شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
خارج بيروت… لكن إلى أين؟
بقلم
ربيع دندشلي
نُشر

في بلد يعاني من انهيار اقتصادي غير مسبوق، وأزمة مالية مستمرة، وبنية تحتية متآكلة، تبدو إعادة إحياء مطار القليعات في شمال لبنان خطوة تحمل كثيراً من الطموح. لكن بعيداً عن الحماسة السياسية والإعلامية التي رافقت المشروع، يبرز سؤال أكثر أهمية: هل يمثل القليعات بالفعل الخيار الأكثر جدوى للبنان، أم أن النقاش الحقيقي حول المطار الثاني في البلاد لم يُفتح بعد؟ لا يتعلق الأمر بمعارضة المشروع بحد ذاته. فوجود مطار ثانٍ في لبنان لم يعد ترفاً، بل أصبح حاجة وطنية وأمنية واقتصادية. تجربة السنوات الأخيرة أظهرت مدى هشاشة اعتماد البلاد على مطار واحد فقط، سواء في ظل الحروب أو الأزمات الأمنية أو حتى الضغوط التشغيلية المتزايدة على مطار بيروت. ولذلك فإن المبدأ يكاد يكون محل إجماع. لكن الخلاف يبدأ عند سؤال آخر: لماذا القليعات؟ ولماذا الآن؟ من الناحية الجغرافية، يتمتع مطار القليعات بمزايا لا يمكن إنكارها. فهو يمتلك مدرجاً قائماً، ويقع في منطقة تحتاج بشدة إلى مشاريع تنموية، كما أنه قريب نسبياً من الساحل والشبكات البرية الرئيسية. لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي لتحديد الأولويات الوطنية. فعندما يُطرح مشروع بهذا الحجم في دولة تعاني من محدودية الموارد، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت دراسات الجدوى الاقتصادية والاستراتيجية قد قارنت فعلاً بين القليعات وخيارات أخرى مطروحة منذ سنوات، وعلى رأسها مطار رياق في البقاع. أنصار رياق يجادلون بأن الموقع البقاعي يمنح لبنان منفذاً جوياً في عمق البلاد بعيداً عن الساحل والحدود الشمالية، وأنه أكثر قرباً من الامتداد الطبيعي نحو الداخل العربي. كما أن البقاع يشكل عقدة جغرافية تربط الشمال بالجنوب والشرق بالغرب، ما قد يمنح أي مطار هناك بعداً وطنياً يتجاوز البعد المناطقي. في المقابل، يرى مؤيدو القليعات أن لبنان لا يحتاج فقط إلى مطار إضافي، بل إلى مشروع تنموي يعيد الحياة إلى منطقة عانت لعقود من التهميش. وهنا يتحول النقاش من سؤال اقتصادي إلى سؤال سياسي: هل الهدف من المطار خدمة النقل الجوي أم تحقيق توازن إنمائي بين المناطق؟ المشكلة أن الدولة اللبنانية لم تقدم حتى الآن رؤية واضحة تجيب عن هذا السؤال. فالمطارات ليست مجرد مدارج للطائرات، بل مكونات ضمن استراتيجية وطنية للنقل والاقتصاد والاستثمار. وعندما تنجح دول العالم في إنشاء مطارات جديدة، فإنها تفعل ذلك ضمن شبكة متكاملة تشمل المرافئ والطرق السريعة والمناطق الصناعية والمراكز اللوجستية وخطط التنمية الإقليمية. أما في لبنان، فيبدو النقاش أحياناً وكأنه يدور حول المطار بمعزل عن كل ما يحيط به. والأهم من ذلك أن توقيت المشروع يثير بدوره أسئلة مشروعة. فلبنان اليوم لا يواجه فقط أزمة نقل أو ازدحاماً في مطار بيروت، بل يواجه أزمة مالية وهيكلية عميقة. الدين العام مرتفع، والاستثمارات الأجنبية محدودة، والإصلاحات الاقتصادية الكبرى ما زالت متعثرة. وفي ظل هذه الظروف، يصبح السؤال ليس فقط ما إذا كان لبنان يحتاج إلى مطار ثانٍ، بل ما إذا كان هذا المشروع يمثل الأولوية الأكثر إلحاحاً مقارنة بملفات الكهرباء والمياه والنقل العام وإعادة الإعمار. هذا لا يعني أن المشروع غير ضروري. بل على العكس، قد يكون من أكثر المشاريع الاستراتيجية التي يحتاجها لبنان خلال العقد المقبل. لكن نجاحه لن يتحدد بقرار إعادة التشغيل، بل بقدرته على الاندماج ضمن رؤية اقتصادية شاملة. وهنا تكمن المعضلة الأساسية. فلبنان يمتلك تاريخاً طويلاً من المشاريع التي وُلدت كرموز سياسية أكثر منها أدوات اقتصادية. وغالباً ما كانت المنافسة بين المناطق والطوائف والقوى السياسية تتقدم على النقاش التقني والاقتصادي البحت. لذلك يصبح من الضروري اليوم أن يُطرح السؤال بصراحة: هل وقع الاختيار على القليعات لأنه الخيار الأفضل للبنان، أم لأنه الخيار الأكثر توافقاً مع التوازنات السياسية القائمة؟ قد يكون القليعات بالفعل المشروع الصحيح. وقد يكون رياق أو أي موقع آخر أكثر جدوى على المدى الطويل. لكن المشكلة الحقيقية ليست في اسم الموقع بقدر ما هي في غياب النقاش الوطني الجدي حول معايير الاختيار نفسها. فالدول لا تبني مطاراتها على أساس الجغرافيا السياسية فقط، ولا على أساس الإنماء المتوازن وحده، ولا وفق اعتبارات أمنية منفردة. بل على أساس رؤية متكاملة تحدد أين سيكون لبنان اقتصادياً بعد عشرين أو ثلاثين عاماً. لهذا السبب، فإن النقاش حول القليعات يجب ألا يقتصر على عدد الرحلات أو حجم الاستثمارات أو الوظائف المتوقعة. إنه في جوهره نقاش حول طريقة اتخاذ القرار في لبنان. هل ما زالت المشاريع الكبرى تُبنى وفق منطق التوازنات والمحاصصات، أم أن البلاد بدأت أخيراً تعتمد منطق التخطيط الاستراتيجي.

