شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
عنصر ميليشيا تبدو عليه السعادة بعد سيطرة حزب الله على القسم الغربي من بيروت. (أ ف ب)
استراتيجيا
صورة المؤلف
بقلم خليل حلو
نُشر سبتمبر 7, 2026 - 13:10
تتيح هذه السلسلة من المقالات فهماً أعمق للوضع الراهن في ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات الحماسية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تغفل عن الحقائق. ونهجنا يترك للقارئ مسؤولية استخلاص النتائج التي تفرض نفسها. أما الأجزاء الأربعة عشر السابقة فكانت قراءة جديدة للأحداث المتعلقة بصعود حزب الله، ونزاعاته المسلحة مع إسرائيل، وهيمنته على لبنان، منذ اتفاق الطائف وصولاً إلى اتفاق الدوحة. أيار (مايو) 2008، الجبل بعد بيروت. في 7 أيار (مايو) 2008، احتل حزب الله وحلفاؤه (حركة أمل والحزب السوري القومي الاجتماعي) بالقوة العسكرية مكاتب تيار المستقبل التابع لسعد الحريري في بيروت، وجزءاً كبيراً من الأحياء السنية في العاصمة التي كانت تشكل القاعدة الشعبية لتحالف 14 آذار. سقطت مواقع تيار المستقبل بسرعة بيد المهاجمين، إذ ابتعد الجيش إلى حد كبير عن هذه المواجهات، ولم تتمكن الوساطات السياسية من وقف العملية في الوقت المناسب. وقد واجه القائد العام للجيش معضلة حقيقية: فمن جهة، كان يدرك أن تدخل الجيش بالقوة في بيئة حضرية سيكلف أرواحاً بشرية غالية، مدنية وعسكرية على حد سواء، ناهيك عن الأضرار المادية؛ ومن جهة أخرى، كان يواجه إحباط الضباط، لا سيما السنة منهم، الذين رأوا أحياء ذويهم محرومة من حماية الجيش. مقر تلفزيون "المستقبل" بعد نهبه في بيروت. (فرانس برس) كانت هيئة الأركان لا تزال تحمل في ذاكرتها معركة نهر البارد التي خاضها الجيش ضد تنظيم فتح الإسلام الإرهابي قبل عام، والتي أودت بحياة 170 عسكرياً في معارك استمرت 105 أيام في ساحة عمليات أقل تحضراً وخالية من سكانها، لا تتجاوز مساحتها كيلومتراً مربعاً واحداً. أما معركة في بيروت ذات الكثافة السكانية العالية، فكانت ستكون باهظة الثمن من حيث الأرواح البشرية، وستمتد جغرافياً لتشمل كامل الأراضي اللبنانية، ولن يكون لها نهاية، في ظل تمتع حزب الله بخطوط إمداد لوجستية مفتوحة على مصراعيها من سوريا. إلا أن الجيش وجد فرصته في الانتشار بقوة بين حزب الله وأنصار تيار المستقبل في شارع المزرعة، حيث منع بالقوة أي تحرك مسلح لعبور هذا الشارع من الجهتين، وحال دون شن أي هجوم على حي طريق الجديدة، معقل تيار المستقبل. كما شكلت القوات مربعات أمنية حول السرايا الحكومية حيث كان يتواجد رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، وحول مقر إقامة وليد جنبلاط، أحد أبرز أقطاب تحالف 14 آذار. مسلحون شيعة قرب شارع الحمرا: الشخص الذي يحمل صاروخ آر بي جي-7 المضاد للدروع يرتدي بزة قوى الأمن الداخلي… (فرانس برس) ساهمت هذه الإجراءات، إضافة إلى الاتصالات التي أجرتها عواصم خليجية، في ثني حزب الله عن مهاجمة السرايا. غير أن الحزب الشيعي أراد السيطرة على معقل الدروز في جبل لبنان. وبلغت التوترات ذروتها في 9 أيار (مايو) حين أقدم مسلحون تابعون لحزب الله على خطف عناصر من الشرطة البلدية في عاليه، ما أثار رد فعل مسلح من ميليشيا الحزب التقدمي الاشتراكي الدرزي. سرعان ما اتسعت رقعة المعارك لتشمل الشويفات وعاليه وسوق الغرب وبيصور. واستخدم الطرفان الأسلحة الثقيلة، فيما تمركز مقاتلو الحزب التقدمي الاشتراكي في التحصينات والخنادق القديمة الموروثة من الحرب الأهلية، ما مكّنهم من وقف تقدم حزب الله. وحاول الأخير احتلال التلة 888 المطلة على مطار بيروت، الواقعة بين عاليه وسوق الغرب، لكنه فشل في ذلك. في المقابل، نجح في احتلال قلعة نيحا القديمة في الشوف، بهدف تأمين خط إمداد لوجستي مباشر يربط البقاع بجنوب لبنان من دون الحاجة إلى المرور عبر الطريق الساحلي. الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط (في الواجهة، وسط الصورة) ووزير الإعلام غازي العريضي (وسط يسار الصورة) خلال مشاركتهما في تجمع شعبي في بلدة بيصور الدرزية بجبل لبنان، وذلك غداة رفع الحواجز عن طرقات العاصمة، وهو ما وضع حداً لأسبوع من الأحداث الدامية. (أ ف ب) خلال نهار الأحد 11 مايو/أيار، حاول حزب الله مهاجمة الباروك والشويفات دون جدوى، وقد كلّفه ذلك حياة 36 من مقاتليه، من بينهم قائد القوة المهاجمة في الشويفات. وفي اليوم نفسه، انتشر الجيش في المدينة وطالب الطرفين بالانسحاب. عندها سلّم الحزب التقدمي الاشتراكي مواقعه للجيش، وانسحب حزب الله حاملاً قتلاه وجرحاه. حاول مسؤولون سياسيون حلفاء لحزب الله، بطرق مباشرة وغير مباشرة، عرقلة انتشار الجيش في الشويفات، لكن دون جدوى. كان هدفهم منح حزب الله الوقت الكافي لإعادة تنظيم صفوفه واستئناف الهجوم وتحقيق نصر في المدينة، إلا أن قائد الوحدة المكلفة بالمهمة رفض الاستجابة لهذا الضغط، فجنّب المدينة مزيداً من الدمار وأراح القرى المجاورة، كفرشيما ووادي شحرور والبساتين، من ويلات القتال. ترك المسلحون على باب هذه الشقة في الشويفات رسالة واضحة تماماً... (أ ف ب) في اليوم نفسه، روّج حزب الله شائعات لا أساس لها من الصحة على الإطلاق، مفادها أن القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع تستعد لمهاجمة منزل ميشال عون، زعيم التيار الوطني الحر، في الرابية، وقرى الشيعة في قضاء جبيل. كان الهدف من هذه الشائعات توسيع رقعة النزاع المسلح لتشمل المناطق المسيحية، عبر إقحام التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية فيه. غير أن أجهزة الاستخبارات العسكرية تدخلت ووضعت حداً لهذه الشائعات. ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة انساق تيار المستقبل وحلفاؤه في تحالف 14 آذار إلى التفاوض بعد هزيمتهم في 7 مايو/أيار 2008. وفرضت قطر نفسها وسيطاً، ورعت اتفاق الدوحة (مايو/أيار 2008) الذي جاء بمثابة تسوية لصالح حزب الله وحلفائه إلى حد كبير. وأفضى هذا الاتفاق إلى انتخاب قائد الجيش، العماد ميشال سليمان، رئيساً للجمهورية، فسدّ بذلك فراغاً رئاسياً دام ستة أشهر، إذ لم يكن بمقدور أي من مرشحي تحالفي 14 و8 آذار للرئاسة تأمين أغلبية كافية من الأصوات في البرلمان. أُعيد تكليف فؤاد السنيورة برئاسة الحكومة، وبمشاركة قطرية مباشرة، شكّل حكومة وحدة وطنية. غير أن هذه الحكومة كانت محكومة سلفاً بالشلل في القرارات الكبرى، إذ ضمّت 16 وزيراً ينتمون إلى الأغلبية البرلمانية لـ14 آذار، مقابل 11 وزيراً من المعارضة المنضوية في 8 آذار، بما فيها حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر. وبذلك كان بحوزة هؤلاء الأخيرين «الثلث المعطل». تضمّن البيان الوزاري لهذه الحكومة صيغة ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة». وكانت هذه الصيغة قد بدأت مسيرتها مع إميل لحود وحسن نصر الله. فقد صرّح لحود، في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 سبتمبر/أيلول 2006، أي بُعيد حرب يوليو/تموز بين حزب الله وإسرائيل، بالحرف الواحد: «... هذه الوحشية (الإسرائيلية) لم تُضعف شعبي، ولم تنَل من عزيمته على المقاومة، ولم تؤثر في تمسكه بالدولة والجيش والمقاومة الوطنية...». وكان لحود، منذ التسعينيات، حين كان قائداً للجيش، يشدد في خطاباته على الروابط التي لا تنفصم بين الجنود النظاميين والمواطنين والمقاومة في مواجهة إسرائيل. أما حسن نصر الله، فقد أوضح في خطاباته المتعددة بعد حرب الـ33 يوماً أن لبنان لم يستطع الصمود في وجه إسرائيل إلا بفضل التنسيق التلقائي بين الجيش والمقاتلين، ودعم الشعب.
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
وأخيرًا، محاكمات دمشق!
بقلم
يوسف معوض
نُشر

لقد شهد العالم محاكمات في نورمبرغ (1945-1946) وطوكيو (1946-1948)، بل وحتى في إسطنبول، حيث نُصبت المشانق في يوليو 1919 لإعدام بعض قادة «تركيا الفتاة» المسؤولين عن الإبادة الجماعية للأرمن. ومع ذلك، كان من المشروع التساؤل عن سبب تأخر سلطة أحمد الشرع في إطلاق عجلة القضاء في سوريا. فهل كان هذا الأخير مترددًا في معاقبة الانتهاكات التي ارتكبت بحق شعب كامل على يد سلالة الطغاة آل الأسد وحاشيتهم؟ وكان هذا التساؤل أكثر إلحاحًا في ظل توقيف أكثر من عشرين مسؤولًا — من الصفين الأول والثاني إن صحّ التعبير — مازالوا يقبعون في السجون بانتظار محاكمتهم. وها هي في السادس والعشرين من أبريل تُفتتح في دمشق أولى الجلسات العلنية بهذه العبارة التي أعلنها القاضي فخر الدين العريان: «اليوم نبدأ أولى المحاكمات في إطار العدالة الانتقالية في سوريا». مقارنة موجزة من منا لا يتمنى لجارتنا سوريا أن تشهد محاكمات علنية تُدين مجرمي النظام البعثي، لا بدافع الانتقام بل تحقيقًا للعدالة؟ ولكن، أليس من الضروري تجنّب الاقتداء بالنموذج العراقي أو اللبناني؟ فلنذكر أنه في العراق، جرى عام 2006 ما يشبه المحاكمة الصورية، تلك المعروفة بمحاكمة صدام حسين. فقد أُعدم على عجل بعد إدانته في قضية الدجيل، وقبل أن تُستكمل محاكمته في قضية حلبجة التي تعود إلى عام 1988، حيث استُخدمت الأسلحة الكيميائية ضد السكان المدنيين. وهكذا، حُرم الأكراد، كما غيرهم من ذوي الضحايا، من عدالة سليمة كان من شأنها أن تخفف من شعورهم العميق بالظلم، إذ إن محاكمة حسب الأصول كانت ستُسهم بلا شك في عملية التئام الجراح. أما في لبنان، هذا البلد الاستثنائي الذي شهد خمسة عشر عامًا من حرب أهلية كامنة واحتلالات أجنبية، فقد كان الأمر أكثر اختصارًا وصرامة: إذ جاء قانون العفو لعام 1991 ليمحو بجرّة قلم كل الفظائع التي ارتُكبت*. في انتظار بشار وماهر وغيرهما فهل ستكون الأمور مختلفة في سوريا؟ على أي حال، يبدو أن المحاكم السورية لا تعرف عطلة، إذ عُقدت أولى الجلسات يوم أحد، في إطار مسار سيكشف بلا شك فظائع النظام السابق. لقد غاب عن الجلسة اثنين من أبرز الملاحقين : الرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر. كما اختفى غيرهما من المرتكبين الذين ينعمون اليوم بحياة مريحة في روسيا أو لبنان أو العراق أو إيران، بل وحتى في ألمانيا والسويد وبلجيكا، كما يُقال! إن عدد مجرمي النظام الذين سيفلتون من عدالة بلادهم يُقدّر بالآلاف. وسيدفع «صغار المنفذين» الثمن بدلًا من أولئك الذين خططوا وأمروا بعمليات القتل والتعذيب المنهجي، تلك السمة المميزة لنظام السجون السوري. العدالة الانتقالية وسيادة القانون؟ لا بد من المحاكمات، أقلّه لأثرها التطهيري. ولكن ليس بدافع الانتقام ! إن «العدالة الانتقالية» التي أشار إليها القاضي العريان لا يجوز أن تتحول إلى تصفية حسابات، بل ينبغي أن تهدف إلى إظهارالحقيقة، وتعويض الضحايا، وتمهيد الطريق للمصالحة الوطنية. ولكن، أليس هذا مجرد أمل طوباوي؟ لقد كان أساتذتنا في الصغر يحذروننا من الأوهام والمثالية. فكما أن الإحسان، كذلك العدالة، لا يمكن أن تكون في تطبيقها إلا «جزئية ومنحازة». *على أن بعض الجرائم، ولا سيما تلك المرتكبة بحق شخصيات سياسية أو دينية أو دبلوماسية، لم تكن مشمولة بقانون العفو.

