شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
عند نقطة الانكسار
بقلم
هشام دبسي
نُشر

العنوان هو شعار وضعته القيادة الإيرانية على لوحة اعلانية عملاقة وسط ساحة "انقلاب" في طهران، يُظهِر مضيق هرمز فوق فم دونالد ترمب رئيس دولة "الشيطان الأكبر" الذي يجب هزيمته ، كما ينبغي تدمير دولة "الشيطان الأصغر" اسرائیل. لكن الوقائع تخبرنا هذا الأسبوع أن ثمة اتفاق آتٍ "عند نقطة الانكسار" مع الشيطانين الأكبر و الأصغر،ربما يتم توقيعه يوم الجمعة القادم . لم يخطر على بال ماكينة الاعلام الايرانية ان الانكسار يصيب قادته أيضاً، وليس الاعداء فقط، حتى و لو كانت القيادة الإيرانية تعتقد انها حققت نصراً الهياً غير مسبوق عند نقطة الانكسار هذه في المضيق أو في جنوب لبنان. واذا صدقت النيّات الاميرکیة والايرانية وتم التوقيع على "مذكرة التفاهم" أو "الاتفاق الاطاري" الأميركي - الإيراني من أجل وقف الأعمال العدائية وفك الحصار المنصوب على المضيق المغلق؛ نكون أمام حالة نجحت فيها طهران في الامساك بالرقبة بُغْيَة انجاز النصر المطلوب عبر خنق شامل لاقتصادات العالم. بينما نجحت واشنطن بالامساك بالأنف والفم وإجبار الرأس الإيراني بالنزول تحت الماء عبر الحصار البحري و تعطيل حركة المرافئ الشاملة . هكذا تحوّل عامل الزمن ضد من يمسك بالرقبة فقط، كما تقول و تدل اللوحة الاعلانية، و إلى أن يتم التوقيع الاسبوع الجاري؛ ثمة ملاحظات يمكن الحديث عنها على صلة قوية بالاتفاق. الملاحظة الاولى: ان مذكرة التفاهم المُعلنة لا يُمكن التسليم بظاهرها فقط ، إذ أن الوسطاء تمكّنوا من انجاز بطانة صالحة لنجاح الاتفاق عبر توفير حلول غير معلنة ذات وزن سیاسي و امني و اقتصادي، تنسجم مع رؤية الوسطاء المستندة إلى قراءة استراتيجية مختلفة عن قراءة طرفي الصراع. و هذا يُحسب إيجاباً لأطراف الوساطة وإن أزعج انصار التشدد ودَيْمومَة الحرب، لأن احتساب وزن دول الوساطة والدول المؤيّدة لها في هذه المعركة لن يتوقف على دورها الراهن ولا على النتائج المباشرة التي سنحصل عليها، بل صار وزن هذه الدول رُكُن من أركان المعادلة السياسية الجغرافية، لا يمكن تجاوزه على المستوى الاستراتيجي الدولي او في صراع القِوى الاقليمية للشرق الاوسط الجديد، وهذا يفتح مساحة صراع حضاري تَنْمَوي ، بديل الصراع الميليشياوي بكل ما حمله من قذارة و تدمير وقتل للشعوب. الملاحظة الثانية: أن "مذكرة التفاهم" هذه او "الاتفاق الاطاري" ، كشفت هُزال القوّة الايرانية التي ترفض الاعتراف بالهزيمة، وتستحضر عدّة وعتاد الايديولوجيا، سلاحها الأخير للحفاظ على تماسك رأس النظام والكتلة الصلبة المكوّنة له من حرس ثوري وميليشيا عقائدية قادرة على اعتقال و قتل كل من يخالفها الرأي. لأنّ رفض الاعتراف بالهزيمة اساسي في نجاح خطة البقاء في السلطة، المبنيّة بدورها على فهم للسیاسات الامريكية وجدلها الداخلي في المؤسسة العميقة، حيث استثمرت القيادة الايرانية في سياسات الاحتواء الامريكية افضل استثمار في الوقت الذي فشلت إدارة ترمب في فهم واستيعاب العقلية الفارسية وهي جوهرة التاج لنظام الولي الفقيه. وكان المثل الفجّ على هذا الامر، يكْمُن في نجاح رئيس الوزراء نتنياهو بإقناع الرئيس ترمب في الهجوم الأوّل و ساعة الصفر التي ستُسقِط النظام؛ ما جعل نتنياهو يزهو بنفسه لفترة طويلة كعرّاب لهذه الحرب الذي لا يُرفَض له طلب عند الرئيس ترمب. إلا أنّ تدحرُج الحرب على المدى الزمني وإتساع تأثيرها على دول العالم شكّل معادلةً جديدة وضعت نتنياهو في حجمه بصفته مقامر سياسي لا يكترث حتى لو سقط البيت الأبيض نفسه. إن قصّة السّيّد والتابع نشهدها يومياً حين يكون ترمب مُنزعجاً من الخسائر التي يسببها نتنياهو، فيذهب إلى تقريعه كولدٍ عاقّ و حين يحتاجه يُكيل المديح لانجازاته حتى صارت حالة الثنائي ترمب - نتنياهو تستحضر مسرحية الكاتب الكبير برتولت بريشت الساخرة (“السيد بونتيلا وتابعه ماتي”- “Hean Puntila und Sein Knecht Matti”) حين يكون السيد مُنْتَشيًا فيُظهِرتسامحه وعندما يصحو لمصالحه يُظْهر قسوةً و تسلّطاً. لقد كان من الأجدر لنتنياهو،قبل اعلان نفسه سيّداً، مراجعة تعليق وزير الدفاع الاسرائيلي السابق موشي دايان عند قراءة نصوص اول إتفاقية مع أمريكا بعد حرب حزيران تحت مسمّى ( الشراكة الأمنية المتنامية ) حينها قال دايان: " أن اسرائيل دولة صغيرة توقّع اتفاقاً مع دولة عظمى ، هذا يعني أننا أصبحنا دولة عميلة". وفي مناسبة توقيع أولى شراكة استراتيجيّة عام 1981 مع رئيس الوزراء مناحيم بيغن قال وزير الخارجية الاميركي الكسندر هيغ :"بأن اسرائيل هي حاملة طائرات امريكية لا يمكن اغراقها" .ومن سخرية الواقع أن نتنياهو نفسه يطالب حكومته بأن تعمل على انتاج ما تحتاجه من الذخائر حتى يصبح قرارها مستقلاً. الملاحظة الثالثة : ان "الاتفاق الاطاري" المؤقت يستند إلى عجز النظام الإيراني عن تحقيق انتصار واضح ومقنع بعد الدمار الهائل الذي لحق بالمؤسسة العسكرية والامنية والاقتصادية ولم يبقَ للنظام إلا ذخيرته الصاروخية و ادواته الميليشاوية و هي مؤذية لكنها لا تبدل بالمعادلة شيئاً يُذكَر؛ وكذلك الولايات المتحدة التي حشدت معظم قوتها العسكرية على أمل أن يكفي إشهار السلاح و التهديد به قبل استعماله وهذا ما فشلت فيه فشل نسبي جعلها تعود في كل مرة للمشاركة في القتال، إلا أن حضور فائض القوة و أكلافها لا تقلّ ضرراً عن المعارك نفسها . ولما كان العجز العميق عن إنتاج الحل ، بدأت مفاعيله تظهر في الكونغرس و عند "الماغا" و في محطات الوقود، فان الاعيب البورصة و الأسهم ليست كافية لتغطية عجز يدفع ثمنه الناس من جيوبهم. بعد تلك الملاحظات ونحن نذهب إلى "اتفاق اوّلي"، "اتفاق مبادئ" ، باطنه غامض وظاهره لا يحسم أي قضية سوى وقف اطلاق النار و اعتماد المفاوضات كوسيلة وحيدة لحل الصراعات وتحييد اعمال البلطجة المحلية الإيرانية وأعمال التسلط و الهيمنة الامريكية المطلقة. اليس هذا يعكس ميزان قوة بين الجمهورية الاسلامية و الولايات المتحدة مشابه لميزان القوة بين دولة اسرائيل و منظمة التحرير الفلسطينية التي لا تملك إلا "انتفاضة الحجارة" وسيلتها الوحيدة لتحييد جيش الاحتلال وإجبار حكومة رابين على التخلّي عن سياسة كسر العظام والتفاوض على الانسحاب من الضفة الغربية و قطاع غزة؟ اليس اتفاق المبادئ الأولي المعروف "باتفاق اوسلو" تم إنتاجه وفق الفلسفة السياسية التي يتم فيها إنتاج "الاتفاق الاطاري" المؤقت الآن؟ عند توقيع اتفاق منظمة التحرير الفلسطينية مع الشيطان الأصغر اسرائيل كان حراماً و تم تخوين قادتها! و عند توقيع القيادة الايرانية اتفاقها مع الشيطان الأكبر امريكا صار حلالاً و سيحتفل البعض بانتصارها! لكن يُمكننا القول أن هذا الاتفاق هو اتفاق اوسلو الايراني.

