شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
عنصر ميليشيا تبدو عليه السعادة بعد سيطرة حزب الله على القسم الغربي من بيروت. (أ ف ب)
استراتيجيا
صورة المؤلف
بقلم خليل حلو
نُشر سبتمبر 7, 2026 - 13:10
تتيح هذه السلسلة من المقالات فهماً أعمق للوضع الراهن في ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات الحماسية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تغفل عن الحقائق. ونهجنا يترك للقارئ مسؤولية استخلاص النتائج التي تفرض نفسها. أما الأجزاء الأربعة عشر السابقة فكانت قراءة جديدة للأحداث المتعلقة بصعود حزب الله، ونزاعاته المسلحة مع إسرائيل، وهيمنته على لبنان، منذ اتفاق الطائف وصولاً إلى اتفاق الدوحة. أيار (مايو) 2008، الجبل بعد بيروت. في 7 أيار (مايو) 2008، احتل حزب الله وحلفاؤه (حركة أمل والحزب السوري القومي الاجتماعي) بالقوة العسكرية مكاتب تيار المستقبل التابع لسعد الحريري في بيروت، وجزءاً كبيراً من الأحياء السنية في العاصمة التي كانت تشكل القاعدة الشعبية لتحالف 14 آذار. سقطت مواقع تيار المستقبل بسرعة بيد المهاجمين، إذ ابتعد الجيش إلى حد كبير عن هذه المواجهات، ولم تتمكن الوساطات السياسية من وقف العملية في الوقت المناسب. وقد واجه القائد العام للجيش معضلة حقيقية: فمن جهة، كان يدرك أن تدخل الجيش بالقوة في بيئة حضرية سيكلف أرواحاً بشرية غالية، مدنية وعسكرية على حد سواء، ناهيك عن الأضرار المادية؛ ومن جهة أخرى، كان يواجه إحباط الضباط، لا سيما السنة منهم، الذين رأوا أحياء ذويهم محرومة من حماية الجيش. مقر تلفزيون "المستقبل" بعد نهبه في بيروت. (فرانس برس) كانت هيئة الأركان لا تزال تحمل في ذاكرتها معركة نهر البارد التي خاضها الجيش ضد تنظيم فتح الإسلام الإرهابي قبل عام، والتي أودت بحياة 170 عسكرياً في معارك استمرت 105 أيام في ساحة عمليات أقل تحضراً وخالية من سكانها، لا تتجاوز مساحتها كيلومتراً مربعاً واحداً. أما معركة في بيروت ذات الكثافة السكانية العالية، فكانت ستكون باهظة الثمن من حيث الأرواح البشرية، وستمتد جغرافياً لتشمل كامل الأراضي اللبنانية، ولن يكون لها نهاية، في ظل تمتع حزب الله بخطوط إمداد لوجستية مفتوحة على مصراعيها من سوريا. إلا أن الجيش وجد فرصته في الانتشار بقوة بين حزب الله وأنصار تيار المستقبل في شارع المزرعة، حيث منع بالقوة أي تحرك مسلح لعبور هذا الشارع من الجهتين، وحال دون شن أي هجوم على حي طريق الجديدة، معقل تيار المستقبل. كما شكلت القوات مربعات أمنية حول السرايا الحكومية حيث كان يتواجد رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، وحول مقر إقامة وليد جنبلاط، أحد أبرز أقطاب تحالف 14 آذار. مسلحون شيعة قرب شارع الحمرا: الشخص الذي يحمل صاروخ آر بي جي-7 المضاد للدروع يرتدي بزة قوى الأمن الداخلي… (فرانس برس) ساهمت هذه الإجراءات، إضافة إلى الاتصالات التي أجرتها عواصم خليجية، في ثني حزب الله عن مهاجمة السرايا. غير أن الحزب الشيعي أراد السيطرة على معقل الدروز في جبل لبنان. وبلغت التوترات ذروتها في 9 أيار (مايو) حين أقدم مسلحون تابعون لحزب الله على خطف عناصر من الشرطة البلدية في عاليه، ما أثار رد فعل مسلح من ميليشيا الحزب التقدمي الاشتراكي الدرزي. سرعان ما اتسعت رقعة المعارك لتشمل الشويفات وعاليه وسوق الغرب وبيصور. واستخدم الطرفان الأسلحة الثقيلة، فيما تمركز مقاتلو الحزب التقدمي الاشتراكي في التحصينات والخنادق القديمة الموروثة من الحرب الأهلية، ما مكّنهم من وقف تقدم حزب الله. وحاول الأخير احتلال التلة 888 المطلة على مطار بيروت، الواقعة بين عاليه وسوق الغرب، لكنه فشل في ذلك. في المقابل، نجح في احتلال قلعة نيحا القديمة في الشوف، بهدف تأمين خط إمداد لوجستي مباشر يربط البقاع بجنوب لبنان من دون الحاجة إلى المرور عبر الطريق الساحلي. الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط (في الواجهة، وسط الصورة) ووزير الإعلام غازي العريضي (وسط يسار الصورة) خلال مشاركتهما في تجمع شعبي في بلدة بيصور الدرزية بجبل لبنان، وذلك غداة رفع الحواجز عن طرقات العاصمة، وهو ما وضع حداً لأسبوع من الأحداث الدامية. (أ ف ب) خلال نهار الأحد 11 مايو/أيار، حاول حزب الله مهاجمة الباروك والشويفات دون جدوى، وقد كلّفه ذلك حياة 36 من مقاتليه، من بينهم قائد القوة المهاجمة في الشويفات. وفي اليوم نفسه، انتشر الجيش في المدينة وطالب الطرفين بالانسحاب. عندها سلّم الحزب التقدمي الاشتراكي مواقعه للجيش، وانسحب حزب الله حاملاً قتلاه وجرحاه. حاول مسؤولون سياسيون حلفاء لحزب الله، بطرق مباشرة وغير مباشرة، عرقلة انتشار الجيش في الشويفات، لكن دون جدوى. كان هدفهم منح حزب الله الوقت الكافي لإعادة تنظيم صفوفه واستئناف الهجوم وتحقيق نصر في المدينة، إلا أن قائد الوحدة المكلفة بالمهمة رفض الاستجابة لهذا الضغط، فجنّب المدينة مزيداً من الدمار وأراح القرى المجاورة، كفرشيما ووادي شحرور والبساتين، من ويلات القتال. ترك المسلحون على باب هذه الشقة في الشويفات رسالة واضحة تماماً... (أ ف ب) في اليوم نفسه، روّج حزب الله شائعات لا أساس لها من الصحة على الإطلاق، مفادها أن القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع تستعد لمهاجمة منزل ميشال عون، زعيم التيار الوطني الحر، في الرابية، وقرى الشيعة في قضاء جبيل. كان الهدف من هذه الشائعات توسيع رقعة النزاع المسلح لتشمل المناطق المسيحية، عبر إقحام التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية فيه. غير أن أجهزة الاستخبارات العسكرية تدخلت ووضعت حداً لهذه الشائعات. ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة انساق تيار المستقبل وحلفاؤه في تحالف 14 آذار إلى التفاوض بعد هزيمتهم في 7 مايو/أيار 2008. وفرضت قطر نفسها وسيطاً، ورعت اتفاق الدوحة (مايو/أيار 2008) الذي جاء بمثابة تسوية لصالح حزب الله وحلفائه إلى حد كبير. وأفضى هذا الاتفاق إلى انتخاب قائد الجيش، العماد ميشال سليمان، رئيساً للجمهورية، فسدّ بذلك فراغاً رئاسياً دام ستة أشهر، إذ لم يكن بمقدور أي من مرشحي تحالفي 14 و8 آذار للرئاسة تأمين أغلبية كافية من الأصوات في البرلمان. أُعيد تكليف فؤاد السنيورة برئاسة الحكومة، وبمشاركة قطرية مباشرة، شكّل حكومة وحدة وطنية. غير أن هذه الحكومة كانت محكومة سلفاً بالشلل في القرارات الكبرى، إذ ضمّت 16 وزيراً ينتمون إلى الأغلبية البرلمانية لـ14 آذار، مقابل 11 وزيراً من المعارضة المنضوية في 8 آذار، بما فيها حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر. وبذلك كان بحوزة هؤلاء الأخيرين «الثلث المعطل». تضمّن البيان الوزاري لهذه الحكومة صيغة ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة». وكانت هذه الصيغة قد بدأت مسيرتها مع إميل لحود وحسن نصر الله. فقد صرّح لحود، في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 سبتمبر/أيلول 2006، أي بُعيد حرب يوليو/تموز بين حزب الله وإسرائيل، بالحرف الواحد: «... هذه الوحشية (الإسرائيلية) لم تُضعف شعبي، ولم تنَل من عزيمته على المقاومة، ولم تؤثر في تمسكه بالدولة والجيش والمقاومة الوطنية...». وكان لحود، منذ التسعينيات، حين كان قائداً للجيش، يشدد في خطاباته على الروابط التي لا تنفصم بين الجنود النظاميين والمواطنين والمقاومة في مواجهة إسرائيل. أما حسن نصر الله، فقد أوضح في خطاباته المتعددة بعد حرب الـ33 يوماً أن لبنان لم يستطع الصمود في وجه إسرائيل إلا بفضل التنسيق التلقائي بين الجيش والمقاتلين، ودعم الشعب.
