شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
التدريب والتطوير الرقمي والذكاء الاصطناعي: الفرنكوفونية في طليعة العمل في الشرق الأوسط

تقود المنظمة الدولية للفرنكوفونية (OIF)، التي تضم 93 دولة وحكومة، جهوداً ملموسة في لبنان والمنطقة من خلال برامج قائمة على تعزيز اللغة الفرنسية، والتعليم، والمساواة بين الجنسين، والتنمية. ويتولى تنسيق هذه الدينامية من بيروت ليفون أميرجانيان، ممثل المنظمة في الشرق الأوسط، ورئيس المكتب الإقليمي الذي تم تدشينه في أواخر عام 2022. ويغطي هذا المكتب أربع دول: لبنان ومصر، بصفتيهما عضوين أصيلين، بالإضافة إلى قطر والإمارات العربية المتحدة، بصفتيهما عضوين مشاركين، فيما يشكل لبنان المركز العملياتي للأنشطة الإقليمية. ويبقى لبنان دولة محورية في الفضاء الفرنكوفوني؛ فالبلد الذي انضمّ إلى المنظمة الدولية للفرنكوفونية عام 1973، احتفل في عام 2023 بالذكرى الخمسين لانتسابه، مؤكداً بذلك جذوره التاريخية العميقة. واستكمالاً لهذا الدور، ساهم لبنان أيضاً في دعم الفرنكوفونية المؤسساتية من خلال استضافته للألعاب الفرنكوفونية عام 2009، في حين يتخذ المكتب الإقليمي للوكالة الجامعية للفرنكوفونية (AUF) من لبنان مقراً له منذ أكثر من ثلاثين عاماً. ومنذ عام 2022، جرى رصد أكثر من 4 ملايين يورو لصالح لبنان في إطار برامج التعاون والدعم. غَيرَ أنَّ هذا الحضور التاريخي لا يقتصر على بُعدِهِ الرمزي، بل تترجم عبر برامج ملموسة على أرض الواقع. ووفقاً للسيد أميرجانيان، فإن "عمل المنظمة الدولية للفرنكوفونية في لبنان يستند إلى خطة تم توقيعها عام 2021، وتتمحور حول اللغة الفرنسية، والتعليم، والتدريب، بالإضافة إلى تمكين المرأة". وفي مواجهة الأزمات المتتالية، جرى أيضاً وضع خطة طوارئ بقيمة مليون يورو في عام 2024. وفي القطاع التربوي، تدعم المنظمة وزارة التربية والتعليم العالي من خلال إنتاج الموارد التعليمية الرقمية، وتطوير التعليم عن بُعد، وتدريب المعلمين. أما فيما يتعلق بتمكين المرأة، فقد ساهم صندوق "الفرنكوفونية معهنّ" (La Francophonie avec elles)، الذي تأسس عام 2020، في رصد نحو 1.5 مليون يورو في لبنان لتمويل 24 مشروعاً، وهو مستوى يتجاوز المعدل الإقليمي. كما تدعم المنظمة الدولية للفرنكوفونية الشباب والمبادرات المحلية. وإلى جانب أنشطتها في مجالي التعليم وتمكين المرأة، تتدخل المنظمة أيضاً في قطاع الإعلام؛ إذ يوضح السيد أميرجانيان أن "المنظمة تقود، بالشراكة مع وزارة الإعلام ومنظمة اليونسكو، مبادرات لمكافحة الأخبار المضللة، وتقدم دعماً تقنياً ومادياً للوزارة، فضلاً عن إطلاق حملة توعية وطنية ترافقها محتويات سمعية وبصرية". بموازاة ذلك، تسعى المنظمة إلى تعزيز الفرص الاقتصادية داخل الفضاء الفرنكوفوني. ووفقاً للسيد أميرجانيان، فإن "المنظمة الدولية للفرنكوفونية تدعم القطاع الخاص من خلال بعثات اقتصادية؛ حيث جمعت بعثة عام 2023 ما بين 60 و70 شركة من 25 دولة فرنكوفونية، في حين أثمرت متابعة هذه الجهود عبر بعثة عام 2025، عن توقيع 18 مذكرة تفاهم". الإعلام والثقافة والاشعاع الفرنكوفوني واستكمالاً لهذه الأنشطة المؤسساتية والاقتصادية، تولِي المنظمة الدولية للفرنكوفونية اهتماماً خاصاً بالمجال الإعلامي. وفي هذا السياق، يوضح السيد أميرجانيان أن "المنظمة تدعم وسائل الإعلام الفرنكوفونية في لبنان، ولا سيما من خلال مساهمتها في إعادة إطلاق النشرة الإخبارية باللغة الفرنسية عبر تلفزيون لبنان عام 2025، والتي تبث يومياً وتُعد أداة أساسية للحفاظ على اللغة الفرنسية في الإعلام المرئي والمسموع الرسمي". وتتجلى هذه المقاربة أيضاً في دعم المرافق الثقافية الحيوية في المناطق. وفي هذا الإطار، يستند العمل الثقافي للمنظمة إلى اثني عشر مركزاً للمطالعة والتنشيط الثقافي(CLAC) المنتشرة في لبنان، والتي يصفها السيد أميرجانيان بأنها "جواهر حقيقية" للفرنكوفونية، نظراً إلى دورها في تسهيل الوصول إلى الثقافة والمعرفة والمعلومات، بما في ذلك المناطق المحرومة منالبنى التحتية الثقافية الرئيسية. فهذه المراكز تتجاوز كونها مجرد مكتبات عادية، لتشكل مساحات حيوية للحياة الثقافية والمجتمعية، تسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي، والحوار، والعيش المشترك. واليوم، تخضع هذه المراكز، المندمجة في شبكة تضم أكثر من 300 مركز عبر الفضاء الفرنكوفوني والمتواجدة في لبنان منذ عام 2001، لعملية تحديث وتطوير. ويشير السيد أميرجانيان إلى أن "بعثة تقييمية قامت مؤخراً بالاستماع إلى رواد هذه المراكز والمسؤولين المحليين، لتحديد التغييرات المطلوبة تماشيًا مع التحول الرقمي والاحتياجات الثقافية الجديدة، مع الحفاظ على دورها المجتمعي". دينامية إقليمية متنامية إذا كان لبنان يمثل نقطة الارتكاز الرئيسية للمنظمة في المنطقة، فإن نشاطها يمتد إلى ما وراء حدوده. وعلى الصعيد الإقليمي، يسلط السيد أميرجانيان الضوء على عمل المنظمة الذي يشمل مصر وقطر والإمارات العربية المتحدة، من خلال برامج تتلاءم مع خصوصيات كل بلد. ففي مصر، يشمل التعاون مشاريع مع مؤسسات فرنكوفونية كبرى، وفي مقدمها جامعة سنجور في الإسكندرية، التي تؤدي دوراً محورياً في تدريب الكوادر المعنية بالتنمية في إفريقيا، وتستقطب طلاباً ومهنيين من دول فرنكوفونية عديدة. وفي مصر أيضاً، تنفّذ المنظمة الدولية للفرنكوفونية برامج تدريبية للدبلوماسيين والمعلمين، لا سيما في مجالات التطوير الرقمي والذكاء