مجموعة السبع تطالب بنزع سلاح "حزب الله"

منذ سريان الحديث عن وقف لإطلاق النار في لبنان، والذي جرى التطرّق إليه في مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة – والتي كشفت وزارة الخارجية الأميركية عن نصّها مساءً – توالت التكهنات وتصاعدت التحليلات بشأن التطورات المرتقبة في البلاد على المدى القصير. ولا يقتصر الأمر على كون وقف إطلاق النار لا يزال هشاً للغاية، بل إن الشكوك تخيّم أيضاً حول الانسحاب المحتمل للقوات الإسرائيلية، فضلاً عن المسألة المركزية المتمثلة في نزع سلاح "حزب الله". ورغم مسارعة الحزب وعرّابه الإيراني إلى رفع شعارات "النصر" منذ إبرام هذا الاتفاق الإطار، إلا أن مؤشرات عدة برزت يوم الأربعاء لتضفي ظلالاً من الواقعية وتبدد هذه الانطباعات التي يسوّقها المعسكر الإيراني. أولى هذه المؤشرات تمثلت في الموقف الصادر عن مجموعة السبع (G7) خلال قمة قادتها في مدينة إيفيان الفرنسية؛ إذ دعا زعماء الدول الكبرى في بيان مشترك إلى وقف "صلب وفوري" لإطلاق النار في لبنان، وجددوا في الوقت عينه دعمهم للجهود التي تبذلها السلطات اللبنانية بهدف نزع سلاح "حزب الله"، وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها. ولم يفت بيان المجموعة التذكير بـ "التهديدات التي تشكلها إيران على استقرار المنطقة"، مع التشديد على ضرورة "عدم السماح لها بتاتاً بامتلاك السلاح النووي". كما أعربت مجموعة السبع في بيانها عن ترحيب قادتها بالاتفاق الإطار المبرم بين واشنطن وطهران، والذي ينص تفصيلياً على إعادة فتح مضيق هرمز. وسلّطت الوثيقة الضوء على الدور المحوري الذي يمكن أن تؤديه كل من بريطانيا وفرنسا في عمليات إزالة الألغام وإعادة فتح المضيق. أما المؤشر الثاني، فتجلى في الالتزام المتجدد لرئيس الجمهورية جوزيف عون حيال الرغبة اللبنانية في إخراج البلاد من دائرة النفوذ الإيراني. وفي هذا السياق، بدد الرئيس اللبناني يوم الأربعاء أي التباس قد يكون قائماً، مؤكداً بنبرة حاسمة أن لبنان يسلك مساراً "مستقلاً" تماماً عن الاتفاق المعقود بين واشنطن وطهران. وتحدث عون عن "تطمينات" تلقّتها الدولة اللبنانية بشأن المفاوضات المباشرة التي تخوضها مع إسرائيل في العاصمة الأميركية منذ مطلع نيسان الفائت، والتي من المقرر أن تعقد جولتها المقبلة أيام 23 و24 و25 حزيران الجاري. وشدد رئيس الدولة في بيان له على أن الدولة اللبنانية هي التي "تقود المفاوضات"، مؤكداً أنها "صاحبة القرار ولا يمكن لأحد أن يحل مكانها". وجاء هذا الموقف ليرد بشكل مباشر على قيادات في "حزب الله" سارعت إلى حثّه على التخلي عن المحادثات المباشرة مع إسرائيل، معتبرة أن الأجدى بلبنان أن يفوض إيران للدفاع عن قضيته. ومع ذلك، لم يغفل الرئيس توجيه الشكر لكل من يمد يد العون للبنان لتحقيق وقف إطلاق النار، بما في ذلك إيران، في خطوة تعكس مرونة ديبلوماسية عالية وحرصاً على تأمين توافق داخلي، دون أن يشكل ذلك أي تراجع عن موقفه الثابت والمتمسك بالسيادة اللبنانية. عون في واشنطن؟ يُشار في هذا السياق إلى أن الرئيس دونالد ترامب قد أوضح خلال النهار، على هامش زيارته إلى فرنسا، أن الرئيس عون سيتوجه إلى واشنطن "خلال أسبوعين". وفي هذا الصدد، أشار مصدر أميركي مسؤول إلى أن زيارة الرئيس عون إلى واشنطن ستتم بحلول منتصف تموز. من جهة أخرى، وإذ جدد تأكيد رغبة إدارته في إرساء "السلام في لبنان"، شدد رئيس البيت الأبيض على ضرورة "حسم ملف حزب الله بطريقة أو بأخرى". وعاد الرئيس الأميركي ليركز على هذا الجانب معلناً أن "سوريا ستؤدي دوراً إيجابياً ضد حزب الله في لبنان". وفي ساعة متأخرة من المساء، أشار مصدر أميركي لقناة "الحدث" إلى أن "قرار الحرب والسلم في لبنان يجب أن يكون بيد الحكومة الشرعية"، موضحاً: "لقد أبلغنا لبنان بأن ضمان سيادته واستقراره على الصعيد الإقليمي يمر عبر حصر حيازة السلاح" (بيد الدولة). من جانب آخر، أوضح مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية لقناة " MTV " أن "الاتفاق لا يفرض وقفاً شاملاً لإطلاق النار في لبنان بأي ثمن". وأضاف المسؤول المعني: "على إيران كبح جماح حزب الله ومنعه من مهاجمة إسرائيل. وإذا هاجم حزب الله إسرائيل، فإن الأخيرة تحتفظ بحق الرد عسكرياً". الجدير بالذكر في هذا السياق، وفقاً لمعلومات نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية (AFP)، أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد يستقبل رئيس الوزراء نواف سلام يوم الخميس في باريس. ونقلت الوكالة عن مصدر ديبلوماسي في مجموعة السبع أن إيمانويل ماكرون ونواف سلام سيناقشان في باريس "تطبيق بيان مجموعة السبع" المتعلق بلبنان. منظمة العفو الدولية والاحتلال الإسرائيلي في هذه الأثناء، تستمر المعارك في جنوب البلاد ويبدو أن حدّتها آخذة في التصاعد، لا سيما في محيط تلة علي الطاهر، وهي نقطة استراتيجية على مرتفعات النبطية يحاول الإسرائيليون السيطرة عليها منذ أيام عدة. وعلى الصعيد السياسي، لا تزال الأصوات الإسرائيلية ترتفع للمطالبة بعدم إخلاء الأراضي المحتلة من قوات الدولة العبرية؛ إذ أكد وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من لبنان "لا بحلول الجمعة ولا بعدها"، في إشارة إلى توقيع الاتفاق الإطار بين إيران والولايات المتحدة يوم الجمعة في جنيف. واتهم تقرير نشرته منظمة العفو الدولية (أمنستي)، إسرائيل بارتكاب "جرائم حرب" بسبب لجوئها الممنهج إلى التهجير القسري للسكان، مؤكداً أن القوات الإسرائيلية تحتل في المرحلة الحالية قرابة 6% من الأراضي اللبنانية. من جهته، عاد الجيش