شعار Levant Time
العودة إلى المقال
دين

في مواجهة وهم "ما بعد الإنسان"... القدرة على التواصل

رسالة البابا العامة حول الذكاء الاصطناعي (3/3)

صورة للأخبار
مشهد لمدينة كوبرتينو في "سيليكون فالي"، ويظهر في المقدمة «أبل بارك»، المقر الرئيسي الدائري الضخم للشركة. (أ ف ب)
صورة المؤلف
بقلم فادي نون
نُشر يونيو 16, 2026 - 14:56

على خلفية المشهد الجيوسياسي الراهن وعودة منطق القوة إلى العلاقات الدولية، يبرز البابا لاون الرابع عشر كدقّاق ناقوس الخطر في مواجهة الوهم التكنولوجي الذي تغذيه نخبة معينة في «سيليكون فالي». وتزعم هذه النخبة، من خلال الذكاء الاصطناعي، تجاوز الحدود البشرية والعبور بالإنسان نحو “الترانسإنسانية” (ما بعد البشرية) و”ما بعد الإنسانية”. وهي طموحات “بروميثيوسية” تتوق لتخطي القيود البشرية، لكنها تنضح بالكراهية ليس للعالم فحسب، بل لفكرة الخالق نفسها.

 

ورداً على هذه الطموحات، جاء في الرسالة العامة: «(...) إن البشرية - بروعتها وجراحها - لا ينبغي استبدالها ولا تجاوزها. بل يمكنها احتضان التقدم التكنولوجي للتخفيف من المعاناة وفتح آفاق جديدة»، على شرط ألّا تنكر ما يمنحها جوهرها وهويتها، أي القدرة على التواصل والحب (ملاحظة المحرر: التشديد من صياغتنا). وهنا يفرض نفسه سؤال حاسم: إذا كان هناك “سموّ فوق بشري” حقيقي، فأين يكمن؟ تجيب العقيدة المسيحية بالإشارة إلى «اكتمالٍ لا يتأتى من تأليهٍ تكنولوجي، بل من فاعلية نعمة الله المتلقاة في المسيح”.

 

وتذكّر الرسالة العامة بأن الذكاء الاصطناعي ليس محايداً من الناحية الأخلاقية، بل يظل محكوماً بـ”تحيُّزات” مبرمجيه. إذ إن تصميمه في الأصل يعتمد على خيارات أخلاقية، وقيم، ونماذج اقتصادية كامنة، مما يتطلب يقظة بالغة وبصيرة حادة من جانب المستخدم.

 

فالخطر المتمثل في “التشييئ” (تحويل الإنسان إلى شيء) المذكور أعلاه، يشكّل أحد أبرز التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على مستخدمه؛ إذ يحذر البابا لاون الرابع عشر من مغبة اختزال الشخص البشري في مجرد سلسلة من البيانات الكمية والإنجازات.

 

كما تندد الرسالة العامة بـ”الاستعمار الرقمي”، وتدق ناقوس الخطر حيال التركيز الهائل للقوة والموارد الرقمية في أيدي قلة من الشركات الخاصة العابرة للحدود، مما يخلق أشكالاً جديدة من العبودية، ويحول الفضاء الرقمي إلى ساحة لافتراس بيانات الشعوب.

 

وفي هذا السياق، يكفي إجراء جولة استكشافية بسيطة على الفضاء الرقمي لملاحظة وجود برمجيات آلية لجمع البيانات، من أدوات الكشط “scrapers” والزحف “crawlers”، التي تلتقط أدق تفاصيل تبادلاتنا اليومية.

 

وفي امتدادٍ تام للتطور المعاصر للعقيدة الاجتماعية للكنيسة التي أطلقها البابا فرنسيس، تخطو الرسالة العامة “الإنسانية الرائعة” (Magnifica humanitas) خطوة إضافية إلى الأمام، عبر تأكيدها مجدداً على تجاوز النظرية الكلاسيكية لـ”الحرب العادلة”. ففي مواجهة تطوير الأسلحة الذاتية التشغيل وخوارزميات الاستهداف العسكري، يشدد البابا على أن تفويض آلات باتخاذ قرارات فتاكة لا رجعة فيها يقوض، وبشكل نهائي، المسؤولية الأخلاقية للعمل المسلح. وبناءً على ذلك، يطالب بـ«نزع سلاح خوارزمي» شامل على مستوى العالم.