المواجهة الإيرانية الأمريكية: مقترحات متكررة، لكن دون اختراق

على مقياس من 1 إلى 10، لا يزال التفاؤل بشأن تحقيق اختراق في المحادثات الإيرانية الأمريكية في إسلام آباد أقل من المتوسط، حيث لا تزال طهران وواشنطن في مرحلة تبادل الشروط والمطالب. كشفت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) يوم الجمعة أن الجمهورية الإسلامية قدمت مساء الخميس إلى الولايات المتحدة، عبر الوسيط الباكستاني، مقترحاً جديداً لاستئناف المفاوضات التي يُفترض أن تضع حداً نهائياً للحرب. ولم تقدم إرنا تفاصيل عن محتوى العرض الإيراني، في حين تواصل وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، مع نظرائه السعودي والقطري والتركي والمصري والعراقي والأذربيجاني. وبحسب وسائل الإعلام الإيرانية، فقد أبلغهم بجولة جديدة مقبلة من المحادثات مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس دونالد ترامب للصحفيين في البيت الأبيض أنه غير راضٍ عن الوثيقة الإيرانية الجديدة. وقال: «إنهم يريدون اتفاقاً لأنهم لم يعودوا يمتلكون قدرات عسكرية، لكنني لست راضياً عن مقترحاتهم. سنرى ما سيحدث»، قبل أن يوضح: «إنهم يطلبون مني قبول أشياء لا يمكنني قبولها». وتشكل الوثيقة الجديدة المقدمة اقتراحاً مضاداً لتلك التي قدمتها واشنطن لإيران في بداية الأسبوع. وفي هذا السياق، أشار موقع المعلومات الأمريكي، أكسيوس، إلى أن مبعوث البيت الأبيض، ستيف ويتكوف، أرسل يوم الاثنين إلى الطرف الآخر، عبر الوسيط الباكستاني أيضاً، تعديلات على المقترحات الإيرانية التي رفضها الرئيس دونالد ترامب في وقت سابق. وكانت طهران قد أعربت عن استعدادها لإعادة فتح مضيق هرمز، لكنها اقترحت تأجيل المحادثات بشأن الملف النووي إلى موعد لاحق، في حين يعتبر هذا الملف محورياً لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل. وبالتالي، أعاد ستيف ويتكوف إدراج الملف النووي في النص المقرر دراسته. ووفقاً لـ أكسيوس أيضاً، فإن من بين التعديلات التي أدخلت على الوثيقة الإيرانية، المطالبة بتعهد طهران بعدم نقل اليورانيوم المخصب خارج منشآتها النووية المتضررة، وعدم استئناف الأنشطة في هذه المواقع، طوال فترة المفاوضات. من جهتها، ترفض طهران، التي يخنقها الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على موانئها، استئناف المحادثات ما لم يتم رفع الحصار الأمريكي. من من الطرفين سيضطر إلى تقديم تنازلات؟ في الوقت الحالي، يبدو أن كل طرف متمسك بمواقفه، تحت أنظار القادة الإسرائيليين القلقين الذين يخشون من مرونة أمريكية محتملة، وهو ما نفاه دونالد ترامب مؤكداً أن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً. ولا تزال تل أبيب تؤيد عملية عسكرية «جراحية» من شأنها توجيه ضربة قاضية لنظام الملالي - وهو أحد الأهداف الأولى للحرب التي شُنت في 28 فبراير - والقضاء على البرنامج النووي الإيراني إلى الأبد. وفي الوقت الحالي، تواصل طهران وواشنطن القول إنهما تدعمان المحادثات، لكن مع الاستمرار في تبادل التهديدات. وعلى لسان رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إجئي، جددت إيران يوم الجمعة رفضها لأي سياسة «تُفرض تحت التهديد»، معربة في الوقت نفسه عن انفتاحها على الحوار مع الولايات المتحدة. وقال إجئي في مقطع فيديو نُشر على موقع ميزان أونلاين التابع للسلطة القضائية: «نحن لا نؤيد الحرب بأي شكل من الأشكال، ولا نريد الحرب، ولا نريد استمرارها. الجمهورية الإسلامية لم تتهرب قط من المفاوضات (...) لكننا بالتأكيد لن نقبل بأن تُفرض علينا» سياسة ما. وأشار إلى أن إيران «غير مستعدة على الإطلاق للتخلي عن مبادئها وقيمها في مواجهة عدو خبيث من أجل تجنب الحرب أو منع استمرارها». معتبراً أن الولايات المتحدة «لم تحصل على شيء» خلال الحرب، وشدد على أن طهران «لن ترضخ» خلال المفاوضات. ويوم الأربعاء، حذر الرئيس دونالد ترامب من أنه من مصلحة الإيرانيين أن «يصبحوا أذكياء وبسرعة!»، مشيراً إلى إمكانية تمديد الحصار البحري «لعدة أشهر»، وفقاً لمسؤول كبير في البيت الأبيض. عقوبات أمريكية في غضون ذلك، تتزايد الضغوط الأمريكية. ففي يوم الجمعة، وبعد ساعات قليلة من تلقي نص المقترحات الإيرانية الجديدة، فرضت واشنطن مجدداً عقوبات على ستة أفراد وأكثر من 20 كياناً، جميعهم مرتبطون بالحرس الثوري والهيكل المالي الإيراني. ولكن في الوقت نفسه، خففت واشنطن بشكل طفيف من وجودها العسكري في المنطقة. وأفاد مسؤول أمريكي يوم الجمعة بأن إحدى حاملات الطائرات الأمريكية الثلاث المنتشرة في الشرق الأوسط، وهي يو إس إس جيرالد فورد، التي نُشرت من أجل الحرب في إيران، قد غادرت المنطقة، في حين لا تزال الحاملتان الأخريان متمركزتين هناك. وتوجد حالياً أكبر حاملة طائرات في العالم في منطقة القيادة الأمريكية في أوروبا، بحسب هذا المسؤول، الذي قدر عدد سفن البحرية الأمريكية التي لا تزال منتشرة في الشرق الأوسط بعشرين سفينة. ويشمل هذا العدد حاملتي الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن ويو إس إس جورج بوش. هل يعني هذا أن الولايات المتحدة تخلت عن توجيه ضربات ضد إيران؟ الإجابة سلبية بطبيعة الحال، إذ يمكن أن يكون إعادة الانتشار هذا مجرد تكتيك عسكري. ومع ذلك، لا يعتزم الرئيس الأمريكي طلب تفويض من الكونغرس لمواصلة الحرب ضد إيران. ويصادف يوم الجمعة انقضاء مهلة الـ 60 يوماً التي يجب على دونالد ترامب من حيث المبدأ أن يطلب بعدها هذا التفويض. وأمام الصحفيين في البيت الأبيض، أعلن أنه لن يفعل ذلك. وعلى أية حال، يجد الديمقراطيون أنفسهم عاجزين عن فرض احترام هذا الالتزام الدستوري، لعدم امتلاكهم الأغلبية في الكونغرس. ورداً على سؤال حول ما إذا كان يدرس توجيه ضربات جديدة ضد إيران، اكتفى بالرد: «لماذا أقول لكم ذلك؟» استمرار التصعيد في جنوب لبنان وعلى الجبهة اللبنانية، يستمر التصعيد في جنوب لبنان حيث قصف الجيش الإسرائيلي بلا هوادة العديد من المواقع المنسوبة لحزب الله، ونفذ عمليات تفجير واسعة النطاق لم تسلم منها المواقع التاريخية والأثرية. فجر الجيش الإسرائيلي ديراً قديماً ومدرسة تديرها راهبات في يارون، بالإضافة إلى موقع شمع التاريخي، الذي يضم مقام شمعون الصفا، وقلعة تاريخية. ونُفذت غارات عنيفة على عدد كبير من القرى، لا سيما حبوش، التي طُلب من سكانها في وقت سابق إخلاء المنطقة. وقُتل نحو عشرة أشخاص في هذه البلدة. ورد حزب الله بإطلاق طائرات مسيرة متفجرة وصواريخ على مواقع إسرائيلية في المنطقة العازلة الجديدة التي أقامتها تل أبيب على الحدود. وأعقب هذه الموجة الجديدة من العنف، التي أصبحت يومية، حركة نزوح واسعة نحو صيدا وبيروت، وسط مخاوف العديد من سكان الجنوب من اتساع رقعة الصراع. وفي حين أقر الجيش الإسرائيلي بمواجهة صعوبات في التصدي لخطر الطائرات المسيرة المتفجرة التابعة لحزب الله، أعلن التنظيم الموالي لإيران عن نجاحه في إيصال تعزيزات إلى جنوب لبنان. وخلال لقاء مع مجموعة من الصحفيين، من بينهم وكالة فرانس برس، كشف مدير العلاقات الإعلامية في التنظيم، يوسف الزين، أن هذه التعزيزات لم تسلك الطرق التي يسيطر عليها الجيش اللبناني، موضحاً أن «المداخل الأخرى إلى جنوب الليطاني لم تُغلق». وقال: «نحن مقتنعون بأن الجيش هو جيش وطني»، و«لن يدخل في مواجهة مع حزب الله». وبحسب المسؤول، إذا كانت إسرائيل قد تمكنت من التوغل عميقاً في الأراضي اللبنانية، فذلك لأن «المقاومة كانت قد سلمت أسلحتها جنوب الليطاني» و«دُمرت بنيتها التحتية، بما في ذلك الأنفاق». لكنه أكد أن حزب الله تمكن من «إعادة بناء قواته» بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل، وأنه «مستعد لمعركة طويلة». ورداً على سؤال حول الاستخدام الأخير لحزب الله لطائرات مسيرة متفجرة موجهة بالألياف البصرية ضد الجيش الإسرائيلي، قال يوسف الزين إن ذلك يمثل «تكتيكاً» للتنظيم. وقال: «نحن ندرك تفوق العدو، لكننا نستفيد في الوقت نفسه من نقاط ضعفه». وأشار السيد الزين، الذي خلف عفيف نابلسي الذي قُتل في غارة إسرائيلية على بيروت في نوفمبر 2024، إلى أن هذه الطائرات المسيرة «صُنعت في لبنان». وأسفرت الهجمات التي نُفذت باستخدام هذه الطائرات المسيرة عن مقتل شخصين وإصابة العديد بجروح خلال الأيام الثلاثة الماضية. على الصعيد السياسي، يستمر صراع الإرادات بين الدولة وحزب الله. فقد جددت الكتلة البرلمانية لهذا التنظيم، برئاسة النائب محمد رعد، رفضها بعبارات شديدة اللهجة لأي حوار مباشر بين لبنان وإسرائيل، منددة بما أسمته «السياسة التدميرية لسلطة آيلة للسقوط»، ومتباهية بـ «نجاحها في إرساء معادلة عسكرية جديدة في مواجهة إسرائيل». وتم استعراض آفاق إطلاق محادثات بين بيروت وتل أبيب خلال اللقاء الذي عقده الرئيس جوزيف عون يوم الجمعة مع سفير الولايات المتحدة في بيروت، ميشال عيسى، الذي كان قد التقى في وقت سابق مع رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام. وتأتي هاتان المقابلتان غداة إعلان الرئيس ترامب عن أنه من المتوقع أن تبدأ المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في غضون أسبوعين. لكن موقف لبنان يبقى دون تغيير: لا محادثات ما لم تنه تل أبيب هجماتها على البلدات والبنى التحتية اللبنانية في جنوب البلاد. وقد جدد الرئيس عون هذا الشرط أمام الدبلوماسي.

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (4)

في سلسلة مقالات، نسعى إلى تسليط الضوء على الوضع الراهن في ضوء الماضي، متجاوزين الخطابات الحماسية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تغفل الهدف وتترك للقارئ حرية استخلاص استنتاجاته. في هذا السياق، آن الأوان لمواجهة الخطاب العقيم للمقاومة، ليس بخطاب مضاد، بل بنهج معمق يدعم سيادة القانون، التي لا يمكن بناؤها إلا على أساس السيادة. استعرضت المقالات الثلاثة الأولى قراءة نقدية للمسارات التي واكبت تصاعد نفوذ «حزب الله» منذ اتفاق الطائف، مروراً بعملية « تصفية الحساب » و « تفاهم تموز » (١٩٩٣)، وصولاً إلى عشية حربه الثانية مع إسرائيل. المرحلة الخامسة: من «تفاهم نيسان» إلى حرب الاستنزاف في أعقاب «تفاهم نيسان ١٩٩٦»، واصل «حزب الله»، بدفع من إيران وسوريا، خوض حرب استنزاف بلا هوادة، كان قد أطلق شرارتها عام ١٩٩١ ضد الجيش الإسرائيلي و«جيش لبنان الجنوبي». وإذ تمثّل الهدف المعلن في تحرير «المنطقة الأمنية» من الاحتلال الإسرائيلي، إلا أنها خدمت في الوقت عينه غاية أخرى، وهي تقويض مفاوضات السلام التي استُبعدت إيران منها. وفي موازاة ذلك، لم يطرأ أي تغيير على موقف واشنطن منذ مؤتمري مدريد وأوسلو، واللذين هدفا إلى إرساء سلام نهائي في الشرق الأوسط. ومن أجل إطلاق هذه العملية والحفاظ عليها، دأبت الإدارات الأميركية المتعاقبة على كبح أي رد إسرائيلي واسع النطاق على ضربات «حزب الله»، مراهنةً على مسار السلام السوري-الإسرائيلي. وقد جاءت حصيلة حرب الاستنزاف ثقيلة على الأطراف كافة؛ فبين عامي 1996 و2000، فقدت إسرائيل 193 جندياً، و«جيش لبنان الجنوبي» 175، فيما سقط لـ«حزب الله» 375 مقاتلاً. بلغت الخسائر الإسرائيلية ذروتها في شباط 1997، إثر تصادم مروحيتين كانتا تنقلان جنوداً من وحدة النخبة «سيريت ماتكال» إلى جنوب لبنان. وأسفر الحادث عن مقتل 73 جندياً، في الحصيلة الأثقل في تاريخ هذا الجيش، مما أحدث صدمة دفعت الرأي العام الإسرائيلي إلى التساؤل عن الثمن