الاصطناعي، مع التركيز بشكل خاص على تعزيز مهارات الإدارات العامة. وفي سياق آخر، تعمل المنظمة أيضاً على تطوير شراكات نوعية في دول الخليج. ففي قطر والإمارات العربية المتحدة، يتركز عمل المنظمة على تعزيز تعليم اللغة الفرنسية وإدماجها في المناهج التعليمية، بالتنسيق مع السلطات المحلية. وتترافق هذه الدينامية مع اهتمام متزايد باللغة الفرنسية وإقبال ملحوظ على الفرنكوفونية في هذين البلدين، مدفوعاً بالأنظمة التعليمية ومشاريع التعاون الثقافي. ووفقاً للسيد أميرجانيان، فإن هذه المقاربة تتيح "ملاءمة البرامج مع أولويات كل دولة، مع الحفاظ في الوقت عينه على التناغم الإقليمي، في محيط يشهد إقبالاً متنامياً وحضوراً فاعلاً للفرنكوفونية". فرنكوفونية تتطلع إلى المستقبل وبعيداً من المشاريع القائمة، تستعد المنظمة حالياً للمراحل المقبلة من عملها الإقليمي؛ إذ يشدد السيد أميرجانيان على الأولويات المستقبلية للمنظمة الدولية للفرنكوفونية، والمتمثلة في: الشباب، والمساواة بين الجنسين، والتطوير الرقمي، والذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، انطلقت بالفعل دورات تدريبية باللغة الفرنسية المهنية مخصصة للموظفين الحكوميين والدبلوماسيين اللبنانيين، وسيتواصل العمل بها بهدف تعزيز المهارات وتحديث الإدارة العامة. وفي المحصلة، وسواء تعلق الأمر بالتربية، أو الثقافة، أو الإعلام، أو المساواة، أو التعاون الاقتصادي، يبقى الطموح واحداً: جعل الفرنكوفونية مساحة للتبادل والفرص المواكبة للتحديات الراهنة. ففي لبنان، كما في سائر دول المنطقة، تحافظ الفرنكوفونية على حيويتها، مدفوعة باهتمام دائم باللغة الفرنسية وبأنظمة تعليمية متعددة اللغات. وختاماً، يرى السيد أميرجانيان أن هذا الواقع يؤكد أن الفرنكوفونية تتجاوز البُعد اللغوي البحت، لتشكل مساحة للتعاون والتدريب، وأرضية للفرص الاقتصادية والاجتماعية المتطلعة نحو المستقبل.

الخلافات الداخلية الإيرانية تُعيق الحوار مع الولايات المتحدة

كلما بدأت تتضح تدريجياً، ولو بخفر، ملامح الاتفاق الإطاري المبرم بين واشنطن والجمهورية الإسلامية في إيران، وربما أيضاً ما لم يُعلن منه، برز عاملان أساسيان يمكن وصفهما بأنهما «هامشيان» بالنسبة إلى المسار السياسي العام الجاري، لكنهما يفرضان نفسيهما بصورة متزايدة الوضوح: من جهة، الانقسامات الإيرانية داخل السلطة، والتصدعات التي باتت تظهر علناً في بنية النظام؛ ومن جهة أخرى، قيام الولايات المتحدة، بصبر ودقة، بوضع أسس ما يبدو أنه نظام سياسي ـ عسكري ـ أمني جديد في المنطقة، من شأنه تقليم أظافر نظام الملالي وتقليص نفوذه خارج الحدود إلى حدوده الدنيا. العامل الأول من هذين العاملين يعقّد، بل يكاد يعرقل، ما يصفه البعض، تجوزاً، بأنه «حوار ومفاوضات» بين واشنطن والجمهورية الإسلامية. وتتناقل بعض وسائل الإعلام الإيرانية، إضافة إلى مصادر موثوقة تتابع عن كثب تطورات الوضع الداخلي في إيران، منذ أيام، أصداء تصدعات جدية تهز الجهاز السياسي لنظام الملالي على أعلى المستويات. ويتأكد في هذا السياق أن الجناح المتشدد في السلطة لم يفقد نفوذه الوازن، بل يعبّر عنه من خلال انتقاداته العنيفة والعلنية للمعسكر الموصوف بـ«المعتدل» أو البراغماتي، الذي نجح في تمرير الاتفاق الإطاري مع الولايات المتحدة. وقد تُرجمت معارضة المتشددين بهجمات مباشرة على رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، بعدما قُطعت مقابلته على التلفزيون الرسمي الإيراني قبل أن تنتهي. أما «الرمز» الآخر للمفاوضات مع الولايات المتحدة، وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، فقد تعرض بدوره لصيحات استهجان من حجاج إيرانيين خلال زيارته الأخيرة إلى كربلاء، في العراق. هذه الإرباكات دفعت الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، في مطلع الأسبوع، إلى التنديد علناً بالحملة التي تستهدف المفاوضين الإيرانيين. غير أن الانتقادات لا تقتصر على شخصيات المفاوضين، بل تطاول بصورة أوسع وأعمق توجهات الرئيس الإيراني وأعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي، الذين أعطوا الضوء الأخضر للاتفاق الإطاري الموقع مع الولايات المتحدة. واللافت أن الهجمات على الرئيس بزشكيان والمفاوضين تصدر عن جهات متشددة رفيعة المستوى تمثل العمود الفقري للنظام. فقد نقل موقع «الجنوبية» اللبناني، الذي يعكس وجهة نظر المعارضة الشيعية اللبنانية ويُعد عموماً مطلعاً جداً على الوضع في إيران، أن 63 من أصل 84 عضواً في «مجلس خبراء النظام» أصدروا أخيراً بياناً طالبوا فيه مفاوضي الجمهورية الإسلامية بالالتزام بـ«الخطوط الحمراء» التي حددها «الولي الفقيه»، أي المرشد الأعلى. ويشير موقع «الجنوبية» أيضاً إلى أن «إدارة الحوزات العلمية»، التابعة للولي الفقيه، أصدرت بدورها بياناً حذرت فيه الرئيس الإيراني والمفاوضين وأعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي من أي «تساهل» في تطبيق «الخطوط الحمراء» الواردة في الوثيقة الموقعة مع واشنطن. هذه التجاذبات الداخلية قد تفسر واقع أن الوفد الإيراني الموجود في الدوحة، والذي كان يفترض أن يلتقي المفاوضين الأميركيين في محادثات ذات طابع تقني، رفض أي تفاوض مباشر. وهكذا كان المندوبون الإيرانيون يتباحثون مع الوسطاء الباكستانيين، فيما كان الممثلون الأميركيون يتواصلون مع المسؤولين القطريين! وقد أفضت هذه المحادثات غير المباشرة عبر الوسيطين الباكستاني والقطري إلى اعتماد إجراء