 

ضد الأسلحة الذاتية التشغيل

 

وفي هذا السياق، يوضح البابا أنه أصغى إلى علماء ومهندسين، وقادة سياسيين ومسؤولين، وأولياء أمور ومعلمين، فضلاً عن أصوات أخرى وصفها بأنها “مقلقة للغاية”، تتحدث عن “أنظمة أسلحة تزداد استقلالية، وتكاد تخرج تماماً عن نطاق السيطرة البشرية”.

 

كما يشير إلى حيازته “شهادات تثير قلقاً بالغاً حول خوارزميات قادرة على حجب فرص الحصول على الرعاية الصحية، والوظائف، والأمن، بناءً على بيانات تشوبها أفكار مسبقة والإجحاف”. ويعرب البابا عن ألمه إزاء “صمت أولئك الذين لا صوت لهم عندما تُتخذ القرارات؛ وهي قرارات من شأنها أن تؤدي إلى أشكال جديدة من الإقصاء والمعاناة”.

 

نزع سلاح الذكاء الاصطناعي

 

ومن هذا الإصغاء ولدت «قناعة مقلقة» عبّر عنها في الرسالة العامة “الإنسانية الرائعة”، ومفادها أنه بات من الضروري “إيقاظ الضمائر وتحديد المسار الذي يجب على البشرية اتباعه”، مؤكداً أن “الذكاء الاصطناعي يجب أن يُنزع سلاحه”.

 

وفي هذا الصدد، يُذكر أن ولاية كاليفورنيا الأميركية - معقل عمالقة التكنولوجيا مثل “Google” و”Meta” و”OpenAI” مطورة (ChatGPT) و “Anthropic” - قد أقرت يوم الإثنين 29 أيلول 2025 قانوناً بارزاً لتنظيم الذكاء الاصطناعي. ويُلزم هذا القانون الشركات التي تطوّر النماذج الأكثر تعقيداً بالشفافية، عبر الكشف علناً عن بروتوكولات الأمان الخاصة بها والإبلاغ عن الحوادث الخطيرة.

 

كما يُلزم النص القانوني الشركات بالإبلاغ عن أي أداء تضليلي خطير للذكاء الاصطناعي أثناء مرحلة الاختبارات. فعلى سبيل المثال، إذا كذب نموذج ما بشأن مدى فعالية الضوابط المصممة لمنعه من المساعدة في تصنيع أسلحة بيولوجية أو نووية، يتوجب على المطورين الكشف عن هذه الحادثة فوراً، إذا كانت تؤدي إلى زيادة المخاطر والأضرار بشكل كبير.

 

“إن التقارير الصادرة عن شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة تكشف عن تقدم مقلق في جميع فئات التهديدات”، هذا ما شددت عليه، في حزيران 2025، مجموعة التفكير التي شكلها حاكم ولاية كاليفورنيا لصياغة النص النهائي بدقة، تحت إشراف خبراء بارزين من جامعة ستانفورد، الملقبة بـ”العرّابة الروحية للذكاء الاصطناعي”.

 

ويأتي صُدور الرسالة العامة “الإنسانية الرائعة” في وقت تتدفق فيه استثمارات بعشرات مليارات الدولارات نحو “سيليكون فالي”، بالتزامن مع تصاعد المخاوف بشأن الانحرافات المحتملة للنماذج الأكثر تقدماً. وفي هذا السياق، جرى تقديم الرسالة العامة خلال جلسة شارك فيها كريستوفر أولاه، الشريك المؤسس لشركة “Anthropic”؛ وهي الشركة التي رفضت، في نيسان الماضي، الكشف علناً عن نموذجها الأكثر قوة “Claude Mythos”. إذ اعتبرت الرسالة العامة أن هذا النموذج ينطوي على خطورة بالغة (في مجالات الأمن السيبراني، وتطوير الأسلحة، والتأثير على المجتمع وسوق العمل)، مما يحظر نشره دون ضوابط حماية صارمة.

 

“الإنسانية الرائعة”؛ رسالة عامة تستحق القراءة الفورية ودون إبطاء.

 

إقرأ أيضاً:

- رسالة البابا حول الذكاء الاصطناعي: برج بابل أم المدينة المقدّسة؟ (2/3)

- «الإنسانية الرائعة» للبابا ليون الرابع عشر: وثيقة تأسيسية في عصر الذكاء الاصطناعي (1/3)

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل