شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
لائحة العار
بقلم
هشام دبسي
نُشر

أعلن مجلس الأمن الدولي في عام 2005 القرار رقم 1612و يقضي بتسمية الأطراف التي ترتكب انتهاكات خطيرة بحق الأطفال في النزاعات المسلّحة والحروب . سواء كانت دول أو قوى الأمر الواقع من ميليشيات وسلطات محلية غير شرعية و بموجب هذا القرار تصدُر "لائحة العار" بأسماء الدول والمنظمات حسب ترتیب عدد و طبيعة الانتهاكات التي تمارسها و قد كشف التقرير السنوي أنّ القوات المسلحة والأمنيّة ارتكبت 38 الف انتهاك ضد الأطفال حول العالم خلال السنة الماضية، وشمل التقرير الأُمَمي ستة عشر دولة أبرزها: افغانستان ، مالي، هايتي، ميانمار، الصومال، نيجيريا، السودان، ایران، واسرائیل. و قد تبيّن أنّ القوات المسلّحة الأمنيّة الاسرائيلية ارتکبت ربع حالات الانتهاك المُوَثّقة بمعدّل يتجاوز 12,425 انتهاكاً ضد خمسة آلاف طفل جرى التحقيق معهم و ما زال التحقيق مستمراً مع خمسة آلاف حالة اخرى. لذا اُدْرِجَت قوات الامن الاسرائيلية بصفتها أكبر المُدانين و تصدّرت المرتبة الأولى في لائحة العار للمرة الثانية. وقدّمت المديرة التنفيذيّة لليونيسف کاترين راسل إحاطتها حول الموضوع موضحة أن [الارقام الواردة في التقرير لا تعكس العدد الحقيقي للانتهاكات ضد الاطفال، لأن التقرير يشمل فقط الحالات التي تم التحقق منها...، إن كثيرا من الانتهاكات لا يُبَلّغ عنها لأسباب متعددة، منها صعوبة الوصول والخوف من الانتقام وغيرها.... ]. و يُبيّن التقرير أنّ 70% من الوفيّات والاصابات نتجت عن استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة بالسكان. ان وضع اسرائيل في صدارة "لائحة العار" ليس مُرتَبِطاً بما يجري في فلسطين فقط حيث الانتهاكات لا تقل وحشية بحق أطفال لبنان وسوريا وكذلك الشعوب الإيرانية التي تعاني أصلاً من وحشية نظام الملالي. إلا أنّ هذه الانتهاكات تُشکّل تحدّياً كبيراً لكافّة دول العالم المتحضّر و خصوصاً للدول الديمقراطية المدافعة عن القانون الانساني الدولي ومجمل المواثيق التي ساهمت في صياغتها والدعوة لها حيث ينص القانون الدولي على مقاضاة الفاعل الرئيس المباشر وكذلك مقاضاة الأطراف المتواطئة مع المجرم، بحسب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948. لذا يُعتبر التواطؤ شكلاً من أشكال المساهمة غير المباشرة يشمل الدعم المادي والدعم اللوجستي وكذلك الدعم المعنوي، وهذا يطال قانونياً الشركات المصنّعة للسّلاح وغيرها ذات الصّلة بكل امداد يخدم الجهد العسكري لِمُرْتَكبي جريمة الابادة. بما فيها شركات التكنولوجيا و الذكاء الاصطناعي. بهذه المطالعة تحدثت وكيلة الأمين العام والممثّلة الخاصّة المعنيّة بالأطفال والنزاعات المُسَلّحة فانيسيا فرايزر قائلة : [إن التّقاعُس عن التحرّك ليس وليد الجهل ، بل هو خَيار سياسي واعٍ] و على هذه الشّهادة يمكن إعادة محاكمة مواقف كل الدّول ذات الصّلة بالجرائم المرتكبة بحق الاطفال في العالم اينما وُجدوا ولأي سبب تمّ انتهاك طفولتهم. ان المسافة كبيرة وواسعة بين ما ينُصّ علیه القانون الدولي وبين حال البشرية الرّاهن على الرغم من التّقدّم العلمي الكبير إلا أنه لا يعني حتماً تقدّماً حضارياً. العاصمة تمّ تأجيل المُفاوضات حَوْل مدينة القدس الشرقيّة لما بعد المرحلة الانتقالية من "اتفاق أوسلو" و مُدّتها خمسُ سنوات و حين صار الوقت على مشارف الألفيّة الثالثة رفض رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهودا باراك نقاش قضايا الحل النهائي مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. ولم تنفع أيضاً الوساطة التي بذلها الرئيس الاميركي بيل كلينتون قبل خروجه من البيت الأبيض . حيث لم يقبل افكاره كلا الطرفين، وكان الحل عند اريئيل شارون عبر الاستفزاز المدروس والمنسّق مع ايهودا باراك باقتحام المسجد الاقصى و ما نَجَمَ عنه من رد فعل فلسطيني جماهيري اوّلاً وبالعودة للسلاح من جديد بقيادة حركة حماس ثانياً.. وعندما صار اريئيل شارون رئيساً للوزراء اصدر في 15-08-2005 أمراً بالانسحاب من قطاع غزّة تحت عنوان خطة "فكّ الارتباط". وقدّم نموذجاً للحلّ على قاعدة الاحتفاظ بفكرة اسرائيل الكبرى والانسحاب من التجمّعات السكانيّة في المدن الفلسطينية فقط ، على أن تستمر عملية تهويد مدينة القدس الشرقيّة الخاضعة لقانون الضمّ منذ نهاية حرب حزيران 1967. هذا النموذج للحلّ استمرّ في التطبيق العملي لتهويد المدينة العاصمة لدولة فلسطين من خلال وضع سُكّانها في حالة قانونية خاصّة تمنعهم من حمل الهويّة الفلسطينيّة، وتمنعهم من حمل الجنسية الاسرائيلية مثل فلسطينيي الداخل..لذا منحتهم الحكومة بطاقات تحمل صفة "المقيم الدائم" الذي يحق له التصويت لبلديّة المدينة فقط . وليس للكنيست وفي كلّ مرّة كانت تجري انتخابات تشريعيّة فلسطينية تبدأ المعركة على حق المقدسيين بالتصويت لصالح السلطة الوطنية ومجلسها التشريعي حيث يبدأ الموقف الاسرائيلي رافضاً مشاركتهم في الانتخابات الفلسطينيّة.بينما يستمرّ وضعهم، بموجب القانون الدولي، سُكّان ارض مُحتلّة يحتاجون لحماية دوليّة. لقد تبرّع الرئيس ترمب منذ ولايته الاولى بقرار ضم اسرائيل للقدس الشرقيّة ونقل السفارة الامريكية من تل أبيب اليها من دون الاكتراث لِما فعله و زاد في الأمر، اغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن. أمّا في شهر أيار/ مايو الماضي صادق الكنيست الاسرائيلي بالقراءة الأولى على مشروع قانون إقامة "سلطة التراث في يهودا و السامرة" الاسم التوراتي للضفّة الغربيّة. و يحتاج القانون للقراءة الثانية و الثالثة كي تصبح كافّة الآثار في الضفّة الغربية تحت سلطة حكومة اسرائيل وهي آثار منتشرة في كل مكان تقريباً منذ العصر الكنعاني حتى الروماني و العثماني بما يجعل سلطة الآثار تستطيع الترميم و الانشاء و البيع و الشراء من دون أي عائق. ما يسمح لاسرائيل مصادرة كل منطقة في مدينة القدس والضفة الغربيّة عموماً وبالنسبة لهم تُعتبر القضية المركزية الكبرى تبدأ بالهيكل المدفون تحت المسجد الاقصى حسب سرديتهم. ومن أجل هذا تتخذ حكومة نتنياهو إجراءات ضد ادارة المسجد عبر احتلال اجزاء داخله ليتمركز به الجنود و"وحدة حُرّاس الهيكل" لحماية من يريدون إقتحام المسجد وممارسة الشعائر الخاصّة بهم داخله لذا سيطر الجنود على اربعة مواقع داخل المسجد الاقصى هي قبّة الإمام الغزالي، وقبّة سليمان ، وقبّة موسی ، ودار الحديث الشريف ، كما ابعدت قوى الامن 37 حارس وموظف لتقليص عدد الحراس الفلسطينيّين من خمسين حارس إلى عشرين في كل مناوبة ، فضلاً عن سحب تصاريح ثلاثين من العاملين في المسجد المُقيمين في الضفة الغربية بينما تعلن شرطة الاحتلال عن مسابقة لجذب متطوّعين جُدُد "لوحدة جبل الهيكل" من عتاة المتطرّفين اليهود. تلك السياسات التي تمسّ بالاتفاقات المعقودة مع السلطة الفلسطينيّة والمملكة الأردنية الهاشمية بصفتها صاحبة الولاية على المسجد الاقصى منذ عشرينات القرن الماضي، لا تجد من نتنياهو إلا تصريح مقتضب يدّعي بأنهم لم يغيّروا شيئاً في الواقع. إلّا أنّ "حركة السلام الآن" على ضعف أنصارهم الجهة الوحيدة التي قالت : [إنّ مشروع القانون هذا، اذا تمّ إقراره في الكنيست، يشكّل اجراء ضمّ بكل المقاييس و مُصادرة واسعة النطاق للاراضي الفلسطينية.]