طهران تبتهج، إسرائيل تغضب، ولبنان يحبس أنفاسه

بعد الإعلان الرسمي عن اتفاق إطار بين واشنطن وطهران حول مذكرة تفاهم ستشكّل أساساً للمفاوضات بين العاصمتين، يبدو المشهد على النحو الآتي: إسهاب في طهران، حيث يُقدَّم الوثيقة على أنها انتصار تاريخي؛ غضب في إسرائيل؛ تكتّم محسوب في الولايات المتحدة؛ تفاؤل حذر في لبنان؛ وارتياح في دول الخليج وأوروبا، مع تراجع أسعار النفط. ومن المقرر أن تُوقَّع مذكرة التفاهم، التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب ليل الأحد الاثنين، يوم الجمعة في جنيف، حيث وصل ترامب الاثنين للمشاركة في اجتماعات مجموعة السبع. ويُقال إن الوثيقة وُقّعت إلكترونياً بالفعل. لكن انتقال وفد قطري مساء الأحد إلى إسلام آباد يوحي بأن بعض التفاصيل لا تزال بحاجة إلى تسوية. وكانت الدوحة قد انضمت، بطلب من واشنطن، إلى جهود الوساطة التي تقودها باكستان. وهذه الفرضية تعززها أيضاً تصريحات نائب الرئيس الأميركي، جاي دي فانس. فبحسبه، ستُكشف الوثيقة خلال هذا الأسبوع، من دون أن يقدم مزيداً من التفاصيل في هذا الشأن. وفي الانتظار، حرصت طهران على الإسهاب مطولاً — مصحوباً بتعليقات انتصارية — في عرض بنود مذكرة التفاهم المؤلفة من 14 نقطة. فالنص يضع أسس وقف إطلاق نار يُفترض أن يفضي إلى سلام دائم، في ختام مفاوضات تمتد على مدى 60 يوماً. ستون يوماً لمسار مليء بالعقبات، إذ إن مذكرة التفاهم ليست سوى وثيقة تحدد الخطوط العريضة للمفاوضات المقبلة. وقد أفادت وسائل الإعلام الإيرانية بأن الوثيقة تنص على «وقف دائم وفوري للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك في لبنان، والإفراج عن 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، على أن يُفرج عن نصف هذا المبلغ قبل بدء المفاوضات». وبحسب وسائل الإعلام الإيرانية أيضاً، تنص الوثيقة على تعليق العقوبات المفروضة على بيع النفط الإيراني والمنتجات البتروكيماوية ومشتقاتها. وفي مقابل إنهاء الأعمال القتالية وإعادة فتح مضيق هرمز، سترفع واشنطن تدريجياً الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، وكذلك العقوبات التي كانت تخنق اقتصاد الجمهورية الإسلامية. لكن الرهان الأساسي بالنسبة إلى الطرفين المتحاربين يبقى مصير مخزونات اليورانيوم المخصب، والبرنامجين النووي والباليستي الإيرانيين. وقد اكتفت طهران بالإشارة إلى البرنامج النووي، مؤكدة أن واشنطن قبلت بأن تُبقي الجمهورية الإسلامية تخصيب اليورانيوم عند مستوى 3%، بعدما كانت الولايات المتحدة متشددة حتى الآن في هذا الملف. أما البرنامج الباليستي، فلم يرد بشأنه أي ذكر. وإذا صدّقنا الإيرانيين، فهم من نجحوا في فرض كل شروطهم على الولايات المتحدة. فقد أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، أن المفاوضات النهائية لن تبدأ إلا «عندما تفي الولايات المتحدة بالتزامات أساسية، ولا سيما إنهاء الحصار البحري، ووقف العمليات العسكرية، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة». وقال للتلفزيون الرسمي: «ما إن تُنفّذ هذه الالتزامات العاجلة، حتى ندخل فوراً في المفاوضات». وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، خلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي، إن «الإفراج عن الممتلكات الإيرانية، وكذلك التعويضات عن الأضرار، يشكلان نقطتين أساسيتين» في الاتفاق. وبحسبه، «التزمت الجهة الأميركية باتخاذ إجراءات في هذين المجالين»، وهو ما سارع نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى نفيه. فقد أكد خلال مؤتمر صحافي أن الإيرانيين «لن يحصلوا على شيء قبل أن يفوا بالتزاماتهم». وأضاف: «إنهم لا يتحدثون إلا عما سيحصلون عليه، لكنهم يلتزمون الصمت حيال ما سيقدمونه في المقابل»، مشدداً على أن دونالد ترامب سيكون قد حصل بالدبلوماسية على ما كان يسعى إلى فرضه بالحرب، أي ألا تكون لدى الإيرانيين أبداً القدرة على امتلاك سلاح نووي، وأن يتوقفوا عن تمويل أنشطة إرهابية في أنحاء الشرق الأوسط. وفيما كانت طهران تؤكد أنها انتزعت من واشنطن الإفراج عن تعويضات لإعادة بناء المواقع التي دمرتها أو ألحقت بها أضراراً الهجمات الإسرائيلية-الأميركية، شدد جاي دي فانس على أن الأموال الوحيدة التي ستحصل عليها الجمهورية الإسلامية هي الأموال الإيرانية المجمدة. وأضاف أن الولايات المتحدة تتوقع، فضلاً عن ذلك، أن يُعاد فتح مضيق هرمز «من دون رسوم» من الجانب الإيراني، في حين كانت الدبلوماسية الإيرانية تتحدث عن «رسوم» خدمات بحرية. وفي الوقت نفسه، كان دونالد ترامب يشيد بكون سفن «بعضها محمل بالنفط، بدأت تخرج من مضيق هرمز وتبحر على طول طريق آمن تماماً». ومن المفترض ألا يتأخر إطلاق عمليات إزالة الألغام. فقد أكد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أن باريس ستشارك في هذه العملية إلى جانب بريطانيا. كما أكد، على هامش قمة مجموعة