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
الدولة اللبنانية تكسر أحد المحرمات في مواجهة الحزب

يبدو أن القطيعة قد تمت، على الأقل في المرحلة الحالية، بين رئيس الجمهورية جوزيف عون وحزب الله. ورداً على الحملة التي شنتها ضده أوساط الحزب الموالي لإيران، والتي وصفته عملياً بـ "الخائن" بسبب المفاوضات المباشرة التي أجراها مع إسرائيل، رد رئيس الدولة يوم الاثنين بصراحة على منتقديه، أمام وفد من العرقوب وحاصبيا. وأكد بشكل ملائم وبكل صراحة، في إشارة واضحة إلى حزب الله، أن "الخيانة الحقيقية هي تلك التي يقترفها من يجرون البلاد إلى الحرب لخدمة مصالح أجنبية". هذه هي المرة الأولى منذ سنوات عديدة التي يهاجم فيها رئيس للجمهورية بهذه الصراحة نهج حزب الله. ظهر التوتر بين السلطة والحزب الموالي لإيران للعلن عندما طلبت السلطة التنفيذية صراحة من حزب الله عدم الانخراط في حرب محتملة قد تُشن ضد إيران، مؤكدة أن السلطة سترد بحزم شديد إذا سلك التنظيم الموالي لإيران هذا المسار. لم يأخذ الحزب تحذير السلطة بعين الاعتبار، وفي فجر يوم 2 مارس/آذار، أي بعد 48 ساعة من شن الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي ضد نظام الملالي في 28 فبراير/شباط، بادر بفتح جبهة جنوب لبنان بإطلاق ستة صواريخ على شمال إسرائيل، بتحريض على الأرجح من الحرس الثوري الإيراني. في اليوم التالي لاندلاع الأعمال العدائية من قبل الحزب الشيعي، اتخذ مجلس الوزراء قراراً باعتبار الجهاز الميليشياوي الأمني لحزب الله غير شرعي. ومنذ ذلك الحين، لم يتوقف التوتر عن التصاعد بين السلطة وحليف الحرس الثوري، وخاصة بعد القرار الذي اتخذه الرئيس عون بإجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، تحت رعاية الولايات المتحدة. وقد استنكر حزب الله بشدة هذه المحادثات المباشرة، وفي يوم الاثنين 27 أبريل/نيسان، طلب الأمين العام للحزب الموالي لإيران، الشيخ نعيم قاسم، من السلطة وقف المفاوضات المباشرة مع الدولة العبرية. واغتنم هذه الفرصة ليجدد رفضه لتسليم أسلحة حزبه للدولة، مؤكداً مجدداً أن "المقاومة مستمرة". على شبكات التواصل الاجتماعي، شن أنصار حزب الله هجوماً شرساً على الرئيس عون، حتى أنهم وجهوا تهديدات ضده واتهموه بالتواطؤ مع إسرائيل بسبب المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. وفي هذا السياق المتوتر، واصل الطيران الإسرائيلي يوم الاثنين قصفه للبنية التحتية ومواقع الحزب في جنوب لبنان. وعلى هذا الصعيد، أفادت القناة الإخبارية العربية الحدث يوم الاثنين أن الحزب الشيعي طلب من سكان منطقة النبطية إخلاء منازلهم لأنه يعتزم تحويل هذه المنطقة إلى ساحة معركة ضد إسرائيل. المواجهة مع إيران على جبهة الصراع في إيران، توجه رئيس الدبلوماسية الإيرانية، عباس عراقجي، إلى موسكو لإجراء مشاورات مع القادة الروس. ومع ذلك، لم تنعكس هذه التحركات الدبلوماسية انفراجاً على مستوى المحادثات المباشرة الأمريكية-الإيرانية التي بدت يوم الاثنين في طريق مسدود تماماً بسبب فرض الجانب الإيراني (بتوجيه من الحرس الثوري) شروطاً جديدة للحوار، من بينها دفع تعويضات مالية في نهاية الحرب، والاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، ورفع الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة، وتأجيل أي نقاش حول البرنامج النووي إلى مرحلة لاحقة. وهي شروط تعكس على الأرجح الموقف الراديكالي للحرس الثوري الذي يبدو أنه نجح في السيطرة على مركز صنع القرار في طهران. وقد قوبل هذا الموقف المتشدد بتنديد علني من قبل الدول الأوروبية. وهكذا، دعا الرئيس إيمانويل ماكرون النظام الإيراني إلى تقديم تنازلات، بينما أكدت الخارجية الفرنسية أن إيران قد "تجاوزت كل الخطوط الحمراء" في الصراع الحالي. وفي الوقت نفسه، أكد وزير دولة بريطاني يوم الاثنين أن حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز يجب أن تتم "دون عوائق ودون فرض رسوم مرور"، كما يطالب النظام الإيراني، في انتهاك للاتفاقيات الدولية التي يتضح منها أن مضيق هرمز لا يمكن أن يخضع لرسوم مرور لكونه ممراً طبيعياً وليس من صنع الإنسان، وبالتالي يجب أن يكون مفتوحاً أمام جميع السفن دون أي عوائق. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، صرح مساء الاثنين أن إيران تريد التفاوض من أجل "الخروج من الفوضى التي غرقت فيها".

لبنان وثلاثية النفوذ
بقلم
جاد الاخوي
نُشر

يردد اللبنانيون مقولة باتت شبه بديهية في توصيف أزمتهم: إن لبنان عالق بين ثلاثية “متطرفة” عقائديًا ودينيًا، تتمثل في إسرائيل ، ايران والولايات المتحدة الاميركية. هذه العبارة تختزل شعورًا عميقًا بالحصار والضغط، وتعبّر عن إدراك شعبي بأن مصير البلد لم يعد يُصاغ داخليًا فقط. غير أن قوة هذه السردية تكمن في بساطتها، بينما يكمن ضعفها في أنها قد تحجب تعقيد الواقع وتعدد مستوياته. فعليًا، لا يمكن وضع هذه القوى الثلاث في خانة واحدة تحت عنوان “التطرف الديني” دون الوقوع في التبسيط. صحيح أن الدين يلعب دورًا متفاوتًا في سياسات هذه الأطراف، لكنه ليس العامل الوحيد، ولا حتى الأساسي في بعض الحالات. الأجدر هو فهم كل طرف ضمن بنيته الخاصة، ومن ثم قراءة كيفية تقاطع هذه البُنى فوق الساحة اللبنانية. في حالة إسرائيل، يظهر البعد الديني بوضوح في صعود التيارات القومية الدينية التي تضفي على الصراع طابعًا عقائديًا، خصوصًا في ما يتعلق بالأرض والهوية. لكن، رغم هذا الحضور، تبقى المؤسسة الإسرائيلية في جوهرها محكومة بعقيدة أمنية صارمة. لبنان، في هذه الرؤية، ليس ساحة دينية بقدر ما هو مصدر تهديد محتمل، خاصة مع وجود حزب الله كقوة عسكرية غير خاضعة للدولة. لذلك، فإن سلوك إسرائيل تجاه لبنان يُفهم أكثر من زاوية الردع وإدارة المخاطر، لا من زاوية مشروع ديني صرف. أما إيران، فتقدّم نموذجًا مختلفًا حيث يتداخل الديني بالسياسي بشكل بنيوي. النظام قائم على مرجعية “ولاية الفقيه”، ما يجعل الأيديولوجيا الدينية جزءًا لا يتجزأ من عملية اتخاذ القرار. في هذا السياق، يصبح دعمها لحزب الله امتدادًا لرؤية أوسع تعتبر أن الصراع في المنطقة ليس مجرد تنافس دول، بل مواجهة ذات أبعاد عقائدية وسياسية. ومع ذلك، فإن حصر الدور الإيراني في هذا الإطار فقط يغفل جانبًا مهمًا، وهو أن طهران تتحرك أيضًا بمنطق المصالح، مستخدمة هذه الأيديولوجيا كأداة لتعزيز نفوذها الإقليمي. في المقابل، تبدو الولايات المتحدة بعيدة نسبيًا عن هذا التصنيف الديني. فهي دولة تقوم على نظام علماني، ولا تعتمد الدين كمرجعية رسمية في سياستها الخارجية. لكن هذا لا يعني غياب التأثير الديني تمامًا، إذ تلعب بعض التيارات، كالمحافظين الإنجيليين، دورًا في توجيه مواقف معينة، لا سيما في ما يتعلق بإسرائيل. ومع ذلك، يبقى المحدد الأساسي للسياسة الأميركية هو البراغماتية: حماية المصالح، ضمان استقرار الحلفاء، وموازنة نفوذ الخصوم، وعلى رأسهم إيران. من هنا، يتضح أن “التطرف الديني” ليس قاسمًا مشتركًا متساويًا بين هذه القوى، بل عنصر حاضر بدرجات متفاوتة، يُستخدم أحيانًا كأداة تعبئة أو تبرير. الأدق هو القول إن لبنان يقف عند تقاطع ثلاثة مشاريع كبرى: مشروع أمني تقوده إسرائيل، مشروع أيديولوجي تقوده إيران، ومشروع نفوذ عالمي تقوده الولايات المتحدة. هذه المشاريع لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تتقاطع وتتصادم، ما يجعل الساحة اللبنانية عرضة لتجاذبات مستمرة. غير أن التركيز على هذه المشاريع الخارجية، رغم أهميته، لا يكتمل دون التوقف عند العامل الداخلي. فلبنان لم يتحول إلى ساحة مفتوحة فقط بسبب قوة الخارج، بل أيضًا بسبب ضعف الداخل. الدولة اللبنانية، منذ عقود، تعاني من أزمة بنيوية تتجلى في غياب احتكار السلاح، وتفكك القرار السياسي، واستمرار نظام طائفي يعمّق الانقسامات بدل معالجتها. لقد تحوّلت الطوائف، في كثير من الأحيان، إلى قنوات ارتباط مع الخارج، بحيث بات لكل محور إقليمي امتداداته داخل لبنان. هذا الواقع لم يُفرض بالكامل من الخارج، بل ساهمت فيه قوى داخلية رأت في التحالف مع هذه القوى وسيلة لتعزيز موقعها في الداخل. وهكذا، تداخل المحلي بالإقليمي، وفقدت الدولة قدرتها على لعب دور الحكم بين مكوناتها. في هذا الإطار، تصبح مقولة “لبنان عالق بين ثلاثية متطرفة” تعبيرًا عن نتيجة أكثر مما هي تفسير للسبب. فهي تصف حالة الحصار، لكنها لا تشرح لماذا أصبح لبنان قابلًا لهذا الحصار أصلًا. السبب الأعمق يكمن في غياب مشروع وطني جامع، قادر على إعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وبين لبنان ومحيطه. إن الخروج من هذا الواقع لا يمر فقط عبر تغيير سلوك القوى الخارجية وهو أمر خارج قدرة لبنان بل يبدأ بإعادة بناء الداخل. وهذا يتطلب خطوات أساسية، منها: إعادة ترسيخ مفهوم السيادة من خلال حصر السلاح بيد الدولة، بما يعيد توحيد القرار الأمني. إصلاح النظام السياسي باتجاه تقليل الطائفية وتعزيز المواطنة، بما يخفف من قابلية الاستقطاب الخارجي. بناء مؤسسات قوية وشفافة تستعيد ثقة المواطنين، وتحدّ من الاعتماد على شبكات الولاء التقليدية. اعتماد سياسة خارجية متوازنة، تسعى إلى تقليل الانخراط في صراعات المحاور، بدل الانحياز الكامل لأي منها. في النهاية، لا يمكن للبنان أن يعزل نفسه عن محيطه الإقليمي والدولي، لكنه يستطيع أن يحدّ من تأثير هذا المحيط عليه. الفرق بين “الساحة” و”الدولة” لا يكمن في الموقع الجغرافي، بل في القدرة على إدارة هذا الموقع. وعندما يمتلك لبنان هذه القدرة، ستفقد السرديات المبسطة بما فيها سردية “الثلاثية المتطرفة” جزءًا كبيرًا من قوتها، لأنها لن تعود تعكس واقعًا مفروضًا، بل مرحلة تم تجاوزها.