الإيراني ليتدخل في الشأن الميداني اللبناني هذا الأربعاء، مهدداً الإسرائيليين بـ "رد قاصم" إذا لم تتوقف الضربات الإسرائيلية. وفي غضون ذلك، لم يوقف حزب الله هجماته أيضاً؛ إذ أعلن الجيش الإسرائيلي في وقت متأخر من بعد الظهر عن إصابة خمسة من جنوده إثر هجوم بطائرة مسيّرة استهدف إحدى مركباته في النبطية. "إذا لم يحسنوا التصرف..." من الواضح أن الملف الإيراني قد رافق دونالد ترامب إلى اجتماع مجموعة السبع في فرنسا. وإذا كان الرئيس الأميركي قد استحصل على إبرام الاتفاق مع إيران قبل هذا التاريخ، بغية التباهي بتحقيق نصر ديبلوماسي أمام حلفائه الأوروبيين – والذين اتسمت علاقته بهم باضطراب شديد منذ بداية ولايته الرئاسية الثانية – إلا أنه وجد نفسه مضطراً للرد على أسئلة صحافية استدعت منه ردوداً حادة. وفي هذا السياق، أوضح ترامب منذ البداية، خلال مؤتمره الصحافي المشترك مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أن الأمر يتعلق بـ "مذكرة تفاهم" وليس باتفاق نهائي. وأضاف: "وإذا لم يرضني الاتفاق، أو إذا لم يحسن الإيرانيون التصرف، فسنعود إلى إلقاء القنابل فوق رؤوسهم". ومع ذلك، وصف هذه الوثيقة بأنها "صلبة للغاية"؛ وهي كلمات تحمل دلالات واضحة قبل يومين من توقيع الاتفاق في جنيف. وبدا الرئيس ترامب في موقف دفاعي عندما سُئل عن الاستثمارات الموعودة للإيرانيين والبالغة 300 مليار دولار؛ إذ أكد أن بلاده "لن تستثمر سنتاً واحداً" في إيران ما لم تمتثل هذه الأخيرة لجميع بنود الاتفاق، مشدداً على أنه ليس من المقرّر إنفاق أي قرش في إيران حتى إشعار آخر. ووفقاً للتسريبات التي نقلتها وسائل الإعلام، تشير مذكرة التفاهم إلى أن الولايات المتحدة "وشركاءها في المنطقة" يتعهدون بوضع خطة لإعادة إعمار إيران وتنميتها بتمويل "لا يقل عن 300 مليار دولار". وفيما يخص تمويل إعادة الإعمار في المنطقة المتضررة من هذه الحرب، يُشار إلى الإعلان الصادر عن الصين يوم الأربعاء، والتي وعدت فيه بتقديم المساعدة ليس لإيران فحسب – وهو ما فعلته بالفعل – بل للبنان أيضاً. فهل يسعى العملاق الصيني إلى حجز مكانة متنامية في المنطقة؟ لم يصدر أي رد فعل حتى الساعة من السلطات اللبنانية. وميدانياً في منطقة الخليج، تجاوزت ناقلات نفط إيرانية بالفعل منطقة الحصار صباح الأربعاء. نص مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية كما وزعته الولايات المتحدة في ما يأتي نص مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وفقا لما تلاه مسؤول أميركي كبير على الصحافيين الأربعاء: "إن الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وافقتا معا بحسن نية في (تاريخ لم يُحدَّد بعد، وفق ما قاله المسؤول) على ما يأتي: الفقرة 1 - تعلن الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وحلفاؤهما في الحرب الدائرة، من خلال توقيع مذكرة التفاهم هذه، وقفا فوريا ودائما للعمليات العسكرية على كل الجبهات، بما في ذلك في لبنان، وتتعهد من الآن فصاعدا ألا تبادر إلى أي حرب أو أي عملية عسكرية بعضها ضد بعض، وأن تمتنع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها بعضها ضد بعض، وبضمان سلامة أراضي لبنان وسيادته. وسيؤكد الاتفاق النهائي الوقف الدائم للحرب على كل الجبهات، بما في ذلك في لبنان، وعلى الأحكام الأخرى الواردة في هذه الفقرة. الفقرة 2 - تتعهد الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تحترم كل منهما سيادة الأخرى ووحدة أراضيها، وتمتنع عن التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر. الفقرة 3 - تلتزم الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بالتفاوض والتوصل إلى الاتفاق النهائي خلال مدة أقصاها 60 يوما، قابلة للتمديد بموافقة مشتركة. الفقرة 4 - فور توقيع مذكرة التفاهم هذه، ستباشر الولايات المتحدة الأميركية إزالة حصارها البحري وأي إزعاجات أو عوائق مفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وستُنهي الحصار البحري بالكامل خلال 30 يوما. وخلال هذه الفترة، سيكون حجم حركة مرور السفن بما يتناسب مع أعداد حركة المرور التي كانت قائمة قبل الحرب، والتي ستُستعاد من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية. كما تتعهد الولايات المتحدة الأميركية سحب قواتها من محيط الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال 30 يوما بعد الاتفاق النهائي. الفقرة 5 - عند توقيع مذكرة التفاهم هذه، ستقوم الجمهورية الإسلامية الإيرانية باتخاذ الترتيبات، وبذل أفضل الجهود، لضمان المرور الآمن للسفن التجارية من دون رسوم لمدة 60 يوماً فقط، من الخليج الفارسي إلى بحر عُمان، وبالعكس. وستبدأ حركة مرور السفن التجارية فورا، ومع الأخذ في الاعتبار الحاجة لإزالة العقبات الفنية والعسكرية وإزالة الألغام من جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية، سيتم تفعيل هذه الحركة خلال 30 يوما. وستُجري الجمهورية الإسلامية الإيرانية حوارا مع سلطنة عُمان لتحديد إدارة الخدمات البحرية المستقبلية في مضيق هرمز، بالتشاور مع الدول الساحلية الأخرى في الخليج الفارسي، بما يتماشى مع القانون الدولي المعمول به والحقوق السيادية للدول المشاطئة لمضيق هرمز. الفقرة 6 - تتعهد الولايات المتحدة الأميركية، بالتعاون مع الشركاء الإقليميين، بوضع خطة نهائية متفق عليها بصورة مشتركة لا تقل قيمتها عن 300 مليار دولار أميركي لإعادة إعمار وتنمية الاقتصاد في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وستُستكمل الآلية الخاصة بتنفيذ هذه الخطة