البشري المترتب على البقاء في «المنطقة الأمنية». وفي أيلول من العام نفسه، وقع 16 جندياً من وحدة النخبة «شايتيت 13» في كمين نصبه «حزب الله» في بلدة أنصارية (20 كلم جنوب صيدا)، لقي 12 منهم حتفهم. وقد كرس هذا الحادث البراعة التكتيكية لـ«حزب الله»، الذي حظي بدعم وتأطير مباشرين من ضباط «الحرس الثوري الإيراني». وإذ أُضيف هذا الحادث إلى كارثة المروحيتين، فقد عزز داخل إسرائيل الشعور بخوض حرب بلا آفاق واضحة. وأفضى ذلك المسار إلى ولادة الحركة المدنية «أربع أمهات» (أرباع إيماوت)، التي أسستها أمهات جنود سقطوا في المعارك. وهكذا انتقلت القضية العسكرية إلى نقاش مجتمعي وأخلاقي، فُرض فيه الانسحاب من لبنان كضرورة سياسية. أرغمت حملة «أربع أمهات» المسؤولين والمرشحين الإسرائيليين على اتخاذ موقف علني من الانسحاب غير المشروط من لبنان. فمن شمعون بيريز إلى بنيامين نتنياهو وصولاً إلى إيهود باراك، توحد الخطاب قبل توليهم رئاسة الحكومة وبعدها حول لازمة واحدة: الانسحاب من لبنان. وفي كانون الثاني 1998، أعلن نتنياهو، رئيس الوزراء آنذاك، أن «إسرائيل مستعدة للقبول بقرار مجلس الأمن رقم 425 (1) ، بشرط التوصل إلى اتفاق مع لبنان يضمن الترتيبات الأمنية التي تطلبها تل أبيب». وبعد شهر واحد، أكد قائلاً: «ما علينا فعله هو مغادرة لبنان، وما على العالم فعله هو تهديد السوريين إذا ما دعموا الهجمات ضدنا». وفي مقلب آخر، ساد القلق جيش لبنان الجنوبي، وسط توجس من تخلٍّ إسرائيلي وشيك، تجلى مع تقليص تل أبيب حضورها العسكري داخل المنطقة الأمنية. وجاء انتخاب إيهود باراك في أيار 1999، بناءً على حملة ركزت على إعادة القوات، ليسرّع وتيرة الانسحاب؛ إذ وعد باراك بإعادة جنوده بحلول تموز 2000. المرحلة السادسة: الانسحاب الإسرائيلي «مؤامرة صهيونية» بنظر دمشق وبعبدا في مطلع كانون الثاني 2000، جمع بيل كلينتون كلاً من إيهود باراك ووزير الخارجية السوري فاروق الشرع في مدينة شيفردزتاون الأميركية. كانت تلك المفاوضات المباشرة الأولى والأخيرة بين سوريا وإسرائيل، وانتهت بالفشل. وخلال الاجتماع، تقاطعت معلومات استخباراتية غربية وإسرائيلية حول سماح دمشق لطهران بإعادة تسليح «حزب الله» ورفع قدراته الهجومية، عبر شحنات مكثفة وفورية من المعدات والذخائر وصلت إلى مطار دمشق، قبل أن تنقلها شاحنات سورية إلى مخازن الحزب في لبنان، برعاية مباشرة من الرئيس اللبناني إميل لحود، الخاضع كلياً لنظام حافظ الأسد. ورغم ذلك، أمر باراك جيشه بعدم استهداف تلك المخازن أو التعرض للسوريين، مراهناً على استئناف مفاوضات السلام مع دمشق لاحقاً. بعد فترة وجيزة، وفي أعقاب محاولة فاشلة لاغتيال القائد العسكري لـ «حزب الله» في جنوب لبنان، شنت القوات الإسرائيلية عمليات انتقامية واسعة. وأذن المجلس الوزاري الأمني المصغر بسلسلة غارات جوية استهدفت الحزب، مع حظر صارم للمساس بأي أهداف سورية. وهو ما استوجب ثناء سفير الولايات المتحدة في إسرائيل، مارتن إنديك، الذي شغل سابقاً منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط. علاوة على ذلك، لم يفوّت باراك فرصة، في مجالسُه المعلنة والمغلقة إلا وأكد سعيه لوضع استراتيجية للخروج من لبنان. في المقابل، قاد أقطاب نظام الأسد حملة شعواء لدى حلفائهم اللبنانيين، زاعمين أن طرح الانسحاب ليس إلا «مؤامرة صهيونية» تهدف إلى محاصرة سوريا، على غرار الحصار الأميركي المفروض على العراق آنذاك. في الأشهر التالية، كثّف إميل لحود مداخلاته للتنديد بما اعتبره «مناورة تكتيكية إسرائيلية خطيرة»، ورأى أن الانسحاب من لبنان من دون الانسحاب من الجولان ليس سوى فخّ. وفي 9 آذار 2000، صرّح قائلاً: «إن خطط إسرائيل المعلنة للانسحاب من لبنان تهدف إلى تخريب عملية السلام». وأضاف أن أي انسحاب إسرائيلي سيكون «ثمرة دعم لبنان للمقاومة ووحدة الموقف اللبناني-السوري»، وليس تعبيراً عن إرادة حقيقية للسلام. في مفارقة طبعت عهده، دعم إميل لحود بشكل مطلق عمليات «حزب الله» العسكرية لتحرير الجنوب، متجاهلاً تماماً مسار السلام. والحال أنه لم يكن يريد انسحاباً إسرائيلياً، إذ كان استمرار الاحتلال يخدم آنذاك ثلاثة أهداف: تبرير الوجود السوري في لبنان، تعزيز خطاب المقاومة لدى «حزب الله»، وإبقاء إسرائيل غارقة في «المستنقع اللبناني» طالما لم تستعد سوريا هضبة الجولان. في تلك الحقبة، كانت هيمنة «حزب الله» على مؤسسات الدولة لا تزال في طور الجنين، رغم تمتع الحزب بقدرات عسكرية وازنة. فالسوريون هم من كانوا يمسكون بمقاليد الدولة اللبنانية ويسيطرون عليها بشكل مطلق. (يتبع) (1) صَدَرَ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425 في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، والذي جاء رداً على العمليات الفدائية التي خاضتها المنظمات الفلسطينية المسلحة انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، وهي عمليات كانت مستمرة منذ عام 1969. ينصّ القرار 425 على انسحاب إسرائيل الفوري وغير المشروط من لبنان، وعلى نشر 3000 عنصر من قوات الطوارئ الدولية التابعة للأمم المتحدة «اليونيفيل في ذلك الوقت. إقرأ أيضًا في الموضوع نفسه : حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (3) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (1)

التركيز الإيراني على نبيه برّي
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