إيران ولبنان: مسرحان، حرب واحدة؟
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر

ستؤدي التصريحات المختلفة والتقلبات في مواقف الرئيس دونالد ترامب إلى تغيير العلاقات مع الأوروبيين وحلف شمال الأطلسي وحلفاء الولايات المتحدة. وسوف تثير ردود فعل من جانب دول المحيط الهادئ والشرق الأوسط. ويلعب الغربيون دوراً معتدلاً ويريدون تولي دور في تأمين مضيق هرمز بعد وقف الأعمال العدائية. فهل ستصبح الولايات المتحدة خارج اللعبة في المنطقة؟ في 28 فبراير 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية ضد إيران دون إبلاغ رؤساء دول وحكومات الدول الغربية والأعضاء في حلف شمال الأطلسي مسبقاً. وفي أعقاب ذلك، طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعمهم، لاسيما لتأمين مضيق هرمز، وكذلك لتقديم دعم مباشر للعمليات الأمريكية. ومع ذلك، رفضت الغالبية العظمى من رؤساء الدول والحكومات هذا الطلب. كانت ردة فعل الرئيس ترامب واضحة رغم عدم اتساقها في بعض الأحيان. فبعد أن استنكر ما وصفه بـ «الخطأ الفادح» و«الجبن»، أكد أنه ليس بحاجة إليهم وأنه سيتصرف بمفرده كونه «الأقوى في العالم». بل إنه أشار إلى احتمال فك الارتباط بحلف شمال الأطلسي، ملوحاً بتهديد التخلي عن واجباته كعضو، كما ينص على ذلك المادة 5 من معاهدة هذه المنظمة. كما أشار إلى إمكانية السحب الجزئي للقوات الأمريكية المتمركزة في أوروبا. وبالنسبة له، فإن أوروبا بدون الولايات المتحدة، ستكون «نمراً من ورق». ولتوضيح معنى تصريحاته، قال إنه يلوم الحلفاء على عدم دعم الولايات المتحدة في أوقات الأزمات والاستفادة من تحالف من جانب واحد. ونتيجة لذلك، ما هو المبرر لضمان دفاعهم تلقائياً؟ كل هذه الانتقادات لم تمنعه لاحقاً من طلب مشاركة الأوروبيين في الحصار البحري الذي فرضه على الموانئ الإيرانية. بعد التعبير عن رفضهم، حظرت بعض الدول تباعاً مجالها الجوي على الطائرات الأمريكية المشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران. عمل دفاعي وليس هجومياً لذلك يفتقر الرئيس ترامب في تصريحاته إلى الاتساق. فبعد الحاجة إلى الدعم، بل والمشاركة النشطة، يأتي التجاهل المزدري والتأكيد على أن الولايات المتحدة قادرة على كسب هذه الحرب بمفردها. وهكذا أصبح مفهوم الحرب موضوعاً للنقاش. ووفقاً لدونالد ترامب، يجب على أعضاء حلف شمال الأطلسي احترام التزاماتهم بموجب المعاهدة التأسيسية. غير أنه هو نفسه من أشعل هذه الحرب، بتحريض من إسرائيل، التي أصبحت بالتالي طرفاً مشاركاً في القتال. ولذلك فهو المعتدي. إلا أن منظمة حلف شمال الأطلسي «دفاعية». وفي هذه الحالة بالذات، لا تنطبق المادة 5. وينص النص المعني على أن أي هجوم مسلح ضد واحد أو أكثر من الأعضاء في أوروبا أو أمريكا الشمالية يعتبر عدواناً على الجميع، مما يبرر التدخل العسكري أو العمل الدفاعي الجماعي. وإذا كان لحلف شمال الأطلسي أن يتدخل، فإن ذلك لن يكون إلا بناءً على تفويض من الأمم المتحدة. كان رئيس الولايات المتحدة ينتظر في الواقع دعماً نشطاً من حلفائه، دون إدراجه ضمن الإطار الرسمي للتحالف عبر الأطلسي. ومع ذلك، أدى هذا الوضع إلى إثارة الشكوك حول مدى موثوقية الضمانات الأمريكية المعلنة والرسمية في الأماكن التي تلعب فيها الولايات المتحدة دور الحامي. ليست دول حلف شمال الأطلسي والأوروبيون وحدهم من يعبرون عن هذه الشكوك. فدول أخرى في المحيط الهادئ، وفي مقدمتها اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية، لم يعد بوسعها الآن إلا أن تشكك في الدعم الأمريكي المضمون في حال التدخل الصيني. ويضاف إلى هذه الدول تايوان وإندونيسيا والفلبين والدول المطلة على الخليج العربي الفارسي، لا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان. عندما يقوم رئيس دولة، يعتبر «الأول بين أقرانه» داخل حلف شمال الأطلسي، بإشعال فتيل نزاع يمكن أن يؤدي إلى حرب عالمية، لا يمكنه أن يطلب من أعضاء المنظمة المعنية دعمه والمشاركة الفعالة وعيونهم مغمضة في العمليات العسكرية. يتبين من كل ذلك أن أعضاء التحالف، على الرغم من غياب الإجماع وبعض الخلافات، يتجمعون حول موقف واحد تنضم إليه العديد من دول المحيط الهادئ. وهكذا يجمع مشروع تأمين مضيق هرمز بعد وقف الأعمال العدائية بين عدد كبير منهم. في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الشرق الأدنى والأوسط، وبالتالي في لبنان، يحظى ضبط النفس من جانب روسيا والصين بالتقدير. ومع ذلك، سيكون من السذاجة الاعتقاد بأنهما لا تتصرفان في الكواليس وفقاً لمصالحهما الخاصة. لكن موقفهما، المماثل لموقف الأوروبيين وحلفاء الولايات المتحدة، والمتسم بعدم المشاركة في العمليات العسكرية، يبعد خطر الانزلاق نحو مواجهة ذات أبعاد عالمية. الخط العام الذي تبنته الحكومات الأوروبية ودول حلف شمال الأطلسي والدول المعنية الرئيسية في المحيط الهادئ جدير بالموافقة بكل تأكيد، دون أن ننسى التزامها المبدئي بتأمين مضيق هرمز. ومع ذلك، ينبغي تمديد هذا الأخير ليشمل بحر العرب والخليج العربي الفارسي ثم البحر الأحمر. وفي هذه الحالة، سيكون هناك ما يدعو للإشادة بحكمتها. ويبقى سؤال واحد: هل من الوهم، أو حتى من الطوباوية، الاعتقاد بأن هذا الموقف المشترك يمكن أن يؤخذ في الاعتبار من قبل الإيرانيين خلال أي محادثات سلام محتملة؟ قد يميل المرء إلى أن يرى في لبنان امتداداً للصراع نفسه: إذ يبدو الأطراف، للوهلة الأولى، متطابقين. فمن ناحية، هناك حزب الله الذي تديره إيران عن بعد؛ وإسرائيل كلاعب رئيسي؛ وفي الخلفية، الولايات المتحدة التي تلعب، في الوقت الحالي، دور الوسيط المعتدل. ومن ناحية أخرى، هناك إيران كفاعل مركزي مهما قيل؛ والولايات المتحدة كلاعب رئيسي آخر؛ وإسرائيل التي أصبحت تابعة بعد أن كانت المحرض الأولي ثم تم تأطيرها. ومع ذلك، تختلف الآفاق بشكل كبير فيما يتعلق بتطور هذين المسرحين. فأحدهما يبقى ضمن إطار إقليمي بحت بينما يأخذ الآخر بعداً عالمياً. الأول يستبعد أوروبا، وخاصة فرنسا. أما الآخر فيهمش في الوقت الحالي أوروبا والتحالف المتصور الذي يضم حوالي أربعين دولة، من بينها العديد من دول المحيط الهادئ. تبدو المشكلة الإيرانية غير قابلة للحل طالما أن المطالب -المبررة- للولايات المتحدة تتعارض مع تلك التي يدافع عنها بقوة الحرس الثوري، الذي أصبح الآن سيد البلاد. بعيداً عن هذه المطالب التي لا يمكن التوفيق بينها في الوقت الحالي، يبدو أن سلوك دونالد ترامب في مجالات التحليل والدبلوماسية وإتقان المفاوضات من هذا النوع، بعيد كل البعد عما قد يتطلبه هذا النوع من المواقف. ويبدو، في الوقت الراهن، مقتصراً على اللجوء إلى العنف. إذا استمر في هذا الموقف، فلن يكون مستبعداً رؤية التدخل الروسي والصيني. وسيعتمد ما سيحدث بعد ذلك إلى حد كبير على الخيارات التي سيتخذها: على مستوى تطور الأزمة، وإدارة الشؤون الدولية، أو تسوية النزاعات بين الدول. من المحتمل جداً أن يفوز دونالد ترامب. ولكن بأي ثمن؟ ومن وماذا سيضحي قبل نوفمبر؟ على المدى الطويل، قد تظهر إيران كفائز حقيقي. وعلى مقياس المخاطر، فإن المحتمل يطغى على الممكن. هل يمكن أن تؤدي إعادة النظر العميقة في مدى موثوقية الحماية الأمريكية من قبل دول الخليج إلى استبدال القواعد الأمريكية؟ ولكن بأي حامٍ؟ ستستفيد الصين وروسيا من ذلك. إذا قررت فرنسا مساندة لبنان بالحزم الذي أظهره رئيسها، فسيتعين عليها القيام بذلك بقناعة وعزم. فلم يعد هناك متسع لأنصاف الحلول في مثل هذا السياق. لذلك يتعلق الأمر بحربين مختلفتين يجب تنسيق حلولهما. يمكن التعامل مع إحداهما بمعزل عن الأخرى، بينما الأخرى لا يمكن ذلك. فهل سيأخذ الرئيس ترامب ذلك بعين الاعتبار خلال الجولة الأخيرة من المفاوضات مع الحرس الثوري؟ «أكثر ما تغير هناك، ليس الصين، ولا روسيا، بل أوروبا: فقد توقفت عن أن يكون لها أهمية» (أ. مالرو). بدلاً من إبداء الإعجاب الشديد بأوكرانيا وعدم تناول الشرق الأوسط إلا من زاوية أسعار النفط، يجب على الأوروبيين، وخاصة فرنسا، أن يطمحوا إلى تعزيز «سلام وطيد» في لبنان.

