع البلاد للصهاينة». وفي سياق تثبيت موقف الحزب، أكد مسؤول فيه – نقلاً عن قناة «الجزيرة» القطرية ليل الإثنين – الاستعداد للعودة إلى تنفيذ العمليات الانتحارية ضد الجيش الإسرائيلي.
في المقابل، يتلقى الرئيس رسائل دعم واسعة، ليس فقط من القاعدة الشعبية المؤيدة لنهجه، بل أيضاً من خلال مواقف معلنة لشخصيات سياسية بارزة، كالرئيس السابق ميشال سليمان ونائب بيروت فؤاد مخزومي. وفي المحصلة، يبدو «حزب الله» معزولاً بشكل متزايد على الساحة الداخلية.
أما على الصعيد الدولي، فقد استقطبت مواقف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الاهتمام؛ إذ شدد على النمط «غير المسبوق» لاتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، معتبراً أن الدولتين «ليستا في حالة حرب». ورأى روبيو أن «حزب الله» لا يخوض حرباً ضد إسرائيل فحسب، بل ضد الدولة اللبنانية أيضاً، مشيراً إلى توافق الجانبين على دور للمؤسسة العسكرية يتيح لها تجريد الحزب من سلاحه، معتبراً في الوقت عينه أن للجيش الإسرائيلي الحق في التدخل حيثما تعجز السلطات اللبنانية عن القيام بذلك.
من جهة أخرى، أكد الوزير الأميركي أن إسرائيل ليست لديها أطماع ترابية في لبنان، وهو ما كرر تأكيده نظيره الإسرائيلي غدعون ساعر في وقت لاحق من يوم الثلاثاء.
وإذا كان المسؤول الأميركي يبدو داعماً للسلطات اللبنانية في كباشها مع «حزب الله»، إلا أنه يستغل أيضاً الانقسامات اللبنانية التي خرجت الآن إلى العلن. وبلا شك، يمر لبنان بمرحلة دقيقة من تاريخه، حيث يتحول الانقسام السياسي إلى عداء حقيقي في خضم حرب إقليمية مستعرة. فإلى أين سيؤدي ذلك بالبلاد؟
ترامب قد يكون رفض توسيع العمليات في لبنان
ميدانياً، لا تزال الجبهة الجنوبية تشتعل؛ ففي حين يقرّ الإسرائيليون بتكبد خسائر بشرية، يواصل «حزب الله» عملياته العسكرية دون الإفصاح عن حصيلة خسائره في الأرواح. ويبدو أن مفاعيل وقف إطلاق النار تقتصر على المناطق الواقعة خارج نطاق الجنوب. وفي تطور خطير يوم الثلاثاء، وجّه الجيش الإسرائيلي إنذارات بإخلاء قرى عدة في قضاء بنت جبيل، كانت حتى اللحظة خارج ما يُعرف بـ «الخط الأصفر».
وتتواصل التهديدات الإسرائيلية ضد «حزب الله»، ولا سيما تلك التي أطلقها، أمس، وزير الدفاع إسرائيل كاتس، محذراً من أن مواقف قاسم ستؤدي إلى «إحراق» لبنان بأسره. وتثير هذه التصريحات مخاوف جدية من توسع رقعة النزاع لتشمل مختلف المناطق اللبنانية.
بيد أن ذلك قد لا يعكس حقيقة الواقع. فوفقاً لمعلومات أوردتها القناة 12 الإسرائيلية، وتداولتها وسائل الإعلام المحلية على نطاق واسع، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يكون قد رفض، في اتصال مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، توسيع نطاق العمليات الإسرائيلية في لبنان، داعياً إياه إلى ضبط النفس. كما طالبه بعدم تقويض اتفاق وقف إطلاق النار، وبالتالي المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل. ويُعد ذلك دليلاً إضافياً على أن الرئيس الأميركي، المدرك للتوازنات الهشة على الساحة اللبنانية، لا يزال حريصاً على تحقيق نجاح سريع على هذا الصعيد. فهل سيلتزم الإسرائيليون بما يشبه «الضوء الأحمر» الأميركي هذا، أم أن التصعيد الميداني – الذي قد يصب أيضاً في مصلحة «حزب الله» – سيُستخدم مجدداً كذريعة لعدم الامتثال؟
«الورقة الإيرانية» تحت المجهر
أما على صعيد المفاوضات الأميركية-الإيرانية، فيبرز التطور الأساسي في اليومين الماضيين في «الورقة الإيرانية» التي سلمها وزير الخارجية عباس عراقجي للسلطات الأميركية، وذلك خلال جولته التي شملت سلطنة عُمان وباكستان وصولاً إلى موسكو. وبحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن مسؤولين مطلعين على الملف، فإن المقترح الإيراني «يهدف إلى كسر الجمود في المفاوضات». وتتضمن الورقة «خطة سلام من ثلاث مراحل، تبدأ بإنهاء الحرب الإسرائيلية-الأميركية على إيران، مع تقديم ضمانات بعدم استئناف الهجمات، على أن تعمل السلطات الإيرانية لاحقاً مع وسطاء لتسوية قضية إغلاق مضيق هرمز، وصولاً إلى اتفاق نهائي بشأن هذه المسألة».
ودائماً وفقاً للصحيفة، يقترح الإيرانيون عدم العودة إلى طاولة المفاوضات بشأن الملف النووي وتمويل أذرع طهران العسكرية في المنطقة، إلا بعد الاتفاق على إنهاء القتال وحسم ملف المضيق، الذي لا يزالون يتمسكون بالسيطرة عليه. ويُشار إلى أن هذا المقترح نُقل إلى الأميركيين تزامناً مع وجود عراقجي في روسيا واستقباله من قبل الرئيس فلاديمير بوتين، وفي وقت حمّل فيه الولايات المتحدة «مسؤولية فشل المفاوضات حتى الآن»، مؤكداً أن النظام الإيراني أثبت «صلابته». وذلك في وقتٍ تستمر فيه التباينات الإيرانية الداخلية بالخروج إلى العلن عبر تسريبات إعلامية.
وفي وقت لاحق من يوم الثلاثاء (ليل الولايات المتحدة)، أوردت صحيفة «وول ستريت جورنال» أنباءً تفيد بـ«استياء» دونالد ترامب من المقترحات الإيرانية.
ونقلت الصحيفة عن مصادرها أن «الرئيس الأميركي يرفض هذه المقترحات حتى الساعة»، مشيرةً في الوقت عينه إلى أن «المفاوضات لا تزال مستمرة، مع العلم أن ترامب لا يستبعد استئناف عمليات القصف ضد إيران إذا لمس عدم جدية من الجانب الإيراني في المحادثات». وأضافت المصادر ناقلةً عن لسان ترامب: «سنقدم مقترحاً مضاداً خلال الأيام المقبلة».
وفي السياق ذاته، أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن الرئيس الأميركي يرى أن المقترح الإيراني لا يراعي موازين القوى الراهنة، ويخلو من أي تنازلات جوهرية، لا سيما في ملف النووي الذي يظل مسألة «أساسية» بالنسبة إلى الولايات المتحدة.
فهل ستستمر المفاوضات الأميركية-الإيرانية بهذا الإيقاع البطيء، في وقت لا يزال فيه إغلاق مضيق هرمز يلقي بظلاله على الاقتصاد العالمي والأسعار؟ أم أننا أمام جولة جديدة من القتال؟ في كلتا الحالتين، تبدو دول الخليج متوجسة، تماماً كما عكسه التحذير القطري يوم الثلاثاء من مغبة استمرار هذا الصراع البارد والمستتر.