من العراق إلى لبنان، انطلقت معركة حصر السلاح بيد الدولة

كان الغموض لا يزال سائداً مطلع الأسبوع بشأن موعد استئناف الاجتماعات التقنية بين طهران وواشنطن، بعدما كان الطرفان قد قرّرا الثلاثاء الماضي، في سويسرا، تشكيل أربع مجموعات عمل مخصّصة لملفات رفع العقوبات، والملف النووي، وإعادة الإعمار. ورغم تضرّر المحادثات بين العاصمتين بفعل المواجهة العسكرية حول مضيق هرمز، الذي تريد إيران فرض سيطرة كاملة عليه، ورفض طهران السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدخول منشآتها النووية، فإن هذه المحادثات لم تنقطع، بحسب مصادر متطابقة عدّة نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية ووسائل إعلام أميركية. وأعلن الرئيس دونالد ترامب، الاثنين، عبر شبكته الاجتماعية «تروث سوشال»، أن مسؤولين إيرانيين طلبوا عقد اجتماع متابعة، وأن هذا الاجتماع يفترض أن يعقد الثلاثاء في الدوحة. غير أن طهران سارعت إلى نفي الإعلان، مؤكدة أنه لا لقاءات ولا اجتماعات تقنية لمجموعات العمل مقرّرة هذا الأسبوع في قطر. إلا أن البيت الأبيض أكد أن المفاوضين الأميركيين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف سيتوجهان إلى قطر «لعقد اجتماعات رفيعة المستوى»، من دون تحديد موعد. وبحسب موقع «أكسيوس» الأميركي، من المرتقب أن يكونا الثلاثاء في الدوحة لإجراء محادثات مع المسؤولين القطريين. وأشار الموقع إلى أن الوفدين التقنيين الأميركي والإيراني، المكلّفين تنفيذ مذكرة التفاهم الموقّعة في 18 حزيران، سيعقدان الأربعاء اجتماعات منفصلة مع الوسيطين القطري والباكستاني. وأكد دبلوماسي وصفته وكالة الصحافة الفرنسية بأنه قريب من الملف أن قنوات الاتصال بين البلدين لا تزال مفتوحة، ما يعني عملياً أن الوساطة التي يقودها كل من قطر وباكستان قد استؤنفت بعد تصاعد التوتر وتبادل التهديدات بين الطرفين. الاثنين، عاد الهدوء إلى الجبهة الأميركية-الإيرانية: فتوقفت التهديدات المتبادلة التي كانت قد استؤنفت بعد الهجمات الإيرانية أواخر الأسبوع الماضي على ناقلات نفط كانت تعبر هرمز، كما توقفت ضربات الطائرات المسيّرة الإيرانية والهجمات الأميركية المضادة. ويبدو أن هذا الهدوء تقرر باتفاق مشترك، إذ أعلن مسؤول أميركي مساء الأحد تعليق الهجمات المتبادلة لإفساح المجال أمام مواصلة المحادثات التقنية والحفاظ على حرية حركة السفن في مضيق هرمز. لكن المعركة لم تُحسم بعد، إذ لا تزال طهران متشددة حيال ما تعتبره حقاً لها في السيطرة على هذا الممر البحري الاستراتيجي. غير أن الجمهورية الإسلامية، التي كانت تراهن على تعاون سلطنة عُمان لخلق سابقة تنتهك القانون البحري الدولي، سرعان ما خاب ظنها. فقد أكدت مسقط، الاثنين، أنها لن تتخذ أي إجراء يخالف هذا القانون، لكنها تبقى مستعدة لمناقشة طهران في إمكان فرض رسوم محتملة، شرط أن تكون في مقابل خدمات فعلية تقدَّم. حصر السلاح في العراق. ماذا عن لبنان؟ على المستوى الإقليمي أيضاً، يبرز عنصر آخر يستحق التوقف عنده نظراً لأهميته الاستراتيجية. فقد حدّدت الحكومة العراقية للفصائل المسلحة الموالية لإيران مهلة ثلاثة أشهر لتسليم أسلحتها، تنتهي في 30 أيلول. ويأتي هذا الإعلان في وقت يُنتظر فيه وصول رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، إلى الولايات المتحدة، التي كانت، كما هو معروف، تدعو إلى نزع سلاح هذه الفصائل. كما يأتي غداة حملة توقيف غير مسبوقة في الوسط السياسي العراقي. فقد أوقف ما لا يقل عن 200 شخص، بينهم عدد كبير من النواب ووزراء سابقون ورجال أعمال، في إطار عملية نُفذت تحت عنوان مكافحة الفساد. وصودرت عشرات ملايين الدولارات في عدد من المنازل. وتعكس العمليتان معاً تصميم السلطة في العراق على التحرر من نفوذ الجمهورية الإسلامية، التي لم تعلّق على الإعلان. ولا يمكن فصل هذين التطورين عن مسار التحول الذي دخلته المنطقة منذ العملية العسكرية الإسرائيلية-الأميركية ضد إيران. على المستوى السياسي، يشترك العراق ولبنان في أوجه شبه كثيرة، ولا سيما في ما يتعلق بالنفوذ الإيراني وأثره المزعزع للاستقرار في البلدين. غير أن الفارق الأساسي بينهما يكمن في القدرة والإرادة على التحرك: ففي العراق، تُرجمت إرادة تقليص نفوذ الفصائل المسلحة إلى إجراءات ملموسة، بينما لا تزال الخطوة نفسها، التي اتخذت في لبنان في آب 2025، تصطدم بالتردد المحيط بتنفيذها. وهي لا تزال تفتقر إلى الوضوح، وباتت اليوم مرتبطة بمجموعة إجراءات وردت في الاتفاق الإطار الذي أبرمته بيروت وتل أبيب الأسبوع الماضي في واشنطن. وتنص المرحلة الأولى من هذا الاتفاق على انسحاب إسرائيلي من «مناطق نموذجية» في جنوب لبنان. غير أن هذا الانسحاب لا يزال منتظراً. وتشكل زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية، براد كوبر، إلى بيروت، حيث أجرى محادثات مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل والرئيس جوزاف عون، تمحورت حول التحضيرات لتنفيذ الوثيقة الموقعة في واشنطن، مؤشراً إلى بداية هذا المسار. يبدو أن إسرائيل تتحضر لانسحابات جزئية تدريجية حتى «الخط الأصفر»، كما يدل على ذلك التفجير الواسع لأنفاق تابعة لحزب الله في مجدل زون، ومنازل في قرى أخرى، ولا سيما حداثا. وأكد وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، الاثنين، أن بلاده لن تنسحب من لبنان ما دام الحزب لم يُنزع سلاحه، في وقت ترفض فيه التشكيلة الموالية لإيران رفضاً قاطعاً تسليم سلاحها. وإذا كانت حدة التوتر التي تجلت ميدانياً عبر تحركات احتجاجية لجمهور الحزب بعد توقيع الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي قد تراجعت سياسياً، فإنها لا تزال قائمة. ويواصل مسؤولو الميليشيا