حرب مفتوحة... اوروبا المتوسطيّة
بقلم
هشام دبسي
نُشر

حًقّاً لقد هُزِمَت ألمانيا النازيّة، لكن انتصار جيوش الحلفاء لا يطابق انتصار دُوَلِها باستثناء الدولة الأمريكيّة. هذا ما بَرهنت عليه خبرة "حرب السويس"، التي انتهت بمجرد تصريح للرئيس الاميركي، على سبيل المثال لا الحصر. ربما كان رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل واقعياً في قبول المظلة الامنية النووية الاميركية وغيرها، بينما سعى الجنرال شارل ديغول إلى تكبّد عناء المسار الاستقلالي للسياسات الفرنسية، وهذا يعكس معاناته من الحلفاء أثناء الحرب من تهميش على الرغم من دوره السياسي - العسكري الاستثنائي؛ لم تعاند واشنطن من جهتها المسعى الفرنسي، واعتبرت الأمر بمثابة دولة ترغب في ممارسة الحكم الذاتي في المجال النووي ليس إلا. في بلادنا، نَبْني سرديّة الاستقلال السياسي، على تضخيم دور شعوبنا المناضلة في مصر وسوريا، والعراق، والأردن، ولبنان. بعيداً عن المنظور الاميركي للنظام العالمي الجديد، ومفخرته "هيئة الأمم المتحدة". بينما في اوروبا كانت التحوّلات أكثر وضوحاً في هبوط دور الامبراطوريات، وقد كانت صاحبة الشأن الكبير على ضفاف المتوسط بينما أصبحت دول أطلسية، تعيد بناء اقتصادها في إطار "مشروع مارشال" الأميركي. الاتحاد الاوروبي الهزيمة والجوع والفقر المشترك عند شعوب القارّة، جعل فترة الحِداد والخصومة قصيرة نسبياً. بعد أن بادرت كل من المانيا الغربية و فرنسا و إيطاليا و للكسمبورغ وبلجيكا وهولندا إلى اعلان تأسيس "الجماعة الاوروبية للفحم والصلب" عام 1951، اعلان تجاوَزَ البُعْد الاقتصادي و حَمَلَ على جناحه آليّة مُصالَحة تعتمد على المنافع الاقتصاديّة المشتركة، الّتي ساهمت بدورها إلى نجاح "معاهدة ماستريخت" عام 1992 عبر مسار ديمقراطي طويل ، مهّدت لظهور الاتحاد الاوروبي کما نعرفه اليوم ، اتحادا طوّر مواثيقه ومعاهداته البينيّة و علاقاته مع دُوَل العالم على قاعدة صلبة من الفكر الانساني المستنِد للقانون الدولي، وتسَلَّح بأفضل ما انتجه الفكر المعاصر في غير مجال - بما فيها معاهدة الشراكة الاوروبية - المتوسطيّة الخاصّة بمنطقتنا. لكنَّ العودة مجدداً "للمتوسطية" لا تماثل بالمُطلق ما كان عليه الحال قبل الحرب العالمية الثانية. خاصّةً وأن الرئيس شارل ديغول أسّس موقفاً مناهضاً للعدوان الإسرائيلي على مصر وسوريا والأردن في حرب الخامس من حزيران عام 1967. وبهذا فتح الباب الواسع لفرنسا في العالم العربي، عبر تجاوز "لحظة حرب السويس"، وانهاء الاستعمار الفرنسي للجزائر. الموقف الفرنسي "الديغولي" الدّاعي لمُناصَرَة حقوق الشعب الفلسطيني أحْدَثَ أثراً إيجابيّاً عميقاً، ساعد أوروبا للعودة المتوسطيّة للمنطقة، في إطار معايير جديدة ومتوازنة لا تلغي حقوق الفلسطينيّين، من أجل حمایة دولة إسرائيل القادرة على هزيمة الجيوش العربية مجتمعة عند اللزوم. لذا تمكّن الاتحاد الاوروبي لاحقاً من اعادة صياغة علاقاته المشتركة والمنفردة مع الدول العربية وفق نموذج حداثي ورؤية للمصالح المشتركة مُرْضِيَة للجانبين. حتى بدت "المتوسطيّة" اليوم خياراً لا يقل أهمية عن "الأطلسيّة" وعن الخيارات المرتبطة بالتكتّلات الدوليّة "مجموعة 7" و "مجموعة 20" الخ.. وهذا ما تعزّزه اليوم الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة واسرائيل من جهة. والعدوان الإيراني الشرس على الدول العربية وخصوصاً الخليجية منها من جهةٍ أخرى. إنّ خلاصة ما يجري في الشرق الأوسط الآن، وتأثيره العميق على حياة الشعوب الأوروبية، ليس أقل من تأثير حرب البلقان سابقاً وحرب اوكرانيا المستَعِرَة، ولعلّ عجز الاتحاد الاوروبي الموصوف في إنتاج حلّ مستقلّ لأزمة البلقان (کوسوفو- صربيا) ظهر بشكل أكثر قوة ووضوح في العجز عن الإدارة المستقلّة أزمة (اوكرانيا – روسيا) قبل أن تصل الى المشهد الكارثي الراهن. يمكن القول أنّ أوروبا الأطلسيّة غير قادرة على الاستمرار وفق المعادلة الثنائية "أوروبا-الولايات المتحدة" فقط، وأنّ السلام الذي نَعِمَت به القارّة تحت المظلة الأمريكيّة لا يمكن اعتباره راسخاً بعد مراجعة نتائج ثلاثة حروب في البلقان وفي أوكرانيا وفي الشرق الأوسط. من الضروري العمل على إعادة بناء العلاقات الأوروبيّة - المتوسطيّة وفق أسُسٍ جدیدةٍ فيها قَدَرٍ من التواضع الأوروبي وقَدَرٍ من تجاوز السياسات النَّفْعِيّة القصيرة الأجل، لبناء استراتيجية متوسطيّة تَشارُكيّة متوازنة تحترم مصالح الشعوب کافّةً بِمعايير لا ازدِواجِيّة فيها، حيث أنّ السلام المنقوص هو في العُمْق لا سلام. وهذا ما حصلت عليه القارّة العجوز، وتشتكي منه وتحاول علاجه الآن عبر العلاقات مع دول الشرق الأوسط. فإن أرادت أوروبا المحافظة على دورها كَحامِية للحضارة والثقافة الغربيّة لا بُدّ أن تَبْني معادلة جديدة للحضارة العالميّة وليس الغربيّة فحَسْب؛ وللثقافة المُعَوْلَمَة المنفتحة على الثقافات المتوسطيّة الحاضنة لأسُس ومنطلقات الحضارة الغربية منذ حضارة السومريّين والمصريّين اولاً، بدلاً من الاعتقاد غير العلمي بالأعجوبة الإغريقيّة. احتجاجات قارّيّة بموجب معاهدة الشّراكة الأوروبيّة المتوسطيّة وما تَضَمّنَتْهُ من واجبات والتزامات تحتلّ مسألة حقوق الانسان والحرّيّات الأساسيّة وسِيادة القانون واستقلال القضاء أولويّة ومدخل لِبُنود المعاهدة مع أي بلد يرغب في بناء الشّراكة. لكنّ في الممارسة السياسيّة نلحظ تبايُنات تتراوح بين الشدّة والصّرامة في تطبيق تلك البنود، وبين التساهل والمرونة الذي يرقى في الحالة الاسرائيلية الى حدّ التجاهل. وإذا كانت الاحتجاجات العربيّة غير ذات صدقيّة ، لا يمكن أن تكون الاحتجاجات الأوروبيّة الصّادِرة عن بعض الدول أو الصّادِرة عن المستوى الشعبي في القارّة غير ذات صدقيّة أيضاً، خاصّةً عندما تعلن هيئات رسميّة أوروبيّة و أمميّة معتمَدة في تقاريرها المنشورة عبر "مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة" الذي وثّق انتهاكات اسرائيلية واسعة للقانون الدولي الانساني و عمليات التّهجير القسري للفلسطينيّين واللبنانيّين وانتهاكات مُمَنهجة لحقوق الإنسان فضلاً عن توسع عمليات الاستيطان و الضم و التهويد للأراضي المحتلة في الضفّة الغربية بالإضافة إلى تجاوز قرار محكمة العدل الدولية في توصيف "حرب الإبادة" على أهل قطاع غزة، و ما يجري اليوم من احتلال المشهد البصري للضفة الغربية بشوارعها و قُراها بالأعلام و الرموز الاسرائيليّة كي تبدو يهودا و السامرة كما في التّوراة و كأنّها ليست فلسطين. أمام هذا القُصور مع مراكمة صور القمع والموت والدماء صدرت مُؤخّراً عريضة وقّعها أكثر من مليون أوروبي تشرح كيفيّة مُخالفة حكومة اسرائيل نصوص "اتفاقية الشّراكة الأوروبية المتوسطيّة" في جوهر بنودها ، و مع ذلك لم يتخذ الاتحاد الاوروبي إجراء ذو قيمة في هذا المجال إذ أن الإدانات والتصريحات لا تصل إلى أُذُن حُكّام اسرائيل ، وهم يجاهِرون و يتنافسون في عمليات القتل والتطهير العرقي والتهجير و ضم الأراضي و استخدام القوة المفرطة، فضلاً عن اعتماد الماء والغذاء والدواء أسلحة حرب ضد الفلسطينيين في قطاع غزة حتى هذه اللحظة. إنّ رسائل أكثر من 350 دبلوماسي سابق واعتراض نُخَب من الفنانين والاكاديميّين فضلاً عن مذكّرة "المنظمات المدنيّة السبعون" أجمعت على مطالبة الاتحاد الأوروبي (بالالتزام بسياسة خارجية أوروبية وقائمة على احترام القانون الدولي كما حذّرت من استمرار الاتحاد الاوروبي في علاقاته الحالية مع اسرائيل رغم هذه الانتهاكات، التي تعتبر تواطؤاً واخلالاً بالتزاماته القانونية والاخلاقية). إذاً عندما صار مطلب تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي واسرائيل ومطلب فرض تدابير قانونية واقتصادية، مثل حظر التجارة مع المستوطنات ومراجعة التعاون العسكري والعلمي وضمان المساءلة الدولية عن الجرائم وحماية المدنيّين الفلسطينيّين مطلباً لعدة دول أوروبية وللمنظمات الكبرى المشهود لها وللنّخب الأوروبية عامّةً. لا بُدّ لصانع القرار الاوروبي مراجعة حساباته بدقّة لأن الشراكة المتوسطيّة المطلوبة للقارّة بشكل مُلِحّ أكثر من ايّ وقتٍ مضى وفي ظلّ الحرب الدائرة في الخليج العربي لا بُدّ لها ان تكون شراكة متوسطيّة عادلة ووفق الأسُس والمعايير التي نصّت عليها المعاهدة ذاتها. عندها يمكن القول ان سياسة اوروبا المتوسطيّة سوف تسهم حقّاً في اخراج اوروبا الاطلسيّة من مأزقها. مرةً اخرى، يُرَحِّب المشرق بأوروبا المتوسطيّة على هذه الأسُس ووفق هذه المعايير، عندها سنعترف بانها حامية الحضارة والثقافة الإنسانيّة .