رمزي، تمثل في الإفراج عن 3 مليارات دولار من الأرصدة الإيرانية المجمدة، في حين كانت طهران تطالب في البداية بالإفراج عن 12 مليار دولار، ثم اكتفت بالمطالبة بالمليارات الستة المجمدة في قطر، لكنها لم تنجح في الحصول عليها. وفوق ذلك، فإن المليارات الثلاثة التي أُفرج عنها الأربعاء ستُستخدم لشراء مواد إنسانية، على الأرجح من السوق الأميركية… النظام الأميركي الجديد أما العامل الثاني الذي يطبع لعبة الشطرنج المتوترة الدائرة في المنطقة، فهو النظام الأميركي الجديد، السياسي ـ العسكري ـ الأمني، الذي يبدو أنه يتبلور تدريجياً في منطقة المشرق، وبصورة أوسع في عموم المنطقة. وقد ظهرت مؤشرات هذا الترتيب الأميركي بوضوح خلال الأيام والأسابيع الأخيرة. وتبدو سلسلة الوقائع في هذا السياق بالغة الدلالة: عشية توقيع لبنان وإسرائيل الاتفاق الإطاري برعاية واشنطن، كان وزير الخارجية ماركو روبيو يجتمع في البحرين مع أعضاء المؤتمر الوزاري لمجلس التعاون الخليجي، وفي ختام هذا الاجتماع، أصدر وزراء دول الخليج وروبيو بياناً مشتركاً أيدوا فيه بوضوح توجهات السلطة اللبنانية المتعلقة بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل. كما شدد الاتحاد الأوروبي، بمعزل عن التحركات الأميركية، على دعمه الكامل لخط سلوك السلطة اللبنانية. وبالاستناد إلى دعم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج، وقّع لبنان اتفاقه الإطاري مع إسرائيل، الذي يتمثل أحد أبرز مفاعيله في إبقاء إيران خارج مسار الخروج من الأزمة وإنهاء حالة الحرب في لبنان، بما يعزز الخيار السيادي الذي اعتمدته بيروت. وقد تنطوي الدينامية التي أطلقها الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام وحكومته على دور عسكري أميركي، من خلال خبراء وضباط كبار، في تنفيذ المسار التدريجي لانتشار الجيش اللبناني وانسحاب قوات الدولة العبرية من جنوب لبنان. واللافت أن مجلس النواب الأميركي رفض في مطلع الأسبوع، وبأغلبية كبيرة، مشروع قرار قدمه الحزب الديمقراطي، كان يفرض على الرئيس دونالد ترامب قيوداً شديدة على أي احتمال لتدخل عسكري أميركي في لبنان. وقد جرى بحث هذا الدور الأميركي مع المسؤولين اللبنانيين خلال الزيارة التي قام بها قائد القيادة الوسطى الأميركية، الأدميرال براد كوبر، إلى بيروت في مطلع الأسبوع. كما عكست ثلاثة تطورات بارزة أخرى المسار الأميركي المتقدم: موجة الاعتقالات في العراق التي طاولت نواباً ومسؤولين سياسيين رفيعي المستوى ورجال أعمال مقربين من النظام الإيراني، إضافة إلى القرار الذي اتخذته الحكومة العراقية قبل 48 ساعة بتحديد مهلة للميليشيات الموالية لإيران تنتهي في 30 أيلول لتسليم أسلحتها إلى الدولة. عقد قائد القيادة الوسطى الأميركية هذا الأسبوع في البحرين اجتماعاً إقليمياً موسعاً للأمن والدفاع مع مسؤولين عسكريين كبار من لبنان وسوريا والبحرين والسعودية ومصر والأردن والكويت والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان وقطر واليمن. إعلان وزارة الخزانة الأميركية قبل أربع وعشرين ساعة القرار الذي اتخذته الدول الأعضاء في مركز مكافحة تمويل الإرهاب بفرض إجراءات على مصادر تمويل حزب الله، ومن بينها «القرض الحسن». في مواجهة هذه الدينامية الأميركية، يحاول النظام الإيراني التمسك بورقتين أساسيتين يسعى إلى الحفاظ عليهما: الإبقاء على دوره الوازن في لبنان، وهو دور بات موضع تشكيك جدي بفعل الموقف الحازم للسلطة اللبنانية في هذا المجال؛ وانتزاع اعتراف بسيادته على مضيق هرمز، متجاهلاً القواعد والقانون الدولي في هذا الشأن. وفي هذا السياق، قال مسؤول أميركي رفيع لموقع «أكسيوس» إن المفاوضين الأميركيين أبلغوا المندوبين الإيرانيين الموجودين في الدوحة أن إصرار إيران على فرض رسم عبور على السفن التي تستخدم مضيق هرمز قد ينسف الاتفاق الإطاري بين واشنطن وطهران. وللحديث تتمة…

"الموقع اللاهوتي" للحركات الكنسيّة (2/2)

في 29 أيار الماضي، وبمبادرة من حركة «الفوكولاري»، التأم شملُ 35 ممثلاً وعضواً من الحركات الكنسيّة، في فرصة أتاحَت لهم التّعبير علناً عن هويّاتهم الخاصّة ورسالتهم. وفي كلمة ألقاها أمام الجمع المحتشد في كاتدرائية القيامة، عرضَ جان برباري، الرّئيس السابق لمنظّمة «شاريس» (Charis) ورئيس شبكة من الجماعات المنضوية تحت راية «سيف الروح» (المستوحاة من الآية: "وسيفُ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ الله"، أفسس 6: 17)، وجهةَ نظر الكاردينال جوزيف راتزينغر بشأن الحركات الكنسيّة. واستشهد برباري بوثيقة غير معروفة كثيراً لِعميد مجمع عقيدة الإيمان آنذاك، كان قد صاغها عام 1998 بناءً على طلب البابا يوحنا بولس الثاني تحت عنوان "الموقع اللاهوتي للحركات الكنسيّة"؛ حيث يعرّف فيها الكاردينال هذه الحركات بوصفها "موقعاً لاهوتياً" مكمّلاً للرّعايا والأبرشيات. في ذلك الوقت، ورغم أنَّ الكنيسة لم تتوانَ يوماً عن تشجيع حركات الرسالة العلمانية على الانخراط الفاعل في صلبها، إلاّ أنها لم تكن قد حدّدت بعد الإطار اللاهوتي الناظم لهذه الحركات. وفي دراسته، أشار الكاردينال راتزينغر إلى أنه في عام 1970، ومع الخروج من مرحلة "شتاءٍ" قارسٍ اتّسم بإنهاكٍ جليّ للمسيحيّين، حدثَ ما لم يكن في الحسبان: ففي سائر أرجاء الكنيسة الكاثوليكية، أخذت خبرة فيض الروح القدس تتّسع رقعتها بسرعة فائقة، لتلمس حياة الملايين من المؤمنين. هكذا، شهدت الكنيسة نمواً متسارعاً في جماعات الصلاة