التحذير من أي محاولة لنزع السلاح، مؤكدين مراراً عزمهم على مواجهة المسار الدبلوماسي المنطلق بين بيروت وتل أبيب. إلا أن المرحلة لا تزال مرحلة تهدئة. فالثنائي أمل-حزب الله لا يعتزم، على الأقل «في الوقت الراهن»، الذهاب نحو التصعيد. وقد أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري، المعارض أيضاً لنص الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي، تمسكه باستقرار البلاد والحفاظ على الهدوء، خلال اتصال هاتفي مع رئيس الحكومة نواف سلام. ومن خلال أحد مسؤوليه، محمود قماطي، أعلن حزب الله أنه لا يعتزم في الوقت الراهن سحب وزرائه من الحكومة، حتى وإن أكد أن «الحزب يملك الوسائل لإسقاطها». الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم ترحب بالاتفاق وعلى الرغم من هذه الأصوات المعترضة، التي تدور كلها في الفلك نفسه، أو التحفظات التي أبداها بعض السياسيين، ومن بينهم الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، على بعض بنود الوثيقة اللبنانية-الإسرائيلية، فإن الاتفاق الإطار يحظى بإجماع واسع، بقدر ما يخرج لبنان من دائرة النفوذ الإيراني ويمنع جنوب لبنان من أن يبقى صندوق صدى لصراعات المنطقة. وقد رحبت الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، وهي الهيئة الأساسية التي تمثل اللبنانيين في الخارج، الاثنين، بإبرام هذا الاتفاق، معتبرة في بيان موقّع من رئيسها فارس وهبة أن المسار الذي انخرطت فيه السلطات اللبنانية «ينسجم مع خطاب القسم لرئيس الجمهورية ومع قرارات الحكومة الهادفة إلى إعادة قرار الحرب والسلم حصراً إلى الدولة». وترى الجامعة، كما شدد فارس وهبة، أن هذا المسار يشكل «خطوة أولى نحو استعادة لبنان سيادته الكاملة على كامل أراضيه الوطنية»، وأنه «يعيد وصل لبنان بتقليد دبلوماسية لبنانية جريئة، كما كانت قائمة غداة الاستقلال، قبل أن يُنتزع قرار الحرب والسلم من سلطة الدولة». وأضاف وهبة: «للمرة الأولى منذ عقود، يفاوض البلد باسمه الخاص ولمصلحة أمته»، مشدداً على أن «اللبنانيين، في الداخل كما في الانتشار، يتطلعون إلى استعادة لبنان الطبيعي، حيث تعود الثقافة والفنون والحياة والفرح لتتقدم على لغة السلاح». وأكد رئيس الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم عزمه على دعم الرئيس والحكومة في هذه المهمة، داعياً اللبنانيين «إلى اليقظة وإحباط أي محاولة لزرع الفوضى، لا سيما أن بعض الأطراف المسلحة، المرتبطة بمنظومة فساد متجذرة في مفاصل الدولة العميقة، تجد مصلحتها في إبقاء ملف السلاح خاضعاً لتوازنات إقليمية». وختم بيان الجامعة بالتشديد على أن «ما تحقق ينبغي الآن الحفاظ عليه من خلال التزام جدي وثابت، لا الاحتفاء به كما لو أنه نهاية المطاف»، مجدداً التأكيد أن «الاستقلال الذي يتطلع إليه لبنان يجب أن يكون كاملاً ونهائياً».

الأزمة، الكارثة واهتزاز العالم (2/7)

يتتبع هذا البحث تجليات الأزمة والكارثة، منذ الكوسمولوجيات القديمة وصولاً إلى التجربة المعيشة لعالمٍ يتعرض للاهتزاز. ومن خلال إقامة حوار بين الموروثات اليونانية والكتابية والهندية وفلسفة يان باتوتشكا، يتساءل عن الكيفية التي تصورت بها الحضارات الفوضى والانهيار واللاعودة، بل وحتى إمكان الفعل نفسه عندما يبدأ المعنى بالتزعزع. ويُنشر هذا النص في سبعة فصول متتابعة، متتبعاً خيطاً فكرياً دقيقاً، لكنه أساسي: هل الكارثة قطيعة مفاجئة، أم تفكك بطيء للعالم، أم الحقيقة الأعمق لعصرنا؟ وفيما يلي الجزء الثاني. كوسمولوجيا الفوضى تشكل مفهوما الأزمة والكارثة محطتين أساسيتين في التاريخ المفاهيمي للسياسة الحديثة، بوصفهما آليتين رئيستين لإضفاء القابلية على فهم الفوضى وقراءتها في سياقها التاريخي. ويعود مصطلح الأزمة إلى الكلمة اليونانية krisis ، التي كان معناها الأصلي “القرار” أو “الحكم”. وفي المعجم الطبي الهيبقراطي، يدل على اللحظة الحاسمة التي ينعطف فيها مسار الحالة المرضية نحو إحدى نهايتين محتملتين بالقدر نفسه: الشفاء أو الموت. وعندما يُنقل هذا المفهوم إلى الحقل السياسي، تصبح الأزمة نظاماً من اختلال التوازن تعجز فيه الأشكال المؤسسية للضبط عن استيعاب التوترات الاجتماعية أو الاقتصادية أو الرمزية أو تحييدها. ومن ثم تكتسب الأزمة بعداً مزدوجاً: فهي كاشفة لأنها تعرّي مواطن هشاشة النظام القائم، ومنتجة لأنها تستدعي إعادة تشكيل ذلك النظام وتجديد مبادئ تماسكه. وتحيل الأزمة إلى لحظة تعليق القرار، إلى منطقة وسطى غير مستقرة في صيرورة الزمن، حيث تبقى التحديدات معلقة مؤقتاً من دون أن يُحسم المآل بعد. ويختلف هذا المرجع اليوناني عن تعدد نظائره في الحقل السنسكريتي، وهي نظائر لا تبلغ أبداً مرتبة التكافؤ الحقيقي معه. ومن بين هذه المصطلحات सङ्कट (saṅkaṭa) الذي يدل على الوضع الحرج أو الضيق أو المأزق الخطر، و विपत्ति (vipatti) الذي يشير إلى الشدة أو الكارثة المحتملة، و संशय (saṃśaya) الذي يعبّر، في بعض الاستعمالات الفلسفية، عن الشك أو التردد البنيوي. [1] غير أن أياً من هذه الألفاظ لا يستوعب تماماً الكثافة المفهومية التي ينطوي عليها krisis اليوناني، بوصفه لحظة القرار الكامنة في صلب اللامتعين، حيث ينبثق الحكم من قلب اللاتحدد نفسه. غير أن مصطلحاً سنسكريتياً آخر، هو निष्कर्ष (niṣkarṣa) ، يمكن استحضاره لا باعتباره مرادفاً للأزمة، بل بوصفه وجهها المنطقي المقابل، أو صورةً معكوسة للمفهوم اليوناني. فبينما تشير الأزمة إلى اللحظة المفتوحة للقرار، يحيل niṣkarṣa إلى النتيجة المستقرة التي ينتهي إليها مسار التمييز، أي إلى الخلاصة التي تتبلور بعد اجتياز اللامتعين؛ أو، بعبارة أخرى، إلى المعنى بعد انقضاء أزمة المعنى. [2] ومع ذلك، فإن هذه المفاهيم