محاولة اغتيال فاشلة جديدة ضد ترامب؛ أسبوع طويل من المماطلة في إسلام آباد

طغت صباح الأحد (بتوقيت المشرق) أنباء محاولة اغتيال فاشلة استهدفت الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال عشاء مراسلي البيت الأبيض على المفاوضات بين الإيرانيين والأميركيين، التي يكتنفها الغموض بعد أسبوع طويل من الذهاب والإياب في إسلام أباد. وأشار الرئيس ترامب، في أول رد فعل فوري له، إلى أنه لا يعرف ما إذا كانت الحرب في إيران مرتبطة بمحاولة الاغتيال هذه. كان من المفترض أن يمر عشاء جمعية مراسلي البيت الأبيض، وهو تقليد سنوي، بسلام بحضور الرئيس دونالد ترامب وأعضاء حكومته والعديد من الشخصيات السياسية. لكن محاولة اغتيال (جديدة) ضد أقوى رجل في العالم وقعت في هذه البيئة المرموقة شديدة الحراسة في فندق هيلتون بواشنطن. فقد تمكن رجل يحمل «عدة أسلحة»، بحسب المعلومات الأولية، من تجاوز جميع الحواجز الأمنية للاقتراب من القاعة التي يتواجد فيها عملياً جميع كبار قادة البلاد، وفتح النار. أسفر الحادث عن إصابة شخصين، من بينهما ضابط، وتم القبض على الرجل حياً: وهو معلم أميركي شاب يبلغ من العمر 31 عاماً من كاليفورنيا يُدعى كول توماس ألين. وتبدو فرضية الذئب المنفرد هي السائدة في الوقت الحالي، ولكن لا يمكن استبعاد فرضيات أخرى. وخلال مؤتمر صحفي عقده بعد الحادثة مباشرة في البيت الأبيض، اعتبر دونالد ترامب أنه لا يعرف بعد ما إذا كانت الحرب مع إيران لها صلة بمحاولة الاغتيال. غير أنه أكد بشدة أن هذا لن يدفعه للتراجع عن هذه الحرب. طريق مسدود في إسلام أباد بعيداً عن هذا الحادث، اتسم الأسبوع الماضي بالمواعيد الضائعة في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. في بداية الأسبوع، كانت كل الأنظار متجهة نحو الموعد النهائي في 22 أبريل، وهو الموعد النهائي لوقف إطلاق النار الذي منحه ترامب للإيرانيين قبل أسبوعين. وفي الوقت الذي أعلن فيه الإيرانيون رفضهم التوجه إلى إسلام أباد لعقد جولة ثانية من المفاوضات، جاءت المفاجأة من واشنطن، قبل ساعات قليلة من انتهاء المهلة: أعلن رئيس الولايات المتحدة بنفسه تمديد وقف إطلاق النار مع إيران «حتى إشعار آخر»، من أجل إعطاء فرصة للمفاوضات. وتعددت التفسيرات لهذا القرار: هل يشعر الرئيس الأميركي بأنه محاصر في هذه الحرب أم أنه يحضر لهجوم مفاجئ؟... مر الأسبوع على وقع التصريحات من كلا الجانبين، ولا سيما من الجانب الإيراني الذي يصر على رفض التوجه إلى مفاوضات لا «تؤدي إلى أي مكان». من الواضح أن الإيرانيين، الغاضبين من الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة، يواصلون مقاومة المطالب الأميركية المتعلقة بالصواريخ الباليستية والملف النووي والأذرع المسلحة في المنطقة... ومع ذلك، بدأت تلوح في الأفق معلومات عن خلافات حادة بين أقطاب النظام الإيراني، والتي ستبلغ ذروتها مع استقالة رئيس البرلمان الإيراني، محمد قاليباف، من وفد التفاوض. فهل تهدف هذه المهلة الأميركية إلى إتاحة الوقت لتبلور هذه الخلافات؟ يوم الجمعة، سافر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام أباد، وحرص على توضيح أنه لم يذهب إلى هناك إلا لإجراء محادثات مع نظرائه الباكستانيين. وفي الواقع، فقد نقل خارطة طريق إيرانية جديدة موجهة للأميركيين، والتي دفع مضمونها الرئيس ترامب إلى إلغاء رحلة مبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى باكستان، مما يعني بوضوح أنه لن يعطي الضوء الأخضر لهذه الرحلة إلا إذا أظهر الإيرانيون مزيداً من الانخراط في هذه المحادثات. على صعيد العمليات العسكرية، يستمر الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية، ويبدو أنه يخنق بالفعل ما تبقى من الاقتصاد الإيراني، ومن هنا تأتي العدوانية المتزايدة للحرس الثوري الذي تتصاعد خطابات تهديداته ضد الجيش الأميركي والدول المجاورة. ولا يزال مضيق هرمز مغلقاً بحكم الأمر الواقع، مع كل التداعيات المتوقعة على الاقتصاد العالمي. في هذا السياق، تم الإبلاغ عن حادث يتعلق بالعراق يوم السبت: فبينما أدى وقف إطلاق النار إلى تخفيف الخناق على دول الخليج التي كانت هدفاً للصواريخ الإيرانية منذ بداية هذه الحرب، أصابت نيران طائرات مسيرة يُرجح أنها من جماعة موالية لإيران في العراق، مواقع حدودية في الكويت. وعلى الرغم من أن السلطات العراقية نددت بالحادث بشدة، إلا أنه أظهر مدى ضعف سيطرة القادة العراقيين على الميليشيات التي لا تزال تعمل على الأراضي العراقية. جولة ثانية من المفاوضات في البيت الأبيض كان الأسبوع في لبنان أكثر اضطراباً مما هو عليه في إيران، لا سيما على الصعيد الدبلوماسي. فقد عقد اللقاء المباشر الثاني الإسرائيلي-اللبناني يوم الخميس في واشنطن، مرة أخرى بين سفيرة لبنان ندى معوض وسفير إسرائيل يحيئيل لايتر. غير أن هذا اللقاء الثاني أخذ بُعداً مختلفاً عن الأول كونه عُقد في البيت الأبيض، في المكتب البيضاوي، وليس في وزارة الخارجية، علاوة على ذلك، بحضور الرئيس ترامب، ونائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، والسفير الأميركي في بيروت، ميشيل عيسى. وما يمكن استخلاصه من هذا اللقاء الذي وُصف بـ «التاريخي»، هو تمديد وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل لمدة ثلاثة أسابيع (كان لبنان قد طلب 60 يوماً)، بالإضافة إلى إعلان لترامب أشار فيه إلى أن وقف التمويل الإيراني لحزب الله سيصبح شرطاً «لا غنى عنه» في المفاوضات الإيرانية-الأميركية. وبعيداً عن هذه اللحظة، يطرح مسار هذه المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل عدة علامات استفهام: إلى أي مدى يمكن للرئيس اللبناني جوزيف عون أن يذهب، علماً أن الرئيس الأميركي يبدو في عجلة من أمره لتحقيق نجاح دبلوماسي، مصراً مرة أخرى على ضرورة جمع عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، وهو احتمال يواصل الأول استبعاده؟ وكيف يمكن لجوزيف عون تجاوز المعارضة القوية للثنائي الشيعي لهذه المفاوضات؟ في جميع الأحوال، أعرب الرئيس اللبناني عن تصميمه على المضي قدماً في هذا المسار «لإنقاذ البلاد» وإعادة السيادة الكاملة للدولة اللبنانية على قرار الحرب والسلم، كما أكد خلال مشاركته في قمة أوروبية في قبرص يوم الجمعة. وعلى الساحة الداخلية، واصل حزب الله هجماته الكلامية ضد هذه المفاوضات، مطالباً الدولة بوضع حد لها. من جهته، صرح رئيس البرلمان وزعيم حركة أمل، نبيه بري، هذا الأسبوع، في المجمل، بأنه ليس ضد المفاوضات، لكنه يفضل أن تكون غير مباشرة. مشاورات في قبرص كان الحراك الدبلوماسي المتعلق بالوضع في لبنان مكثفاً أيضاً هذا الأسبوع. في قبرص، أجرى الرئيس عون محادثات مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني، والرئيس السوري أحمد الشرع وقادة عرب آخرين. واستُقبل رئيس الوزراء نواف سلام في قصر الإليزيه في 25 أبريل، وكان خطابه في لوكسمبورغ أمام مجلس أوروبا متناغماً مع الحزم الذي اتسم به خطاب الرئيس عون في قبرص. أما الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، فقد استقبله الرئيس الشرع في دمشق، يوم السبت. علاوة على ذلك، تم تفعيل الدور السعودي هذا الأسبوع من خلال مهمة المبعوث يزيد بن فرحان في بيروت، بعد زيارة قام بها مبعوث لبري إلى المملكة العربية السعودية قبل بضعة أيام. على أي حال، تتركز الأنظار على اجتماع مقرر يوم الاثنين بين أقطاب السلطة اللبنانية الثلاثة، جوزيف عون، ونبيه بري، ونواف سلام، في قصر بعبدا، لمناقشة طرائق المفاوضات، بحسب معلومات الجديد. فهل سيكون بداية لجبهة مشتركة موحدة على هذا الصعيد أم أنه سيكرس الخلافات القائمة؟ استئناف الغارات في الجنوب فيما يتعلق بالوضع الميداني في جنوب لبنان، انتهى الأسبوع بموقف نتنياهو الذي أعطى الأمر للجيش الإسرائيلي بمهاجمة مواقع حزب الله في لبنان «بقوة». وسرعان ما استأنف طيران الجيش الإسرائيلي غاراته ضد منشآت الحزب الموالي لإيران في المنطقة الجنوبية من البلاد دون توسيع هجماته إلى العمق والضاحية الجنوبية. وفي ليلة السبت، تم شن خمس عشرة غارة. وتواصلت الهجمات الجوية نهار الأحد، ولا سيما في منطقتي النبطية وبنت جبيل. بالإضافة إلى ذلك، اتسمت نهاية الأسبوع بهجوم إسرائيلي بطائرة مسيرة أودى بحياة صحفية من الصحيفة الموالية لحزب الله الأخبار ، آمال خليل، في قرية الطيري، في قضاء بنت جبيل. وكانت هذه المأساة مروعة بشكل خاص لأن الطائرة المسيرة لاحقت الصحفية، مع زميلة لها، إلى المنزل الذي تحصنت فيه، ومُنع رجال الإنقاذ من الوصول إليها لعدة ساعات. ومن المتوقع أن يتقدم لبنان بشكوى أمام الهيئات الدولية، بحسب وزير الإعلام. من ناحية أخرى، وقع حادثان خطيران آخران في بيروت الكبرى مساء السبت: أدى تدخل عنيف لأمن الدولة ضد مالك مولدات (مسؤول في تيار المستقبل التابع لسعد الحريري) في حي ساقية الجنزير إلى أعمال شغب وإغلاق طرق في عدة أحياء سنية في بيروت. والضابط الذي قاد وحدة أمن الدولة التي قامت بهذا التدخل التعسفي مقرب من حزب الله، وهو ما يفسر الانتفاضة الشعبية التي شهدتها الأحياء السنية. وإثر هذا التوتر، فتح مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية تحقيقاً واستجوب الضابط المذكور وعناصر الجهاز الأمني المتورطين في القضية. حادث خطير آخر وقع مساء السبت: الاعتداء الذي تعرض له عنصر في بلدية الفنار وكاهن رعية الفنار من قبل مناصرين لحزب الله، مما أثار توتراً شديداً بين سكان هذه الضاحية البيروتية. وتم إلقاء القبض على المعتديين وتسليمهما إلى شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي.