كجزء من الاتفاق النهائي خلال 60 يوما. وستمنح الولايات المتحدة الأميركية كل التراخيص والاستثناءات والأذونات المطلوبة لإجراء المعاملات المالية ذات الصلة. الفقرة 7 - تتعهد الولايات المتحدة الأميركية إنهاء جميع أشكال العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن الدولي وقرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجميع العقوبات الأميركية الأحادية، الأساسية والثانوية، وفقا لجدول زمني متفق عليه كجزء من الاتفاق النهائي. وتُقرّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأميركية بالأهمية البالغة لمسألة إنهاء العقوبات المذكورة أعلاه، وتُعبران عن نيتهما معالجة هذه المسائل فورا في المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق متبادل بشأنها. الفقرة 8 - تؤكد الجمهورية الإسلامية الإيرانية مجدداً أنها لن تسعى إلى حيازة أو تطوير أسلحة نووية. وقد اتفقت الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية إيران الإسلامية على تسوية مسألة التخلص من المواد المخصبة المخزنة، وذلك باتباع آلية يتم الاتفاق عليها بين الطرفين وفقا للجدول الزمني المذكور في الفقرة 7، على أن يكون الحد الأدنى من الألية هو تخفيف درجة تخصيب اليورانيوم في الموقع تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما اتفق الطرفان على مناقشة مسألة التخصيب وغيرها من المسائل المتفق عليها والمتعلقة بالاحتياجات النووية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، استنادا إلى إطار عمل مُرضٍ يتم الاتفاق عليه في الاتفاق النهائي. وتُقرّ الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بالأهمية البالغة للقضايا النووية المذكورة أعلاه، وتُعبران عن نيتهما معالجة هذه القضايا فوراً في المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق متبادل بشأنها. الفقرة 9 - بانتظار التوصل إلى الاتفاق النهائي، توافق الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإيرانية الإسلامية على الحفاظ على الوضع الراهن. وستحافظ الجمهورية الإيرانية الإسلامية على الوضع الراهن لبرنامجها النووي، ولن تفرض الولايات المتحدة الأميركية أي عقوبات جديدة، ولن تنشر قوات إضافية في المنطقة. الفقرة 10 - تتعهد الولايات المتحدة الأميركية بأنه فور توقيع مذكرة التفاهم هذه، وحتى انتهاء العقوبات، ستقوم وزارة الخزانة الأميركية بإصدار إعفاءات لتصدير النفط الخام الإيراني والمنتجات البترولية والمشتقات وجميع الخدمات المرتبطة بها، بما في ذلك التعاملات المصرفية والتأمين والنقل وما إلى ذلك. الفقرة 11 - تتعهد الولايات المتحدة الأميركية بإتاحة الأموال والأصول المجمدة أو الخاضعة لقيود، التابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية للاستخدام الكامل فور تنفيذ مذكرة التفاهم هذه. وستتفق الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بصورة متبادلة على الإجراءات المتعلقة بالإفراج عن هذه الأموال خلال المفاوضات. كما يجب أن تصبح هذه الأموال، سواء بقيت في الحساب الأصلي أو جرى تحويلها، متاحة بالكامل للاستخدام في سداد المدفوعات لأي مستفيد نهائي يحدده البنك المركزي للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وتتعهد الولايات المتحدة الأميركية بإصدار جميع التراخيص والتصاريح اللازمة لتحقيق ذلك. الفقرة 12 - تتفق الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية على إنشاء آلية تنفيذ لمراقبة التطبيق الناجح لمذكرة التفاهم هذه والامتثال المستقبلي للاتفاق النهائي. الفقرة 13 - بعد توقيع مذكرة التفاهم هذه، ورهنا ببدء تنفيذ الفقرات1 و4 و5 و10 و11 منها، واستمرار تنفيذ هذه التدابير، ستبدأ الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية مفاوضات بشأن الاتفاق النهائي حصرا في ما يتعلق بالفقرات الأخرى. الفقرة 14 - يُعتمد الاتفاق النهائي بقرار ملزم من مجلس الأمن الدولي".

ذرائع "الحزب" في تبرير تجنيد الأطفال

عندما يُسأل حزب الله، او الدائرين في فلكه تجنيدهم للأطفال، تكون الاجابة: أن تجنيد الاطفال، ( المفهوم المحدد ب 18 عاماً بحسب التعريف القانوني الحالي للطفولة من قبل اليونيسيف)، بأنهم يريدون ذلك، أو انهم ناضجون كفاية، أو أنه أمر طبيعي ويتماشى مع ممارسات جميع الثورات في التاريخ، وتكر سلسلة تعدادها بما يعود بنا قرونا الى الوراء. وهنا نقع في مغالطات لا تحصى: بداية أن تقسيم الأعمار لا يخضع لمفوم ثابت، بل هو متغير عبر العصور. وهنا من المفيد مراجعة عمل آرييس الموسوعي عن الطفولة خصوصاً، ومدرسة حوليات عموماً، فالطفولة لم تكن موجودة كمفهوم في العصور الوسطى، والطفل كان يُعامل كراشد صغير، إذ لم يكن هناك فصل واضح بين عالم الأطفال وعالم الكبار، لا لجهة التربية ولا الملابس ولا الألعاب، وكان الاندماج المبكر في عالم الكبار هو القاعدة، وفي هذا العالم كان تجنيدهم في الحروب "مقبولاً". لكن مع مرور الزمن تغيرت المعايير والمفاهيم، وهذا يعني ان ما كان يعتبر "طبيعياً" في زمن ما، قد يصبح مرفوضاً أخلاقياً وقانونياً في زمن آخر. فنحن نعلم أن عمل الأطفال كان شائعاً في زمن الثورة الصناعية، وهو موجود الأن في البلدان الفقيرة المعدمة. مع ذلك تم الاعتراف الدولي بحقوق الطفولة وحاجتها للحماية والعناية على جميع الصعد: التربوية والصحية والنفسية، كي نساعد الأطفال على النمو والتفتح بشكل سليم. أي ان التاريخ نفسه يثبت أن المجتمعات تتخلى عن ممارسات كانت تعتبرها "طبيعية" في مرحلة ما. من هنا جاء الحسم القانوني من قبل اليونيسيف عبر "شرعة حقوق الطفل"،أن كل انسان دون الثامنة عشرة هو طفل. وهذا ليس رأياً ثقافياً خاضعاً للتأويل، بل معيار دولي وقاعدة تنظيمية دولية تفرض الالتزام القانوني، وأساساً لسياسات الدول والمنظمات. أما عن حجة الثورات ففيها أيضاً مغالطات: بالطبع استخدمت الثورات الأطفال، لكن كان عمل الأطفال مقبولاً أيضاً،غياب التعليم كان اعتيادياً، كما كانت العبودية مشرّعة، وحرمان النساء من الحقوق كان موجوداً وكان شائعاً، وأيضاً العنف الممنهج. فهل كل ذلك يجعلها مقبولة اليوم؟ بالطبع لا. أما المغالطة الأخرى التي يقعون فيها، فهي قياس الحاضر بمعايير الماضي (وهذا ما يمارسونه على جميع الصعد)، بينما هم يستخدمون أحدث منتجات التكنولوجيا الحديثة من طائرات مسيّرة وإعلام رقمي وهواتف ذكية (تسببت بتسهيل عملية البايجرز المعروفة النتائج). وهنا لا يمكنهم استخدام تكنولوجيا القرن 21 وتبرير الممارسات الاجتماعية بمعايير القرون الوسطى!! انهم يقومون بإعادة تعريف الطفولة، بعد تفريغ كلمة "طفولة" من معناها المعاصر، واستبدالها بتعريف مرن: "واعي" او "مستعد" أو "ناضج"، لخدمة سياساتهم التي يأتمرون بها من ربة عملهم إيران. يفككون تعريف الطفولة، لإعادة بنائها حسب حاجاتهم. يحولون الطفل من "موضوع حماية" إلى "أداة صراع" ، وفي هذا تعارض ومخالفة مباشرة مع : علم النفس التنموي، القانون الدولي، ومنظومة الأخلاق الحديثة . لذلك، فإن الاستناد إلى ممارسات تاريخية لتبرير تجنيد الأطفال اليوم هو تجاهل لتطور القيم والمعايير الإنسانية، تماماً كما لا يمكن تبرير العبودية أو عمل الأطفال أو اضطهاد النساء، بحجة أنها كانت شائعة في الماضي. إن وجود الشيء في الماضي لا يعطيه الشرعية اليوم؛ وإلا كنا سنقبل بالعبودية وبحرمان النساء من حقوقهن. المشكلة ليست في التاريخ، بل في محاولة استخدامه لتبرير ما لم يعد مقبولاً في الحاضر. إن كل ما يقومون به لا يعد "أصالة" بل انتقائية نفعية، وإسقاط قواعد على واقع تحكمه قواعد اخرى، بمعنى أنهم يخلطون أطراً معيارية مختلفة بشكل عشوائي ولكنه ممنهج. لا يمكن العيش بتكنولوجيا القرن الحادي والعشرين وتبرير السلوك بمعايير القرون الوسطى، وإذا كان المفهوم قد تطوّر، فلا يمكن الرجوع إلى مراحل سابقة لتبرير ممارسات اليوم. ان ما يحدث فعلاً نزع صفة "القاصر" عن الطفل، وتحويله إلى "مقاتل صغير"، بحجة انه "واعٍ" بما يكفي لما يقوم به. وهذا ما يسقط عنه الحماية التي يتمتع بها قانونياً. ان هذا الطرف نفسه، يستند الى القانون الدولي عندما يخدمه، ويتجاهله عندما لا يخدمه. يستندون إلى القانون الدولي عندما يتحدثون عن: حقوق الشعوب ، العدوان ،السيادة.... هذا ليس موقفاً مبدئياً بل استخدام أداتي للمعايير، يمكننا تسميتها بوضوع: انتقائية معيارية أو ازدواجية مرجعية نفعية، عبر التلاعب بالمفاهيم. القضية ليست ماذا كان يحدث في الماضي، بل أي معايير نعتمد اليوم، وهل نطبّقها بشكل متّسق أم نستخدمها انتقائياً حسب المصلحة؟ فتُعتمد حين تخدم الموقف، وتُستبعد حين لا تخدمه، مع إعادة تعريف المفاهيم الأساسية وفق الحاجة.

هل يمكن صياغة سياسة ثقافية في لبنان؟ (2/2)

في مقال سابق، أشرنا إلى أنه على الرغم من الأزمات المتلاحقة التي عصفت بلبنان، لا يزال المشهد الفني اللبناني يثبت قدرة استثنائية على الصمود، سواء في الداخل أو في بلاد الانتشار. فبين معارض ومهرجانات، وافتتاح صالات عرض، وتأسيس مؤسسات جديدة، فضلاً عن المبادرات المعنية بحفظ التراث، لم ينطفئ بريق الحراك الفني والثقافي المرتبط بلبنان يوماً، متحدياً كل العواصف. بل على العكس من ذلك، يبدو أنه يستعيد اليوم دينامية متجددة تساهم في بلورة ديبلوماسية ثقافية على الساحة الدولية، وتستشرف ملامح سياسة ثقافية نوعية خاصة ببلد الأرز. ولكن، هل يتيح لنا هذا الواقع، تحديداً، التحدث عن سياسة ثقافية حقيقية؟ سؤال يفرض نفسه في وقت تكثّف فيه وزارة الثقافة اللبنانية مبادراتها، وتُبدي رغبة واضحة في إعادة تموضع الثقافة كقطاع حيوي يساهم في النهوض بالبلاد. وعموماً، يُقصد بالسياسة الثقافية مجمل الإجراءات التي تتخذها السلطات العامة بهدف دعم الإبداع، وحماية التراث، ونشر الثقافة على أوسع نطاق، وتحفيز الإدماج الاجتماعي، وتحقيق الإنصاف بين المناطق. وهي تفترض وجود رؤية وطنية متماسكة، إلى جانب آليات كفيلة بضمان استدامة العمل الثقافي. بيد أن قراءة المشهد الثقافي اللبناني الراهن تضعنا أمام خلاصة بديهية: ثمة حراك كثيف يشهده البلد، إلا أن غالبية المبادرات لا تزال حكراً على بيروت. ومع ذلك، فإن هذه المركزية لا ينبغي أن تنسينا الحيوية المتجددة في المناطق. ويشكّل إعادة افتتاح سينما "إمباير" في طرابلس، على سبيل المثال، إشارة دالة في هذا السياق، من شأنها إنعاش الثقافة وإحياء الذاكرة الجماعية للمدينة، واستعادة المكانة التي طالما احتلتها طرابلس في تاريخ السينما اللبنانية. وتشهد مبادرات أخرى أيضاً على انتعاش النشاط الثقافي خارج العاصمة. ففي زحلة، يجسد مشروع المتحف المخصص لسعيد عقل الرغبة في تعزيز البنى التحتية الثقافية في المناطق. وفي صور، تساهم اليوم إعادة تأهيل دور السينما القديمة، مثل سينما "ريفولي"، في إعادة إنشاء مساحات للقاء والحوار، وهي مساحات تكتسي أهمية خاصة في سياق طبعته صدمات النزاعات الأخيرة. وفي الشوف، تساهم المشاريع المتعلقة بالتراث، والتي تدور حول دير القمر وبيت الدين، فضلاً عن تطوير الإقامات الفنية، هي الأخرى في تحقيق حضور أفضل للنشاط الثقافي على كامل الأراضي اللبنانية. هذا دون أن ننسى المهرجانات في مناطق عدة من لبنان: جبيل، الأرز، جونيه، بعلبك، بيت