السبع، أن قدرات إيران من اليورانيوم العالي التخصيب يجب أن «تُحيَّد» تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. غضب في إسرائيل رغم الترحيب الواسع بها من المجتمع الدولي، ولا سيما من أوروبا، فإن التفاهم الإيراني-الأميركي بعيد جداً عن تلبية تطلعات السلطات الإسرائيلية، التي لم تُخف غضبها. فتل أبيب تعتبر أن اتفاق الإطار لا يحيّد قدرة الجمهورية الإسلامية على إلحاق الضرر، ولا سيما عبر وكلائها، وخصوصاً حزب الله، الذي لا يزال يشكل تهديداً لأمن شمال البلاد. وكانت إسرائيل ترغب في أن «تُنهي واشنطن المهمة» بدلاً من الوقوع في فخ اتفاقات أتقنت طهران فن الالتفاف عليها. وقد أحدث إعلان المذكرة عاصفة سياسية حقيقية داخل الحكومة الإسرائيلية، التي تراها «خطيرة». وانتقد عدد من الوزراء علناً الإدارة الأميركية، معتبرين اتفاق التفاهم «استسلاماً أمام إرهاب الدولة». وحتى المعارضة الإسرائيلية نددت به. وفي المساء، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال مؤتمر صحافي، أن إيران لن تمتلك أسلحة نووية «باتفاق أو من دون اتفاق». ولم يعلّق على مذكرة التفاهم، لكنه تعهد بأن «يبقى يقظاً لصد أي تهديد من حلفاء طهران ضد إسرائيل، ولا سيما من حزب الله». وفي هذا السياق، أعلن أن جيشه «سيبقى في لبنان ما دام ذلك ضرورياً»، وأنه إذا لم ينسحب تحت ضغط إيران، فذلك لأنه بقي «حازماً جداً». وأضاف: «أعتقد أن أصدقاءنا الأميركيين يحترمون هذا الحزم وهذا الموقف. سنبقى في لبنان». ومن المؤشرات اللافتة أنه عبّر عن إرادة استقلال عسكري، معلناً ميزانية دفاع تقارب 121 مليار دولار. وقال: «سنطوّر مفاهيم تتجاوز الخيال»، في ما بدا رسالة إلى الولايات المتحدة، التي تقدم دعماً عسكرياً كبيراً لتل أبيب. وبالنسبة إلى المسؤولين الإسرائيليين، فإن المذكرة تضفي شرعية على النفوذ الإيراني، وتحمي البنى شبه العسكرية لحزب الله، التي كانت تل أبيب تعمل تدريجياً على تفكيكها، منذ اللحظة التي أُدرجت فيها الجبهة اللبنانية ضمن إطار وقف إطلاق النار المعلن. كما أن إسرائيل مقتنعة بأن الإفراج عن الأموال الإيرانية سيسمح لطهران بإعادة بناء ترسانتها الباليستية. وقد حذرت الحكومة الإسرائيلية من أنها لا تعتبر نفسها ملزمة بالوثيقة، وأن الانسحاب من لبنان غير وارد ما دام حزب الله لم يُنزع سلاحه. وهو حجة يمكنها الدفع بها بسهولة، إذ سبق لها أن أبرمت اتفاق وقف إطلاق نار مع لبنان برعاية واشنطن. وفي هذا السياق، أكد عدد من الوزراء الإسرائيليين أن تل أبيب تحتفظ بحقها في التحرك بشكل أحادي للدفاع عن مصالحها، حتى لو تعارض ذلك مع الدينامية الدبلوماسية الجارية. هدوء هشّ في لبنان في لبنان، سارع حزب الله إلى ترداد أصداء الخطاب الانتصاري الإيراني. فمنذ إعلان مذكرة التفاهم، علّق هذا الحزب فوراً إطلاق نيرانه على أهداف إسرائيلية، ملتزماً بذلك توجيهات راعيه الإيراني، في محاولة لإظهار أن وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية تحقق بفضل إيران. ويُذكَّر بأن حزب الله لا يعترف باتفاق الهدنة اللبناني-الإسرائيلي، بسبب معارضته الشديدة للمفاوضات المباشرة بين العاصمتين. ميدانياً، ساد هدوء هش خلال النهار في جنوب لبنان، حيث استهدفت نيران إسرائيلية متفرقة النبطية وكفر تبنيت، حيث قتل مسيّرة إسرائيلية سائق مركبة. كما أُصيب صحافي في هجوم بمسيّرة في البلدة نفسها. وفي المساء، تحدثت معلومات غير مؤكدة من مصادر رسمية عن تقدم الجيش الإسرائيلي باتجاه تلة علي الطاهر الاستراتيجية، المشرفة على النبطية، وعن اشتباكات مع مسلحي حزب الله. وسارع عدد كبير من القرويين إلى العودة إلى بلداتهم، رغم تحذيرات الجيش اللبناني. أما سياسياً، فقد رحبت السلطات اللبنانية بمذكرة التفاهم، فيما سارعت التشكيلة الموالية لإيران إلى استثمار «الانتصار الإيراني»، داعية، عبر المفتي الجعفري محمد أحمد قبلان، إلى تغيير الحكومة. والأخطر هو الحجة التي ساقها. فبحسبه، يجب أن «تمثل» الحكومة الجديدة «التوازنات الوطنية، بعد زوال العوامل التي بررت وصول المعسكر المؤيد لأميركا إلى الحكومة». ويرى المفتي أن التشكيلة الوزارية الجديدة يجب أن تضم «حلفاء حزب الله المسيحيين، ولا سيما التيار الوطني الحر والمردة»، برئاسة جبران باسيل وسليمان فرنجية على التوالي. والهدف هو إعادة شرعية مسيحية إلى تشكيل مرتبط بالكامل بإيران ومعزول تماماً على المستوى المحلي. كما اعتبر الشيخ أحمد قبلان أن «على لبنان أن ينسحب من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل» المقرر استئنافها في 22 حزيران في واشنطن. فهل ينفذ التنظيم الموالي لإيران تهديداته بإسقاط الحكومة لتحقيق أهدافه؟ وعند سؤاله عن لبنان، قال الرئيس ترامب: «نريد فعلاً أن نرى ما إذا كان بإمكاننا حل مشكلة هذا البلد. إنها جزء صغير جداً مما نقوم به. لكن ذلك لا ينبغي أن يكون صعباً. علينا أن نجري حديثاً صغيراً مع حزب الله».