والحركات الجديدة، حتى أضحى البعض يتحدث عن "عنصرة جديدة". بيدَ أنه بحلول عام 1998، كانت جماعات الصلاة والروابط الكنسيّة قد بدأت تواجه عقبات البدايات وعثراتها الأولى، وفق ما لاحظه الكاردينال الذي لُقّب بـ"الكاردينال المدرّعة" (Panzer cardinal). ومن هنا، غدا من الضروري للكنيسة أن تعمّق التفكير في السُّبل الآيلة إلى ربط هذه الحركات الجديدة بالمؤسسات الكنسيّة القائمة على نحوٍ سليم. وبعبارة أخرى، أضحى من الواجب تحديد "موقعها اللاهوتي" بدقّة وموضوعيّة. وقد جرت محاولات شتّى لحسم هذه المسألة؛ إذ رأى البعض أن الكنيسة مؤسساتية بينما الحركات كاريزماتية، وأن الكنيسة مسيحانية في حين أن الحركات روحُقُدُسية، وصولاً إلى القول بأن الكنيسة تراتبية بينما الحركات نبوية. بيد أن الكاردينال راتزينغر دحض هذه الطروحات، مؤكداً أن الكنيسة، في طبيعتها المؤسساتية بالذات، هي أيضاً كاريزماتية ونبوية و روحُقُدُسية، ولكن بطريقة مغايرة. ومن جانبه، قاربَ هذه الإشكالية من منظورين تاريخيين محددين: الأول عبر التمييز بين البُعدين المحلي والكوني للكنيسة – اللذين يربطهما البعض بالوجهين "البطرسي" و"المريمي" للكنيسة على التوالي – والثاني من خلال إعادة قراءة دور الحركات الكنسيّة عبر التاريخ. وأثبت الكاردينال راتزينغر أن هذين المسارين تعايشا معاً منذ فجر الكنيسة، مستشهداً بالنموذجين الرسولي والأسقفي المتمثلين بالقديس بولس، والقديس يعقوب أول أسقف لأورشليم. ورغم وجود تداخل واضح بينهما، كان من الممكن التمييز بين مسارين: الخدمة الكنسيّة المحلية التي اتخذت تدريجياً طابعاً ثابتاً ومستقراً من خلال المجامع الأسقفية والكهنوتية من جهة، والخدمة الرسولية المتمثلة في الحركات الكنسية من جهة أخرى. وخلص إلى أن البُعد الكوني – أي العنصر الذي يتجاوز الإطار المحلي – لا يقلّ أهمية وضرورة عن العمل الرعوي المحلي. ودعماً لطرحه هذا، استعرض راتزينغر المسار التاريخي للحركات الرسولية المتعاقبة؛ بدءاً من ظهور حياة النسك والتوحد في القرن الرابع مع القديس أنطونيوس الكبير، مرواً بالحركة الرهبانية مع القديس باسيليوس، ثم الرهبنة التبشيرية التي ازدهرت بين القرنين السادس والتاسع وساهمت في تنصير الجزر البريطانية والشعوب الجرمانية. وتوقف عند الرهبنات التقشّفية في القرن الثالث عشر التي لعبت دوراً محورياً في مسيحية أوروبا، وصولاً إلى الحركات التبشيرية في القرن التاسع عشر التي حملت لواء الرسالة العالمية في الأميركتين وأفريقيا وآسيا، ونشوء الرهبنات الإرسالية (النسائية خصوصاً) في قارات لم تكن المسيحية قد بلغتها بعد. وباختصار، أظهر الكاردينال راتزينغر وجود الترابط التاريخي المتواصل بين حياة النسك، والرهبنة، والرهبنات التقشّفية، والإرساليات، والحركات الكنسية المعاصرة. استجابة الروح القدس وانطلاقاً من هذين المنظورين، لاحظ راتزينغر أن الكنيسة بحاجة دائمة إلى خدمات ومهام لا تقتصر على النطاق المحلي وحده، وأن الحركات الرسولية تتجدد حتماً بأشكال مبتكرة عبر التاريخ؛ فهي تُمثّل استجابة الروح القدس للتحولات التي تمر بها الكنيسة. وأضاف أن احتضان الرعايا والأبرشيات لهذه الحركات يجعل منها هبة إلهية حقيقية، يخدم البشارة الجديدة والعمل التبشيري على حد سواء. وفي ختام عرضه، أعلن جان بابارا: "إن الحركات الكنسية قائمة ولها مكانتها في الكنيسة لأننا نقع في صلب الامتداد التاريخي للعمل الرسولي العالمي الذي يقوده الروح القدس، بدءاً من الحركة الرهبانية والرهبنات الدينية وصولاً إلينا. نحن خلفاء الرهبان والرهبنات الأخرى في حمل رسالة كونية. وصحيح أننا لا نشكل سوى حفنة قليلة من حيث العدد، لكن الكثرة ليست هي المقاربة في عين الرب". وفي نهاية اللقاء، قدّم المطران أنطوان بو نجم شهادة مؤثرة عما يدين به لحركة "الفوكولاري"، مستذكراً الرياضة الروحية التي سبقت سيامته في "لوبيانو"، مركز الحركة في إيطاليا، حيث قال: «في لوبيانو، وبتأثير عميق من تجربة العيش المشترك، أدركتُ أن الكهنوت هو خدمة قبل أن يكون سلطة، وبذلُ ذاتٍ قبل أن يكون منصباً". من جانبه، توجّه المطران باولو بورجيا بعفوية إلى المؤمنين والحركات الكنسية، طالباً منهم ألا ينسوا الكهنة والأساقفة في صلواتهم، قائلاً: "لا تظنوا أنهم بغنى عنها"، مؤكداً أن السلطة الكنسية تحتاج بدورها إلى دعم العلمانيين وصلواتهم. "المعركة الكبرى" ينقل الكاردينال الهندي إيفان دياس (1936-2017) عن الكاردينال كارول فويتيوا، قبل أشهر قليلة من انتخابه حبراً أعظم باسم يوحنا بولس الثاني في 9 تشرين الثاني 1976، قوله: "نحن اليوم أمام أكبر مواجهة شهدتها البشرية على الإطلاق، ولا أظن أن الجماعة المسيحية أدركت أبعادها بالكامل. إننا نخوض المعركة النهائية بين الكنيسة وتلك المناهضة لها، بين الإنجيل والفكر المناهض له ". وفي هذا السياق، أشار الرئيس السابق لمجمع تبشير الشعوب إلى تيار جارف من العلمانية والنسبية واللامبالاة، يضع العالم اليوم على المحك، ويخنق إيمان عشرات الملايين من البشر. وإزاء هذا الواقع، اعتَبر يوحنا بولس الثاني أن بروز الحركات الكنسية بعد المجمع الفاتيكاني الثاني كان عناية إلهية، إذ شكّلت هذه الظاهرة إحدى أكثر المحطات التاريخية تميزاً ومفاجأة في الكاثوليكية المعاصرة. واليوم، باتت هذه الحركات جزءاً لا يتجزأ من المشهد الكنسي في لبنان والعالم؛ فهي، متجذرة في الصلاة والقربان المقدس، تُشكّل إحدى "الأسلحة" الكفيلة بزعزعة ركائز الفكر المناهض للكنيسة والنسبية.