الدين، وغيرها. وتظل هذه المبادرات أحياناً متفرقة وأقل وضوحاً للعيان من تلك التي تشهدها بيروت، إلا أنها تذكر بأن الحيوية الثقافية اللبنانية لا تقتصر على العاصمة وحدها. بناء منظومة ثقافية على الرغم من جهود اللامركزية هذه، فإن مواقع العرض الرئيسية، والمؤسسات الثقافية الكبرى، وغالبية التمويل لا تزال تتركز في بيروت. إذ تفتح صالات عرض جديدة أبوابها بانتظام، وتعيد مؤسسات أخرى هيكلة نفسها، بينما يستأنف بعضها الآخر نشاطه تدريجياً، كما حدث مؤخراً مع "سينماتيك بيروت" (خزانة السينما)، وسينما "متروبوليس"، أو حتى، عما قريب، "السينما الكبيرة" (le Grand théâtre) في بيروت؛ في حين تعيد الوزارة إطلاق العديد من الفعاليات والمشاريع المرتبطة بالتراث. ومع ذلك، فإن الأسئلة المطروحة منذ سنوات عدة – والتي جرى تحديدها بالفعل في تقارير وزارة الثقافة – لا تزال قائمة. فكيف يمكن الحديث عن سياسة ثقافية وطنية حقيقية في وقت لا تزال فيه مشكلات النقل، والوساطة الثقافية، واللغة، أو حتى الوصول إلى المناطق، غير مستوفاة الحلول إلى حد كبير؟ ولعلّه يتعيّن علينا حينها قراءة الوضع من منظور آخر. فهذه التقارير الأخيرة نفسها الصادرة عن وزارة الثقافة، لا سيما تلك المخصصة للصناعات الثقافية والإبداعية وكذلك منتدى الفنون البصرية، تُظهر أن الهدف الحالي ربما لا يكمن بعد في إرساء سياسة ثقافية بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، بل في صياغة استراتيجية. وبناءً على ذلك، يبدو أن الأولوية تكمن في مكان آخر: بناء أسس منظومة ثقافية حقيقية قادرة على أن تصبح شريكاً اقتصادياً استراتيجياً وقائماً بذاته. إن الرهان هنا يكمن في تحويل صمود الفنانين والمؤسسات الثقافية إلى تنمية مستدامة، ووظائف، ونمو اقتصادي. بيد أن هذا الطموح يكشف عن واقع غالباً ما طواه النسيان: إن مشكلة القطاع الثقافي اللبناني لا تكمن في غياب الفاعلين، طالما أن البنى التحتية والمؤسسات قائمة بالفعل. ففي مجال الفنون البصرية، على سبيل المثال، تحظى جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت وكذلك نقابة محترفي الفنون التشكيلية والبصرية باعتراف رسمي. ومع ذلك، فإن العديد من الفنانين يجهلون آليّة عملهما أو حتى وجودهما. وعليه، فإن المشكلة لا تعود إلى غياب المنظمات، بقدر ما ترتبط بضعف حضورها، أو نقص أنشطتها، أو الصعوبة التي تواجهها في توحيد أهل المهنة. عجز في المواكبة والدعم تطرح هذه المسألة نفسها أيضاً في قطاع الموسيقى والفنون الحية. إذ يختار العديد من الموسيقيين والمغنين اللبنانيين اليوم إيداع أعمالهم أو التصريح عنها لدى جمعية مؤلفي الملحنين وناشري الموسيقى "ساسيم" (Sacem) في فرنسا، على سبيل المثال، بدلاً من الاعتماد على الآليات القائمة في لبنان. وغالباً ما يكشف هذا الوضع عن نقص في المعلومات، فضلاً عن ضعف ظهور آليات حماية الحقوق وإدارتها على المستوى المحلي. وعلى نطاق أوسع، يعاني القطاع الثقافي اللبناني من عجز في المواكبة والدعم في مجال الملكية الفكرية. فبينما تمتلك فرنسا مؤسسات محددة بوضوح مثل "ساسيم" للمؤلفين والملحنين، و"ساسد" (SACD) لمؤلفي الأعمال الدرامية والسمعية البصرية، و"سبيديدام" (Spedidam) لفناني الأداء، أو حتى المعهد الوطني للملكية الصناعية (INPI) لشؤون هذا القطاع، فإن الهياكل الموازية لها في لبنان تظل غير معروفة كفاية من قِبل الجمهور العريض، بل وحتى من قِبل المهنيين في هذا القطاع أحياناً. ومع ذلك، يمتلك لبنان، على سبيل المثال، مصلحة حماية الملكية الفكرية التابعة لوزارة الاقتصاد والتجارة، والمكلفة خصوصاً بالمسائل المرتبطة بحقوق المؤلف، والعلامات التجارية، وبراءات الاختراع. وعليه، يبدو أن التحدي لا يكمن في الغياب التام للآليات والتدابير، بقدر ما يرتبط بظهورها، وإمكانية الوصول إليها، واستيعابها من قِبل الفاعلين الثقافيين أنفسهم. وينطبق الوضع نفسه على الوضع المهني للفنانين. إذ يعمل الكثير منهم بلا عقود، ومن دون حماية اجتماعية، ودون معرفة حقيقية بحقوقهم. وتظل المسائل المرتبطة بالملكية الفكرية، أو حقوق المؤلف، أو آليات الحماية القانونية، غير معروفة في كثير من الأحيان. ويواجه العديد من الفنانين اللبنانيين صعوبات في الخارج لمجرد نقص المعارف القانونية لديهم أو عدم فهم الرهانات المرتبطة بالملكية الفكرية؛ وهي مواقف كان يمكن تجنبها غالباً بفضل تأهيل وتدريب أفضل. وفي التقارير الصادرة مؤخراً، جرى بالفعل تحديد هذه المشكلات، وتتمثل في: غياب وضع مهني للفنانين، ونقص التنسيق بين المؤسسات، وعدم كفاية آليات التمويل، والصعوبات المرتبطة بحماية التراث، فضلاً عن المركزية المفرطة للأنشطة الثقافية. بيد أن هذه التقارير تقترح أيضاً مسارات ملموسة، ومنها: تعزيز المنظمات القائمة، وتدريب المهنيين، وحماية الأرشيف، ودعم الإبداع، وتطوير الصناعات الثقافية والإبداعية، أو حتى تحسين الاعتراف القانوني بالفاعلين في هذا القطاع. ولهذا السبب، تبرز مأسسة القطاع وتأهيله مهنياً اليوم كأحد أبرز الرهانات. إذ بات من الضروري تدريب الفنانين على حقوقهم، وكذلك تدريب المهنيين الثقافيين على واقع القطاع. وفي هذا الصدد، توجد بالفعل مبادرات عدة؛ ومن بينها على سبيل المثال، برنامج الماجستير في إدارة الفعاليات في جامعة القديس يوسف، وهو البرنامج الوحيد من نوعه في لبنان، إذ يساهم تحديداً في تأهيل الكوادر الثقافية المستقبلية من خلال تناول إدارة المشاريع، والإدارة الثقافية، والوساطة، والتواصل، فضلاً عن الرهانات المرتبطة بالسياسات الثقافية. وعلى المنوال نفسه، تقدم كلية إدارة الأعمال (ESA) برامج تدريبية في الإدارة الثقافية وإدارة الفنون، وهي برامج تدمج أيضاً الأبعاد القانونية والتعاقدية وتلك المرتبطة باقتصاد الثقافة. الحراك الثقافي يستعيد نبضه يُعدّ هذا البعد جوهرياً؛ فإلى جانب الإبداع الفني، تبرز الحاجة أيضاً إلى تأهيل الكوادر التي ستتولى غداً بناء المؤسسات والمشاريع والآليات الكفيلة بمواكبة تطوير هذا القطاع على نحو مستدام. وتتقاطع هذه الرؤية مع التوجهات التي يدافع عنها حالياً وزير الثقافة، غسان سلامة، والذي يسعى إلى إعادة الثقافة إلى مكانة مركزية في مشروع إعادة إعمار البلاد، سواء داخل لبنان أو لدى الاغتراب والشركاء الدوليين. وبناءً على ذلك، فإن الركائز أصبحت قائمة بالفعل. إن ما يبدو أنه آخذ في التبلور اليوم ليس سياسة ثقافية ناجزة بالكامل بقدر ما هو استراتيجية تهدف إلى هيكلة قطاع ظل لفترة طويلة يرتكز، بشكل شبه حصري، على التزام فاعليه وصمودهم. وقد تأتي السياسة الثقافية الحقيقية في مرحلة لاحقة؛ وغالباً لن تتبع نموذجاً أوروبياً أو فرنسياً، بل ستأخذ شكلاً يتلاءم مع الواقع اللبناني، وآليات العمل المؤسساتي في البلاد، وتنوعها، فضلاً عن الدور الأساسي الذي تلعبه المبادرات الخاصة والأهلية والجامعية. ومع ذلك، ثمة أمر واحد مؤكد: الحراك الثقافي يستعيد نبضه في لبنان. وإذا كان على الفنانين مواصلة الإبداع، فقد بات من المهم بالقدر نفسه تأهيل أولئك الذين سيشاركون غداً في تنظيم هذه الثقافة، ووساطتها، وإدارتها، ونقلها. ذلك أن إعادة بناء قطاع ثقافي مستدام يمر عبر الأعمال الإبداعية بقدر ما يمر عبر البنى والهياكل التي تمنحها الحياة وتضمن استمراريتها. إقرأ أيضاً: الدبلوماسية الثقافية اللبنانية: بين التألق والتضامن والمقاومة (1/2)

واشنطن وطهران: على إيران العودة إلى السرب... وإلا

يبقى «التشويق» الكلمة الفصل في مسار المفاوضات والمحادثات التي أطلقتها الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية مطلع هذا الأسبوع. ومن المقرّر أن تنطلق هذه العملية رسمياً يوم الجمعة المقبل في سويسرا، بحضور بارز لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، ورئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي يرأس أيضاً وفد بلاده المفاوض. وفي المرحلة الراهنة، يتركز هذا التشويق على مضمون مذكرة التفاهم المتفق عليها بين واشنطن وطهران؛ إذ لم يُكشف حتى الآن سوى عن «الرواية» الإيرانية لهذه الوثيقة. ويبدو جلياً أن هذه النسخة تقدّم رؤية منحازة بعض الشيء، كونها تعكس بالدرجة الأولى مطالب النظام الإيراني. وفي المقابل، يوضح الجانب الأميركي أن نص هذا الاتفاق الإطار سيُوزّع على وسائل الإعلام يوم الجمعة، فور انتهاء مراسم التوقيع الرسمية. وبادئ ذي بدء، أشار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، يوم الثلاثاء، إلى أن المفاوضات الثنائية - المتوقع أن تمتد لستين يوماً قابلة للتجديد - ستتمحور حول الملف النووي وقضية العقوبات. وهنا يبرز المستوى الثاني من التشويق، نظراً للتباعد الكبير في مواقف الطرفين حيال القضايا الخلافية الكبرى التي تفصل بين البلدين. وفي مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز"، حسم الرئيس دونالد ترامب الموقف الأميركي، الذي من المرتقب أن يتكشف تدريجياً مع تقدم المحادثات. وأكد ترامب أولاً أنه في حال استمرار النظام الإيراني في إعدام المعارضين، فإنه سيتجه إلى تعليق قرار الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمّدة والتي تبلغ 24 مليار دولار. وبشكل عام، شدّد سيد البيت الأبيض على أنه لا يمكن الحديث عن رفع العقوبات أو تسليم الأموال المجمّدة ما لم تحترم السلطة الحاكمة في طهران التزاماتها وتضعها موضع التنفيذ. "حارس الشرق الأوسط" وفي إطار تشديد تحذيره للجمهورية الإسلامية، لوّح الرئيس ترامب بالعودة إلى الخيار العسكري وتوجيه ضربات ضد البنى التحتية الإيرانية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الملف النووي. ولتوضيح فكرته أكثر في هذا الصدد، أكد دون مواربة أنه في حال عدم المصادقة على الاتفاق النهائي بشأن الملف النووي، فإن الولايات المتحدة ستمنح نفسها، في هذه الحالة، الحق في أن تكون "حارس الشرق الأوسط، مقابل الحصول على 20 في المئة من عائدات المنطقة"... وفيما يتعلق بالوضع في لبنان، أطلق سيد البيت الأبيض ما قد يبدو هفوة دبلوماسية، حيث أشار في مقابلة أخرى إلى أنه يعتزم الاقتراح على إسرائيل ترك مهمة تسوية مشكلة "حزب الله" في لبنان للرئيس السوري أحمد الشرع. وأضاف ترامب: "قد يتمكن ربما من إنجاز هذه المهمة بشكل أفضل من إسرائيل". ولم يتأخر الرئيس السوري في الرد على هذه الهفوة، معلناً أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عن تدخل للقوات السورية في لبنان. أربع ضربات بمُسيّرات في جنوب لبنان وفي مطلق الأحوال، كرّر القادة الإسرائيليون خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية أن الجيش لن ينسحب من الأراضي اللبنانية إلا بعد تسوية مشكلة سلاح "حزب الله". وفي الانتظار، تستمر العمليات العسكرية في جنوب لبنان، ولكن بكثافة أقل مما كانت عليه قبل إعلان مذكرة التفاهم. وتركز قوات الدولة العبرية هجومها بشكل أساسي في قطاع النبطية، لا سيما باتجاه تلة "علي طاهر" الاستراتيجية. وبموازاة ذلك، شنّ الجيش الإسرائيلي خلال نهار الثلاثاء أربع ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت مركبات في منطقة بلدتي ميفدون وشوكين في قضاء النبطية. وأدت هذه الضربات المركزة إلى مقتل أربعة أشخاص وإصابة آخرين بجروح.