السنسكريتية، عند التمعن فيها، تقترب من بعض أبعاد “اللحظة النقدية” كما تتجلى في التجربة المعيشة، من غير أن يكون من الضروري، أو حتى من الممكن، تثبيتها ضمن بناء مفهومي صارم. ذلك أن الأزمة ليست مجرد مقولة منطقية أو بنية للقرار، بل تنتمي أيضاً إلى نظام وجداني. فهي تتجلى في هيئة تردد، وتزعزع لنقاط الارتكاز، وفقدان نسبي للسيطرة، كما تتجلى في الوقت نفسه بوصفها سعياً إلى استعادة ما يفلت من القبضة. ومن ثم، فهي تنطوي على توتر دائم بين العجز والرغبة في السيطرة على ما يستعصي على السيطرة. وللأزمة أيضاً نبرتها الخاصة: قلق إزاء زمنٍ يتفلّت أو ينكمش أو يظل معلقاً، كأن الصيرورة نفسها تنسحب من إحداثياتها المألوفة. ولذلك، لا تشير الأزمة في السياسة إلى مجرد لحظة انعطاف عقلاني، بل هي، في آنٍ واحد، انبثاق السياسي وانكشاف أكثر وجوهه توتراً: حالة من الانقباض يكتشف فيها السلطان نفسه مدفوعاً بإعادة تشكيله الذاتي، وفي الوقت نفسه مهدداً بما يفلت من كل إمكانية للضبط المستقر. تلعب الأزمة مع الكارثة، وتُفشل منطقها في الوقت نفسه. فـ«اللحظة النقدية»، بوصفها موقفاً أولياً، بل يكاد يكون غريزة بقاء، تتنكر في هيئة ارتياح: “لم أصل بعد إلى الكارثة.” وفي هذا الإرجاء، تتخذ لنفسها موقعاً من الانفراج النسبي، وتؤجل الانهيار بالإبقاء عليه على مسافة. أما الكارثة، فتتبدّى بوصفها نوعاً من الاحتفال المعكوس بالأزمة: ليست احتفالاً بالمعنى المألوف، بل فائضاً بلا ذات، وتعليقاً للمرجعيات، وانكشافاً عارياً للعالم على تفككه الذاتي. وهكذا تغدو الوجه الأكثر كثافة للأزمة؛ فإذا كانت الأزمة لا تزال أسيرة منطق التدبير والعتبة، فإن الكارثة تتجاوز كل اقتصاد للسيطرة والإرجاء. وتعرض الملحمتان الهنديتان الكبريان، المهابهارتا و الرامايانا ، كلٌّ بطريقتها الخاصة، دينامية معقدة بين الأزمة والكارثة، من غير أن تصوغا لها بناءً مفاهيمياً صريحاً. [3] فهذه العلاقة تتجلى، بالأحرى، من خلال بناءٍ سردي وكوسمولوجي وأخلاقي للفوضى، حيث تظهر بوصفها، في آنٍ واحد، تعليقاً للقرار وانهياراً لنظام العالم. في المهابهارتا ، تتبدّى الأزمة أولاً في صورة تشوشٍ يصيب الدارما (Dharma) ، بوصفها النظام المعياري والكوني والاجتماعي معاً. فحتى قبل اندلاع حرب كوروكشيترا ، يكون العالم قد دخل بالفعل في طورٍ من اختلال التوازن: يصبح القانون عصيّاً على القراءة، وتتناقض الأنساب، وتتصادم الواجبات، وتبدأ المراتب في التفكك. وهنا تبلغ الأزمة معناها الأشد عمقاً: حالة من اللاتعيّن البنيوي، يصبح فيها الحكم مطلوباً ومستحيلاً في الوقت نفسه، من غير أن يخلو أي خيار من تبعة. ويجسد أرجونا هذا الوضع على نحو نموذجي، إذ يقف في ساحة المعركة عاجزاً عن الحسم، لأن كل قرار يتخذه يهدد النظام نفسه الذي كُلّف بالدفاع عنه. [4] غير أن الأزمة لا تبقى أبداً حبيسة منطق القرار؛ فهي تنطوي دائماً على إمكانية كارثية كامنة. وتمثل حرب كوروكشيترا تحققها الأقصى، حين تتجسد إمكانية الخراب في كارثة شاملة: الفناء شبه الكامل للسلالات، وانهيار البنى النسبية، واستنفاد المقولات الأخلاقية المألوفة. [5] ولم تعد الفوضى هنا تقتصر على تعليق النظام، بل أخذت تقوض الشروط نفسها التي تجعل وجوده ممكناً. وفي الفكر الهندي، تنتظم الكارثة ضمن المنطق الكوني لدورات اليوغا (Yuga) . فهي ليست حدثاً عرضياً يتمثل في الخراب، بل لحظة مفصلية من التحول الكوني؛ إذ لا يتفكك العالم إلا لكي يعاد تشكله. ومن ثم، فإن نهاية الدورة ليست قطيعة مطلقة، وإنما افتتاحٌ لإعادة تركيب ضرورية، تتعاقب فيها مراحل الانحلال والتجدد وفق إيقاع الزمن الكوني. وتجسد المهابهارتا هذه الدينامية حين تعرض الكارثة لا بوصفها خاتمة، بل بوصفها إعادة ترسيب للوجود. فالصراع، بتدميره النظام القديم، يهيئ لميلاد العالم من جديد ولانبثاق توازن جديد للدارما. وهكذا تغدو الحرب، على الرغم من طابعها الرؤيوي المروّع، وسيلةً لاستعادة النظام الكوني: انتقالاً من الانحطاط إلى إعادة تثبيت المعنى. أما الرامايانا ، فتقترح وجهاً آخر للفوضى وكيفية تجاوزها. فالأزمة فيها لا تتخذ صورة كارثة كونية، بل تتكثف في منفى راما ، بوصفه رمزاً لتعليق الشرعية. أما الكارثة فلا تنفجر انفجاراً كاملاً؛ إنها تُزاح وتُرجأ وتُحتوى. ويقوم السرد نفسه بتحييد الكارثة من خلال بنيته الداخلية. ويجسد رافانا ، بوصفه سيد الفوضى، إغراء الانزلاق إلى الفوضى المطلقة؛ غير أن هزيمته تعلن استعادة استمرارية الدارما وعودة الشرعية إلى موضعها. وهكذا، إذا كانت المهابهارتا تجعل من الكارثة منطلقاً لإعادة تأسيس كونية، فإن الرامايانا تعرض عملية ترويضها سردياً؛ إذ يتحول الخراب إلى مسارٍ للتطهر وإعادة تثبيت النظام. فتصبح الأزمة معبراً لا نهاية، ويغدو الدمار نفسه مبدأً لاستمرار العالم. وما يميز الملحمتين الهنديتين بعمق هو أن الأزمة فيهما ليست قراريةً خالصة، كما أن الكارثة ليست نهايةً مطلقة. فكلاهما يندرج ضمن النظام الكوني نفسه، الذي تحكمه ثلاث حركات تؤطر كل صيرورة في العالم: الانحلال (Pralaya) ، و إعادة الخلق (Sṛṣṭi) ، و التكرار الدوري (Saṃsāra) . [6] وفي إطار الدارما ، كما تنتظم بها رؤية الإيتيهاسا ( المهابهارتا والرامايانا )، لا وجود لفاصل ثابت بين الأزمة والكارثة، لأن العالم يُفهم بوصفه خاضعاً لدورات متعاقبة من اختلال التوازن وإعادة الانتظام. ومن ثم، فإن تفكك الدارما ليس مطلقاً قط، بل يندرج ضمن اقتصاد كوني أوسع لإعادة التشكل. فالأزمة تمثل لااستقراراً داخلياً في النظام، مشبعاً سلفاً بإمكان الانهيار، في حين أن الكارثة لا تعني الفناء المحض، بل إعادة تشكيل العالم وإعادة انتظام المعنى بعد التفكك. [1] حول استعمالات مفهوم संशय (saṃśaya) بوصفه بنيةً