خلف "الخط الأصفر"، ظلّ "إسرائيل الكبرى"؟
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

ملاحظة: الدراسة التالية لا تُقرأ دفعة واحدة، بل على أجزاء - وربما يكون من الأفضل طباعتها بدلاً من قراءتها على جهاز رقمي، خاصة الهاتف المحمول. يتقدم المؤلف باعتذاره مسبقاً للقارئ، لكن المنهج الأكاديمي المتبع لا يسمح بتقسيمها إلى مقالات عدة أو تقديم ملخص قد يضعف مضمونها وفوارقها الدقيقة. لذا، فالخطأ يقع على عاتقي (Mea maxima culpa). في مطلع أبريل 2026، أطلقت إسرائيل “خريطة جديدة” للجنوب اللبناني، تُبرز منطقةً تمتدّ قرابة عشرة كيلومترات شمال الحدود داخل الأراضي اللبنانية، مُلوَّنةً باللون الأصفر، تمثيلاً للمساحة الجغرافية التي باتت قواتها تحتلّها منذ بدء عمليتها العسكرية في مارس الماضي. هذا الخط الفاصل، الذي أخذ بحكم الأمر الواقع اسم “الخط الأصفر”، يُقدّمه المسؤولون الإسرائيليون بوصفه حقيقةً ميدانيةً تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، يرافقها حظرٌ مفروضٌ على سكّان خمسةٍ وخمسين بلدةً لبنانيةً يمنعهم من العودة إلى ديارهم. والنموذج المُعتمَد، بحسب ما أقرّ به الضباط العسكريون الإسرائيليون أنفسهم، هو ذاته المُطبَّق في غزة. والتجربة تشهد: إسرائيل لا تُبدع في الارتجال التكتيكي. وعلى الصعيد الرمزي، لا تخلو هذه الخريطة من أن تُجسّد انبعاث ذاكرةٍ إقليميةٍ تجتاز تاريخ الصهيونية منذ نشأتها، وهي ذاكرةٌ تعيد تنشيطها ظروف الفترة 2024–2026 — من انهيار حزب الله بوصفه قوّةً عسكريةً من الصفّ الأوّل، ومن تفكّك الإمبراطورية الإيرانية، وتلك التناغمات الانتهازية الحادّة بين دونالد ترامب وتل أبيب — بجرأةٍ لم تُعرف منذ عام 1967. فحتى في عشيّة هدنة نوفمبر 2024، كانت إسرائيل على وشك توطيد خطٍّ عازلٍ أفقي يمتدّ من الناقورة إلى كفرشوبا، بعرضٍ يبلغ نحو مئة كيلومتر وعمقٍ يتراوح بين سبعة وعشرة كيلومترات، ليُشكّل ما يناهز 452 كيلومتراً مربعاً من الأراضي اللبنانية تحت السيطرة الإسرائيلية الفعلية. وخلف هذا الخط الأوّل، كان المخطّطون العسكريون الإسرائيليون يُطوّرون محيطاً دفاعياً ثانياً بين الليطاني والأوّلي، يُسمّى داخلياً «منطقة الصيد والملاحقة”. وقد صرّح نتنياهو بنفسه قائلاً: “كلّ موقعٍ إرهابي — وهي مواقع كثيرة — يُسوَّى بالأرض ببساطة”، مضيفاً أنّ الجيش الإسرائيلي “وسّع وجوده في لبنان إلى ما هو أبعد من المواقع الخمس المُقامة في عام 2024” ليُشكّل — على حدّ تعبيره — “منطقةً أمنيةً متينةً وأعمق.” والواضح، استناداً إلى تصريحات القادة الإسرائيليين، أنّ نيّة الانسحاب من هذه المنطقة لا تبدو واردةً في الأشهر المقبلة، ولا في الأعوام القادمة. وهدم القرى بأسرها هدماً منهجياً دليلٌ ساطع على ذلك. فثمّة فراغٌ ديموغرافي تعمد تل أبيب إلى صناعته، وهذا ليس مفاجئاً البتة؛ إذ إسرائيل أتقنت هذه الطريقة منذ عام 1948. فما “الخط الأصفر” — خارج نطاق الاحتلال الاستراتيجي ذي الغاية الأمنية — إلّا مصدرٌ لإحياء الهواجس من ضمٍّ صريح وشاملٍ في إطار مشروعٍ إمبرياليٍّ عتيقٍ وأوسع مدى. جغرافيا الرغبة وللإحاطة بهذا الهاجس المشروع، والتصوّر المصاحب له لمنطق العمليات الإسرائيلية وما يُحرّكها، لا بدّ من الرجوع إلى المصفوفة الأيديولوجية للمشروع الصهيوني في أساسه. ولا شكّ أنّ الطموح الإقليمي الإسرائيلي تبدّل بحسب التيارات والحقب، غير أنّه كان حاضراً على الدوام؛ ولهذا يبدو من الضروري، في سياق هذه الدراسة، محاولة تتبّع نسبه الأيديولوجي. فـ”أرتس يسرائيل هشليما” — أي «أرض إسرائيل الكاملة» — هي تعبيرٌ يحمل دلالاتٍ دينيةً وسياسيةً متشعّبةً ومتحوّلة. وقد تراوحت الهواجس الإقليمية، بتقلّبات الحركات القومية والصهيونية، بين الصهيونية العمالية والصهيونية التنقيحية والصهيونية الدينية، وأمكن استخلاص تعريفين محوريين: أحدهما أضيق، يُشير إلى إسرائيل مضمومةً إليها هضبة الجولان والضفة الغربية وغزة، والآخر أقصى، يُشير إلى الرقعة الشاسعة الممتدّة من النيل إلى الفرات. وقد رسم تيودور هرتسل، أبو الصهيونية السياسية، هذا الأفق بنفسه خلال محادثةٍ مع ماكس بودنهايمر، إذ دوّن في يومياته أنّ الدولة اليهودية ينبغي أن تمتدّ “من نهر مصر إلى الفرات.” ومنذ ذلك الحين، يتردّد هذا التعبير بانتظامٍ في الأدبيات السياسية الإسرائيلية وفي تصريحات المسؤولين — من بينهم، في عام 2024، الناشطة دانييلا وايس التي جزمت: “نعلم، بموجب الكتاب المقدّس، أنّ الحدود الحقيقية لإسرائيل الكبرى تمتدّ من الفرات إلى النيل.” بيد أنّ الاستراتيجية الفعلية للدولة العبرية تشكّلت في المنطقة الوسطى بين هذين القطبين: المُطلق التوراتي من جهة، وبراغماتية المراحل من جهة أخرى. ولم تُصَغ هذه الجدلية بوضوحٍ مثل ذاك الوضوح الذي انطوت عليه الرسالة الشهيرة التي كتبها دافيد بن غوريون إلى ابنه آموس في الخامس من أكتوبر 1937، في أعقاب لجنة بيل. مجرّد “البداية” أرسلت الحكومة البريطانية لجنتها الملكية حول فلسطين في أعقاب اندلاع الثورة العربية الكبرى عام 1936، مُكلَّفةً باقتراح تعديلاتٍ على الانتداب البريطاني. وفي عام 1937، اقترحت إلغاء الانتداب وتقسيم فلسطين إلى دولتين: دولةٌ عربيةٌ في الجنوب ودولةٌ يهوديةٌ في الشمال. وبن غوريون، مثيراً دهشة كثيرٍ من رفاقه المؤمنين بـ”إسرائيل الكبرى”، وافق على ذلك. غير أنّ هذه الموافقة كانت براغماتيةً تكتيكية، لا تخلّياً عن الأيديولوجيا الصهيونية. وفي رسالته إلى ابنه، كتب بن غوريون: “افتراضي — وهو السبب في أنّني مدافعٌ متحمّسٌ عن الدولة، حتى وإن كانت مرتبطةً بالتقسيم — هو أنّ دولةً يهوديةً على جزءٍ فحسب من البلاد ليست النهاية بل البداية. (…) لأنّ هذا التزايد في الحيازة لا يهمّ في ذاته وحسب، بل لأنّنا من خلاله نزيد قوّتنا، وكلّ زيادةٍ في القوّة تُساعد في حيازة البلد كلّه. إنشاء الدولة، ولو على جزءٍ من البلاد، هو أقصى ما يمكن من تعزيز قوّتنا في الوقت الراهن، وزخمٌ هائلٌ لجهودنا التاريخية في تحرير البلاد بأسرها.” هذا المنطق البارد القائم على قبول ما يمكن تحصيله اليوم استعداداً لما يُرغب فيه غداً هو حجر الزاوية في الاستراتيجية الصهيونية منذ نشأتها. ويُفسّر ذلك، بالتالي، لماذا كانت كلّ إيماءة — سواءٌ أكانت وقف إطلاق نار أم اتفاقاً أم انسحاباً جزئياً أم غيره — تُقدَّم دائماً على أنّها موقّتة من قِبَل المنادين بإسرائيل الكبرى. فالزمن ليس زمن الغموض الراكد، بل هو زمنٌ لروايةٍ متواصلةٍ في تشكّلٍ دائم. وفي عام 1954، تكشف يوميات موشيه شاريت أنّ بن غوريون كان يصف لبنان بأنّه «الحلقة الأضعف» في جامعة الدول العربية، مقترحاً إنشاء كيانٍ سياسيٍّ منفصل وضمّ الجنوب حتى الليطاني. أمّا موشيه ديان فكان يوصي باستغلال الانقسامات الداخلية اللبنانية لتسهيل التدخّل والسيطرة في نهاية المطاف — وهو ما جرت محاولته، بالنجاح النسبي الذي تسجّله الوقائع، من خلال توظيف فاعلينَ موالينَ للمشروع (الجبهة اللبنانية إبّان السبعينيات والثمانينيات، ثم سعد حداد) وفاعلينَ ظاهريين في موقع الخصومة (حزب الله…). بيد أنّ الأسد هو من أتقن الأسلوب إتقاناً تاماً. ومنذ مطلع الستينيات، كان يتسحاق رابين بدوره يُعرّف الليطاني بوصفه الحدود الشمالية المثلى. أمّا نتنياهو، فيكفي الإصغاء إلى تصريحات وزرائه — إيتامار بن غفير وبتسلئيل سموتريش مثلاً — لإدراك أنّه في الخيال السياسي الإسرائيلي، ثمّة جزءٌ من لبنان على الأقل يُعدّ من حقّ إسرائيل. هاجس الليطاني عند تصفّح