شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
أيّ حقيقة يحاول نعيم قاسم إخفاءها؟

في كل مرة يواجه فيها حزب الله أزمة سياسية أو عسكرية أو شعبية، يعود قادته إلى القاموس نفسه: المقاومة، الانتصار، السيادة، ورفض الوصاية. كلمات كبيرة تحمل شحنة عاطفية عالية، لكنها تصبح أقل قدرة على إقناع اللبنانيين كلما اتسعت الهوة بين الخطاب والواقع. في كلمته الأخيرة، قال الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إن الحزب التزم باتفاق الطائف والدستور اللبناني، وإن سلاحه موجّه إلى إسرائيل، وإنه يواجه مشاريع التبعية والوصاية الخارجية. كلام يبدو متماسكاً للوهلة الأولى، لكنه ينهار عند أول مواجهة مع الوقائع. فالسياسة ليست ما يقال على المنابر، بل ما يُمارس على الأرض. والوقائع التي عاشها اللبنانيون خلال العقود الماضية لا تشبه الرواية التي قدمها قاسم، بل تكاد تكون نقيضها بالكامل. إذا كان حزب الله ملتزماً باتفاق الطائف، فكيف يمكن تفسير استمرار وجود قوة عسكرية مستقلة عن الدولة بعد أكثر من ثلاثة عقود على توقيع الاتفاق؟ اتفاق الطائف لم يكن مجرد تسوية سياسية لإنهاء الحرب الأهلية، بل كان مشروعاً لبناء دولة. جوهر هذا المشروع بسيط وواضح: دولة واحدة، جيش واحد، وسلطة واحدة تحتكر السلاح والقرار الأمني والعسكري. فهل تحقق ذلك؟ الجواب يعرفه اللبنانيون جميعاً. لقد نشأت في لبنان خلال العقود الماضية سلطة موازية للدولة. سلطة تملك السلاح والقرار والقدرة على فرض الوقائع السياسية والعسكرية بمعزل عن المؤسسات الدستورية. وعندما يصبح قرار الحرب والسلم خارج مجلس الوزراء وخارج البرلمان وخارج رئاسة الجمهورية، يصبح الحديث عن الالتزام بالطائف أقرب إلى إعادة كتابة التاريخ منه إلى وصف الواقع. المشكلة ليست في وجود خلاف سياسي حول دور المقاومة أو مستقبل السلاح. هذا نقاش مشروع. المشكلة هي محاولة تقديم الأمر وكأن لبنان عاش طوال هذه السنوات في ظل التطبيق الكامل للطائف، بينما يعرف الجميع أن أحد أبرز أسباب الأزمة اللبنانية كان وجود ازدواجية السلطة وازدواجية القرار. أما القول إن السلاح موجّه حصراً إلى إسرائيل، فهو ادعاء يصعب على الذاكرة اللبنانية أن تتعامل معه بجدية. فاللبنانيون لم ينسوا السابع من أيار. ولم ينسوا سنوات الترهيب السياسي التي فرضت فيها موازين القوى بقوة السلاح أو بظله. ولم ينسوا أن مجرد وجود قوة عسكرية خارج إطار الدولة كان كافياً لقلب التوازنات السياسية وتعطيل الاستحقاقات الدستورية وفرض الشروط على الحكومات والرؤساء والبرلمانات. حتى عندما لم يُستخدم السلاح بشكل مباشر، كان وجوده بحد ذاته عاملاً حاسماً في الحياة السياسية اللبنانية. وهنا تكمن المشكلة الأساسية. فالديمقراطية لا تقوم عندما يمتلك طرف واحد القدرة على فرض إرادته بالقوة إذا شاء. والدولة لا تكون دولة عندما تعرف جميع القوى السياسية أن هناك قراراً أعلى من المؤسسات الدستورية. ثم يأتي الحديث عن رفض الوصاية الخارجية. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. فأي وصاية رفضها حزب الله طوال السنوات الماضية؟ وأي استقلالية قرار يتحدث عنها؟ منذ سنوات طويلة لم يُخف الحزب ارتباطه الاستراتيجي بإيران. لم يكن الأمر اتهاماً من الخصوم، بل جزءاً من أدبياته السياسية المعلنة. وقد خاض معارك إقليمية كبرى انطلاقاً من حسابات تتجاوز المصلحة اللبنانية المباشرة. دخل إلى الحرب السورية. انخرط في صراعات المنطقة. ربط مصير لبنان بمحور إقليمي كامل. وحوّل البلد، شاء اللبنانيون أم أبوا، إلى جزء من معادلات الصراع بين إيران وخصومها. اليوم، بينما يتحدث قاسم عن مواجهة الوصايات، تجري المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية حول ملفات المنطقة، وبينها لبنان. وهذه الحقيقة وحدها كافية لفضح حجم التناقض بين الشعار والواقع. فلو كان القرار لبنانياً خالصاً، لما أصبح مستقبل السلاح والدور الأمني والسياسي في لبنان بنداً على طاولات التفاوض الإقليمية والدولية. ولو كانت السيادة التي يتحدثون عنها قائمة فعلاً، لما وجد اللبنانيون أنفسهم ينتظرون نتائج تفاهمات تُعقد خارج حدود وطنهم لمعرفة مصير بلدهم. لكن ربما يبقى أكثر ما يستحق التوقف عنده هو مفهوم “الانتصار” الذي يقدمه حزب الله للبنانيين. ففي خطاب قاسم، كما في خطابات سابقة، يتحول الصمود إلى انتصار، والاستمرار إلى انتصار، وعدم الانهيار الكامل إلى انتصار. وبهذه المعادلة يصبح من الممكن إعلان النصر في كل الظروف. لكن الشعوب لا تقيس الانتصارات بهذه الطريقة. الشعوب تقيس الانتصار بمستوى معيشتها، بأمنها، باستقرارها، بقدرة أبنائها على البقاء في وطنهم، وبقدرة دولتهم على حماية مصالحهم. فماذا كانت النتيجة بعد سنوات طويلة من هذه السياسات؟ اقتصاد منهار. عملة فقدت معظم قيمتها. دولة مفلسة. مؤسسات مشلولة. هجرة جماعية للشباب والكفاءات. عزلة عربية ودولية متزايدة. ومناطق مدمرة تحتاج إلى سنوات لإعادة إعمارها. هل هذه هي مؤشرات الانتصار؟ أم أنها مؤشرات أزمة وطنية عميقة يحاول البعض تغليفها بالشعارات؟ المؤلم أن اللبنانيين الذين دفعوا الثمن الأكبر لم يعودوا يبحثون عن الخطب. أهل الجنوب لا يحتاجون إلى مزيد من النظريات عن النصر بقدر ما يحتاجون إلى إعادة بناء منازلهم. العائلات التي فقدت أبناءها لا تبحث عن البلاغة السياسية، بل عن تفسير منطقي لحجم الخسائر التي تكبدتها. والشباب الذين يغادرون لبنان بالآلاف لا يسألون عن الخطابات العقائدية، بل عن مستقبل لم يعد موجوداً في وطنهم. لهذا تبدو لغة الانتصارات المتكررة منفصلة أكثر فأكثر عن الواقع الذي يعيشه الناس. لقد اعتاد حزب الله على الانتصار في الرواية حتى عندما يخسر في الوقائع. لكنه يواجه اليوم معضلة مختلفة. فالوقائع أصبحت أكبر من أن تُخفى، والأثمان أصبحت أكبر من أن تُبرر، والأسئلة أصبحت أعلى من أن تُقمع بالشعارات. في النهاية، لا يحتاج اللبنانيون إلى من يقنعهم بأن ما عاشوه كان انتصاراً أو هزيمة. هم يعرفون ذلك من تفاصيل حياتهم اليومية. يعرفونه عندما يقفون أمام مصارفهم المفلسة. ويعرفونه عندما يبحثون عن فرصة عمل فلا يجدونها. ويعرفونه عندما يودعون أبناءهم في المطارات. ويعرفونه عندما ينتظرون قرارات تُتخذ خارج لبنان لتحدد مستقبل بلدهم. لهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل انتصر حزب الله أم لم ينتصر؟ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو أكثر قسوة وأهمية: إذا كان كل ما جرى خلال العقود الماضية انتصاراً كما يقول نعيم قاسم، فكيف كانت ستبدو الهزيمة؟ هذا السؤال بالذات هو ما يخشاه أصحاب الشعارات، لأنه السؤال الذي لا تستطيع الخطابات الإجابة عنه، ولا تستطيع الأعلام تغطيته، ولا تستطيع الاحتفالات إخفاءه. إنه سؤال الوقائع. والوقائع، بخلاف الخطب، لا تكذب.

وا إيران! ما شأنك ولبنان؟
بقلم
يوسف معوض
نُشر

إنّ هذا السؤال، بصيغته هذه، يأتي متأخّرًا بعض الشيء، غير أنّ له فضلًا لا يُنكر، وهو أنّه يُطرح أخيرًا بصراحة ووضوح. فبموجب أيّ قاعدة قانونية أو أيّ اتفاقية دولية تتدخّل إيران في الشؤون اللبنانية؟ وكيف لها أن تفعل ذلك من دون أيّ مساءلة منذ أكثر من أربعين عامًا؟ مستفيدةً من انهيار الدولة، اتّخذ هذا التدخّل شكل دعم عسكري وسياسي ومالي لحزب الله، إلى حدّ الزجّ ببلدنا في صراعات ومواجهات لم تكن يومًا ضمن أجندة حكومته الشرعية. كيف يمكن الاقتراب من الحادث الدبلوماسي من دون الوقوع فيه؟ يكفي أنّ سفير الملالي لا يتمتّع بعد بصفة "الشخص المقبول" (Persona Grata) ، وهي العبارة الدبلوماسية التي تفيد بأنّ الموفد قد حظي باعتماد الدولة المضيفة وموافقتها الرسمية. إنّما طهران لم تكن لتنتظر أن يقدّم محمد رضا شيباني أوراق اعتماده كي تدوس على ساحاتنا، وتتعدّى على حصّتنا من السيادة، أو لكي تبادر إلى إشعال الأعمال العدائية مع إسرائيل أو وقفها. فقد تصرّف الحرس الثوري وكأنّه في داره، فيما اكتفى مسؤولونا، عندما لم يكونوا متواطئين معه، بتحويل أنظارهم حياءً، وكأنّهم يرفضون الاعتراف بالواقع. وكان يُفترض أن يستمرّ هذا الوضع إلى ما لا نهاية، وكأنّ على لبنان أن يتحمّل كلّ شيء. غير أنّ ذلك لم يأخذ في الحسبان الموقف المفاجئ لرئيس الجمهورية، الذي حرص مؤخرًا على التمييز بين المساعدة التي تقدّمها الجمهورية الإسلامية وبين التدخّل الذي تسمح لنفسها بممارسته في شؤوننا الخاصة. فهذا التدخّل، بما يشكّله من اعتداء جسيم على سيادة دولة، لا مكان له إلا في زمن "الوصايات الأجنبية التي يُحظر العودة إليها." إلا أنّ هذه الانفراجة الناتجة عن هذا الموقف قد لا تدوم طويلًا. فبحسب عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، لا يمكن فصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني. وتحت ذريعة التضامن مع لبنان، والمطالبة بانسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني تحقيقًا للسلام وفقًا لاتفاق إسلام آباد، تُمعن طهران في إدخال لبنان أكثر فأكثر في لعبتها السياسية وفي المفاوضات المتعلّقة بمستقبل الخليج الفارسي. إذًا، هل يُقرَّر مصيرنا في إسلام آباد بدلًا من واشنطن؟ إنّ رفض حزب الله لاتفاق وقف إطلاق النار في الثالث من حزيران الماضي (1)، لا يُفسَّر، وفقًا لرئيس مجلس الوزراء نواف سلام، إلا برغبة طهران في التذكير بأنّ القرار يعود إليها هي. فبإعتبارها عاصمة إقليمية مؤثرة، لا يمكن استبعادها من المفاوضات. وبحسب أحد كبار مسؤوليها، قدّمت إيران تضحيات كبيرة جدًا على مسرح الشرق الأوسط بحيث لا يمكن التفاوض على وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل من دون موافقتها. ثم ماذا كنّا نعرف أصلًا عن مذكرة التفاهم التي جرى إعدادها في إسلام آباد، والتي كانت النسخ المختلفة منها حتى الآن مليئة بالأخطاء والنواقص والتناقضات؟ والآن بعد أن وُقِّعت إلكترونيًا بصيغتها النهائية، من يجرؤ على المراهنة على تنفيذها أو على "استدامتها"؟ (2). قلتم تدخّلًا؟ أمام الاستحقاقات المتسارعة، سعت طهران مع ذلك إلى إعادة التواصل مع قصر بعبدا عبر عباس عراقجي. وهو الوزير نفسه الذي سخر مؤخرًا من تصريحات الرئيس جوزف عون متسائلًا: هل الجمهورية الإسلامية هي التي تحتلّ خُمس الأراضي اللبنانية أم الدولة العبرية؟ لكنّ كبير الدبلوماسيين وقع، بقوله هذا، في الفخ الذي نصبه بنفسه. ويمكن الردّ عليه بسهولة بأنّ بلاده تحتلّ من "لبنان المفيد" مساحةً تفوق بكثير تلك التي تحتلّها إسرائيل (3). هذا فضلًا عن هيمنة ولاية الفقيه على مفاصل الدولة العميقة التي تتحكّم بنا. وكلّ ذلك، بطبيعة الحال، عبر وكيلها المحلي، حزب الله. أليس هذا الحزب هو الذي خوّله الحرس الثوري جرّ لبنان إلى حروب مدمّرة والتسبّب في موجات نزوح جماعية؟ (1) ستُستأنف المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في 23 حزيران. " Sina Toossi (2)حتى لو استفادت إيران من هذا الاتفاق مع واشنطن، فمن المرجّح أن يكون أيّ سلام مؤقتًا" ، جريدة The Guardian ١٦ حزيران ٢٠٢٦. (3) "لبنان المفيد" تعبير قدحي وقاسٍ، لكن سبق أن شاع أيضًا تعبير "سوريا المفيدة".

تصعيد جديد في جنوب لبنان بأبعاد سياسية وعسكرية

إن التصعيد الجديد للعنف بين حزب الله والجيش الإسرائيلي المنتشر في جنوب لبنان، بالتزامن مع إرجاء المحادثات الأميركية-الإيرانية التي كان من المقرر أن تبدأ اليوم، الجمعة، في سويسرا، يؤكد المخاوف التي أثارتها صيغة مذكرة التفاهم الموقعة بين طهران وواشنطن، والتي اعتُبرت لصالح الجمهورية الإسلامية. وتتصل هذه المخاوف باحتمال أن يتحول لبنان إلى مجرد صندوق بريد في إطار هذه المفاوضات المقبلة، التي يدرك الجميع أنها ستكون طويلة وشاقة، بل محفوفة بالعقبات. ويطرح التصعيد خصوصًا سؤالًا حول الاستراتيجية التي يتبعها الإيرانيون. وهو سؤال مشروع، إذا ما علمنا أن موجة العنف، الجمعة، اندلعت إثر هجوم دامٍ شنه حزب الله، الذراع العسكرية لإيران في لبنان، على موقع إسرائيلي، ليل الخميس الجمعة. وقد استمر التصعيد طوال القسم الأكبر من النهار، قبل أن ينتهي بفضل وقف جديد لإطلاق النار بين العدوين، بضغط من واشنطن، ولكن على وقع إشارة سياسية إيرانية بالغة الدلالة. فما إن أُعلن وقف إطلاق النار حتى تحدثت وزارة الخارجية الإيرانية عن اتصالات أجراها الوسطاء لعقد جلسة أولى مخصصة للمحادثات «في الأيام المقبلة». وأوحت بأن الجمهورية الإسلامية ليست في عجلة من أمرها للانخراط فيها. وجاء في بيان وزارة الخارجية الإيرانية، الذي أعلن جدول أعمال المناقشات، أنه “ما دام الاتفاق مع واشنطن قد وُقّع إلكترونيًا، فإن اجتماع سويسرا لم يعد ملحًا”. وتشمل المناقشات البنود 1 و4 و5 و10 و11 من الاتفاق الإطاري، وهي ملفات تهم طهران مباشرة، إذ تتعلق بالهدنة على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، ورفع الحصار البحري الأميركي، وإدارة الملاحة في مضيق هرمز، ورفع العقوبات الأميركية المفروضة على طهران، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة. أما