مأساة لبنانيّة ونكبة فلسطينيّة أخرى
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

يتحدّث العالم عم مأساة لبنانية تسبّب بها "حزب الله" ومن خلفه إيران، وعن نكبة فلسطينية أخرى تسببت بها "حماس". الغائب عن المأساة والنكبة حدثان كبيران هما الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار – مايو من العام 2000 و الانسحاب الإسرائيلي من غزة صيف 2005. كان الانسحاب الإسرائيلي انسحابا كاملا تنفيذا لقرار مجلس الأمن الرقم 425 الصادر في 1978. أكّد ذلك المجلس نفسه الذي رفض سلفا الرواية الرسميّة اللبنانيّة عن مزارع شبعا التي راح ينادي بها "حزب الله" ورأس حربته "الرئيس المقاوم" إميل لحود. لم تكن تلك الرواية سوى كذبة كبيرة استهدفت تبرير بقاء سلاح "المقاومة". لم يكن هذا السلاح في يوم من الأيام سوى سلاح موجه إلى الداخل اللبناني. لم يكم لديه من هدف غير بقاء جنوب لبنان صندوق بريد بين إسرائيل من جهة و "الجمهوريّة الإسلاميّة" من جهة أخرى. حدث ذلك من دون سؤال، ولو عابر، عن مصير أهل الأرض. كان هؤلاء وما زالوا الغائب الأكبر في معادلة داخلية وإقليميّة. لا تفسير منطقيا، إلى اللحظة، لماذا حلّ ما حل بجنوب لبنان وأهله؟ أكدت الأحداث التي تلت الانسحاب الإسرائيلي أهمّية بقاء السلاح وليس التخلّص من الاحتلال. كان الدليل الإصرار على بقاء جبهة جنوب لبنان مفتوحة. خطفت مجموعة من "حزب الله"، بتعليمات مباشرة من بشّار الأسد، الذي ارادت إيران جعله يصدّق نفسه، بضعة جنود إسرائيليين. كان ذلك بعد اشهر قليلة من الانسحاب الإسرائيلي. كان لبنان بين خيار إبقاء الجنوب ينزف وبين العمل من أجل إعادة بناء نفسه. كان الانسحاب الإسرائيلي فرصة لإيران كي تثبت مدى رسوخ نفوذها في لبنان. توسّع هذا النفوذ وترسّخ بعد العام 2005 عندما اغتالت عناصر من "الحزب" رفيق الحريري. استتبع ذلك انسحابا عسكريا سوريا وخلوا لـ"الساحة" اللبنانية أمام "الحرس الثوري". ما الذي بناه لبنان على الانسحاب الإسرائيلي؟ بنى عمليا الكارثة الي يعاني منها والتي جعلت مصير البلد كلّه في مهب الريح. الكلّ يتحدث عن الكارثة، لكن عددا قليلا من الناس يشير إلى الفشل اللبناني، الذي دفعت إيران في اتجاهه. دفعت إيران في منع الاستثمار المثمر في الانسحاب الإسرائيلي. كان في الإمكان تحويل الانسحاب إلى فرصة من أجل مستقبل أفضل للبلد ولأبنائه ولجنوبه خصوصا... بدل أن يكون جسرا لعودة الاحتلال، وهو احتلال ليس معروفا هل يزول يوما. الأهمّ من ذلك كلّه أنّ حجم الخراب والدمار وما لحق بالقرى الجنوبيّة وعدد النازحين من أبناء الطائفة الشيعية بات يفوق كلّ تصور. أمّا التاريخ الآخر الذي يحتاج إلى تذكير دائم به، فهو تاريخ الانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزّة في آب – أغسطس 2005. الأكيد أن حسابات ارييل شارون الذي كان همّه كيفية التخلص من القطاع من جهة وفرض السيطرة على الضفة الغربية، كانت وراء الخروج الإسرائيلي الكامل من غزّة. لكنّ الأكيد أن الجانب الفلسطيني ممثلا بالسلطة والوطنيّة و"حماس"، عمل كلّ ما يستطيع من أجل تحويل الانسحاب الإسرائيلي إلى كارثة فلسطينية أخرى. يمكن في طبيعة الحال لوم السلطة الوطنية ممثلة بمحمود عباس (أبو مازن) الذي لا يمتلك أي صفات قيادية من أي نوع. اختار "أبو مازن" البقاء خارج غزّة عندما انسحب الإسرائيلي منها بدل أن يكون على الأرض وبين أهل القطاع... مع مرور الوقت، انتصر سلاح "حماس" على غزّة وأهلها. بدل أن يشكل الانسحاب، الذي حصل صيف 2005، فرصة لبناء نموذج مصغّر لدولة فلسطينية حضارية قابلة للحياة، كان الانسحاب فرصة لإسرائيل كي تقول أنّ "لا شريك فلسطينيا يمكن التفاوض معه". لم يأت ما تعاني منه غزة اليوم من فراغ. إنّه نتيجة فعل مدروس مارسته "حماس" طوال ما يزيد على عقدين. ركزت الحركة على الاحتفاظ بسلاحها من أجل بناء "أمارة إسلاميّة" على الطريقة الطالبانية (نسبة إلى طالبان) وضرب المشروع الوطني الفلسطيني من أساسه. لم تكن إسرائيل تعترض على هذا التوجه. كذلك، لم تكن معارضة للصواريخ التي راحت "حماس" تطلقها من غزّة أو معترضة عليها. كان كلّ همّها محصورا في تأكيد أنّ الفلسطينيين لا يستأهلون دولة ولا جدوى من التفاوض معهم من جهة وفي تعميق الانقسام الداخلي الفلسطيني من جهة أخرى. في جنوب لبنان وبعد ذلك في غزّة، أدّى السلاح وظيفته في خدمة إسرائيل... إلى أن جاء "طوفان الأقصى". يوم السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023، انقلب السحر على الساحر. اكتشفت إسرائيل أنّ ليس في استطاعتها التعايش، بعد الآن، لا مع سلاح "حزب الله" ولا مع سلاح "حماس". السلاحان جزء من الماضي، بل ينتميان إلى عالم مختلف كان مستعدا لإيجاد كلّ أنواع التفاهمات مع إيران بنظامها القائم الذي مارس لعبة الابتزاز، بنجاح منقطع النظير، منذ لحظة قيامه في العام 1979. كان الانسحابان الإسرائيليان من جنوب لبنان ومن غزّة فرصتين ضائعتين على اللبنانيين والفلسطينيين. أسّس الانسحاب من الجنوب للكارثة اللبنانية التي كان يمكن تفاديها وأسس الانسحاب من غزّة لنكبة فلسطينية جديدة في وقت يبدو مطروحا اكثر من أي وقت، في ضوء الحدث الإيراني، مستقبل المنطقة كلّها وكيفية إعادة تشكيلها. توجد فرص تمرّ أمام الشعوب. ثمة من يحسن استغلال الفرص وثمة من لا يحسن ذلك. العيب في تفادي الاعتراف بأن الفرص كانت قائمة والتصرف كما لو أنّها لم توجد يوما... علما أنّها كانت حقيقة قائمة أكثر من اللزوم.

حروب شرق أوسطيّة بلا نهاية
بقلم
يقظان التقي
نُشر

يغرق الشرق الأوسط في حروب واضطرابات مرشحة للتفاقم، وأكثر شراً من أي وقت مضى. وهذا سبب كافٍ لاجتراح حلول ليخرج العالم من مأزقه، دبلوماسياً، وأن يتصرف بحسٍ سليم غير غريزي، أوإثبات حدود للقوة العسكرية. أو مزيج من هذه العوامل بالحد من تحدي القوانين والتهور في قوانين الحرب، وما يقع الآن في قبضة "قانون سلطة آلة القتل". قد تحقق الحروب والاغتيالات والضربات أهدافاً عسكرية، لكنها في كثير من الأحيان مادة إعلانية أكثر، تولد أثاراً سياسية معاكسة، والأنظمة الأيديولوجية والقومية في المنطقة، نادراً ما تنهار تحت الضغط الخارجي وحده، بل تميل إلى إعادة انتاج تماسكها عبر استدعاء سردية التهديد والحصار والصدّ لكل جديد. والاغتيالات أكثر من اللازم ليست تكنولوجيا فقط، بل عمليات سياسية غير مستقلة عن العلاقة بالبشر والشعوب والتاريخ لا تحرر المنطقة من معتقداتها بالضرورة. وتشير السياقات التاريخية إلى أن سقوط الأنظمة الشمولية لا يحدث عادة بفعل الضربات الخارجية المباشرة. ذلك، أن تفكيك البيئة أعمق وغالباً ما يساء تقديره. وما يبدأ حدثاً إخبارياً دقيقاً، يتطور إلى تصعيد وعدم استقرار وتحالفات هويّة أكثر قوة من ذي قبل. قد تنتج الضربات نجاحاً تكتيكاً، ولكنها مشكلة استراتيجية حين تثير قومية وعنفاً دموياً أكبر، حين يؤدي قتل زعيم مثل المرشد الأعلى علي خامنئي إلى لحظة تحول بالنسبة للشرق الأوسط وأيضاً للإسلاموية العالمية بعد أربعة عقود من السلطة المطلقة والثيوقراطية الفائقة العسكرة من قبل الحرس الثوري، وإلى العنف الاجتماعي والفوضى والضغط في بلد مثل إيران، مجهز لتلقي الصدمات والمراقبة وإدارة المخاطر. لقد غامرت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في عملية" قطع الرأس" للرجل البالغ من العمر 86 عاماً. وغير القتل، يظهر التاريخ خطر هذا النهج حين يفشل في الرهان على تعبئة المجتمع المدني والتغيير الاجتماعي داخل الأنظمة المغلقة. يمكن للقصف أن يقتل أو يشلّ قادة العدو ويضغط الحروب في أيام، أو أكثر من حرب واحدة تفترض أن" قطع الرأس" يزيل القمة، وينهار الهيكل،(كان سقوط نظام فرانشيسكو فرانكو بوفاته، فيما فاة جوزيف ستالين أو ماو تسي تونغ لم تنه المنظومات التي بنوها فوراً). هذا هو فخ آلة الحرب اليوم، تقتل الإنسان ، وتضغط الصراع بدلاً من تخفيفه، تضعف النظام، لكن لا تسقطه نهائيا في مجتمعات أكثر عقائدية، وإنقلابية أكثر في طابعها الداخلي في الشرق الأوسط وأفريقيا، ويتحول الصراع مع الخارج عن طبيعته عبر دمج الهوية بالاستشهاد ( حماس ، حزب الله ، الحوثيين وقادة إيران ). ويصبح التصعيد أوسع من الناحية السياسية. فتتسع دائرة الثأر والانتقام التي تقوم على بنية مؤسسية وأيديولوجية مركبة تمزج بين الدين والسياسة بالمجتمع. ويتحول القتل الخارجي في هذه البنى إلى عامل تعبئة داخلية ، وقد تعزّز الإطار السياسي بدل التوجيه العميق لإنهاء النظام. ويتحوّل الصراع إلى دورة عنف شبه دائمة، تتعزز معها قدرات التحصين والتكيف والتكرار مع تلاشي الرهان على تحولات داخلية تفترض شروطاً سياسية واجتماعية واقتصادية معقدة. وهكذا تصبح المفاوضات الدبلوماسية طويلة وأقل جدوى، والحرب الموسعة حتمية. هذا بعد أن أعتقد الإيرانيون أنهم سيستثمرون في كسب الوقت من خلال مضاعفة الحجج للصمود وعلى حساب حياة الإيرانيين ورفاهيتهم. ومن جانبه الرئيس الأميركي دونالد ترامب يبالغ في قدرته على تحميل الرسائل، ومن طموحاته الممتدة في قاعة الاحتفالات، قوس النصر، مركز كينيدي ، إلى القضايا السياسية الأكثر جدية - التضخم، الإصلاحات التي تعثرت أمام المحاكم، استياء الرأي العام قبل أشهر من الانتخابات التشريعية ،وحتى موازين القوى الدولية ، حربه ضد إيران ، إلى دبلوماسيته تجاه روسيا والصين ، ولا شيء يسير كما يريد لثني ما تبقى من نظام المرشد على الطاعة. فيما تواصل إسرائيل استغلال الفرصة التي تنتظرها في حربها التوسعيّة بلانهاية. عادت أميركا إلى وضع مشابه لما كانت عليه 2003. مرة أخرى يشن رئيس جمهوري حرباً لتغيير النظام، ومرة أخرى الهدف هو ديكتاتورية ما في معادلة أميركية للسيطرة. لكنها معادلة تقتل الناس في قوارب صيد في البحر الكاريبي دون دليل أو إجراءات قانونية، تأسر وتعزل الرئيس الفينزويلي، وتهدد كوبا والمكسيك. تغتال المرشد الأعلى الإيراني مع الملاحظات الكبيرة على أدائه في سحق الاحتجاجات الجماهيرية. ولم ينس العالم كيف وصف جورج دبليو بوش غزو العراق ب" عملية حرية العراق". ويتذكر كثيرون تصوراته الكبرى لتصدير الديمقراطية إلى افغانستان. والمفارقة أن دونالد ترامب الذي انتخبه جمهور" أميركا أولاً " في خط انعزال صارم في حملتيه الناجحتين في عام 2016و2024، يضاعف التدخلات الخارجية والعودة الى حرب في افتراضات حول برنامج نووي إيراني - كان على وشك أن يكون خطيراً. لكن يتحول النجاح التكتيكي إلى جعل "جيمس بوند" أكثر تكنولوجية في بعد التدخل في فنزويلا. إن التحول المرحلي الذي يمكن أن تحدثه القوى الكبرى العسكرية بقتل الزعماء الأجانب بدقة ليس تكنولوجياً بل سياسياً. قد لا يحسم الأمور/ أو يزيل السلطة ببساطة، بل يعيد توزيعها، ويتحول إلى مشكلة،(محاولة قتل معمر القذافي عام 1986، أو صدام حسين في التسعينات، أو جوهر دوداييف، زعيم الحركة الانفصالية الشيشانية). فتتكون خيارات تصعيد تتجاوز العتبة الى شيئ آخر. لم يفتت مقتل حسن نصرالله المقاومة كلياً ، ولا دوداييف، ولا القادة التاريخيين في حركتي فتح وحماس، لقد فجرها على نحو أكثر عنفاً ودماراً. وتتحول الأمور نحو قيادة أقل تقيداً بالدبلوماسبية، وأكثر استعداداً للتصعيد والعنف، وتشتد الكثافة العاطفية، وكل ذلك لا يحقق السيطرة المطلقة ويفسدها. كانت افغانستان ثيوقراطية تحت سيطرة طالبان، وقررت أميركا إخضاعها وجرّها إلى العصر الحديث، وحيث يمكن للفتيات الذهاب الى المدارس والنمو للحصول على الوظائف والترشح للمناصب وارتداء ما يردنّ مع حقوق متساوية. وما الذي حدث؟ الاستنتاج ، بأن الحرب لا تنجح في جعل بلد ديمقراطياً، البلاد بمواطنيها وحدهم يمكن أن تفعل ذلك. ومن المرجح أن السلطة هي الأهم عند ترامب، وسيعقد صفقات مع من يمثلها، سواء كانوا رجال دين ، أو اشتراكيين في فنزويلا ، أو شيوعيين في "هافانا" ، أو حكاماً مستبدين في إيران. ويكاد أن يكون متورطاً في البحث عن حلفاء ليس لهم وزن، كما الحال مع ديليس رودريغيز في فنزويلا. ليست ايران العراق 2003 ، وتبدو قادرة على الانتقام غير المتماثل في الرد على الضربات الموجعة الأميركية – الإسرائيلية ، وتلك الهجمات التي نفذتها على دول الخليج العربي وغير المبررة. إن ذلك، قد يؤدي أيضاً الى تناقض العوائد، وهذه الحرب يمكن أن تكون أكثر قتامة وحرب استنزاف طويلة لدول المنطقة ، وقد بدأ العالم في الـتأقلم والتكيف مع آثارها الاقتصادية، بدل التركيز السياسي الذي أراد الغرب توجيهه نحو آسيا. تعادل المخاطر نصف الحسابات عادة، من دون تقييم كافٍ لحجم الأضرار بشأن نتائجها. لا شك أن " الكيديّة الفارسيّة " أحدثت أضراراً كبرى في حياة الإيرانيين وشعوب المنطقة على مدى نصف قرنٍ، وتسببت بالعودة إ لى الوراء وعدم الاهتمام الظاهر بحاجات الناس في بناء المستقبل. والأخطاء الاستراتيجية هي في الشر الذي لم يعد يستجيب له أحد في ضرب منطقة خليجية كانت تحاول أن تنجز حداثتها. والتحدي الأكبر تجنب الأسوأ في حروب كثيرة لا يعرف العالم كيف يقفلها.