الكتابات المتعلّقة بالموقف الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، يتّضح أنّ مسألة الليطاني هي من أعتق الهواجس وأشدّها ثباتاً في الجيوسياسة الإسرائيلية، وتمتدّ جذورها إلى مؤتمر السلام في باريس عام 1919. ففي ذلك المؤتمر، قدّم حاييم وايزمان ودافيد بن غوريون خريطةً بالحدود المنشودة للدولة اليهودية المرتقبة تضمّنت الليطاني. إلّا أنّ اتفاقية سايكس-بيكو لعام 1915، التي سبق بموجبها لبريطانيا وفرنسا أن رسمتا الحدود بين لبنان وفلسطين، أحبطت مساعيهما. وبإلحاحٍ من باريس، بقي الليطاني لبنانياً. غير أنّ المطالبة الإسرائيلية لم تتبدّد. فقد ظلّ بن غوريون يؤكّد: “من الضروري ألّا تقع مصادر المياه التي يتوقّف عليها مستقبل البلاد خارج حدود الوطن اليهودي المنشود. ولهذا السبب طالبنا دائماً بأن تشمل أرض إسرائيل الضفاف الجنوبية للليطاني ومنابع الأردن ومنطقة الحوران.” وفي عام 1978، أطلقت إسرائيل على اجتياحها جنوب لبنان اسم «عملية الليطاني»، معلنةً أنّ الهدف المُعلَن هو الوصول إلى النهر. ومنذ عام 2025، تُشنّ حملةٌ علنيةٌ من قِبَل حركة مستوطنين إسرائيليين تُسمّى “أوري تسافون” تطالب بضمّ جنوب لبنان حتى الليطاني، مؤكّدةً أنّ “جنوب لبنان ليس سوى الجليل الشمالي.” والبُعد المائي لهذا المشروع ليس هامشياً. فالماء موردٌ استراتيجيٌّ في منطقةٍ جافّة، وبعد حرب 1967، صرّح وزير الدفاع موشيه ديان بأنّ إسرائيل حقّقت «حدوداً مُرضيةً بصفةٍ مؤقّتة، باستثناء تلك المتاخمة للبنان» — أي الليطاني، في مرمى اليد… غير متناوَل دائماً. لم يعد كذلك. وغنيٌّ عن البيان أنّ اكتشاف الغاز البحري في المياه المحاذية لجنوب الليطاني لم يُهدّئ الأطماع الإسرائيلية. بل على العكس تماماً… خطة يينون ومذهب التفتيت إن كانت رسالة بن غوريون من عام 1954 تُمثّل نوعاً من إعلان النوايا والخطة البنيوية التدريجية بالمراحل، فإنّ الوثيقة الشهيرة التي نشرها عوديد يينون عام 1982 في المجلة العبرية «كيفونيم» تُمثّل ترجمتها الاستراتيجية الأكثر صراحةً ومنهجية. ففي فبراير 1982، نشر يينون — المستشار السابق المزعوم لأرييل شارون والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الإسرائيلية — مقالاً بعنوان “استراتيجية إسرائيل في الثمانينيات”، يحلّل فيه مواطن ضعف الدول العربية ويخلص إلى أنّ على إسرائيل السعي نحو تفتيت العالم العربي إلى فسيفساءٍ من التجمّعات العرقية والطائفية. وزعم أنّ “كلّ شكلٍ من أشكال المواجهة العربية-العربية” سيكون في المدى القصير في صالح إسرائيل. وتنطلق الخطة من مقدّمتين أساسيتين: بقاءُ إسرائيل يستوجب أن تتحوّل إلى قوّةٍ إمبريالية إقليمية، وأن تُنتِج تقسيم المنطقة إلى دويلاتٍ صغيرة بحلّ جميع الدول العربية القائمة، تتحدّد أحجامها وفق التركيبة العرقية أو الطائفية لكلّ رقعة. ولبنانُ يحتلّ مكانةً خاصةً في هذه الخطة: إذ رأى فيه يينون نذيراً ومؤشّراً على ما ستؤول إليه الأمور في سائر العالم العربي، على نحوٍ تُشكّل اضطراباته سابقةً موجِّهةً للاستراتيجيات الإسرائيلية على المدى القريب والبعيد. ويبدو أنّه وجد آذاناً صاغية على أقلّ تقدير… وقد استقطبت خطة يينون بطبيعة الحال قراءاتٍ ومراجعاتٍ متعدّدة منذ عام 1982، إذ يرى بعض المعلّقين أنّها تصف بصورةٍ نبوئيةٍ أو برنامجية ما جرى فعلاً في منطقة الشرق الأوسط على مدار الأربعين سنة الماضية: لا سيما إقامة مناطق عازلة داخل لبنان، وضمّ أراضٍ سوريةٍ وراء الجولان، والدعم المُقدَّم للنظام العلوي في سوريا في مواجهة الأغلبية السنّية، وتعزيز النفوذ الإيراني في المشرق لزعزعة الأنظمة العربية، وإزالة السدّ الذي مثّله صدام حسين في العراق، ودعم المجموعات الدرزية والكردية الداعية إلى سوريا مُجزَّأة، والضربات على العراق واليمن، وحتى بروز حماس بهدف إضعاف فتح… وكلّ ذلك كان قد وضع، وفق ما يرى محلّلون مختلفون، صيغةً جديدةً من سايكس-بيكو محورها خطة يينون. والإشكال، بداهةً، يكمن في الوقوع في المنطق التآمري الذي يخلط بين قدرة الدولة العبرية على توجيه المسار السياسي في الاتجاه الملائم لمصالحها، وبين مخطّطٍ كبيرٍ مُحبَكٍ قبل نصف قرن… على غرار خطة كيسنجر الشهيرة للبنان، التي تبقى وظيفتها الخفيّة إعفاءَ أطرافها من تحمّل تبعات أخطائهم التكتيكية والاستراتيجية باسم القدر الحتمي… هذا ضربٌ من التساهل المريح. نتنياهو وانكشافه الخرائطي إن كان ثمّة سمةٌ خاصّةٌ ببنيامين نتنياهو، فهي قدرته على الانتقال دون أيّ تحفّظٍ من الأيديولوجيا إلى الممارسة، مصحوباً بنشوةٍ استعراضيةٍ لافتة. والرجل ووزراؤه المُشار إليهم بعيدون كلّ البُعد عن ممارسة فنّ البلاغة الدبلوماسية المُحتاطة أو التقيّة. وشغفه بالخرائط الجغرافية موثَّقٌ منذ عام 1990، ومن المرجّح جداً أنّه، بدلاً من أن يكون مجرّد عفويةٍ عابرة، نابعٌ من حسابٍ مدروس — ضربٌ من الحكم الرمزي بالصورة. ففي الثاني والعشرين من سبتمبر 2023، قبل أسبوعين من هجوم حماس، عرض نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خريطةً بعنوان “الشرق الأوسط الجديد”، لم تتضمّن لا الضفة الغربية ولا القدس الشرقية ولا غزة، مُدرِجاً بذلك هذه الأراضي فعلياً في جسم الدولة الإسرائيلية. وقبل ذلك في الخطاب ذاته، عرض خريطةً لإسرائيل عام 1948 تضمّنت الأراضي الفلسطينية ضمن الدولة الجديدة. وإن كانت الإدانة قد ارتفعت، فلم تمضِ وقتاً طويلاً… وجاء الهجوم الذي دبّره السنوار ورفاقه ليمحو تلك الإهانة الكبرى للقانون الدولي أمام الجمعية العامة من ذاكرة العالم. ولافتٌ للغاية أنّه في زمنٍ تتباهى فيه بعض الدول الأوروبية بغيرةٍ مفرطة في تقييد الحريات العامة عبر مشاريع قوانين من قبيل ما يُسمى بـ”قانون يادان”، غاب عن الأذهان جميعاً عرضُ بيبي الذي محا فلسطين بجرّة خريطة، رابطاً بذلك “النهر بالبحر.” وذلك العرض لم يكن قطعاً حادثةً دبلوماسيةً عرضية. ففي مستهلّ عام 2025، قبيل توجّهه إلى واشنطن، كان نتنياهو قد وعد في تصريحٍ بـ”إعادة رسم” خريطة الشرق الأوسط، في إشارةٍ إلى خطة حكومته لإقامة “إسرائيل الكبرى” التي تضمّ كامل الأراضي الفلسطينية وأجزاءً وافرةً من الدول المجاورة. وفي هذه الحكومة، يُمثّل سموتريش وبن غفير الجناح الأكثر صراحةً وجهاراً. ففي الثالث والعشرين من مارس 2026، مَثَل سموتريش أمام كتلته البرلمانية في الكنيست واستحضر صراحةً الليطاني بوصفه الخطّ المحدِّد لمنطقة نفوذٍ إسرائيليٍّ شمالي، مُماثِلاً بين ذلك وما يجري في غزة وسوريا. فهل يستجيب اختفاء قرى بأسرها من الجنوب اللبناني — المحيتُ بها على الأرجح من الخريطة إلى الأبد في التصوّر الإسرائيلي — لاعتباراتٍ أمنيةٍ حصراً؟ هذا سؤالٌ يستوجب الطرح بحدّة، وينبغي بالضرورة أن يُثار في إطار المفاوضات من قِبَل دولةٍ لبنانيةٍ حريصةٍ على صون سيادتها وسلامتها الإقليمية والدفاع عن حقوقها في مواجهة الاحتلال. الجولان: مختبر الضمّ الدائم ولعلّ مسار الجولان هو الذي يقدّم السابقة الأكثر اكتمالاً وأهميةً لمنهج الضمّ التدريجي الذي يميّز الأسلوب الإسرائيلي. فقد احتُلّ الجولان عام 1967، وضُمّ من جانبٍ واحد عام 1981 في تصرّفٍ رفض المجتمع الدولي الاعتراف به على مدى عقودٍ — وهو ما تنازل عنه الأسد بسخاءٍ لحليفه الضمني ثمناً لبقائه في السلطة في دمشق إلى أجلٍ غير مسمّى — ثم جاء الاعتراف الفعلي بسيادة إسرائيل على الجولان من دونالد ترامب عام 2019، في ما شكّل الفعل الأوّل في سلسلةٍ من إعادة الصياغة المعيارية لا تزال تتفاعل. ومنذ انهيار نظام الأسد في ديسمبر 2024، مدّت إسرائيل نفوذها العسكري في الأراضي السورية إلى ما وراء المنطقة العازلة المرسومة عام 1974، مُرسِّخةً وقائع جديدة على الأرض. وهذا النموذج القائم على منطق الاحتلال / الاستيطان / الأمر الواقع / الاعتراف المؤجَّل هو تحديداً ما يبدو أنّ الخط الأصفر في الجنوب اللبناني يسعى إلى استنساخه، مع ما يقتضيه السياق المختلف ومقاومةٌ ذات طابعٍ مغاير. منطق “العتبات”: من الأسطورة التأسيسية إلى البرنامج السياسي ومن الضروري هنا، مرّةً أخرى، إدراج نُكتةٍ تحليليةٍ لا غنى عنها، حتى لا نقع في فخّ نظرية المؤامرة حيث الأصحّ قراءة التوتّر البنيوي بين الأسطورة التأسيسية والقرار السياسي. فـ«أرتس يسرائيل هشليما» لم يدخل في التداول السياسي الرائج إلّا بعد حرب 1967. فطوال حقبة الانتداب (1920–1948)، كان المعسكر الصهيوني منقسماً. فريقٌ ساند المناضل زئيف جابوتينسكي، الذي احتجّ بأنّ ضفّتَي الأردن كلتيهما وُعِدتا لليهود في إعلان بلفور. وآخرون، مع بن غوريون، قبلوا بإطار الانتداب البريطاني على فلسطين الغربية. ومع صعود الليكود، وارث التيار التنقيحي الجابوتينسكي، اتّسع انتشار هذا المصطلح وغدا مشروع الضمّ الشامل الهدفَ المحوري للتحالف الحاكم. وإذا كانت الأحلام الإقليمية لليمين الصهيوني تبدو في السابق لا أكثر من أوهامٍ استعمارية دون مستقبل، فإنّ مجريات الأحداث اليوم في غزة ولبنان وسوريا تُثبت أنّ آمال يمينٍ متطرّفٍ إسرائيليٍّ في صعودٍ متواصل باتت أقرب إلى التحقّق من أيّ وقتٍ مضى. فالحدّ الفاصل بين الأسطورة والواقع لم يكن يوماً بهذا التلاشي. ولعلّ من المناسب إعادة تأطير هذا الانبعاث الشديد لـ”إسرائيل الكبرى” في سياق ريح “الحنين إلى عصرٍ ذهبيٍّ أسطوري” التي تُيقظ نداءات الإمبراطوريات من سباتها — كما وصفها سمير فرنجية في مقابلةٍ قُبيل رحيله. من بوتين مع أوكرانيا ودول البلطيق، إلى ترامب مع فنزويلا وكوبا، مروراً بالصين وتايوان، أو تركيا أردوغان وشياطين الإمبراطورية العثمانية، دون أن ننسى إمبراطورية دولة الفقيه التي تلفظ أنفاسها تحت وابل القنابل الأمريكية الإسرائيلية… إنّها عاصفةٌ من الغطرسة الإمبريالية تجتاح العالم أجمع. والأسطورة الإمبريالية تُشكّل في هذا الإطار أفقاً للرغبة يهيمن على التفكير الاستراتيجي لجزءٍ لا يُستهان به من المؤسسة الإسرائيلية، يضبط طموحاتها وفق ما تُتيحه موازين القوى الإقليمية والدولية في كلّ لحظة. فالخريطة الجديدة ليست بالطبع خريطة الفرات إلى النيل. لكنّها قد تكون خطوةً نحو تلك الخريطة. وقد أنذر بن غوريون عام 1937 بأنّ المراحل هي تحديداً ما يهمّ. لم يكن يكذب. ونتنياهو اليوم لا يتبجّح بالكلام. وفي مرحلةٍ ما، سيكون لزاماً الخروج من المفاخرات المحلية المضادّة التي ترى في إسرائيل قوّةً مُنهَكةً على حافّة الانهيار في سكرات الموت. فتل أبيب في حالة حرب منذ ثلاث سنوات، وهي في هذا القرب من الهدف، فلِمَ تتخلّى عنه — لا سيما أنّها لم تحظَ قطّ بدعمٍ بهذه اللاهدوائية من حليفها الأمريكي؟ ما قد يبشّر به “الخط الأصفر” في ختام هذا العرض، يستوجب الأمر الإجابة عن التساؤل حول ما إذا كانت “الخط الأصفر” ذات طابعٍ أمنيٍّ صرف، مرتبطاً بالمبدأ الأوّل القاضي بضمان ثبات الشمال الإسرائيلي في مواجهة أيّ اعتداءٍ محتمَل. وإن كان من المتعذّر بطبيعة الحال الإجابة عن هذا التساؤل بيقينٍ قاطع، فلا يزال بإمكاننا القول إنّ خطاب نتنياهو وسلوكه وسلوك وزرائه جليٌّ وكاد يكون شفّافاً في هذه المسألة. فلماذا لا نُصغي إليهم؟ فضلاً عن ذلك، إذا كانت تل أبيب تمتلك الآن حججاً ذهبية — الذريعة الانتقامية التي أهداها إياها حزب الله بمبادرته لثأرٍ من خامنئي — إلى جانب إفلاتٍ تامٍّ من العقاب وتوافقٍ نادر في الملابسات السياسية لتنفيذ مشروعها، فلماذا لا تفعل ذلك، ولا سيما في سياقٍ إقليميٍّ وعالميٍّ مُضطربٍ تماماً تغدو فيه الأمم المتحدة والقانون الدولي بلا قيمةٍ تُذكر؟ قد تكون الفرصة مُتفرّدة. وإنّ الضمّ الفعلي لجنوب لبنان يُمثّل بلا شكٍّ محاولةً لترسيخ أمرٍ واقعٍ إقليمي في غياب أيّ إطارٍ قانونيٍّ دوليٍّ معترَفٍ به، مستنداً إلى سابقة غزة وإلى الدعم السياسي لإدارة ترامب. بل ذهب المبعوث الأمريكي توم باراك إلى حدّ التلميح بإنشاء “منطقةٍ اقتصاديةٍ لبنانية” تحلّ محلّ القرى الحدودية العريقة. كما في غزة تماماً. الشكل الرسمي للسلب في كامل بهائه، مُقرونٌ بإغراء نعيم التقدّم والتنمية. بروباغندا “إيجابية” غريبة مبنية على البؤس الإنساني. تهديم المنازل، وهدم البنية التحتية، وحظر عودة السكّان… كلّ ذلك لا يخلو من رسم ملامح مشروعٍ يتجاوز الأمن وينال على الوجه الجليّ — بالأدلّة الموثّقة — من الديموغرافيا والجغرافيا البشرية، وربما من التعديل الدائم للمساحة الحدودية. من مؤتمر السلام عام 1919 إلى النقاشات الداخلية في الخمسينيات، من خطة يينون إلى خطابات التحالف الحاكم الراهن، لم تُعتبر الحدود الشمالية لإسرائيل محسومةً نهائياً. بل إنّ ثمّة أطماعاً إسرائيليةً شرهة تُخيّل لنفسها لذّة الضمّ حتى صور. وربما أبعد من ذلك. من يدري؟ في عالمٍ مُنفجرٍ يتعمّد إدارة بصره جهةً أخرى، لا حدود للخيال والهذيان. ما قد تكشف عنه “الخط الأصفر”، في المحصّلة، هو أنّ حلم “إسرائيل الكبرى” — بتجلّياته المتنوّعة ومتغيّراته المتشكّلة — يُعاش راهناً في زمن المضارع. تماماً كما تُعاش أحلام الإمبراطوريات الأخرى الزائلة. والجنوب اللبناني في عام 2026 هو، بلا شكّ — كما كانت غزة في 2025–2026 — المسرح الأكثر مباشرةً وإيلاماً لكلّ ذلك. مع خطر التشابه التدريجي في المصير. التخلّص من أسطورة لبنانية بيد أنّ ثمّة — ولا بدّ من الختم بهذه الملاحظة الحتمية — ما لا يمكن لكلّ ما سبق أن يُبرّره: الخطاب الذي يُروّج له المنادون بالممانعة، القائل بأنّ طمع إسرائيل يُثبت أنّ الحرب كانت ستقع على أيّ حال، وأنّ علينا التوقّف عن تحميل حزب الله مسؤولية ما يجري. حان الوقت للإجهاز على هذا المفتاح الجاهز للحجج الذي يسعى إلى تبرير كلّ ما يفعله الحزب — وعلى سخريةٍ مروّعة، كلّ ما تفعله إسرائيل أيضاً — بفضل قانونٍ مزيّفٍ للحتمية. وهذه القراءة تتجاهل، جهلاً أو سوء نيّة، جملةً من العوامل. دون الخوض في كلّ الجدليات العقيمة التي رُسمت لتبرير حرب حزب الله، يكفي التوقّف عند واحدةٍ منها: إذا كانت «المقاومة» مشروعةً في مواجهة دولةٍ لا تزال تطمع في أراضي جيرانها، فإنّ القرار بذلك لا يعود إلّا إلى الدولة اللبنانية، لا إلى جماعةٍ شبه عسكرية تابعةٍ لإيران تُمليت خلال خمسةٍ وعشرين عاماً ما تشاء — لا الحرب والسلم وحسب، بل أيضاً ما يُباح قوله وفعله، ومن يستحقّ الحياة أو الموت — على سائر مكوّنات المجتمع اللبناني، استناداً إلى مشروعٍ سياسيٍّ إمبرياليٍّ لا يعدو فيه لبنان كونه مقاطعةً وليس اللبنانيون سوى وقودٍ بشري. وإذا كانت الدولة عاجزةً حتى الآن عن الاضطلاع بهذا الدور السيادي، فتحديداً لأنّ حصان طروادة الإيراني من الداخل كان يأبى إعادة هذه الصلاحية إليها، وفاءً أعمى للإرادة الهيمنية الإيرانية. وقد كانت تجربة “المقاومة الإسلامية” لحزب الله كارثةً وطنيةً على كلّ المستويات — ولم تنتهِ بعد. إنّ “فارس الكبرى”، التي ليس حزب الله سوى امتدادٍ لها، لم تتلقَّ قطّ تفويضاً من الشعب اللبناني لمواجهة مشروع إسرائيل الكبرى. لبنان الكبير وحده قادرٌ على ذلك — رمزياً وعملياً، بكلّ الوسائل المشروعة، وأوّلها الدبلوماسية. إذن، في مواجهة إسرائيل الكبرى، لبنان الكبير. فقط. .