واشنطن، فلم تقدم أي مؤشرات دقيقة حول مضمون المناقشات المقبلة، ما يثير مخاوف من أن تجري العملية التفاوضية تحت النار في لبنان، تبعًا لمصالح الجمهورية الإسلامية، التي لا تزال تمسك بالورقة اللبنانية كورقة ضغط. وفي الوقت نفسه، شدد المسؤولون الإيرانيون على ضرورة صون المصالح الوطنية للجمهورية الإسلامية في المحادثات المقبلة مع واشنطن. وأكد محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان وكبير المفاوضين مع الأميركيين، أن إيران ستبقى متمسكة بـ”خطوطها الحمراء” في المفاوضات المقبلة حول البرنامج النووي. وحذر من أن طهران مستعدة للرد بحزم على أي محاولة لممارسة ضغوط مفرطة من جانب الولايات المتحدة. وهكذا تضفي هذه السلسلة من المعطيات على تصعيد الجمعة بُعدًا سياسيًا يتجاوز الإطار اللبناني، وتثير بالتالي مخاوف من حصول حلقات مماثلة خلال الأيام الستين المقبلة. سبعة وأربعون قتيلًا في بضع ساعات أسفرت الغارات الإسرائيلية على جنوب البلاد ومنطقة بعلبك عن مقتل ما لا يقل عن 47 شخصًا وإصابة 97 آخرين، وفق الأرقام الرسمية. أما الهجوم الليلي بالطائرة المسيّرة الذي نفذه الحزب ضد موقع إسرائيلي غير بعيد من النبطية، فقد أدى إلى مقتل أربعة عسكريين إسرائيليين، بينهم ضابط. ورد الجيش الإسرائيلي بقصف “150 موقعًا لحزب الله في جنوب لبنان والبقاع”، وفق ما أكدته السلطات العسكرية والسياسية في الدولة العبرية. وتسببت كثافة الغارات بحركة نزوح واسعة من جنوب لبنان، في وقت كان وزراء اليمين المتطرف في إسرائيل يكثفون تهديداتهم ضد لبنان، فيما كان مقاتلو الحزب يستهدفون بدورهم مواقع إسرائيلية. وسارعت واشنطن إلى التحرك لتفادي تحول تبادل إطلاق النار إلى مواجهة أوسع. وكان من المقرر إرساء وقف لإطلاق النار بعد الساعة الرابعة بعد الظهر بقليل. وأعلن حزب الله أنه سيلتزم به شرط أن تلتزم إسرائيل به أيضًا. من جانبها، أكدت الدولة العبرية مجددًا التزامها بالهدنة، شرط أن تمتنع التشكيلة الموالية لإيران عن خرقها. وكان من المقرر أن يجري وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، اتصالًا برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي صعّد لهجته مجددًا الجمعة. فقد أعلن الزعيم الإسرائيلي أن جيشه سيبقى في جنوب لبنان «طالما اقتضت الحاجة»، وتعهد بمواصلة تحركه لضمان أمن شمال إسرائيل. وكان من المقرر أيضًا أن يجري روبيو اتصالًا هاتفيًا بالرئيس اللبناني جوزاف عون. وفي وقت سابق، أوضح متحدث باسم الجيش الإسرائيلي، خلال مؤتمر صحافي، أن تل أبيب ستواصل عملياتها في القطاعات التي تحتلها في جنوب لبنان “من أجل تدمير البنى العسكرية لحزب الله وتحييد أي تهديد لأراضيها، ما لم تتلقَّ توجيهات جديدة”. وقال: “لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أمرًا واحدًا: يجب أن يقف جنود الجيش الإسرائيلي بين حزب الله والمدنيين الإسرائيليين”. وأوضح خصوصًا أن التشكيلة الموالية لإيران أنشأت مقرًا عسكريًا كبيرًا تحت الأرض في منطقة قلعة الشقيف، وأن إطلاق النار المتواصل على القوات الإسرائيلية يهدف “إلى منع هذه القوات من تدمير تلك المنشآت”. وهي اتهامات رفضتها التشكيلة الموالية لإيران. وكان من المقرر أن يعيد أمينها العام، نعيم قاسم، في مطلع المساء، التأكيد على شرعية “عمليات المقاومة ضد الجيش الإسرائيلي المحتل”، وأن يتهم إسرائيل بأنها لم تحترم يومًا الالتزامات التي تم التوصل إليها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الأول في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. وبرأيه، فإن لبنان “يمر بإحدى أخطر المراحل في تاريخه، بسبب المؤامرة الإسرائيلية-الأميركية التي لا يمكننا أن ننحني أمامها”. “اعتداء على الهدنة” في مواجهة هذه الموجة الجديدة من العنف، دان الرئيس جوزاف عون “تصعيدًا خطيرًا ومستنكرًا”، معتبرًا أن الغارات الإسرائيلية “تقوض مباشرة الجهود الدبلوماسية التي بُذلت في الأيام الأخيرة، وكذلك الجهود الجارية لتثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب”. وبالنسبة إلى بيروت، فإن توقيت هذا التصعيد يثير قلقًا خاصًا. فهو يأتي قبل أيام من استئناف محادثات السلام المباشرة مع إسرائيل، المقررة في 23 حزيران/يونيو في واشنطن، والتي يرفضها حزب الله.