لافت ذلك الإصرار الإيراني على أنّ "الجهوريّة الإسلاميّة" تفاوض باسم لبنان وأنّ الفضل في وقف النار في لبنان يعود إليها. يشير إلى ذلك تأكيد وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي، لدى اتصاله بالرئيس نبيه برّي، إنّ "وقف اعتداءات إسرائيل على لبنان مشمول بإتفاقنا مع أميركا". ليس صدفة اتصال عرقجي ببرّي كما لو أنّه يريد القول أنّ رئيس مجلس النواب بات الملجأ الأخير لإيران في لبنان. يدلّ هذا الموقف الإيراني من لبنان على إفلاس ما بعده إفلاس، خصوصا أنّ لا وقف حقيقيا للنار في لبنان. كلّ ما في الأمر أن إسرائيل تتابع حربها على لبنان، وهي حرب تسبّب بها "حزب الله" أصلا. تركّز إسرائيل في هذه المرحلة على مناطق تقع جنوب الليطاني. تتجاوز هذه المناطق أحيانا وتذهب إلى توجيه ضربات في البقاع الغربي. باختصار شديد، لا وجود لوقف للنار في لبنان بل يوجد استمرار لحرب تشنها الدولة العبريّة آخذة في الإعتبار بعض المطالب الأميركيّة. تحيّد الدولة العبريّة بيروت هذه الإيام، بناء على رغبة الرئيس دونالد ترامب الذي لديه حسابات خاصة في شأن لبنان الذي يريد مراعاته كبلد "يحبّه". قد يعود ذلك لأسباب شخصيّة لا علاقة لها بإيران بمقدار ما لديها علاقة بالرغبة في نجاح أي مفاوضات بين لبنان وإسرائيل. ما لا بدّ من ملاحظته حرص الرئيس الأميركي على استضافة الجولة الأخيرة من المفاوضات التمهيديّة بين لبنان وإسرائيل في البيت الأبيض بدل مقرّ وزارة الخارجيّة. يعطي الموقف الإيراني من لبنان فكرة عن الأوهام التي لا تزال "الجمهوريّة الإسلاميّة" في اسرها. في مقدّم هذه الأوهام أنّ لبنان لا يزال تابعا لها. ترفض طهران الإعتراف بأن لبنان صار في مكان آخر. ما ترفض الإعتراف به أنّ القرار السياسي اللبناني لم يعد مهيمنا عليه من إيران، خصوصا بعد خروجها من سوريا. تتجاهل "الجمهوريّة الإسلاميّة" أن لبنان في حاجة إلى التخلّص من سلاح "حزب الله"، بل في حاجة إلى ترتيبات أمنيّة مع إسرائيل من أجل العمل جدّيا على إعادة النازحين من أهل الجنوب إلى قراهم... أو ما بقي منها. كذلك، تتجاهل "الجمهوريّة الإسلاميّة" أنّ لبنان لا يستطيع العيش في ظلّ قنبلة موقوتة اسمها ما يزيد على مليون نازح من أهل الجنوب فقدوا كلّ ما يمتلكونه. يغيب الجانب الأهمّ من المشهد اللبناني عن الرؤية الإيرانية. يتمثل هذا الجانب في عذابات الجنوبيين من جهة وفي رغبة إسرائيل في تغيير طبيعة أرض الجنوب من جهة أخرى. لعل الشاهد الحيّ على ذلك الطريقة التي دمرت بها إسرائيل نفقا بطول كيلومترين أقامه "حزب الله" في القنطرة. لم يكن الأمر مجرّد تدمير لنفق بل سعي إلى تغيير طبيعة الأرض! في غياب القدرة على وضع لبنان كلّه في جيبها وفي ضوء الهزيمة العسكرية التي لحقت بـ"حزب الله"، نرى إيران تركّز على نبيه برّي الذي يحرص في هذه الأيام على تمييز نفسه عن موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس الوزراء نوّاف سلام. يراعي برّي الرغبات الإيرانيّة بحجة أنّه يسعى إلى المحافظة على وحدة الطائفة بدل اعتماد موقف وطني لبناني تفرضه الظروف الداخلية والإقليميّة والدوليّة في الوقت ذاته. يعتمد في ذلك على كلام من نوع أنّه يؤيّد المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل. لا يسأل نفسه كيف يمكن لمثل هذه المفاوضات غير المباشرة استعادة الأرض عبر تأمين انسحاب إسرائيلي من مساحة خمسة في المئة من الأراضي اللبنانية؟ هل تنجح المناورة الإيرانيّة التي يستخدم فيها رئيس مجلس النواب في الربط بين لبنان وبين المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة التي تحوّلت إلى مفاوضات غير مباشرة؟ الجواب أنّ مثل هذه المناورة ستفشل. يعود ذلك إلى الواقع القائم على الأرض حيث تدمّر إسرائيل يوميا ما بقي من قرى شيعيّة، في معظمها، بهدف إقامة منطقة عازلة في جنوب لبنان. في النهاية إن من يسير حسب المنطق الإيراني، أكان الرئيس نبيه بري أو غيره، إنما يخدم منطق الاحتلال وتكريسه لا أكثر. ليس سرّا أن "حزب الله" يقتات من الاحتلال. يؤكّد ذلك أنّّه عمل كلّ شيء من أجل عودته. افتعل "حرب إسناد غزّة" في الثامن من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023. معروف ما اسفرت عنه تلك الحرب، بما في ذلك إغتيال حسن نصرالله ومعظم الكوادر العليا للحزب. لا حاجة إلى العودة إلى عمليّة الـ"بيجرز" وما أدت إليه ولا اكتشاف أن إسرائيل تعرف الكثير عن تركيبة الحزب وأماكن سكن قادته. لم يتعلّم الحزب، ومن خلفه إيران، من نتائج "حرب اسناد غزّة". جاءت "حرب إسناد إيران" في الثاني من آذار – مارس 2026 لتزيد الطين البلة. وسعت إسرائيل احتلالها. يظلّ السؤال كيف يمكن لشخص، مثل نبيه برّي، يمتلك كلّ هذه الخبرة السياسيّة السير في سياسة إيرانيّة باتت في طريق مسدود بدل دعم الموقف الوطني لجوزاف عون ونواف سلام؟ من الصعب فهم موقف رئيس مجلس النواب في وقت يحتاج فيه لبنان أكثر من أي وقت إلى تأكيد القطيعة مع إيران بدل دفع ثمن إرتكابات "الجمهوريّة الإسلاميّة" منذ اليوم الأول لقيامها في 1979؟ ألم يأخذ رئيس مجلس النواب اللبناني علما بأن إيران اطلقت أخيرا معظم ما تملكه من صواريخ ومسيرات في اتجاه دول الخليج العربي... وليس في اتجاه إسرائيل؟

لبنان ليس غزة
بقلم
مكرم رباح
نُشر