للشك والتردد في التقاليد الفلسفية الهندية، يُراجع أيضاً: جوناردون غانيري ، The Lost Age of Reason: Philosophy in Early Modern India 1450–1700 (Oxford University Press، 2011). [2] Nadja Stchoupak, Luigia Nitti et Louis Renou, Dictionnaire sanskrit-français ، باريس، Adrien Maisonneuve، 1959. [3] Wendy Doniger, The Hindus: An Alternative History ، نيويورك، Penguin Press، 2009، الفصل التاسع (“Women and Ogresses in the Rāmāyaṇa ”)، ص 213-250؛ والفصل العاشر (“Violence in the Mahābhārata ”)؛ والفصل الحادي عشر (“Dharma in the Mahābhārata ”)، ص 251-338. وتبيّن دونيغر في هذه الفصول الكيفية التي يصوّر بها كلٌّ من الرامايانا والمهابهارتا تفكك الدارما من خلال الحروب، والصراعات السلالية، وأشكال الاضطراب الكوني والسياسي. [4] حول تعليق الحكم لدى أرجونا وأزمة الدارما في المهابهارتا، يُراجع: Alf Hiltebeitel، The Ritual of Battle: Krishna in the Mahabharata (Ithaca: Cornell University Press، 1976)، ولا سيما المقدمة والفصول المخصصة لـ Bhagavad Gītā ، وبخاصة الأقسام التي تحلل الحوار الافتتاحي بين أرجونا وكريشنا، حيث يُصوَّر انهيار مرجعيات الدارما وتعليق القرار في ساحة معركة كوروكشيترا . [5] حول حرب كوروكشيترا بوصفها كارثة كلية ولحظة انهيار الدارما ، يُراجع، على وجه الخصوص: Ananda K. Coomaraswamy، Hinduism and Buddhism ، نيويورك، Philosophical Library، 1943، ص 75-82؛ D. D. Kosambi، The Culture and Civilisation of Ancient India in Historical Outline ، لندن، Routledge & Kegan Paul، 1965، ص 100-108؛ Irawati Karve، Yuganta: The End of an Epoch ، حيدر آباد، Orient Blackswan، 1969، ص 7-32 و95-120؛ وكذلك Bimal Krishna Matilal، Moral Dilemmas in the Mahabharata ، نيودلهي، Motilal Banarsidass، 1989، ص 1-24. [6] Upinder Singh، Ancient India: Culture of Contradictions ، نيودلهي، Oxford University Press، 2021، فصل “Violence in Early Indian Tradition”، والأقسام المخصصة لـالمهابهارتا، ولا سيما قراءتها لحرب كوروكشيترا بوصفها لحظة تبلغ فيها العنف السياسي والكوني أقصى درجات تكثفه، لا مجرد صراع سلالي. وتشدد سينغ على أن المصادر الملحمية والمعيارية لا تبلور نظرية موحدة للعنف، بل تكشف عن مركزيته البنيوية في المتخيل المتعلق بالسلطة، والقرابة، و الدارما . (النص مترجم من اللغة الفرنسية) اقرأ أيضاً: الأزمة، الكارثة واهتزاز العالم (1/7): الأزمة والكارثة: علاقتان مختلفتان بالزمن

المنطقة تتجه نحو "ستاتيكو" طويل الأمد!

بمعزل عن السجال السياسي والإعلامي المتصل بنص الاتفاق الأميركي- الإيراني، بات واضحاً من مجريات الأحداث أن ثمة مسارات جديدة ترتسم في المنطقة قد يكون عنوانها الأساسي طي صفحة الخلاف العميق والقديم بين واشنطن وطهران و "تنظيم الخلاف" بين البلدين اللدودين وفق عناصر ومعطيات مغايرة لما كان معتمداً في المرحلة السابقة. وفي هذا الإطار، يمكن فهم الإصرار الإيراني على "إنهاء حالة الحرب بين البلدين". لا شك في أن القيادة الإيرانيّة مارست براغماتية كبيرة بمجرد الذهاب إلى طاولة المفاوضات المباشرة بعد أسابيع قليلة من اغتيال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، مع ما يمثله من موقع معنوي وديني وسياسي وعسكري كبير في الجمهوريّة الإسلاميّة. فهي تجاوزت بهذه الخطوة الأدبيّات التي اعتمدتها على مدى أكثر من 45 عاماً أي منذ ما بعد انتصار الثورة الإسلاميّة فيها سنة 1979 واعتلاء الإمام الخميني الحكم ووضعه المبادئ الأساسيّة للحكم في الداخل وفي مجال تصدير الثورة، ووصفها الدائم للولايات المتحدة بأنها "الشيطان الأكبر". ولعل إيران، رغم الخسائر الكبيرة التي مُنيت بها في الحربين المتتاليتين عليها، استفادت من الطباع الخاصة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الباحث الدائم عن صفقات والمتعطش لإبراز صورة البطل القادر على تحقيق اختراقات وخطوات غير مسبوقة. كما أن استسهاله الحرب مع إيران، نتيجة نصائح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، جعله يخوضها بتوقعات مرتفعة سرعان ما ثبت أنها غير قابلة للتحقيق، وأن عظمة القوة الأميركيّة لا تعني تحقيق النتائج المرجوة بصورة فوريّة. عمليّاً، ما حققته طهران من الحرب فاق توقعاتها، فهي ستحصل على رفع العقوبات عن النفط الإيراني بعد سنوات من فرضها، كما سيتم تحرير جزء من ودائعها الماليّة المحتجزة وهي بحاجة ماسة لها بطبيعة الحال، فضلاً عن الكلام عن إنشاء صندوق لإعادة الإعمار بقيمة 300 مليار دولار. أما القضايا الأساسيّة التي خيضت الحرب من أجلها أي البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي والأذرع العسكريّة في الخارج فإنها رُحلت إلى التفاوض، ومن أبرع ممن يحيكون السجاد بالتفاوض والصبر على المدى الطويل؟ من دون التقليل من المفاعيل السلبيّة للأزمة الإقتصاديّة والإجتماعيّة الخانقة، إلا أن النظام الإيراني اعتاد التعايش مع الضغوطات السياسيّة والإقتصاديّة ولو أنه يتطلع اليوم إلى التخلص منها أكثر من أي وقت مضى. وبالنسبة لطهران، إن مجرّد الصمود أمام هذه الرياح العاتية وعدم الانهيار أمامها هو انتصار بذاته. فرغم الخسائر الكبيرة، مثل استهداف القيادات العليا والتدمير الواسع الذي طال عدداً كبيراً من المنشآت الحيويّة، العسكريّة وغير العكسريّة، إلا أن النظام لم يسقط. وتبيّن أيضاً أن التعويل الأميركي (ولو لم يكن جدياً على الأرجح) على انتفاض الشعب الإيراني ضد قيادته بمجرد بدء الحرب، هو تعويل في غير مكانه، وقد استخدم من قبل إسرائيل للترويج لفكرة الحرب لدى واشنطن، دون أن يكون مبيناً حقاً على معلومات جديّة في هذا الإطار. وسواءً أكان انكفاء الشعب الإيراني عن التحركات الاحتجاجيّة مرده التضامن الوطني في لحظة الإعتداء الخارجي، أو التقاط النظام لأنفاسه حتى في خضم الحرب الدائرة؛ فالنتيجة تبقى واحدة. النظام الإيراني لم يهتز وكل الذين يقيمون في الخارج وشدوا ربطات العنق إيذاناً بالعودة، أصيبوا بخيبة أمل طويلة الأمد، ذلك أن فرص بقاء النظام بعد هذه الحرب صارت مضاعفة، لا بل على الأغلب أن هذا الأمر لن يكون مطروحاً في المدى المنظور. وفوق كل ذلك، "اكتشفت" إيران ورقة مهمة، لا بل مفصليّة، لطالما كانت تلوّح بها، ورقة مضيق هرمز، وتبيّن لها، بالتجربة والبرهان، أن بامكانها التلويح بها واستخدامها لمصلحتها حتى لو لم تصل إلى مرحلة فرض الرسوم الماليّة عليها كما كانت ترغب بالفعل. ومعلوم كم هو اهتمام ترامب والغرب عموماً بموضوع النفط وانسيابية انتقاله ومروره لما له من تأثير كبير على الاقتصاد العالمي. المسألة ليست مسألة ربح وخسارة بقدر ما هي مسألة مسار سياسي جديد، قد يكون عنوانه الأساسي الستاتيكو الإقليمي بمعنى صيغة تعايش ما (ولو لم يكن ودياً) بين واشنطن وطهران، على أن تظهر تطورات الأيام المقبلة النتيجة التي تنتظر الملفات الأخرى، ومن بينها لبنان وسلاح حزب الله. فمن راهن على أن سقوط إيران يعني أوتوماتيكياً سقوط سلاح الحزب، سيضطر أن يعيد النظر بهذا الموقف نحو اتجاهات أكثر عقلانية تتمثل بشكل رئيسي بالبحث عن تسوية اقليمية برعاية أميركيّة تضع حداً لهذه المعضلة، وتفضي إلى حصر السلاح بيد الدولة التي يعود لها وحدها قرار الحرب والسلم. ولكن هذا أيضاً يتطلب من واشنطن أن "تقلم أظافر" حليفتها المشاغبة إسرائيل التي لا تنضبط في أي حدود سياسيّة أو أخلاقيّة أو حتى جغرافيّة، فتحتل هنا، وتقصف هناك، وتغتال هنالك. وتعبير تقليم الأظافر ليس مراعاة لإسرائيل بل أخذاً بالاعتبار طبيعة العلاقات الأميركيّة- الإسرائيليّة وعمقها، وصعوبة الانفكاك الراهنة بين الجهتين. في ظل احتمال غياب التسوية المشار إليها، يدخل لبنان مرحلة أكثر حساسيّة على ضوء التعنت الإسرائيلي ورفض الانسحاب العسكري، وعلى ضوء رفض حزب الله تسليم سلاحه عطفاً على ما حققته طهران. المهم ألا يتحوّل هذا "الستاتيكو" الإقليمي إلى واقع متفجر واستنزافي في لبنان.

ما بعد مذكرة التفاهم يكشف الوجه الحقيقي لطهران

ما إن انقضت مظاهر الفرح وحسن النية التي أعقبت «النصر» المزعوم على المعسكر الإسرائيلي-الأميركي، حتى سارع المحور الموالي لإيران إلى إظهار أنيابه عندما اصطدم بوقائع الميدان، كما تكشف سلسلة الأحداث منذ توقيع مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن في 18 حزيران، ثم توقيع الاتفاق بين بيروت وتل أبيب في 26 حزيران. فإيران، التي اعتقدت أنها قادرة على الإمساك بزمام اللعبة بعدما نجحت في إدراج الملفات التي تهمها في نص الاتفاق مع واشنطن، سرعان ما أظهرت حدود «حسن النية» الذي كانت تتذرع به طوال المفاوضات التي أفضت إلى توقيع الوثيقة المقدمة على أنها تمهيد لاتفاق سلام إقليمي. وقد عرّت حدّة رد فعلها على إعادة انتظام الملاحة في مضيق هرمز، وعلى عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى مواقعها النووية، النيات الحقيقية للجمهورية الإسلامية، إن كانت لا تزال بحاجة إلى من يعرّيها: عدم التنازل عن أي من الملفات الأساسية، بما فيها الملف اللبناني. مع ذلك، كانت الولايات المتحدة قد رفعت الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، وسمحت بإنتاج النفط الخام والمنتجات النفطية ذات المنشأ الإيراني وتسليمها ونقلها وبيعها خلال مهلة الستين يوماً المحددة للمفاوضات. وفي ليل السبت الأحد، نفذ الحرس الثوري الإيراني ضربات ضد الكويت والبحرين، رداً، بحسب بيانه، على «الاعتداءات الأميركية». غير أن المعتدي في هذه القضية، إن وُجد، هو إيران نفسها. فمنذ قررت سلطنة عُمان، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، تأمين ممر ملاحي بمحاذاة سواحلها في مضيق هرمز، في انتظار تسوية هذا الملف، عمدت طهران إلى شن هجمات بالطائرات المسيّرة على الناقلات التي تسلك المسار الخارج عن سيطرتها. وفي ليل السبت الأحد أيضاً، استُهدفت ناقلة نفط ترفع علم بنما، ما استدعى رداً فورياً من القوات الأميركية التي نفذت ضربات انتقامية ضد منشآت عسكرية على الساحل الإيراني قرب هرمز. وتجاهلت طهران تحذيرات القيادة المركزية الأميركية، فردّت بسلسلة هجمات بالطائرات المسيّرة ضد الكويت والبحرين. وقد تم اعتراض معظم هذه المسيّرات. تهديدات ترامب وردّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب محذراً، عبر منصته «تروث سوشال»، من استمرار طهران في خرق وقف إطلاق النار، ملمحاً مجدداً إلى أنه مستعد لاستئناف الحرب في حال حصول انسداد. لكن الجمهورية الإسلامية لا تبدو مستعدة للإصغاء. فقد أكد وزير خارجيتها عباس عراقجي، الأحد، أن بلاده وحدها «مسؤولة عن إدارة هذا الممر البحري الاستراتيجي»، محذراً من أن أي تدخل في الإدارة الإيرانية للمضيق قد «يزيد التوترات». وأدلى عباس عراقجي بهذه المواقف خلال زيارة مفاجئة إلى بغداد، للبحث مع المسؤولين العراقيين في مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، والتنسيق معهم بشأن تفاصيل مراسم تشييع علي خامنئي، بين 4 و12 تموز، في العتبات الشيعية في النجف وكربلاء. ومن المفارقات أن البحث تناول أيضاً التعاون الإقليمي، إذ أشاد الوزير الإيراني بمبادرة عراقية عرضها نظيره فؤاد حسين، تقضي بتنظيم قمة تجمع إيران ودول الخليج، في وقت تواصل الجمهورية الإسلامية قصف هذه الدول. ملاحقات إيرانية ضد الولايات المتحدة؟ في موازاة ذلك، لا تزال طهران ترفض إخضاع مواقعها النووية المتضررة أو المدمرة خلال الضربات الإسرائيلية-الأميركية في أثناء الحرب لأي تفتيش، وهو شرط وضعته واشنطن للإفراج عن الدفعة الأولى من الأموال الإيرانية المجمدة. أما الحجة التي تقدمها طهران فهي أن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ليسوا محايدين. وفي سياق هذه التوترات المتجددة، صعّد المرشد الأعلى الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، موقفه. ففي بيان نُشر الأحد لمناسبة أسبوع القضاء في إيران، دعا إلى فتح ملاحقات قضائية، على المستويين الوطني والدولي، ضد الولايات المتحدة، متهماً إياها بالمسؤولية عن مقتل والده علي خامنئي، وكذلك عن الضربات التي استهدفت بلاده. غير أن هذه المواقف يخفف من حدّتها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي أكد «دعمه للاستقرار والأمن والحوار في المنطقة». كما أعرب عن أمله في «أن تلتزم جميع الأطراف بالتعهدات التي قطعتها في إطار الاتفاقات المبرمة»، في ما يبدو إشارة إلى الاتفاق الإسرائيلي-اللبناني. ففي الملف اللبناني، يبدو استياء الحرس الثوري واضحاً منذ توقيع الاتفاق الإطار اللبناني-الإسرائيلي، الذي يُفترض أن يؤدي، على المدى البعيد، إلى إخراج لبنان من دائرة النفوذ الإيراني، عبر تحييد قدرة ذراعه العسكرية، حزب الله، على التحرك، والحد من قدرته على زعزعة الاستقرار. فالحرس الثوري، تماماً كحزب الله، لا يعترف إلا بما تنص عليه مذكرة التفاهم مع واشنطن بشأن بلاد الأرز. ولذلك، شدد عباس عراقجي في بغداد، وهو المقرّب من الباسداران، على أن جميع بنود بروتوكول الاتفاق الموقع مع الولايات المتحدة يجب أن تُحترم، بما في ذلك البنود المتعلقة بلبنان، «حيث يواصل الكيان الصهيوني، للأسف، غاراته الجوية». ودعا واشنطن إلى «تحمل مسؤولياتها والضغط على إسرائيل لكي تنسحب من المناطق التي تحتلها في لبنان». وقال: «إنها المادة الأولى من بروتوكول الاتفاق»، من دون أن يأتي في أي لحظة على ذكر الاتفاق الإطار اللبناني-الإسرائيلي. وطهران، مثل حزب الله، لا تشعر بأنها معنية بهذه الوثيقة. وقد عاد أحد نواب التشكيل الموالي لإيران، حسن فضل الله، إلى التصعيد. فهو لم يكتفِ بالتنصل من الاتفاق الإطار في واشنطن، بل شدد على أن «سلاح حزب الله سيبقى محفوظاً بفضل معادلة إقليمية تمتد من مضيق هرمز إلى جنوب لبنان». وفي هذا السياق المشوب بالغموض حول ردود فعل التشكيل الموالي لإيران على الأرض، كان من المقرر أن يبدأ الجيش الإسرائيلي انسحاباً تكتيكياً من «منطقتين تجريبيتين» خارج الخط الأصفر في جنوب لبنان، حيث يواصل مع ذلك استهداف مقاتلي حزب الله. وفي الوقت نفسه، يواصل المسؤولون الإسرائيليون التأكيد أن جيشهم سيواصل عملياته في الجزء الجنوبي من البلاد لإزالة أي تهديد صادر عن حزب الله. وهكذا، فإن الأسبوع الذي يوشك أن يبدأ يبقى محملاً بالشكوك والتوترات. يبقى تسجيل تطور بارز على هامش هذه الأحداث، أو ربما في امتداد لها: فقد شهد العراق، مساء السبت وطوال يوم الأحد، موجة توقيفات طاولت أكثر من خمسين شخصية سياسية بارزة، بينهم عدد كبير من النواب، إضافة إلى رجال أعمال، اتُّهموا بالفساد، لكنهم يُعدّون، بحسب بعض المعلومات غير المؤكدة بعد، قريبين من النظام الإيراني.

الاتفاق اللبناني ـ الإسرائيلي: السلطة تستعيد زمام الامور...

إن العمل الدبلوماسي الذي جرى في 26 حزيران، في واشنطن، يعكس بحد ذاته، وبصورة لا لبس فيها، ومهما كانت تطورات الأحداث لاحقًا، قدرًا كبيرًا من الشجاعة السياسية، من الجانب اللبناني. فمضمون الاتفاق الإطار الذي وقّعه لبنان وإسرائيل في ختام خمس جولات وشهرين من المفاوضات المباشرة التي جرت في واشنطن، بإشراف وزير الخارجية ماركو روبيو، يكتسب طابعًا تاريخيًا بكل ما للكلمة من معنى. فبنود هذا الوثيقة تشكّل فعلًا «نقطة تحول» في مسار الأزمة الوجودية العميقة التي ما زالت، منذ عقود، تنخر أسس البلد ونظامه السياسي واستقراره وازدهاره. ومن الحيوي، منذ البداية، التحلي بالتمييز والوضوح. فليس الهدف من اتفاق 26 حزيران أن يعالج بسرعة، في غضون أيام أو أسابيع قليلة، النزاع الثقيل الذي يواجهه اللبنانيون، ولا سيما سكان الجنوب. إن أهميته تكمن في بعده الجيوسياسي، بمعنى أنه يحدد بوضوح شديد خريطة طريق، ومسارًا سيكون، بلا شك، طويلًا وصعبًا ومتعرجًا، لكنه يمتاز بأنه يضع لبنان، أخيرًا، على الطريق الصحيح: طريق استعادة سيادة الدولة، وطريق إنهاء سياسة الأمر الواقع التي فرضتها دويلات الميليشيات بحكم الأمر الواقع، والتي ما انفكت، منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، تقوّض سلطة الدولة المركزية. حرص حزب الله على إظهار اعتراضه بعد توقيع الاتفاق الإطار، لكن ردّه اقتصر على بعض التظاهرات وعلى قطع وجيز للطريق القديمة المؤدية إلى المطار. (AFP) إن البعد الجيوسياسي لوثيقة 26 حزيران يكمن في غايتها: فمن جهة، تطبيق مبدأ احتكار العنف المشروع، أي حصر السلاح بيد السلطة الشرعية؛ ومن جهة أخرى، في نهاية المطاف، وهذا هو الأساس، تحقيق سلام دائم مع إسرائيل، وإقامة علاقات حسن جوار بين البلدين. مسلمات جوزيف عون لقد لخص الرئيس جوزيف عون الوضع جيدًا في هذا الإطار عندما طرح أربع مسلمات تحدد بوضوح التوجه الذي يعتمده العهد: لا للاحتلال؛ لا للتدخلات الخارجية؛ لا للوصاية؛ والقرار يجب أن يعود، من الآن فصاعدًا، حصرًا إلى الدولة وإلى اللبنانيين. ولا بد من الاعتراف بأن هذه العناوين تبدو، في ظاهرها، من البديهيات، وليست هذه الوثيقة الرسمية الأولى التي تحدد خيارات من هذا النوع. هذا صحيح… لكن الفارق هذه المرة أن المسار المرسوم يأتي في ظل ميزان قوى محلي وإقليمي ودولي مؤاتٍ إلى حد بعيد. فللمرة