مذكرة تفاهم أم حرب معلّقة؟
بقلم
خليل حلو
نُشر

فيما تبدو إيران عمليًا في حالة خراب، تترك مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران في 17 حزيران الجاري رياحًا من الشك تهب على الشرق الأوسط. فما دام النظام الإيراني قائمًا، وما دامت أذرعه الإقليمية باقية، ولو منهكة، فإن الدينامية المتوقعة لن تكون مختلفة إطلاقًا عن تلك التي سادت المنطقة منذ الثورة الإسلامية عام 1979 في طهران. وعليه، ستواصل إيران استخدام مزيج من الأيديولوجيا والبراغماتية لضمان بقائها أولًا، ثم لإعادة تثبيت حضورها الإقليمي، مع إبقاء التوترات قائمة. تُعد عملية "Epic Fury" بلا شك تحفة في التنفيذ التكتيكي، لكنها حتى الآن من دون مكسب استراتيجي واضح، فيما تحاول إيران أن تثبت، عبر الدعاية الزائفة والتلاعب الإعلامي والقرصنة السياسية، أنها "الرابح" الأكبر. ويصف المحلل الجيوسياسي جورج فريدمان الوضع الراهن بأنه "مفارقة القوة في الشرق الأوسط"؛ أي بعبارة أخرى، عالم بلغت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل مستوى غير مسبوق من الهيمنة العسكرية التقليدية منذ مطلع القرن، من دون أن تتمكنا مع ذلك من تحقيق جميع أهدافهما الاستراتيجية. ينبغي التذكير باستمرار، في مواجهة الدعاية الإيرانية، بأن حجم الدمار الذي لحق بإيران خلال 40 يومًا كان هائلًا. فقد نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل نحو 18500 طلعة جوية، وضربتا 130000 هدف إيراني بدقة جراحية واضحة، بحسب مجلة "Foreign Affairs"، ما أدى إلى تدمير 85% من منشآت إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، والقضاء على 70% من البنى التحتية الخاصة بإطلاق الصواريخ. كما أن الضربة الافتتاحية التي استهدفت رأس القيادة الإيرانية، وأدت إلى مقتل نحو 40 من كبار القادة السياسيين والعسكريين الإيرانيين، بمن فيهم علي خامنئي نفسه، أفضت إلى استبدالهم بجيل جديد من ضباط الحرس الثوري الإيراني، أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية، وقد تحرك هؤلاء بسرعة لتفادي انهيار النظام. مذكرة تفاهم هشة إن مذكرة التفاهم التي وقعها دونالد ترامب ومسعود بزشكيان في 17 حزيران تبدو أقرب إلى مرحلة توقف مؤقت منها إلى معاهدة سلام. فالعوامل التي سرّعت الوصول إليها ذات منشأ سياسي داخلي لدى الأطراف الثلاثة المتحاربة، أكثر مما هي مرتبطة بالوضع العسكري. ففي الولايات المتحدة، أصبحت التوترات الداخلية، كما في كل حرب منذ عام 1917، أولوية تتقدم على الاعتبارات الجيوسياسية. يواجه الرئيس دونالد ترامب ضغوطًا من كل الجهات، ولا سيما من جناح داخل حزبه نفسه، أنهكته الحرب ويرى في النزاع إخلالًا بوعوده الانتخابية، رغم أن الخسائر الأميركية في الأرواح البشرية لا تزال ضئيلة. ويستغل خصومه، في صفوف الحزبين، التداعيات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز كسلاح ضد إدارته. أما الحزب الديمقراطي، فلا يوفر أي جهد لتشويه صورته، أيًا كان ما يفعله. إلى جانب ذلك، ثمة تباعد متزايد بين واشنطن والقدس: ففي حين ترى الولايات المتحدة أن وقف الأعمال العدائية يشكل استراحة ضرورية لإعادة تكوين بعض مكونات ترسانتها التي بلغت مستويات متدنية جدًا، ولمواجهة الارتفاع الحاد في أسعار النفط، تبقى إسرائيل في وضعية وجودية. من جهته، يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عاصفة سياسية وضغوطًا من اليمين، يقودها المتشددون الدينيون على خلفية التجنيد العسكري. وينظم هؤلاء اعتصامات أمام السجون التي يُحتجز فيها الرافضون الالتحاق بالثكنات. أما من جهة اليسار، فيواجه نتنياهو من يطالبون برحيله الفوري عبر التظاهرات وقطع الطرقات. وفي النهاية، يجد نفسه عالقًا بين إغضاب ترامب ومواصلة الحرب بكثافة في لبنان، أو إغضاب جهازه الأمني المصمم على تحقيق "نصر كامل" يشمل التفكيك الكامل لحزب الله والنهاية النهائية للبرنامج النووي الإيراني. أما في إيران، فيواجه الجيل الجديد من الحرس الثوري، منذ صيف 2025، أزمة اقتصادية غير مسبوقة، زادتها الحرب تفاقمًا، فيما يجد نفسه بشكل مأساوي من دون الموارد اللازمة لإدارتها. ويخشى جزء من القادة الإيرانيين الجدد انهيار النظام إذا استمرت الحرب، بينما يريد جزء آخر مواصلة استخدام مضيق هرمز واستثماره كورقة ضغط دائمة على الاقتصاد العالمي. وهكذا، تجد واشنطن وطهران والقدس نفسها منشغلة بتحدياتها الداخلية أكثر من انشغالها بالاعتبارات الجيوستراتيجية. وقد انتهت إلى قبول مذكرة تفاهم يمكن تفسير بنودها "على المقاس"، كما يشاء كل طرف، والنظر إليها بوصفها استراحة ضرورية. إعادة تكوين الترسانات لقد دُمّرت الترسانة الإيرانية الثقيلة عمليًا. ولم يبقَ لدى طهران سوى وسائل غير متكافئة متواضعة، لكنها كافية لإغلاق مضيق هرمز ومضايقة دول الخليج، ولا