الجدول الزمني لوقف إطلاق النار في أعقاب حرب الأربعين يومًا في إيران

بعد أربعين يوماً من الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل، من جهة، وإيران من جهة أخرى، وبالتزامن بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، دخل في 8 نيسان/أبريل 2026 أول اتفاق إطاري لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران حيّز التنفيذ. وبعد ساعات قليلة، استهدفت سلسلة من العمليات الجوية الإسرائيلية الواسعة أكثر من ثلاثين موقعاً لحزب الله في لبنان في غضون عشر دقائق، موقعة أكثر من 300 قتيل و1150 جريحاً، في ضربات كانت من بين الأكثر دموية في النزاع، إذ ألقت الطائرات الإسرائيلية بالتحديد 160 قنبلة. الاتفاق الأميركي-الإيراني، الذي كان مقرراً في البداية أن يستمر خمسة عشر يوماً ولم يكن يشمل لبنان، مُدّد في 21 نيسان/أبريل إلى أجل غير مسمى. وكان ينص، إلى جانب وقف الأعمال العدائية بين الطرفين، على إعادة فتح مضيق هرمز وإطلاق مسار مفاوضات دبلوماسية. وقد أفضت هذه المفاوضات في 17 حزيران/يونيو 2026 إلى بروتوكول تفاهم، صالح لمدة 60 يوماً، يشمل وقف الحرب في لبنان، وقّعه دونالد ترامب ومسعود بزشكيان، بهدف إرساء وقف دائم للأعمال العدائية. في الأثناء، وتحت ضغط أميركي شديد، دخل اتفاق تكميلي يتعلق بلبنان حيّز التنفيذ في 17 نيسان/أبريل 2026، أي بعد تسعة أيام من بدء وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة ومن الضربة الإسرائيلية الدموية المتزامنة. هذه الهدنة، التي جرى التفاوض حولها بين ترامب ونتنياهو وجوزاف عون، نصّت على وقف القتال لمدة عشرة أيام. ثم مُدّدت، قبل أن تفضي إلى الاتفاق الإطاري اللبناني-الإسرائيلي الموقّع في واشنطن في 26 حزيران/يونيو 2026. وهم وقف إطلاق النار منذ 17 نيسان/أبريل، وحتى بعد الاتفاق الإطاري في 26 حزيران/يونيو، سرعان ما أظهر وقف إطلاق النار في لبنان حدوده على الأرض. فالعمليات العدائية لم تتوقف: بين الانتهاكات المتكررة، واتساع الرقعة الجغرافية للضربات، والكارثة الاقتصادية، بقي جنوب لبنان مسرحاً لمواجهة عالية الحدة حتى 26 حزيران/يونيو، ثم متوسطة إلى منخفضة الحدة منذ ذلك الحين. في «الجناح» نفسه لحزب الله المشار إليه في التعليق السابق، تُظهر لافتة مقاتلاً يؤدي التحية العسكرية، وإلى جانبه العلم اللبناني وعلم حزب الله. مشهد نادر جداً، بل يكاد يكون غير متصور، إذ غالباً ما يغيب العلم الوطني عن تظاهرات حزب الله. (أ ف ب) ولتوضيح موقف البيت الأبيض بصورة أفضل حيال وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، مع أن الأخير لم يكن مشمولاً مباشرة في المفاوضات، صرّح دونالد ترامب، رداً على سؤال في المكتب البيضوي مطلع حزيران/يونيو 2026، بأن «وقف إطلاق النار في لبنان يختلف عن وقف إطلاق النار في أماكن أخرى من العالم». هذا التصريح يعكس رغبته في فصل الوضع اللبناني عن الملف الإيراني، رغم أن الإيرانيين يربطون بين النزاعين، وهو ربط أقرب إلى الواقع ويجعل الاتفاقات أكثر هشاشة، ما لم تُظهر السلطات اللبنانية حزماً وتضامناً. اختلال مستمر في ميزان النار لا يزال حزب الله، ومعه جمهوره غير المشروط، يبدون إنكاراً مرضياً لواقع أكثر قتامة بكثير من المتخيّل الجماعي. فبين وقف إطلاق النار الأول بين لبنان وإسرائيل في نيسان/أبريل، و14 حزيران/يونيو 2026، تاريخ الإعلان عن بروتوكول التفاهم بين واشنطن وطهران الذي شمل لبنان، تُظهر البيانات التي جُمعت اختلالاً واضحاً في ميزان القوى والنشاط العسكري على الأرض. خلال هذه الفترة الممتدة على 59 يوماً، نفذت القوات الإسرائيلية ما مجموعه 5056 هجوماً من مختلف الأنواع، وخصوصاً الضربات الجوية والمسيّرات والمدفعية وغيرها، مقابل 947 عملية للحركة الشيعية من مختلف الأنواع، بما فيها الصواريخ المضادة للدروع ذات الرؤوس الترادفية، والمسيّرات، وقذائف الهاون وغيرها، أي بمعدل 5,34 هجوم إسرائيلي مقابل هجوم واحد لحزب الله (1). ويتجلى هذا الاختلال في معدل يومي بلغ 94 هجوماً إسرائيلياً، مع ذروات مقلقة في مستوى الكثافة، ولا سيما في 26 أيار/مايو 2026، حين سُجلت 203 هجمات نفذها جيش الدولة العبرية في يوم واحد. أرقام مقلقة منذ بداية النزاع إذا عدنا إلى بداية النزاع، لم يُنشر أي إحصاء رسمي دقيق لعدد القنابل التي أُلقيت على لبنان منذ 2 آذار/مارس 2026. إلا أن المعاهد العلمية والسلطات الحكومية اللبنانية أجرت عمليات إحصاء. فبين 2 آذار/مارس و16 نيسان/أبريل 2026، أي قبل أول وقف لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، سجّل المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان 8200 هجوم إسرائيلي من مختلف الأنواع، بما في ذلك الضربات الجوية والقصف المدفعي والتوغلات، منها 306 موجات واسعة من الغارات الجوية خلال الأسبوعين الأولين فقط من شهر آذار/مارس. وإذا أُضيف هذا الرقم إلى ما تم إحصاؤه بعد 17 نيسان/أبريل (2)، فإن المجموع منذ 2 آذار/مارس وحتى 14 حزيران/يونيو يبلغ 13256 ضربة إسرائيلية. وأخيراً، منذ منتصف حزيران/يونيو 2026، لا يزال القصف مستمراً بوتيرة أخف لكنها يومية، تتراوح بين 10 وأكثر من 160 مقذوفاً في اليوم، بحسب اليونيفيل. في موازاة ذلك، لم يُنشر أي رقم رسمي شامل ودقيق حول حجم الذخائر بالطن، سواء من حيث الكتلة الصافية للمتفجرات أو وزن القنابل، منذ بداية النزاع، لا بالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي ولا بالنسبة إلى حزب الله. لكن البيانات الصادرة عن الجيش الإسرائيلي تشير إلى استخدام قنابل موجهة يتراوح وزنها بين 250 و900 كلغ خلال الضربات الجوية، ما يمثل، من حيث إجمالي الحمولة التقريبي، 12500 طن من الذخائر الجوية التي استهدفت لبنان. وعلى سبيل المقارنة، خلال حرب الـ33 يوماً عام 2006، ألقت إسرائيل على لبنان 7500 طن من