الأولى منذ ثمانينيات القرن الماضي، يستفيد البلد من تحرك متضافر ومتزامن لرئيس جمهورية، ورئيس حكومة، وحكومة بكاملها، حددوا منذ البداية توجهات سيادية لا تحتمل أي التباس. أما الخطوة الأخيرة، ذات الرمزية العالية، والمتمثلة في استبدال اللوحات المنتشرة على طريق المطار والتي كانت تحمل عبارة «شكرًا لإيران»، بلوحات أخرى بالألوان اللبنانية وتحت شعار «لبنان أولًا»، فليست تفصيلًا عابرًا. فهذه الخطوة الرمزية تجسد، بصورة مبسطة ومكثفة، البديلين اللذين كان لبنان يقف أمامهما اليوم: إما القبول بالأمر الواقع المتمثل في انخراط إيران المباشر، ميدانيًا، في جهود التسوية في جنوب لبنان، كما كان قد تم الاتفاق عليه خلال المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية في سويسرا، برعاية نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس؛ وإما التمسك بالإرادة الحازمة للسلطة في استعادة زمام المبادرة والانخراط في مسار واشنطن، الذي يتيح للبنان أن يقرر وحده، بعيدًا من أي وصاية، الخيارات الكفيلة بالوصول إلى الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح حزب الله، واستعادة السيادة. وقد اختارت السلطة بوضوح الطريق الثانية، التي تعني عمليًا إبقاء إيران خارج مسار الحل، خلافًا للخيار الذي تم التوافق عليه خلال مفاوضات سويسرا، والذي كان يضع، بإشراف السيد فانس، الحرس الثوري الإيراني في صلب الدينامية الجارية. وهذا ما يفسر الرد العنيف للأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، الذي ندّد، في خطاب ألقاه السبت، بالاتفاق الموقّع مع إسرائيل، مشددًا ـ في مؤشر دال ـ على أن حزبه، وبالتالي راعيه، يؤيد الاتفاق الإطار الإيراني ـ الأميركي… وسرعان ما يُنسى «الشيطان الأكبر» وشعار «الموت لأميركا»… ظرف مؤاتٍ على المستويين الإقليمي والدولي، يأتي المسار الذي وُضع على السكة في واشنطن، من دون أدنى شك، في وقت يخرج فيه المعسكر الإيراني المزعزع للاستقرار، أو ما يسمى بالمعسكر «المعرقل»، ضعيفًا إلى حد كبير بفعل تطورات السنوات الثلاث الأخيرة. وعند النظر إلى المشهد من زاوية أوسع، واعتماد رؤية شاملة للسياق الجيوسياسي الراهن، لا بد من الإقرار بأن نظام الملالي، الذي يشكل حجر الزاوية والمحرك الأساسي لسياسة التخريب المناهضة للغرب، فقد منذ عام 2023 العديد من أوراقه الاستراتيجية: تصفية القيادة السياسية والعسكرية العليا لحزب الله؛ سقوط نظام الأسد؛ تصفية القيادة السياسية والأمنية للجمهورية الإسلامية؛ الخسائر العسكرية والاقتصادية واللوجستية الهائلة التي تكبدتها طهران نتيجة حربَي حزيران 2025 وآذار ـ نيسان 2026، والتي فاقمت، فوق ذلك، أزمة اجتماعية واقتصادية ومالية عميقة وغير مسبوقة؛ والضعف العام الذي أصاب الوكلاء الإيرانيين في لبنان والعراق وغزة واليمن… إن مجمل هذه العوامل يخلق، بلا شك، ظرفًا مؤاتيًا لتجسيد الاتفاق الإطار في 26 حزيران، خصوصًا أن الخيار الاستراتيجي الذي اتخذته السلطة اللبنانية في هذا المجال حظي بدعم واضح من دول مجلس التعاون الخليجي، كما يتبين من البيان المشترك الذي صدر الخميس الماضي عن المؤتمر الوزاري لمجلس التعاون الخليجي ووزير الخارجية ماركو روبيو. وقد صدر هذا البيان عشية توقيع الاتفاق الإطار، مؤيدًا بوضوح توجهات لبنان المتعلقة باستعادة سيادة الدولة، وحصر السلاح بيدها، وتفكيك الجهاز العسكري والأمني لحزب الله… وإلى هذا الدعم الخليجي، أضيف هذا السبت دعم واضح من الاتحاد الأوروبي لتوجهات الدولة اللبنانية. أما مسك الختام، فكان اتصال الرئيس ترامب، في ساعة متأخرة من مساء السبت، بالرئيس عون، حيث هنأه بحرارة على توقيع اتفاق 26 حزيران، موضحًا أنهما سيجريان تقييمًا مشتركًا للمسار الجاري خلال اجتماع قريب سيعقدانه في البيت الأبيض. القدرة الإيرانية على التعطيل غير أن هذا الظرف المؤاتي لا يعني إطلاقًا أن المعركة قد حُسمت مسبقًا، أو أن العقبات غير واردة. فالاختبار الحقيقي الذي ستواجهه الدولة اللبنانية في الأيام المقبلة سيتوقف على معرفة إلى أي مدى يستطيع الحرس الثوري الإيراني، أو يريد، إطلاق كامل قدرته على التعطيل، وهي قدرة لا تزال تتجلى كما أظهرت اعتداءاته خلال الساعات الثماني والأربعين الأخيرة على سفن في مضيق هرمز, ما أدى خلال الليل إلى شنّ غارات أميركية جديدة على إيران. وفي موازاة ذلك، إلى أي مدى يستطيع حزب الله، أو يريد، أن يفعل كل ما في وسعه لإفشال المسار الذي أُطلق في 26 حزيران؟ ثمة تطوران قد يخففان من حدة الموقف المتقدم الذي اتخذه الحزب الموالي لإيران في هذا السياق: موقف الجيش الذي أصدر مساء السبت بيانًا حازم اللهجة أكد فيه أنه لن يسمح بأن يتحول النداء إلى التظاهر، الذي أطلقه حزب الله في بداية مساء السبت، إلى قطع طرق في العاصمة أو إلى اعتداءات على الممتلكات العامة والخاصة؛ وفي الوقت نفسه، دعا زعيم حركة أمل، نبيه بري، إلى التهدئة، وشدد على ضرورة تجنب أي تفلت أمني، مع إدانته توقيع الاتفاق مع إسرائيل والمفاوضات المباشرة مع الدولة العبرية. وهذان العاملان قد يفسران أن دعوة حزب الله إلى تظاهرات واسعة، مساء السبت، في بيروت والمناطق «من أجل إسقاط الحكومة»، لم تلقَ في المرحلة الفورية الصدى الواسع الذي كان متوقعًا. ومع ذلك، فإن قدرة المعسكر الإيراني على التعطيل قد لا تزال قابلة للظهور على نطاق واسع، رغم الدعم العربي الواسع، من دول الخليج، ودعم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للمسار الذي انطلق في 26 حزيران. الانتقام طبق يؤكل باردًا… وردّ الحرس الثوري على اتفاق واشنطن سيشكل، من دون أدنى شك، في مستقبل قريب جدًا، مؤشرًا بالغ الدلالة على قدرته الفعلية على ترجمة هذا المثل إلى وقائع ملموسة.