سيما نحو عشرة غواصات صغيرة من طراز غدير، وآلاف الطائرات المسيّرة من طراز شاهد 136، ومئات الزوارق السريعة الصغيرة، والألغام البحرية. في المقابل، كشفت عملية "Epic Fury" عن "معدل استهلاك" هائل للذخائر. ففي غضون أسابيع قليلة، أطلقت البحرية الأميركية أكثر من 1000 صاروخ كروز من طراز توماهوك، في حين أن القدرة الإنتاجية السنوية الحالية للولايات المتحدة تتراوح بين 90 و100 وحدة، علمًا أن الموازنة العسكرية الأميركية لعام 2027 تلحظ شراء 950 صاروخًا من هذا النوع ومن جيل أكثر تطورًا، ما يعني ضمنيًا تمويل خط الإنتاج لتسريع التصنيع. كذلك، أطلق الجيش الأميركي 53% من صواريخ "ثاد" الاعتراضية المضادة للصواريخ، الفريدة عالميًا، والتي كانت لديه قبل الحرب، و46% من صواريخ باتريوت، للتصدي لأسراب من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية المنخفضة الكلفة. مع ذلك، تنفذ وزارة الدفاع الأميركية ورشة لتصميم أسلحة مضادة للطائرات المسيّرة والصواريخ، بكلفة مقبولة وفعالية محسنة، بهدف توفير الذخائر المتطورة والمكلفة. كان البنتاغون يدرك أنه يربح الحرب في الجو، لكنه يخسر في الحسابات المالية. وفي الخلاصة، تبيّن أن هدنة لإعادة ملء المخزونات أصبحت ضرورية لكل من واشنطن وطهران. عقيدة أميركية جديدة للمنطقة؟ تشير قراءة في العدد الأخير من مجلة "Foreign Affairs" إلى إعادة صياغة جوهرية للقوة الأميركية بعد حرب الأربعين يومًا. فالولايات المتحدة ستستفيد من الهدنة التي أفرزتها مذكرة التفاهم لإعادة تنظيم حضورها في المنطقة، بعدما باتت غير قادرة على أن تكون الضامن الأمني الوحيد لها، في وقت أظهرت الدول العربية إرادة راسخة في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات الإيرانية. وقد فعّلت بعض هذه الدول، ومنها قطر والمملكة العربية السعودية، القنوات الدبلوماسية في الوقت نفسه. لقد جرى تطوير وصول عسكري أميركي إلى الخليج الفارسي من الغرب، ولا سيما انطلاقًا من إسرائيل والأردن وغرب المملكة العربية السعودية، تحت اسم "Western Access Network" أو "شبكة الوصول الغربية"، وذلك خلال مرحلة التحضير لحرب الأربعين يومًا، إذ إن القواعد الأميركية الست عشرة حول الخليج الفارسي، في الكويت والبحرين وقطر والإمارات، كانت عرضة للمسيّرات الإيرانية. وقد أخلتها القوات الأميركية تحسبًا للنزاع. وتقترح القراءة نفسها في "Foreign Affairs" أيضًا "إنتاجًا مشتركًا" للذخائر مع حلفاء المنطقة، وهو أمر بدأ فعلًا، ولا سيما مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ما يحوّل دور واشنطن من ضامن للأمن إلى مدمج أمني. لكن ذلك يتطلب مزيدًا من التضامن بين الدول العربية وتفعيل اتفاقيات أبراهام. وبحسب كاتب المقال، فإن هذه عقيدة ضرورة لا خيار. إنها اعتراف بأن عصر الحلول العسكرية الأحادية القطب قد انتهى. وللدخول إلى العقد المقبل، يتعين على الولايات المتحدة أن تسهّل قيام بنية أمنية إقليمية تشمل تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر، مع محاولة حل "اللاموضوع" المتعلق بالدولة الفلسطينية، تلك العقدة الغوردية التي تحدّت كل إدارة أميركية منذ خمسة وسبعين عامًا. مذكرة تفاهم... وماذا عن لبنان؟ تبدو المفاوضات الإسرائيلية-اللبنانية في واشنطن وكأن مذكرة التفاهم قد حجبتها. وكان قد طُرح فيها نموذج "المناطق التجريبية" الهادف إلى اختبار قدرة الدولة اللبنانية على إعادة تثبيت حضورها، ومنح الجيش اللبناني الوسائل اللازمة لتأمين هذه المناطق ومنع حزب الله من العودة إليها. فهل ستستمر هذه المفاوضات في ظل رفض حزب الله ونبيه بري لهذه المناطق التجريبية، ورغبتهما في الاحتكام إلى محمد باقر قاليباف؟ لقد حوّل "الخط الأصفر" وهدم المنازل، بما يمنع عودة السكان، جنوب لبنان فعليًا إلى أرض حرام دائمة. وهذا يمنح حزب الله هامشًا لرفع السقف، وإعادة إبراز خطاب المقاومة، ورفض تسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية. يُضاف إلى كل ذلك مبدأ الدفاع الذاتي الإسرائيلي الذي يجيز لقواته إطلاق النار على أي "مصدر اشتباه"، ما يعني أن مخاطر انهيار وقف إطلاق النار في لبنان كبيرة. وقد يلقى وقف إطلاق النار هذا، في 17 حزيران 2026، المصير نفسه الذي لقيته اتفاقات وقف إطلاق النار في 1993 و1996 و2006 و2024. ويبقى أمل واحد في مواجهة هذا الوضع: عودة الدولة اللبنانية إلى الظهور، وهي عودة لا تزال منتظرة منذ بداية العهد الرئاسي الجديد. ربما ذات يوم؟

من أوكرانيا إلى إيران: السلاح النووي بوليصة التأمين الوحيدة؟