القنابل. ولمزيد من الدقة، تشير سجلات اليونيفيل إلى أنه، في أيام رصد نموذجية، كان نحو 97 في المئة من مسارات المتفجرات والمقذوفات المرصودة صادراً عن القوات الإسرائيلية. أما في جانب حزب الله، فيرتكز الترسانة على الصواريخ، والصواريخ المضادة للدروع، والمسيّرات الانتحارية، لا على قنابل جوية ثقيلة. ومنذ انهيار وقف إطلاق النار الأول في 17 نيسان/أبريل، أطلق الحزب الموالي لإيران آلاف المقذوفات، مع ذروات تراوحت بين 100 و200 مقذوف في أيام التصعيد الشديد. وتُقدّر الحمولة المتفجرة الواحدة لهذه الصواريخ، من طراز كاتيوشا/غراد، عموماً بين 20 و50 كلغ، ما يجعل إجمالي الحمولة بالطن أدنى بكثير، وبما لا يقل عن 18 مرة، من حمولة الذخائر الإسرائيلية؛ وهو ما يخفض كتلة ذخائر حزب الله التي استهدفت الإسرائيليين إلى نحو 700 طن. الابتكار التكنولوجي لدى حزب الله في نهاية نيسان/أبريل 2026، اجتاز حزب الله عتبة عسكرية جديدة عبر نشره الواسع لمسيّرات انتحارية من نوع FPV، أي مسيّرات تُقاد بالرؤية المباشرة من منظور الشخص الأول، وموجهة بواسطة أسلاك فائقة الدقة من الألياف البصرية. هذه الأجهزة، المستوحاة من تكتيكات الحرب الأوكرانية والمجمّعة بكلفة منخفضة تتراوح بين 300 و600 دولار للوحدة، مصنوعة من مواد غير معدنية وتستغني كلياً عن موجات الراديو وإشارات GPS. وهذه الخاصية التقنية تجعلها غير قابلة عملياً للرصد بواسطة الرادارات، وغير متأثرة بأنظمة التشويش الإلكتروني الإسرائيلية. وبفضل بث مرئي عالي الدقة وغير منقطع، عبر أسلاك فائقة الدقة من الألياف البصرية تربط المسيّرات بمشغليها في حزب الله، يتمكن هؤلاء من تنفيذ ضربات جراحية بدقة شديدة ضد مدرعات الجيش الإسرائيلي، ما تسبب في ارتفاع الخسائر البشرية الإسرائيلية منذ شهر أيار/مايو، وأجبر قيادة جيش الدولة العبرية على إعادة التفكير في أنظمة الحماية البرية. وقد شكلت هذه «المسيّرات الانتحارية» بالفعل أكثر من 50 في المئة من عمليات الميليشيا الموالية لإيران حتى 26 حزيران/يونيو. في المقابل، استند الرد الإسرائيلي في معظمه إلى القوة الجوية، التي شكلت 60,5 في المئة من الضربات، وإلى استخدام مكثف للمدفعية، مع استهداف الأولوية للبنى التحتية، لكنه بقي عاجزاً أمام مسيّرات FPV. وماذا عن الاتفاق الإطاري اللبناني-الإسرائيلي؟ من زاوية تكتيكية وتقنية بحتة، تُسجل منذ 26 حزيران/يونيو تراجعاً نسبياً في كثافة العمليات العسكرية. فقد أفسحت الحملات الواسعة من الغارات الجوية الإسرائيلية المجال أمام ضربات جوية وضربات بمسيّرات أكثر تحديداً، وأمام عمليات برية محدودة شملت هدم مبانٍ وبنى تحتية. وإذا كان حزب الله يبدو أيضاً أنه خفف أو أوقف هجماته، فإن المناخ لا يزال بالغ الهشاشة، بسبب العامل الإيراني الراغب في تأخير المفاوضات الجارية في بورغنستوك، والعامل الإسرائيلي الذي يضع المسألة الأمنية في صدارة أولوياته ويريد إفراغ جنوب الخط الأصفر من سكانه الذين يدعمون الميليشيا الموالية لإيران. وفي الخلاصة، فإن «وقف إطلاق النار» بالغ الهشاشة، وحزب الله بعيد عن إعلان النصر بصوت عال، رغم أنه تكيّف مع تكتيكات وتقنيات جديدة. أما بالنسبة إلى لبنان، المنهك أصلاً بأزمة متعددة الأبعاد، فإن تطبيق بنود الاتفاق الإطاري يشكل تحدياً حقيقياً. (1) و(2): Fadi Hajji-Georgiou – recherche et développement

غموض يلف استئناف الحوار الأميركي-الإيراني في الدوحة

هل عدنا إلى المربع الأول في ظل الغموض الذي يكتنف منذ يومين استئناف المحادثات الأميركية-الإيرانية في الدوحة، رغم الإعلان المسبق عنها؟ الغالب أن الأمر ليس كذلك، وإن كان السؤال مشروعاً. فالحقيقة تبدو أكثر دقة وتعقيداً، لكن اللعبة أبعد ما تكون عن السهولة. ولا يبدو أن طهران وواشنطن في وارد تقديم تنازلات جديدة، تضاف إلى تلك التي جرى القبول بها في إطار مذكرة التفاهم الموقعة بينهما في 18 حزيران. وفي حين تستضيف الدوحة اليوم المبعوثَين الأميركيَّين، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى جانب وفد تقني إيراني سينضم إليه، الأربعاء، نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي، تؤكد السلطات القطرية عدم إدراج أي لقاء مباشر رفيع المستوى مع مسؤولين إيرانيين على الجدول في هذه المرحلة. وفي هذا السياق، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، خلال مؤتمر صحافي عُقد خلال النهار، أنه لا توجد خطط لعقد أي اجتماع مباشر بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين في الأيام المقبلة. ونقلت وكالات أنباء إيرانية ويمنية عن كاظم غريب آبادي توضيحه في هذا الصدد أن الجولة الأولى من المباحثات التقنية، في إطار مجموعات العمل المعينة، ستُعقد "عندما تتوفر الظروف الملائمة وبعد الاتفاق على الزمان والمكان". وأشار إلى أن "المشاورات بهذا الشأن مستمرة عبر الدول الوسيطة". وأعلنت وزارة الخارجية الإيرانية، مساء الثلاثاء، أن غريب آبادي سيجري مباحثات، الأربعاء، مع المسؤولين القطريين تتركز تحديداً على ملف الأصول الإيرانية المجمدة البالغة ست مليارات دولار؛ وهي مسألة تشكل أولوية بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية التي تواجه صعوبات مالية جمة. المضيق والأصول المجمدة وفقاً لماجد الأنصاري، فإن المبعوثَين الأميركيَّين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، المتواجدين في الإمارة، سيجريان مباحثات حصرية مع الوسطاء القطريين والمسؤولين المحليين بهدف تقييم تطبيق بروتوكول التفاهم الموقع في منتصف حزيران. وستتناول المناقشات مجمل الملفات الإقليمية، بما فيها الملفان الإيراني واللبناني. وبعبارة أخرى، عاد الوسطاء إلى العمل مجدداً في محاولة لإيجاد أرضية مشتركة بين الولايات المتحدة وإيران، التي ترى أنها قدمت ما يكفي من التنازلات في إطار مذكرة التفاهم. والسؤال المطروح الآن هو: كيف سيتم حل عقدة مضيق هرمز وعقدة الأصول المجمدة؟ إذ تتمسك طهران بما تدّعيه حقاً لها في السيطرة على المضيق، في وقت يواجه فيه هذا الطرح معارضة عربية وأميركية وأوروبية شرسة. وقد كان المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية واضحاً للغاية في هذا الشأن؛ فلا مجال بالنسبة إلى الدوحة للقبول بسيطرة إيرانية على المضيق. كما أكد ماجد الأنصاري أن الأموال الإيرانية المجمدة، والمقرر الإفراج عنها بموجب مذكرة التفاهم، لم يتم تحويلها بعد. من جانبها، تتمسك طهران بخطاب متشدد، بل ومهدد؛ فقد حذر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، من أن أي خرق لمذكرة التفاهم من قبل واشنطن سيجابه برد فوري. وقال: "لن يمر أي إجراء دون رد"، في إشارة إلى الغارات الأميركية التي استهدفت مواقع إيرانية عندما هاجمت طهران ناقلات نفط عبرت مضيق هرمز مستخدمة الممر الذي وفرته سلطنة عمان بالتنسيق مع واشنطن. كما شدد إسماعيل بقائي على ضرورة أن تلتزم الولايات المتحدة بـ"تعهدها المتمثل في إنهاء الحرب على جميع الجبهات، ولا سيما في لبنان". وبحسب قوله، فإن على واشنطن، إذا لزم الأمر، إجبار إسرائيل على احترام بنود الاتفاق. بزشكيان يندد بالهجمات على المفاوضين أهمية وقف الأعمال العدائية على الجبهة اللبنانية كانت أيضاً محط تركيز من الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، الذي حرص خلال جولة له في محافظة قم، على توضيح أن الاتفاق مع واشنطن أُبرِم "بتنسيق كامل مع المرشد الأعلى مجتبى خامنئي وبدعم من المجلس الأعلى للأمن القومي". بيد أن هذا الخطاب يعكس، مرة أخرى، وجود تيارين متواجهين في إيران. ووفقاً لموقع "إيران إنترناشيونال"، فقد دافع مسعود بزشكيان عن الفريق المكلف بالمفاوضات مع الولايات المتحدة، مؤكداً أنه نسق مع مجتبى خامنئي في أدق تفاصيل هذا المسار. وقال: "للأسف، تعمد بعض الجماعات، استكمالاً للعمليات النفسية التي تقودها وسائل إعلام معادية، إلى إضعاف هذا التقدم من خلال مهاجمة فريق المفاوضات والتشكيك في القرارات الوطنية". وبحسب "إيران إنترناشيونال"، تأتي تصريحات بزشكيان في وقت تواجه فيه حكومته ضغوطاً متزايدة من الفصائل الأصولية المتشددة المناهضة للحوار مع واشنطن. وذكر الموقع أن العديد من رموز التيار المتشدد اتهموا الرئيس وفريقه المفاوض بتقديم تنازلات، مشككين في الوقت عينه بدعم المرشد الأعلى للقرارات الأمنية الرئيسية. ترقّب في لبنان في لبنان، حيث يثير الاتفاق الإطار مع إسرائيل بدوره موجة من الاستياء، لا يزال الانتظار سيد الموقف حيال وضع ترتيبات هذه الوثيقة موضع التنفيذ. وتنص الوثيقة، من بين أمور أخرى، على انسحاب إسرائيلي تدريجي من القطاعات المحتلة حالياً في جنوب لبنان، حيث يُفترض أن ينتشر الجيش اللبناني، بالتوازي مع التفكيك التدريجي للبنى التحتية العسكرية لـ"حزب الله". وكما هو معلوم، يتعين على إسرائيل الانسحاب أولاً من "مناطق نموذجية"، في خطوة منسقة مع القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، التي أجرى قائدها، الأميرال براد كوبر، الإثنين، جولة شملت بيروت وتل أبيب. وغداة هذه الزيارة، استقبل الرئيس اللبناني جوزاف عون قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، لإجراء محادثات تتمحور حول دور المؤسسة العسكرية في تطبيق الاتفاق الإطار. ميدانياً، لا يزال الوضع متقلباً؛ إذ استهدفت المدفعية الإسرائيلية بلدات الهبارية في قضاء مرجعيون، وبيت ياحون في قضاء بنت جبيل، ومجدل زون في قضاء صور. وباتت هذه البلدة الأخيرة مشطورة إلى جزئين بعد تفجير نفق تحت الأرض عائد لـ"حزب الله"، ما تسبب في انفجار هائل. وفي غضون ذلك، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بزيارة قام بها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، برفقة وزير دفاعه يسرائيل كاتس، إلى القطاع الذي يسيطر عليه الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان. وفي خطاب وجهه إلى العسكريين، أشار نتنياهو إلى أن تل أبيب "بدأت بتفكيك المحور الإيراني، عبر توجيه ضربات مباشرة إلى الجمهورية الإسلامية، وإقامة منطقة عازلة في جنوب لبنان". وأكد أن الجيش سيبقى في الجنوب "طالما أن حزب الله لم يُنزع سلاحه ويشكل تهديداً لإسرائيل". غير أنه أشار في الوقت عينه إلى أن الترسانة العسكرية للحزب "باتت تعادل 8% فقط مما كانت عليه قبل الحرب"، وأنه "تم القضاء على 9000 مقاتل".

من الحرب إلى الدولة
بقلم
يقظان التقي
نُشر

ليست أهمية اتفاق الإطار المقترح بين لبنان وإسرائيل في كونه يهدف إلى إنهاء مواجهة عسكرية فحسب، بل في كونه يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة اتفاقات ما بعد الحروب. فالوثيقة لا تشبه اتفاقات وقف إطلاق النار التقليدية، ولا تقتصر على معالجة خطوط التماس أو ترتيبات الانسحاب، وإنما تؤسس لنموذج جديد من التسويات، يصبح فيه بناء الدولة جزءاً من عملية بناء السلام، وتصبح السيادة مفهوماً مستحدثاً ، أكثر تعقيداً من مجرد حماية الحدود. فإذا كانت اتفاقات كامب ديفيد أو وادي عربة أو حتى الطائف ودايتون قد جاءت بعد حروب كبرى لإعادة تنظيم العلاقات السياسية بين المتحاربين، فإن الاتفاق الحالي يذهب خطوة أبعد، إذ يحاول إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية نفسها وأدوات القوة داخلها، بالتوازي مع إعادة رسم البيئة الأمنية الإقليمية على الرغم من رفض "حزب الله" الذي يريد الاعتماد على راعيه الإيراني لرسمم ملامح ما بعد الحرب وينتفض ضد الاتفاق. ومن اللافت أن الوثيقة لا تبدأ من سؤال، لماذا اندلعت الحرب؟ بل من سؤال مختلف تماماً: كيف ينبغي أن يكون شكل الدولة بعد الحرب؟ ولهذا لا تنشغل كثيراً بأسباب النزاع التاريخية وهي معروفة جيداً، بقدر ما تركز على النظام الذي يفترض أن ينشأ بعد انتهاء القتال. إنها لا تكتب خاتمة الحرب، بقدر ما تكتب مقدمة مرحلة سياسية جديدة. وتكشف القراءة التفكيكية للنص أن القضية المركزية فيه ليست الحدود، بل احتكار الدولة للقوة. فتكاد جميع البنود تدور حول استعادة الدولة اللبنانية لقرار الحرب والسلم، ونزع سلاح القوى المسلحة خارج المؤسسات الرسمية، وربط الأمن الوطني بالسلطة الدستورية. وهنا يبرز تطور لافت في مفهوم السيادة؛ إذ لم تعد السيادة تُختزل بحماية الحدود أو إنهاء الاحتلال، بل أصبحت تعني أيضاً احتكار الدولة لاستخدام القوة داخل إقليمها. إنها سيادة مزدوجة على الأرض، وعلى أدوات القوة في الداخل. وفي المقابل، يعكس النص قدراً من الذكاء التفاوضي اللبناني عند السفير سيمون كرم وفريق السفارة . فهو لا يعيد فتح ملف الحدود الدولية، ولا يتعامل معها بوصفها موضع نزاع قابل لإعادة التفاوض، بل ينطلق ضمناً من أن الحدود، باستثناء المسائل التقنية المعروفة، تستند إلى شرعية دولية قائمة في ضوء القانون الدولي بموجب اتفاقية الهدنة اللبنانية- الإسرائيلية للعام على 1949 على الرغم من تقادم بعضها، أخذاً بعين الاعتبار، الظروف التي أحاطت بنشأتها وبررتها وأعطتها الشرعية . وهكذا نجح المفاوض اللبناني في الفصل بين مسألة السيادة الإقليمية، باعتبارها قضية قانونية منجزة، وبين الترتيبات الأمنية التي فرضتها ظروف الحرب، مانعاً تحويل نتائج المعركة إلى مدخل لإعادة تعريف حدود الدولة ، ذات الدور البارز في الاستقرار الدولي خاصة . والبحث في أي اتفاق نهائي يتوصل إليها . فذلك يشكل نموذجاً دولياً في كيفية الحفاظ على المواثيق الدولية عموما، وهي التي ستحدد معاني الممرحلة بشمولية كلّية في ظروفها التاريخية( أي " المحيط الجيوستراتيجي الإقليمي والدولي"). ولا تقل فلسفة التنفيذ أهمية عن مضمون الاتفاق نفسه. فالوثيقة لا تفترض أن السلام يتحقق بمجرد التوقيع، بل تعترف ضمناً بأن آثار الحرب ستظل حاضرة على الأرض، وأن احتمال وقوع خروقات أو احتكاكات سيبقى قائماً خلال المرحلة الانتقالية. لذلك اعتمدت منطق التدرج، بحيث يرتبط كل انسحاب بخطوة مقابلة، وكل تقدم ميداني بآليات تحقق وإشراف دولي. وهنا لا يصبح التدرج مجرد إجراء تقني، بل فلسفة سياسية تعترف بأن الانتقال من الحرب إلى السلام عملية تراكمية، لا حدثاً لحظياً. إنها إدارة للانتقال أكثر منها إعلاناً لنهايته. وتتجلى حداثة الاتفاق أيضاً في طبيعته التفاوضية. فالتاريخ الدبلوماسي عرف اتفاقات تُعقد داخل مسار تفاوضي واحد يجمع الأطراف المعنية مباشرة. أما هنا، فيبدو الاتفاق جزءاً من هندسة إقليمية أوسع، حيث يتزامن المسار اللبناني – الإسرائيلي مع مسارات تفاوضية أخرى تمس البيئة الاستراتيجية المحيطة بالصراع. وإذا كانت المؤشرات السياسية توحي بوجود تفاهمات موازية بين واشنطن وطهران حول ملفات إقليمية أوسع، فإن نجاح الاتفاق اللبناني لا يعود رهناً فقط بإرادة بيروت وتل أبيب، بل أيضاً باستمرار التوازنات التي تنتجها تلك التفاهمات الإقليمية. وهكذا ينتقل العالم من منطق "الاتفاق الواحد" إلى منطق "التسويات المتزامنة"، حيث يصبح كل مسار جزءاً من شبكة تفاهمات أشمل .ومع ذلك يقول الرئيس جوزاف عون " نحن نرحب بأي مساعدة تأتي من دول لإنهاء الحرب، ولكن هناك فرق بين العمل لمساعدتنا وعدم التدخل في شؤننا الداخلية ، ونحن نتفاوض بأنفسنا، ولا نقبل أن تتفاوض أي جهة نيابة عنا". كما أن الوثيقة تعيد تعريف وظيفة إعادة الإعمار. فهي لا تقدمها باعتبارها استجابة إنسانية لآثار الحرب، بل تجعلها جزءاً من معادلة سياسية وأمنية، تربط الدعم الدولي بتحقيق مراحل قابلة للتحقق من بسط سلطة الدولة واحتكارها للسلاح. وبذلك تتحول المساعدات الاقتصادية إلى أداة لترسيخ الاستقرار، لا مجرد وسيلة لمعالجة الدمار. غير أن البعد الأعمق في الاتفاق يتجاوز مضامينه الأمنية ليطرح سؤالاً حول مستقبل النظام السياسي اللبناني نفسه. فإذا كانت الوثيقة تدعو إلى احتكار الدولة للقوة، فإنها تفتح، ضمناً، الباب أمام احتكار المؤسسات الدستورية للقرار الوطني. فالقضايا المصيرية من هذا النوع لا يمكن أن تستقر إلا إذا انتقلت من منطق الشارع وموازين القوى إلى منطق المؤسسات. ومن هنا، فإن أي اعتراض على الاتفاق، مهما كانت مبرراته السياسية أو السيادية، ينبغي أن يجد مكانه الطبيعي داخل مجلس النواب، باعتباره المؤسسة الدستورية التي تمثل الإرادة الوطنية وتملك سلطة الرقابة والتشريع. فالمعارضة ليست نقيض الدولة، لكنها تصبح خطراً عليها عندما تغادر المؤسسات إلى موازين القوى الميدانية. وإذا كان الاتفاق يسعى إلى إنهاء تعددية السلاح ( الجماعات المسلحة غير الشرعية ) ، فإنه يختبر، في الوقت نفسه، قدرة اللبنانيين على تكريس وحدة القرار السياسي داخل المؤسسات الشرعية. وفي المحصلة، لا يمكن قراءة هذا النص باعتباره مجرد اتفاق أمني بين دولتين، بل باعتباره محاولة لإعادة تعريف مفهوم السيادة، وآليات بناء السلام، وطبيعة الدولة في مرحلة ما بعد الحرب. إنه ينقل النقاش من الحدود إلى المؤسسات، ومن إدارة الصراع إلى إعادة بناء الدولة، ومن السلام بوصفه وقفاً للنار إلى السلام بوصفه عملية سياسية متدرجة. ويبقى نجاح هذا المشروع رهناً بعامل يتجاوز نصوص الاتفاق نفسها، هو قدرة اللبنانيين على تحويل الاختلاف حوله من صراع في الشارع إلى تنافس ديمقراطي داخل البرلمان. فعندها فقط يصبح احتكار الدولة للقوة متكاملاً مع احتكارها للقرار، وتصبح نهاية الحرب بداية فعلية لقيام الدولة، لا مجرد هدنة جديدة في تاريخ الصراعات اللبنانية. عندها فقط يمكن أن تصبح نهاية الحرب بدايةً لقيام الدولة. أما إذا اختار اللبنانيون إسقاط هذا المسار خارج المؤسسات، فإنهم لن يكونوا قد أسقطوا اتفاقاً فحسب، بل ربما أسقطوا آخر فرصة تاريخية لإعادة بناء دولتهم، وكأن الانتحار السياسي ما زال يتقدم، مرة بعد أخرى، على غريزة البقاء.