مفاوضات الاتفاق الإيراني-الأميركي: ترقّب ومساومات مكثّفة

خيّم ترقّب ثقيل ومقلق طوال نهار ومساء الأحد 14 حزيران، الذي كان يُفترض أن يشهد التوقيع الافتراضي، «عن بُعد»، على الاتفاق الإطاري، أو مذكرة التفاهم، الهادف إلى «تعليق» الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران لمدة 60 يوماً، تمهيداً لإطلاق مسار تفاوضي حول الملفات الخلافية مع الجمهورية الإسلامية، من النووي إلى الصواريخ الباليستية، مروراً بالملفات المالية والجيوسياسية. وخلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، أكد كل من الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء الباكستاني، بإلحاح وفي أكثر من مناسبة، أن توقيع الاتفاق الإطاري سيتم فعلاً يوم الأحد. وكان من المفترض أن يجري التوقيع «افتراضياً» بحضور نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد قاليباف. لكن حتى ساعة متقدمة من المساء، بتوقيت بلاد الشام، لم تكن المراسم المقررة لهذا الغرض قد عُقدت. ويُفسَّر هذا التأخير بعاملين: خلافات داخلية إيرانية، وتصعيد عسكري على الجبهة اللبنانية. في ما يتعلق بالنقطة الأخيرة، أدى مفعول كرة الثلج إلى تصعيد خطير على مستوى العمليات العسكرية. فقد دوّت صفارات الإنذار، صباح الأحد، أكثر من مرة في شمال إسرائيل، في إشارة إلى إطلاق صواريخ أو مسيّرات من لبنان وسقوطها في الأراضي الإسرائيلية. وقد شنّ حزب الله هذا الهجوم على الرغم من أن تل أبيب كانت قد شددت أكثر من مرة على أن أي إطلاق صواريخ أو مسيّرات يصيب شمال إسرائيل سيستتبع فوراً رداً يستهدف الضاحية الجنوبية. وبالفعل، نفذ طيران الدولة العبرية، قرابة الظهر، غارة على هذه المنطقة، أسفرت عن مقتل مسؤول عسكري بارز في حزب الله، كان يتولى ملف الاتصالات في الحزب. ومنذ بداية بعد الظهر، انخرطت وسائل الإعلام والأوساط السياسية في المنطقة في شتى أنواع التكهنات حول احتمال رد إيراني على إسرائيل، عقب الغارة على الضاحية الجنوبية. وفي محاولة منه لـ«إنقاذ» اتفاقه الإطاري، الذي يبدو، على نحو غامض، متمسكاً به بشدة، مارس الرئيس ترامب، بحسب ما تردد، ضغوطاً قوية على النظام الإيراني كي يمتنع عن شنّ رده على إسرائيل. ووفق مصادر متعددة ومتطابقة، فإنه اقترح حتى تقديم تنازل كبير لإيران، يتمثل في رفع الحصار البحري، مقابل ضبط النفس العسكري الإيراني. لكن من دون جدوى... وفي وقت متأخر من المساء، أعلن مستشار المرشد الأعلى الإيراني أن «إيران سترد بقوة على الغارة التي استهدفت الضاحية الجنوبية». وصدرت النبرة نفسها عن رئيس لجنة الأمن القومي النافذة في البرلمان الإيراني، الذي أعلن بدوره أن رداً إيرانياً يجري التحضير له. كما أشار القادة العسكريون الإيرانيون إلى أن هجوماً على إسرائيل سيقع قريباً. وبالتوازي، أعلنت وكالة «تسنيم» للأنباء، القريبة من الحرس الثوري، إغلاق المجال الجوي في شرق إيران. انتقادات الرئيس الإيراني أما العامل الثاني الذي يفسر، على الأرجح، التأخر في توقيع الاتفاق الإطاري، فهو بروز خلافات جدية داخل النظام الإيراني حول جدوى إبرام اتفاق مع الولايات المتحدة. وقد أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان هذه الخلافات الداخلية علناً، إذ انتقد بشكل صريح اتهامات الخيانة التي وُجهت إلى رئيس البرلمان الإيراني، المفاوض الرئيسي مع واشنطن، وإلى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الموجود في صلب الاتصالات الجارية. كما ندد الرئيس بزشكيان، في هذا السياق، بقيام التلفزيون الإيراني بنقل تصريحات للمرشد الأعلى تعارض الحوار مع الولايات المتحدة. ويُذكَر في هذا الإطار أن مظاهرات رافضة لأي اتفاق مع الأميركيين نُظمت السبت في طهران، على الأرجح بتحريض من الحرس الثوري. وقد وصل المتظاهرون إلى حد المطالبة باستقالة رئيس البرلمان ووزير الخارجية، بل أطلقوا تهديدات بالقتل ضد أي شخصية تؤيد الاتفاق المذكور. وتصب هذه المظاهرات في مصلحة التحليلات ووسائل الإعلام التي تتحدث عن وجود تيار داخل إيران مقتنع بأن الجمهورية الإسلامية حققت «انتصاراً رمزياً» على واشنطن، وبالتالي لا تحتاج إلى توقيع أي اتفاق مع الولايات المتحدة. مآخذ ترامب والغموض حول الاتفاق في أي حال، وعلى صعيد آخر تماماً، خصص الرئيس ترامب منشوراً على منصته الاجتماعية، اعتبر فيه أن «ضربة هذا الصباح في بيروت لم يكن ينبغي أن تحصل». وفي رسالته، ساوى بين إسرائيل وحزب الله، داعياً الطرفين إلى وقف التصعيد، لأن «هذا قد يكون بداية سلام طويل وجميل» لا ينبغي لأحد أن يعارضه. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الأسبوع شهد توتراً عسكرياً شديداً بين الإيرانيين والأميركيين. فقد تلت ضربات أميركية على أهداف متعددة في جنوب إيران سقوط مروحية أميركية من طراز أباتشي أسقطها الحرس الثوري. وكان الرئيس ترامب قد هدد حتى بتنفيذ ضربة كبرى في ليل الخميس الجمعة، بتوقيت بلاد الشام، قبل أن يلغيها في اللحظة الأخيرة. واستفاق العالم صباح الجمعة على نبأ قرب التوصل إلى اتفاق بين الطرفين المتحاربين... وهو ما أعلنه طبعاً ترامب نفسه عبر منصته الاجتماعية. وبينما كانت الأنباء المشجعة تتناقلها وسائل الإعلام، كانت «تسريبات» عديدة في الإعلام الإيراني تنفي بشكل منهجي موجة التفاؤل. وتقوم إحدى الطرق الإيرانية، في هذا المجال، على نشر شائعات حول بنود الاتفاق تناقض تماماً ما تكشفه واشنطن. فوفق هذه «المعلومات» المتداولة في طهران، ستبقي إيران يدها العليا على مضيق هرمز، وستحتفظ بحقها في تخصيب اليورانيوم، وستستفيد من كل الأموال الإيرانية المجمدة في المصارف العالمية. وهو ما دفع الرئيس ترامب إلى نشر رسالة غاضبة، الجمعة، اتهم فيها الإيرانيين بأنهم «يفتقرون إلى الشرف». وبشكل غير متوقع، دخل الوزير عراقجي على الخط، داعياً وسائل الإعلام الإيرانية إلى وقف نشر معلومات لا أساس لها، ما استدعى تعليقاً إيجابياً من ترامب. ماذا عن اليورانيوم المخصب؟ وإذا لم تكن بنود الاتفاق مؤكدة تماماً، فيمكن الاستناد إلى مصادر أميركية نقلت عنها قنوات بان عربية، تؤكد أن الأموال الإيرانية المجمدة لن تُفرج قبل بدء تنفيذ الاتفاق، وأن مضيق هرمز سيُفتح تلقائياً، وأن مخزون اليورانيوم سيُخرج من البلاد، وأن المنشآت النووية ستُفكك. أما الملف النووي، فمن المفترض أن يكون موضع مفاوضات مستقبلية اعتباراً من الأسبوع المقبل، في حال تم التوقيع. غير أن تقريراً بثته شبكة «CNN» السبت نقل معلومات مقلقة في هذا الشأن. فبحسب الشبكة، خلال فترة وقف إطلاق النار الحالية، عمد الإيرانيون إلى تحصين مخزونهم من اليورانيوم المخصب بالخرسانة، بما يجعل الوصول إليه أكثر صعوبة وخطورة. وقد دفنوا 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب في أنفاق مفخخة بالألغام. وجاءت هذه الإجراءات بعد تهديدات الرئيس ترامب بتكليف الجيش الأميركي بالاستيلاء على اليورانيوم. استياء إسرائيلي ومجهول لبناني إحدى أكبر نقاط الغموض في مشروع «الصفقة» الإيرانية-الأميركية تتمثل في انعكاساتها على لبنان، ولا سيما في ضوء الاستياء الإسرائيلي الواضح من هذه الناحية. وقد سارع الإيرانيون إلى طمأنة حزب الله بأن وقف إطلاق النار في لبنان وانسحاباً إسرائيلياً واردان في الوثيقة، وهو ما يفسر الموقف الانتصاري الفوري لبعض نواب الحزب، الذين تباهوا بـ«تداعيات» الاتفاق على الساحة اللبنانية. كما لم يفوتوا الفرصة لتوجيه انتقاد إلى السلطات اللبنانية، داعين إياها إلى التخلي عن مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. غير أن الموعد المقبل في واشنطن بين لبنان وإسرائيل لا يزال محدداً في 22 حزيران، وفق ما تؤكد مصادر متطابقة. أما السلطات اللبنانية، فتواصل اعتماد خطاب حازم حيال التدخلات الإيرانية، وتبقى متمسكة بمسار المفاوضات المباشرة في واشنطن، استناداً إلى التصريحات التي أدلى بها هذا الأسبوع كل من الرئيس جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام. أما النقطة الغامضة الأخرى، فتتعلق بما إذا كان الاتفاق سيُلزم إيران بفك ارتباطها بوكلائها في المنطقة، وفي طليعتهم حزب الله اللبناني، وهو الوحيد الذي خاض فعلاً معركة للمساهمة في بقاء نظام الملالي. وتشير مؤشرات عديدة منقولة في واشنطن إلى أن الأمر كذلك، حتى وإن كان الإيرانيون يكثرون من التصريحات التي يؤكدون فيها أنهم لن يتخلوا أبداً عن حزب الله. وفي هذه الأثناء، تبقى الأرض مشتعلة في جنوب لبنان بين حزب الله والجيش الإسرائيلي. فالإسرائيليون، القلقون بوضوح حيال حرية حركتهم في لبنان، يبدون منذ الآن مقاومة لأي تطور قد يفقدهم «مكتسبات» حققوها في الجنوب، ولا سيما المكاسب الميدانية. ومن جهته، قد يستفيد حزب الله من وقف القتال، في وقت اضطر فيه أصلاً إلى التراجع شمال الخط الرمزي لنهر الليطاني، لكنه يملك أيضاً مصلحة في إبطاء التقدم الإسرائيلي. وهذا ما قد يفسر ضراوة المعارك خلال الأيام الأخيرة حول محاور محددة، بهدف السيطرة على منطقتين رئيسيتين: النبطية وصور. فمن الواضح أن الجيش الإسرائيلي يحاول تحقيق أكبر قدر ممكن من التقدم قبل أي تطور قد يرغمه على خفض وتيرة تدخله العسكري في لبنان. وكالعادة، تدفع المدن والقرى اللبنانية الثمن. فإشعارات الإخلاء تتوالى بحق عشرات القرى، بعضها في مناطق كانت حتى الآن بمنأى نسبياً عن المواجهات، مثل جزين على سبيل المثال. سواء حصلت الصفقة مع إيران أم لم تحصل، ستتجه الأنظار أيضاً يوم الاثنين إلى اجتماع مجموعة السبع في إيفيان، الذي يشارك فيه دونالد ترامب. ويعتزم الرئيس الأميركي عقد لقاء مع قادة الشرق الأوسط... وهو لقاء يبدو أن نتنياهو قرر مسبقاً عدم حضوره.

«روفنا»، متعة الأحجار القديمة
بقلم
ياسمينا قمير
نُشر

بعد أكثر من عشرين عاماً أمضتها في قلب كبرى دور المجوهرات الراقية والترف العالمي، من كارتييه إلى هيرميس، ومن دي بيرز إلى LVMH، بين باريس ولندن ونيويورك، كان بإمكان ماري بيرتلون أن تواصل مساراً مرسوماً بإتقان في قمة هذا النظام. لكنها اختارت أن تبتعد عنه لتوقظ دار Rouvenat، تلك الدار التي اختفت في القرن التاسع عشر، والتي تعيد اليوم تفعيلها كمساحة حيّة، على تخوم الإرث والطليعة. على رأس بنية صغيرة ومندفعة إلى أقصى حد، تدافع ماري هناك عن رؤية فريدة للمجوهرات الراقية: ترف يقوم على الدائرية والذاكرة، حيث لا يسعى الذهب المعاد تدويره، ولا الأحجار القديمة التي عُثر عليها في خزائن منسية، ولا المواد الخام أو المصقولة، إلى الكمال، بل إلى الضوء. إنها مجوهرات لا تُضاف إلى العالم، بل توقظه، بتحويل ما كان موجوداً أصلاً إلى حضور معاصر. لم يكن هذا النص مقرراً، ولم يكن يفترض أن يوجد بهذا الشكل. وُلد من غداء تحت السقف الزجاجي في 416 شارع سانت أونوريه، لدى روفينا، بحضور ماري بيرتلون، المؤسسة المشاركة للدار، ومن خلال حديث أخذ، شيئاً فشيئاً، يتجاوز إطار اللحظة. كانت الطاولة طويلة، مغطاة بالزهور الطازجة. وكان المطبخ دقيقاً ومضيئاً، بتوقيع Servan. وفي ذلك الضوء المتسلل عبر السقف الزجاجي، استقر الغداء بهدوء، وبشكل يكاد يكون طبيعياً، كما لو أن المكان نفسه كان يمنح الإيقاع للتبادل. دار وُلدت من مفارقة حيّة تبدأ ماري من دون مواربة. Rouvenat هي «شركة ناشئة بتاريخ يمتد إلى 150 عاماً». في هذه العبارة، يكمن كل شيء، قبل أن يُفصَّل بعد. دار وُلدت عام 1852، ثم اختفت، قبل أن تُفعَّل اليوم من جديد كحضور معاصر، كما لو أن الزمن انطوى فيها من دون أن يمحوها أبداً. قبل ذلك، هناك مسار طويل داخل كبرى دور الترف: كارتييه، هيرميس، دي بيرز، بين باريس ولندن ونيويورك. لا تتنكر ماري لأي من ذلك، لكنها تبتعد عنه تدريجياً، إلى أن تبلغ نقطة التحول التي تفرض فيها ضرورة نفسها: «مغادرة عالم الشركات