حين يُلوِّح مسؤولون إسرائيليون بمعاملة جنوب لبنان على غرار غزة، لا يكون هذا التصريح طائشاً وحسب، بل كاشفاً في الوقت ذاته عمّا آلت إليه المعادلة الإقليمية من تشابكٍ عضوي مع الحسابات الداخلية الإسرائيلية، ومعكوساً في الآن نفسه للشلل البنيوي المزمن الذي ينخر الدولة اللبنانية. تستحق هذه البلاغة أن تُردَّ إلى ما هي عليه في حقيقتها: استعراضٌ انتخابي يرتدي عباءة العقيدة الاستراتيجية. بيد أنها لا تنفصل عن واقعٍ أثقل وطأةً بكثير، إذ جُرَّ لبنان مجدداً إلى حربٍ لم يختَرها، على يد فاعلٍ لا يخضع لسلطة الدولة ولا يتحمّل تبعات خياراته بأي حساب. لا وجه للمقارنة الجدية بين غزة وجنوب لبنان، لا لأن حجم الدمار يتفاوت، بل لأن البنية السياسية التي يقوم عليها كلٌّ من الحالتين مختلفةٌ اختلافاً جوهرياً. فغزة تحكمها سلطةٌ تتبنّى علناً مسؤولية موقفها العسكري، في حين يبقى لبنان رهينَ معادلةٍ مقلوبة تحمل فيها الدولةُ أعباءَ الحرب دون أن تمتلك السيطرةَ السيادية على الأدوات التي تُشعلها. فالمواجهة الجارية على طول الحدود الجنوبية ليست نزاعاً ثنائياً بين إسرائيل وحزب الله فحسب، بل هي تجلٍّ صارخ لأزمةٍ أعمق في منظومة الحوكمة اللبنانية، حيث حوّل غيابُ مرجعيةٍ قرارية موحّدة البلادَ إلى ساحةٍ للآخرين عوض أن تكون فاعلاً في تحديد مصيرها. كثيراً ما يُصوَّر السلوك العسكري الإسرائيلي في الجنوب، ولا سيما الاستهداف الممنهج للبنى التحتية وشبكات الأنفاق، باعتباره ضرورةً أمنية محضة، غير أنه يضاهي في وقائعه تطبيقاً قسرياً لقراراتٍ دولية بقوة السلاح، بعد أن أخفقت الدولة اللبنانية في تنفيذ هذه القرارات أو أحجمت عنها. وليس في التمسّك الإسرائيلي الدائم بالقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن ما هو عابرٌ أو بلا دلالة؛ فهو يكشف عن ادّعاءٍ بإنفاذ التزاماتٍ تملّصت منها بيروت، لكن بوسائل إسرائيل الأحادية وعلى شروطها. ولا تقف هذه الديناميكية عند حدود تآكل سيادةٍ لبنانية هشّة أصلاً، بل تُوقع الدولةَ في فخٍّ لا مخرج منه: أن تُحاكَم وتُتجاوَز في آنٍ واحد، على يد فاعلين خارجيين لم يعودوا يرون فارقاً يُعتدّ به بين مؤسسات الدولة والتنظيم المسلح الذي يعمل في ظلها. ولعلّ ما يمنح هذه اللحظة خطورتها الفائقة هو الهوّة المتّسعة بين الروايات الرسمية والوقائع المعاشة على الأرض. فقد أكدت القيادة العسكرية اللبنانية مراراً التزامها بالإطار الرامي إلى تجريد المنطقة الواقعة جنوبي نهر الليطاني من السلاح، إلا أن مجريات الأحداث تُشير إما إلى قصورٍ في التطبيق أو إلى غياب الإرادة السياسية اللازمة لمواجهة الانتهاكات. وقد أفرز هذا الغموضُ فراغاً تنمو فيه الادعاءات المتضاربة وتتكاثر، مما يُتيح لإسرائيل تسويغ استمرار عملياتها، في حين يُمكِّن حزبَ الله من صون روايته في الردع والمقاومة. وفي بيئةٍ كهذه تتراجع الحقيقة أمام المنفعة، وتغدو الوقائع مادةً للتوظيف الانتقائي في خدمة أجنداتٍ مرسومةٍ سلفاً، لا أداةً لتوجيه السياسات وضبطها. ولا تقتصر تداعيات هذا التنافر على ساحة المعركة، إذ تمتدّ لتطال النسيج الاجتماعي والسياسي للبنان في أعماقه. فقد كشف نزوح أبناء الجنوب عن حجم الانهيار البنيوي الذي لا تُخطئه العين، وعن استحالة صون حياةٍ مدنية كريمة في ظل الظروف الراهنة، فيما تكشف موجات التهجير المتكررة، التي كثيراً ما تجري بإيعازٍ من الفاعلين أنفسهم الذين يتذرّعون بالدفاع عن السكان، عن نمطٍ مثيرٍ للقلق يُعامَل فيه الناسُ كأوراقٍ قابلة للحرق في حساباتٍ استراتيجية أكبر من أن تعنى بهم. ويبقى البُعد الإنساني لهذا الصراع، على كثرة ما يُحتجّ به في الخطاب الرسمي، خاضعاً لضرورات الحفاظ على مسرح مواجهةٍ يخدم مصالح تتخطّى حدود لبنان وتتجاوز أهلَه. وفي قلب هذه الأزمة تقبع حقيقةٌ أشدّ إيلاماً، طالما حرص المسؤولون اللبنانيون على تجنّب البوح بها بصراحة: لم يعد التآكل التدريجي للسيادة مجرد هاجسٍ نظري، بل بات حالةً يومية معاشة تُشكّلها ترسّخ قوةٍ عسكرية خارج سلطة الدولة واندراجها في محورٍ إقليمي تقوده طهران. إن وجود متّخذي قراراتٍ يعملون خارج دائرة المساءلة اللبنانية، ممن تنصبّ أولوياتهم في خدمة أهدافٍ استراتيجية خارجية، قد حوّل بحكم الواقع أجزاءً من الوطن إلى امتداداتٍ ميدانية لصراعٍ جيوسياسي أوسع. ويُعقّد هذا الواقع أيّ مسعىً للتفاوض على وقفٍ لإطلاق النار أو الحدّ من التصعيد، لأنه يطرح السؤال الجوهري بإلحاح: من يملك، بالضبط، الصلاحيةَ للالتزام باسم لبنان بالسلام؟ في هذا السياق وحده يمكن قراءة الجدل الدائر حول المفاوضات. إن إصرار بعضهم على أن الجلوس إلى طاولة التفاوض ضربٌ من الخيانة يعكس ثقافةً سياسية طالما خلطت بين الدبلوماسية والوهن، ورفعت المواجهةَ الدائمة إلى مرتبة الشرف الوطني. غير أن البديل المطروح، أي مواصلة حربٍ بلا هدفٍ محدد ودون إذن الدولة ودون أفقٍ يُرى للحل، لا يعِد بشيءٍ سوى مزيدٍ من الدمار. فالمفاوضات، بهذا المعنى، ليست تنازلاً بل استحقاق، شريطة أن تنبثق من رؤيةٍ متماسكة لسلطة الدولة وأن تُسنَد بإرادةٍ حقيقية في معالجة جذر الأزمة: وجود كيانٍ مسلح يعمل خارج القيادة الوطنية وبمعزلٍ عنها. وقد بات الفاعلون الدوليون والإقليميون، ولا سيما دول الخليج العربي، يُعبّرون عن موقفهم بوضوحٍ لا لبس فيه. فلن تتدفق المساعدات المالية ودعم إعادة البناء إلى منظومةٍ يُنظر إليها باعتبارها مرهونةً لإرادة الميليشيات، ولن يُمنح الغطاء السياسي لدولةٍ عاجزة عن إثبات أسبقية سلطتها في ملفّي الحرب والسلام. وهذا الاشتراط، الذي كثيراً ما يُقرأ ضغطاً خارجياً مرفوضاً، ليس في حقيقته إلا انعكاساً لتوافقٍ إقليمي ودولي أشمل مفاده أن الاستقرار لا يُبنى على الغموض، وأن السيادة لا تتجزأ ولا تُختار. يقف لبنان اليوم أمام مفترق طرقٍ طالما اقترب منه دون أن يجرؤ على اجتيازه. المسألة ليست اختياراً بين الحرب والسلام بمفهومهما المتعارف عليه، بل هي في جوهرها اختيارٌ بين الاستمرار في الوجود ساحةً مجزأة لقوى متنازعة أو استعادة الذات دولةً قادرةً على صياغة قراراتها وفرض تنفيذها. وطالما ظلّ احتكار العنف موضعَ تنازعٍ وطعن، ستظلّ كل هدنةٍ مؤقتة، وكل مسعىً لإعادة الإعمار معلّقاً، وكل مطالبةٍ بالسيادة منقوصة. والطريق إلى الأمام ليس يسيراً ولا مفتوحاً على الفور، لكنه يبدأ حين يُقرّ لبنان بما كثيراً ما حاول التهرّب منه: بلدٌ لا يُمسك بزمام سلاحه لا يُمسك بزمام مستقبله.