في مواجهة وهم "ما بعد الإنسان"... القدرة على التواصل

على خلفية المشهد الجيوسياسي الراهن وعودة منطق القوة إلى العلاقات الدولية، يبرز البابا لاون الرابع عشر كدقّاق ناقوس الخطر في مواجهة الوهم التكنولوجي الذي تغذيه نخبة معينة في «سيليكون فالي». وتزعم هذه النخبة، من خلال الذكاء الاصطناعي، تجاوز الحدود البشرية والعبور بالإنسان نحو “الترانسإنسانية” (ما بعد البشرية) و”ما بعد الإنسانية”. وهي طموحات “بروميثيوسية” تتوق لتخطي القيود البشرية، لكنها تنضح بالكراهية ليس للعالم فحسب، بل لفكرة الخالق نفسها. ورداً على هذه الطموحات، جاء في الرسالة العامة: «(...) إن البشرية - بروعتها وجراحها - لا ينبغي استبدالها ولا تجاوزها. بل يمكنها احتضان التقدم التكنولوجي للتخفيف من المعاناة وفتح آفاق جديدة»، على شرط ألّا تنكر ما يمنحها جوهرها وهويتها، أي القدرة على التواصل والحب (ملاحظة المحرر: التشديد من صياغتنا). وهنا يفرض نفسه سؤال حاسم: إذا كان هناك “سموّ فوق بشري” حقيقي، فأين يكمن؟ تجيب العقيدة المسيحية بالإشارة إلى «اكتمالٍ لا يتأتى من تأليهٍ تكنولوجي، بل من فاعلية نعمة الله المتلقاة في المسيح”. وتذكّر الرسالة العامة بأن الذكاء الاصطناعي ليس محايداً من الناحية الأخلاقية، بل يظل محكوماً بـ”تحيُّزات” مبرمجيه. إذ إن تصميمه في الأصل يعتمد على خيارات أخلاقية، وقيم، ونماذج اقتصادية كامنة، مما يتطلب يقظة بالغة وبصيرة حادة من جانب المستخدم. فالخطر المتمثل في “التشييئ” (تحويل الإنسان إلى شيء) المذكور أعلاه، يشكّل أحد أبرز التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على مستخدمه؛ إذ يحذر البابا لاون الرابع عشر من مغبة اختزال الشخص البشري في مجرد سلسلة من البيانات الكمية والإنجازات. كما تندد الرسالة العامة بـ”الاستعمار الرقمي”، وتدق ناقوس الخطر حيال التركيز الهائل للقوة والموارد الرقمية في أيدي قلة من الشركات الخاصة العابرة للحدود، مما يخلق أشكالاً جديدة من العبودية، ويحول الفضاء الرقمي إلى ساحة لافتراس بيانات الشعوب. وفي هذا السياق، يكفي إجراء جولة استكشافية بسيطة على الفضاء الرقمي لملاحظة وجود برمجيات آلية لجمع البيانات، من أدوات الكشط “scrapers” والزحف “crawlers” ، التي تلتقط أدق تفاصيل تبادلاتنا اليومية. وفي امتدادٍ تام للتطور المعاصر للعقيدة الاجتماعية للكنيسة التي أطلقها البابا فرنسيس، تخطو الرسالة العامة “الإنسانية الرائعة” (Magnifica humanitas) خطوة إضافية إلى الأمام، عبر تأكيدها مجدداً على تجاوز النظرية الكلاسيكية لـ”الحرب العادلة”. ففي مواجهة تطوير الأسلحة الذاتية التشغيل وخوارزميات الاستهداف العسكري، يشدد البابا على أن تفويض آلات باتخاذ قرارات فتاكة لا رجعة فيها يقوض، وبشكل نهائي، المسؤولية الأخلاقية للعمل المسلح. وبناءً على ذلك، يطالب بـ«نزع سلاح خوارزمي» شامل على مستوى العالم. ضد الأسلحة الذاتية التشغيل وفي هذا السياق، يوضح البابا أنه أصغى إلى علماء ومهندسين، وقادة سياسيين ومسؤولين، وأولياء أمور ومعلمين، فضلاً عن أصوات أخرى وصفها بأنها “مقلقة للغاية”، تتحدث عن “أنظمة أسلحة تزداد استقلالية، وتكاد تخرج تماماً عن نطاق السيطرة البشرية”. كما يشير إلى حيازته “شهادات تثير قلقاً بالغاً حول خوارزميات قادرة على حجب فرص الحصول على الرعاية الصحية، والوظائف، والأمن، بناءً على بيانات تشوبها أفكار مسبقة والإجحاف”. ويعرب البابا عن ألمه إزاء “صمت أولئك الذين لا صوت لهم عندما تُتخذ القرارات؛ وهي قرارات من شأنها أن تؤدي إلى أشكال جديدة من الإقصاء والمعاناة”. نزع سلاح الذكاء الاصطناعي ومن هذا الإصغاء ولدت «قناعة مقلقة» عبّر عنها في الرسالة العامة “الإنسانية الرائعة”، ومفادها أنه بات من الضروري “إيقاظ الضمائر وتحديد المسار الذي يجب على البشرية اتباعه”، مؤكداً أن “الذكاء الاصطناعي يجب أن يُنزع سلاحه”. وفي هذا الصدد، يُذكر أن ولاية كاليفورنيا الأميركية - معقل عمالقة التكنولوجيا مثل “Google” و”Meta” و”OpenAI” مطورة (ChatGPT) و “Anthropic” - قد أقرت يوم الإثنين 29 أيلول 2025 قانوناً بارزاً لتنظيم الذكاء الاصطناعي. ويُلزم هذا القانون الشركات التي تطوّر النماذج الأكثر تعقيداً بالشفافية، عبر الكشف علناً عن بروتوكولات الأمان الخاصة بها والإبلاغ عن الحوادث الخطيرة. كما يُلزم النص القانوني الشركات بالإبلاغ عن أي أداء تضليلي خطير للذكاء الاصطناعي أثناء مرحلة الاختبارات. فعلى سبيل المثال، إذا كذب نموذج ما بشأن مدى فعالية الضوابط المصممة لمنعه من المساعدة في تصنيع أسلحة بيولوجية أو نووية، يتوجب على المطورين الكشف عن هذه الحادثة فوراً، إذا كانت تؤدي إلى زيادة المخاطر والأضرار بشكل كبير. “إن التقارير الصادرة عن شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة تكشف عن تقدم مقلق في جميع فئات التهديدات”، هذا ما شددت عليه، في حزيران 2025، مجموعة التفكير التي شكلها حاكم ولاية كاليفورنيا لصياغة النص النهائي بدقة، تحت إشراف خبراء بارزين من جامعة ستانفورد، الملقبة بـ”العرّابة الروحية للذكاء الاصطناعي”. ويأتي صُدور الرسالة العامة “الإنسانية الرائعة” في وقت تتدفق فيه استثمارات بعشرات مليارات الدولارات نحو “سيليكون فالي”، بالتزامن مع تصاعد المخاوف بشأن الانحرافات المحتملة للنماذج الأكثر تقدماً. وفي هذا السياق، جرى تقديم الرسالة العامة خلال جلسة شارك فيها كريستوفر أولاه، الشريك المؤسس لشركة “Anthropic”؛ وهي الشركة التي رفضت، في نيسان الماضي، الكشف علناً عن نموذجها الأكثر قوة “Claude Mythos”. إذ اعتبرت الرسالة العامة أن هذا النموذج ينطوي على خطورة بالغة (في مجالات الأمن السيبراني، وتطوير الأسلحة، والتأثير على المجتمع وسوق العمل)، مما يحظر نشره دون ضوابط حماية صارمة. “الإنسانية الرائعة”؛ رسالة عامة تستحق القراءة الفورية ودون إبطاء. إقرأ أيضاً: - رسالة البابا حول الذكاء الاصطناعي: برج بابل أم المدينة المقدّسة؟ (2/3) - «الإنسانية الرائعة» للبابا ليون الرابع عشر: وثيقة تأسيسية في عصر الذكاء الاصطناعي (1/3)