شديد التنظيم للعودة إلى شيء أكثر تجسداً، أكثر حرية، وأكثر إنسانية». في هذا الانتقال، تنكمش Rouvenat حول صيغة نادرة: خمسة أشخاص فقط في الفريق، ولكل واحد منهم تعددية في المهن. تقول: «كل شخص يقوم تقريباً بست وظائف»، لا بوصف ذلك تنظيماً، بل باعتباره طريقة للبقاء على أقرب مسافة من المادة. الترف كذاكرة حيّة سرعان ما تظهر قواعد أخرى للترف، أقل نظرية وأكثر حساسية، تكاد تكون عضوية. تتحدث ماري عن ترف «بقلب ووعي ودائرية»، لكن هذه الكلمات لا تصف نظاماً، بل تصف انتباهاً. فهنا، لا يبدأ أي شيء فعلاً من الخلق. كل شيء ينطلق من النظرة. تقول أولاً: «صنع الجديد من القديم»، ثم توضح بعد ذلك مباشرة تقريباً: الأمر يتعلق قبل كل شيء بـ«إلقاء نظرة جديدة على ما هو موجود أصلاً». في هذا الفارق الضئيل جداً تستقر فلسفة الدار كلها. يتطلب ذلك نوعاً خاصاً من النظر، يكاد يكون انضباطاً: أن نتعلم أن نرى بطريقة أخرى، أن نبطئ، وأن نقبل بالبحث حيث لا تزال الأشياء نائمة. ويتطلب أيضاً شكلاً من الشجاعة، شجاعة عدم الذهاب نحو الجديد البديهي، بل العودة إلى ما كان ينتظر أصلاً أن يُوقظ. ومن هذا الانتباه تولد قطع لا تبحث عن الأثر، بل عن الحضور: «قطع لها قلب وروح». مادة حيّة، ضوء فاعل في هذه المجوهرات الراقية، لا تكون المادة أبداً مجرد عنصر تزييني. إنها توتر وعبور ودوران. خامة أو مصقولة، مجتمعة أو قائمة بذاتها، يلتقط الذهب أو الفضة المعاد تدويرهما الضوء من دون أن يجمّداه. بل يحولانه بحسب الزوايا، كما لو أن لكل سطح تنفسه الخاص. تتجاوز الإبداعات فكرة إعادة التدوير. إنها تنتمي إلى حركة تحول مستمر، حيث يُعاد تفسير المواد الموجودة بدلاً من استبدالها. تُستعاد الأحجار القديمة من خزائن منسية، فُتحت بعد سنوات من الصمت، وأحياناً بعد عقود، وفي عودتها إلى السطح تبدأ قصتها من جديد. تقول ماري: «كلها مواد موجودة أصلاً»، كأنها تذكر بأن لا شيء هنا يبدأ من الصفر، بل إن كل شيء يبدأ من جديد في مكان آخر. ليون روفينا وذاكرة العلامة لفهم هذه الرؤية، لا بد من العودة إلى القرن التاسع عشر. أسس ليون روفينا، شريك Christofle، الدار عام 1852، في لحظة كانت فيها المجوهرات تتحول إلى صناعة فنية حقيقية، منظمة ودولية. وتميزت الدار حينها بحداثة لافتة بالنسبة إلى زمنها. وكان ختمها التاريخي، وهو تفصيل خفي، يكاد يكون سرياً، عبارة عن قفل. علامة صُممت كدعوة: فتح الجوهرة، كشف داخلها، وجعلها موضوع عبور لا موضوعاً مغلقاً. يروي هذا الرمز اليوم نهضة الدار، ويلهم خصوصاً مجموعة Unlock، حيث يتحول شكل ثقب القفل إلى لغة معاصرة، بين العتبة والحميمية. حول هذا الإرث، تتشكل خطوط عدة تنظم العالم الحالي للدار، ومنها Unlock تحديداً، حيث تصبح الجوهرة عبوراً وسراً وانفتاحاً، وكذلك Bolt، ذات الكتابة الأكثر معمارية، حيث تبدو الأشكال وكأنها تنغلق ثم تتحرر في الضوء. أما Frame، فتؤطر الحجر كصورة حيّة، من دون أن تجمّده أبداً. في هذا الامتداد، لا تسعى روفينا إلى إعادة إنتاج الماضي، بل إلى مواصلة حركته: حركة جوهرة تُفكر كشيء يُقرأ، ويُفتح، ويُعبر. إعادة الاكتشاف كنقطة انطلاق ومع ذلك، لا يبدأ أي شيء كاستراتيجية. تولد المغامرة عند بائع كتب قديمة في باريس. هناك، تكتشف ماري أكثر من 3000 لوحة غواش قديمة تعود إلى روفينا. مادة سليمة، لا تزال نابضة. كان وقع الاكتشاف هادئاً، لكنه فورياً. منذ تلك اللحظة، لا تنظم ماري عملية إعادة بناء، بل تحاول إعادة تفعيل. تقول ببساطة: «شعرت برغبة في أن أعيد إليها صوتها». في المتجر تحت السقف الزجاجي، تصبح هذه الفكرة ملموسة. ذهب معاد تدويره، فضة معاد تدويرها، أحجار قديمة عُثر عليها في خزائن، مواد موثقة ومعاد العمل عليها: كل شيء موجود أصلاً، لكن لا شيء جامد. ما يهم ليس أصل العناصر، بل الطريقة التي تُعاد بها إلى التداول. وفي هذه الحركة، تصبح المادة لغة: لغة ضوء وتباين وكثافة وتنفس. العلب كامتداد للحركة على نطاق أوسع، تفتح Rouvenat عالمها على حوارات مع فنانين معاصرين، توكل إليهم الدار ابتكار علب مجوهراتها: هذه العلب، المعاد تدويرها، تتحول عندئذ إلى قطع فريدة، امتدادات لعوالمهم الإبداعية. وهكذا، تدخل المجوهرات في فضاء تبادل بين المادة والأثر والذاكرة، وتتوقف عن كونها موضوعاً معزولاً لتصبح أرضاً مشتركة. في هذا السياق تندرج الشراكة مع Senz، الفنان المتعدد الاختصاصات الذي يستكشف الطباعة والحروفية والتصوير والطباعة الرقمية من خلال كولاجات ثقافية كثيفة ورمزية. يتدخل على العلب الموجودة أصلاً، الآتية من صناديق قديمة جرى العثور عليها ثم تحويلها، فيعيد تفسيرها عبر إيماءات تشكيلية وتدخلات مستمدة من فن الشارع، ناقلاً بذلك مكانتها الأولى من دون أن يجمّدها، بل معيداً إياها إلى التداول. على امتداد الغداء والأحاديث، تعبر فكرة واحدة النص كله من دون أن تثبت في مكانها. لم يعد الترف تراكماً، بل علاقة بالمواد، وبالذاكرات، وبالأزمنة المتراكبة. وربما، قبل كل شيء، طريقة في النظر، ببطء كافٍ يسمح لما كان مدفوناً بأن يظهر من جديد. لعل الترف الحقيقي اليوم هو هذا: أن نعرف كيف نكشف، بإبداع، صدى الأحجار الذي كان موجوداً أصلاً. في الختام، حين ينتهي الغداء، لا ينغلق شيء حقاً. تبقى الزهور على الطاولة كما لو أنها تواصل السكنى في الضوء، ويستمر السقف الزجاجي في تمرير شيء بطيء، يكاد يكون معلقاً. أما الأحاديث، فتبدو كأنها لا تتوقف، بل تنتقل فحسب إلى مكان آخر. لدى ماري، لا شيء يشبه القطيعة. بل هو أقرب إلى انزلاق متواصل بين الأزمنة، والحركات، والمواد، والذاكرات. وفي Rouvenat، يتشكل شيء ما ببداهة خفية. مجوهرات راقية لا تضيف ولا تُثقل، بل تنقل النظرة إلى أن تعود الأشياء إلى الظهور. دار يعبرها الفنانون والمواد، حيث تطيل العلب والمجموعات والحركات المعاصرة الحركة نفسها: حركة ذاكرة مجوهرات لا تزال تواصل الدوران.