واشنطن وتل أبيب تهددان إيران بعملية حاسمة

هددت الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل أمس باستئناف الضربات ضد إيران لإجبار الجمهورية الإسلامية على العودة إلى طاولة المفاوضات. وعلى الرغم من الهدنة والمحادثات الأولية في 11 أبريل في إسلام أباد، لا تزال الدبلوماسية تكافح لفرض نفسها. بحسب الموقع الأمريكي أكسيوس ، كان من المقرر أن يتلقى الرئيس دونالد ترامب إحاطة من قائد سنتكوم (القيادة المركزية للولايات المتحدة)، براد كوبر، بشأن عمليات عسكرية جديدة محتملة ضد إيران. الهدف هو القيام بعمل عسكري حاسم. تشمل الخيارات التي سيقدمها له قائد القيادة المركزية موجة من الضربات التي تستهدف البنية التحتية، ولكن أيضًا إمكانية السيطرة على مضيق هرمز، ربما بمشاركة قوات أمريكية على الأرض، وفقًا للموقع الذي نقل عن مصدرين مقربين من الملف. دفع شبح عودة الضربات بعض الدول، مثل الإمارات العربية المتحدة، إلى توجيه تحذيرات جديدة لمواطنيها، مطالبة إياهم بتجنب السفر إلى إيران والعراق ولبنان. وشجعت المتواجدين هناك على المغادرة. رغم سريان وقف إطلاق النار منذ 8 أبريل، تفرض الولايات المتحدة حصارًا على السفن الإيرانية ردًا على إغلاق طهران لمضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل الصراع خُمس المواد الهيدروكربونية المستهلكة في العالم. وتعقيباً على التقارير الواردة من واشنطن، حذر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس من أن تل أبيب قد «تضطر إلى التحرك مجدداً» ضد إيران، حتى لا «تصبح مرة أخرى تهديداً لإسرائيل». لم يتأخر الرد الإيراني: توالت التصريحات النارية في نهاية اليوم. بدءاً بالمرشد الأعلى الذي أكد أن الولايات المتحدة تعرضت لـ «هزيمة مخزية» أمام بلاده: «بعد شهرين من أكبر انتشار عسكري وعدوان شنه طغاة هذا العالم في المنطقة، وبعد الهزيمة المخزية للولايات المتحدة، يُفتح فصل جديد» للخليج ومضيق هرمز، هكذا أعلن آية الله مجتبى خامنئي في رسالة مكتوبة. ولم يُشاهد علناً منذ تعيينه إثر إصابته في ضربات. من جانبه، ندد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بالحصار الأمريكي الذي قال إنه يرى فيه «امتدادًا للعمليات العسكرية» الأمريكية. النبرة المنتصرة ذاتها صدرت عن قائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري، مجيد موسوي، الذي حذر عبر التلفزيون الحكومي من أن أي عملية عدوية حتى لو كانت «موجزة» ستؤدي إلى «ضربات مؤلمة وطويلة الأمد وواسعة النطاق». أزمة طاقة كبرى لم تلبث حرب التصريحات أن أثارت الذعر في الأسواق. أدى تصاعد التوترات إلى قفزة في أسعار النفط: فقد تجاوز خام برنت لفترة وجيزة يوم الخميس 126 دولارًا للبرميل، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2022، إبان الغزو الروسي لأوكرانيا. في الواقع، أصبحت تداعيات إغلاق مضيق هرمز محسوسة أكثر فأكثر كل يوم بالنسبة للاقتصاد العالمي، وسط نقص متزايد، وارتفاع في معدلات التضخم، ومراجعات لخفض توقعات النمو. واعتبر رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، أن «العالم يواجه أخطر أزمة طاقة في تاريخه». كما أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه إزاء «خنق» الاقتصاد العالمي بسبب شلل المضيق. وحذر البنك المركزي الأوروبي من «تفاقم» المخاطر على التضخم والنمو في منطقة اليورو. محادثات لبنانية إسرائيلية «في غضون أسبوعين» على الجبهة اللبنانية، قُتل 15 شخصًا في غارات إسرائيلية في جنوب البلاد، بينما أدان الرئيس جوزيف عون «الانتهاكات المستمرة» من قبل إسرائيل للهدنة التي دخلت حيز التنفيذ في 17 أبريل. وندد الرئيس عون قائلاً: «تستمر الانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب رغم وقف إطلاق النار، إلى جانب هدم وتجريف المنازل ودور العبادة، في حين يرتفع عدد الضحايا يوماً بعد يوم». على الصعيد السياسي، لا تزال الفجوة تتسع بين الرئيس عون، المصمم على إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وحزب الله، الذي يعارض ذلك ويشن حملة ضده. أعلن الرئيس ترامب خلال مؤتمر صحفي يوم الخميس، عن استئناف المحادثات بين اللبنانيين والإسرائيليين في واشنطن «في غضون أسبوعين»، بينما أكدت السفارة الأمريكية في بيروت عبر حسابها على منصة إكس أن لبنان يقف اليوم «عند منعطف تاريخي». وبحسب السفارة، يمثل الحوار المرتقب للبلاد «فرصة تاريخية، تتيح لشعبه استعادة زمام الأمور وبناء أمة ذات سيادة ومستقلة». بالنسبة للسفارة الأمريكية، فإن المفاوضات المباشرة هي التي ستسمح للبنان بالحصول على «ضمانات قوية لاستعادة السيادة الوطنية والحفاظ على سلامة أراضيه وأمن حدوده». كما أنها من شأنها «ضمان الدعم الإنساني وإعادة الإعمار». ومؤكدةً استعداد واشنطن لدعم لبنان في هذه المهمة، شجعت السفارة البلاد على أن «تكون السيد الوحيد لمصيرها».