لم يعد السلاح النووي مجرد أداة عسكرية، بل بات رمزاً لسؤال أعمق يتعلق بأمن الدول في عالم تتراجع فيه فعالية الضمانات الدولية. فالحرب في أوكرانيا، والتوتر حول إيران، واستمرار كوريا الشمالية رغم عزلتها، كلها تعيد طرح السؤال نفسه: كيف تحمي الدول نفسها في نظام دولي يزداد اضطراباً؟ أوكرانيا: درس التخلي عن الردع تمثل أوكرانيا النموذج الأكثر إثارة للجدل. فبعد تخليها عن ترسانتها النووية مقابل ضمانات أمنية دولية، وجدت نفسها في مواجهة الغزو الروسي. ومنذ ذلك الحين، عاد التساؤل بقوة حول ما إذا كانت الضمانات السياسية وحدها كافية لحماية الدول من التهديدات الكبرى. كوريا الشمالية: قوة الردع فوق العزلة في المقابل، تقدم كوريا الشمالية نموذجاً معاكساً. فعلى الرغم من العقوبات والعزلة الاقتصادية، فإن امتلاكها للسلاح النووي جعل كلفة استهدافها عسكرياً مرتفعة جداً. وبذلك تحوّل الردع النووي إلى ضمانة بقاء للنظام والدولة، بغض النظر عن الأثمان الاقتصادية والسياسية. إيران والبحث عن مظلة ردع أما إيران فتقف بين النموذجين. فهي لم تعلن امتلاك سلاح نووي، لكنها تسعى إلى تعزيز موقعها الردعي في بيئة إقليمية مضطربة. ومن منظورها، يشكل البرنامج النووي جزءاً من استراتيجية تهدف إلى منع أي محاولة لفرض تغيير بالقوة أو تهديد أمنها القومي. الردع لم يعد نووياً فقط لكن التحولات الأخيرة أظهرت أن الردع لم يعد يقتصر على السلاح النووي. فإيران تمتلك ورقة استراتيجية تتمثل في قدرتها على التأثير في حركة الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز. وكوريا الشمالية استطاعت توظيف قدراتها العسكرية للحصول من روسيا على مكاسب اقتصادية وتقنية. أما أوكرانيا فنجحت في تطوير تقنيات متقدمة في الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية بدأت تجذب اهتمام دول أخرى. الشرق الأوسط أمام مفترق طرق في الشرق الأوسط، يفرض هذا الواقع أسئلة صعبة حول مستقبل الأمن الإقليمي. فهل يمكن الاستمرار بالاعتماد على تحالفات دولية متغيرة، أم أن المنطقة تتجه نحو تعزيز قدرات الردع الذاتي بأشكال مختلفة، نووية وغير نووية؟ لبنان وقوة النموذج: حين يصبح الإنسان مصدر الردع في خضم هذا النقاش حول أدوات الردع والقوة، يبرز لبنان كحالة مختلفة. فثروته الحقيقية لم تكن يوماً في امتلاك السلاح النووي، أو السيطرة على ممرات استراتيجية، أو تطوير ترسانات عسكرية متقدمة، بل في امتلاكه نوعاً آخر من القوة: قوة الإنسان. فقيم العيش المشترك، والقدرة على التضامن في المحن، والطاقة الإبداعية التي حملها اللبنانيون إلى العالم في الاقتصاد والثقافة والطب والتعليم والفنون، شكّلت على الدوام رصيداً استراتيجياً منح لبنان حضوراً يفوق بكثير حجمه الجغرافي والديموغرافي. هذه القوة الناعمة، وإن بدت أقل صخباً من الصواريخ والأساطيل، تبقى أحد أهم عناصر بقاء لبنان ودوره في منطقة تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى نماذج للتعايش والانفتاح بدل الانقسام والصراع. السؤال المفتوح قد لا يكون السؤال الأساسي ما إذا كان السلاح النووي هو بوليصة التأمين الوحيدة للدول، بل ما إذا كان العالم يدخل مرحلة تتعدد فيها أشكال الردع، فيما تتراجع الثقة تدريجياً بقدرة القانون الدولي وحده على ضمان الأمن والاستقرار.

حذار من فقدان التوازن: تراكم الخسائر لا يصنع انتصارا

في خضم التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، يبدو أن الجبهة اللبنانية هي الوحيدة التي ما زالت تنتظر وضوح الصورة النهائية لما يجري بين الولايات المتحدة وإيران. فالاتفاق الذي أوقف آلة الحرب وأعاد رسم خطوط الاشتباك الإقليمي لم تتضح بعد كامل تداعياته على لبنان، فيما يترقب اللبنانيون ما ستكشفه الأيام المقبلة لمعرفة الاتجاه الذي ستسلكه القوى المرتبطة بالمشروع الإيراني بعد سنوات طويلة من الرهانات والحروب والمغامرات. صحيح أن وقف إطلاق النار يشكل مكسبًا لكل اللبنانيين بعدما دفع الوطن أثمانًا باهظة من أرواح أبنائه واقتصاده وبناه التحتية واستقراره الاجتماعي، إلا أن هذا التطور لا يمكنه أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ولا أن يمحو النتائج الكارثية التي ترتبت على الحرب. فكل طرف يسعى اليوم إلى الظهور بمظهر المنتصر، لكن السؤال الذي يهم اللبنانيين ليس من ربح ومن خسر، بل ماذا ربحت الدولة اللبنانية؟ وأين هي المكاسب التي تعزز الشرعية والمؤسسات والسيادة الوطنية؟ لقد كانت الحرب، في جوهرها، مواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها العسكرية في المنطقة من جهة أخرى. أما الدولة اللبنانية فلم تكن شريكًا في قرار الحرب ولا في قرار السلم، ولم يكن لها دور في رسم أهداف المواجهة أو إدارة مسارها. ومع ذلك، فإنها ستتحمل نتائجها كاملة، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا وماليًا وعمرانيًا. أما من الناحية القانونية والدستورية، فلا تستطيع أي حرب أو تسوية أو تفاهم إقليمي أن يغير حرفًا واحدًا من القرارات الصادرة عن المؤسسات الدستورية اللبنانية. لقد بدأت الحرب بقرار إيراني، وانتهت عمليًا بقرار إيراني. فـ"حزباللا" لم يخف يومًا ارتباطه العقائدي والسياسي والعسكري والمالي بطهران، كما لم يخفِ قادته تبعيتهم للقرار الصادر عن القيادة الإيرانية. وما التصريحات المتكررة الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين إلا تأكيد إضافي على طبيعة هذه العلاقة التي تتجاوز حدود الدعم السياسي إلى مستوى الارتباط العضوي بالمشروع الإيراني في المنطقة. لكن مهما تبدلت الظروف الإقليمية، تبقى حقيقة أساسية لا يمكن تجاوزها: التطورات العسكرية والسياسية لا تلغي قرارات الحكومية اللبنانية. فالقرار الحكومي لا يُلغى إلا بقرار حكومي، والشرعية لا تُستبدل بشرعية أخرى، والدولة لا تسقط لمصلحة أي تنظيم أو حزب أو ميليشيا مهما بلغ حجم نفوذها. ومن هذا المنطلق، فإن الموقف الرسمي اللبناني يبقى واضحًا: السلاح الذي لا يخضع للدولة وللقوى العسكرية والأمنية الشرعية هو سلاح غير شرعي، وأي محاولة لإضفاء صفة قانونية عليه تبقى مخالفة لمفهوم الدولة ولسيادتها ولأحكام الدستور والقوانين النافذة. وحتى لو ساهمت إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في الوصول إلى وقف إطلاق النار، فإنها فعلت ذلك انطلاقًا من مصالحها واستراتيجيتها الخاصة، لا من المصلحة اللبنانية. فالدول تتصرف وفق حساباتها، وإيران ليست استثناءً. أما المصلحة اللبنانية فلا يحددها إلا اللبنانيون من خلال مؤسساتهم الدستورية الشرعية. ولا بد من التذكير بأن من يمثل لبنان في أي مفاوضات تتعلق بمستقبله وبسيادته وبحدوده هو الدولة اللبنانية وحدها. أما التفاوض باسم المصالح الإيرانية أو الدفاع عنها فهو شأن يخص طهران. لقد أكد رئيس الجمهورية مرارًا أن الدولة هي المرجعية الوحيدة في إدارة الملفات الوطنية الكبرى، وأن اللبنانيين جميعًا هم أبناء الدولة اللبنانية وليسوا أبناء أي مشروع خارجي أو محور إقليمي. لقد انتهى زمن الوكالات السياسية والعسكرية، وسقطت أوهام الوصايات التي حاولت السيطرة على القرار اللبناني لعقود طويلة. وما تشهده المنطقة اليوم من إعادة رسم للتوازنات يؤكد أن الدول هي التي تبقى، فيما تتراجع المشاريع العابرة للحدود مهما بدت قوية في لحظة معينة. وقبل أن يسارع البعض إلى إعلان النصر، يجدر التوقف أمام الوقائع لا الشعارات. فالمعطيات المتداولة حول التفاهم الأميركي – الإيراني لا توحي بانتصار للمحور الإيراني بقدر ما تشير إلى تراجع استراتيجي كبير قد تكون له انعكاسات مباشرة على "حزباللا" وسائر الأذرع المرتبطة بطهران. فإذا صحت المعطيات المتداولة، تكون إيران قد اضطرت إلى التخلي عن أحد أبرز أهداف مشروعها الاستراتيجي، أي امتلاك القدرة على إنتاج سلاح نووي أو الاقتراب منه، عبر قبول قيود صارمة على عمليات تخصيب اليورانيوم. كما تكون قد تراجعت عن استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط دائمة على المجتمع الدولي، لتعود الملاحة فيه إلى طبيعتها من دون تحقيق المكاسب السياسية والمالية التي لطالما سعت إليها. أما الخسارة الأكثر حساسية فتتمثل في تضييق الخناق على تمويل الأذرع العسكرية التابعة لها في المنطقة. فالمشكلة الأساسية بالنسبة إلى هذه التنظيمات ليست في الخطاب السياسي أو الإعلامي، بل في قدرتها على المحافظة على مصادر التمويل والتسليح والتجنيد التي شكلت لعقود عنصر قوتها الأساسي. وفي الحالة اللبنانية تحديدًا، تبدو الصورة أكثر قسوة. فالحرب لم تنتج تحريرًا جديدًا للأرض، ولم تبدّل موازين القوى، بل خلّفت قرى مدمرة، وعشرات آلاف المهجرين، وخسائر بشرية ومادية هائلة، واستنزافًا غير مسبوق للبنية العسكرية واللوجستية لـ"حزباللا". وبالتالي فإن أي قراءة موضوعية للنتائج تجعل من الصعب الحديث عن انتصار، فيما الوقائع الميدانية والاقتصادية والاجتماعية تشير إلى أثمان باهظة دفعتها البيئة الحاضنة للحزب قبل سواها. لذلك يبدو المشهد أقرب إلى محاولة لتسويق الخسارة على أنها انتصار، وإلى البحث عن مخارج تحفظ ماء الوجه بعد سنوات من الرهانات التي انتهت إلى تقليص النفوذ الإيراني في أكثر من ساحة، بدل توسيعه كما كان يُعلن ويُروَّج له. يبقى السؤال الأهم: أين موقع لبنان من كل هذه التحولات؟ أين مكانه في الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكل؟ ما هي علاقته بدول الخليج العربي؟ وكيف سيبني شراكاته مع تركيا والدول العربية والمجتمع الدولي؟ وهل سيعود دولة طبيعية تستثمر موقعها وانفتاحها وطاقات شعبها، أم سيبقى رهينة مشاريع الآخرين وصراعاتهم؟ مستقبل لبنان يبدأ عندما يصبح قرار الحرب والسلم قرارًا لبنانيًا خالصًا، وعندما تستعيد الدولة كامل سلطتها على أراضيها ومؤسساتها، وعندما يدرك الجميع أن الشرعية لا تتجزأ، وأن الدولة وحدها هي الباقية، أما الميليشيات، مهما طال الزمن، فمصيرها إلى زوال.