شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
اتفاق الإطار ليس استسلاماً… بل لحظة استعادة للدولة من منطق الفوضى

في كل مرة يقترب فيها لبنان من محاولة جدية لإعادة تنظيم علاقته مع محيطه ومع ذاته، يظهر خطاب جاهز يختصر أي مسار تفاوضي بأنه “استسلام”. هذا التوصيف لم يعد مجرد اختلاف سياسي، بل بات أداة تعطيل ممنهجة لأي مسار يمكن أن يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة. والأخطر أنه يُستخدم لتجريد الدولة نفسها من شرعيتها كلما مارست دورها الطبيعي في التفاوض واتخاذ القرار. اتفاق الإطار المطروح ليس استسلاماً، بل على العكس تماماً: هو محاولة متقدمة لإعادة إدخال لبنان إلى نادي الدول التي تحتكر قرارها السيادي عبر مؤسساتها، لا عبر مراكز قوى متوازية أو خارج الدولة. أولاً: التفاوض ليس تنازلاً بل ممارسة سيادة الدول لا تُقاس بشعاراتها، بل بقدرتها على إدارة الصراع عبر أدوات السياسة بدل الانزلاق إلى الانفجار. والتفاوض، في جوهره، ليس ضعفاً بل أعلى أشكال استخدام القوة السياسية عندما تُوظف لحماية الاستقرار ومنع الحرب. الاتفاق الإطاري ينطلق من مبدأ أساسي: إنهاء حالة النزاع عبر مسار تفاوضي مباشر وبرعاية دولية. هذا ليس “إملاءً خارجياً” كما يُروَّج، بل اعتراف بأن الأزمات المعقدة لا تُحل داخلياً فقط في ظل اختلال التوازنات. ومن يدّعي أن مجرد الجلوس إلى طاولة تفاوض هو استسلام، إنما يرفض مبدأ السياسة نفسه، ويختزل الدولة إلى شعار لا إلى فعل. ثانياً: الدولة تستعيد دورها… لا تتنازل عنه أحد أهم بنود الاتفاق يتمثل في تعزيز قدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها الأمنية الكاملة. وهذا ليس مطلباً خارجياً بقدر ما هو جوهر أي دولة طبيعية. احتكار الدولة للسلاح ليس بنداً تفاوضياً، بل قاعدة دستورية. والمطلوب في هذا الإطار هو: إعادة توحيد القرار الأمني داخل المؤسسات الشرعية إنهاء ازدواجية القوة المسلحة وتثبيت أن الدولة وحدها هي مصدر القرار في الحرب والسلم فكيف يمكن لمن يطالب بدولة قوية أن يعتبر تقوية الدولة “استسلاماً”؟ هذا تناقض سياسي لا يصمد أمام أي منطق مؤسساتي. ثالثاً: “الاستسلام” خطاب يُخفي رفض الدولة لا رفض الاتفاق الخطاب الذي يصف الاتفاق بأنه استسلام لا يناقش بنوده، بل يرفض مبدأ وجود دولة قادرة على اتخاذ قرارها السيادي. المشكلة ليست في الاتفاق، بل في رفض فكرة أن: الدولة هي المرجعية الوحيدة للسلاح الدولة هي من يفاوض باسم الجميع والدولة هي من يحدد الإطار الأمني والسياسي وهنا يصبح وصف الاتفاق بالاستسلام مجرد غطاء لغوي لرفض انتقال لبنان من منطق القوى المتوازية إلى منطق الدولة الواحدة. رابعاً: منطق “الممانعة المطلقة” لا يبني دولة لبنان دفع ثمن عقود من منطق يعتبر أن كل تسوية هي تنازل، وكل تفاوض هو هزيمة، وكل انفتاح هو خيانة. النتيجة كانت واضحة: دولة ضعيفة، اقتصاد منهك، ومجتمع منقسم. الدول لا تُبنى بالرفض الدائم، بل بالقدرة على: إدارة التوازنات تقليل المخاطر وتحقيق المكاسب الممكنة بدل خسارة كل شيء الاتفاق الإطاري، مهما كانت تعقيداته، يندرج ضمن هذا المنطق: تحويل الصراع المفتوح إلى مسار قابل للإدارة والضبط. خامساً: أين الاستسلام؟ في استمرار الفوضى أم في تنظيمها؟ السؤال الحقيقي ليس إن كان الاتفاق تنازلاً أو لا، بل: هل يبقى لبنان في حالة صراع دائم غير منضبط، أم يدخل مسار تنظيم سياسي وأمني تدريجي؟ الاستسلام الحقيقي ليس في التفاوض، بل في: تعطيل الدولة تكريس ازدواجية القرار وإبقاء البلاد رهينة احتمالات الحرب المفتوحة أما الاتفاق، فهو محاولة لكسر هذه الحلقة، لا تثبيتها. سادساً: حجة “غياب التوازن” لا تلغي الحاجة إلى الدولة يُقال إن الاتفاق غير متوازن. لكن حتى في حال وجود اختلالات، فإن البديل ليس الرفض، بل التفاوض لتحسين الشروط. الدولة لا تُبنى بالانكفاء، بل بالانخراط. ولا تُستعاد السيادة بالانسحاب من الطاولة، بل بفرض حضورها على الطاولة. وما يهم في النهاية ليس شكل الاتفاق، بل هل يعزز قدرة الدولة أم يضعفها. وكل البنود التي تتحدث عن احتكار الدولة للسلاح، وتوحيد القرار الأمني، وإعادة بناء المؤسسات، تصب في اتجاه واحد: تقوية الدولة لا تفكيكها. في النهاية الدولة ليست استسلاماً… بل نقيضه إن أخطر ما في الخطاب الذي يهاجم الاتفاق بوصفه “استسلاماً” أنه يقلب المفاهيم رأساً على عقب: يجعل من الدولة خصماً، ومن الفوضى موقفاً سيادياً. لكن الحقيقة واضحة وبسيطة: الاستسلام هو عندما تعجز الدولة عن أن تكون دولة. أما عندما تبدأ باستعادة قرارها ومؤسساتها وسلطتها، فذلك ليس استسلاماً… بل بداية الخروج منه. لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما دولة تفاوض وتقرر وتبني مستقبلها، أو حالة دائمة من الإنكار الذي لا ينتج سوى الانهيار. واتفاق الإطار، مهما اختلفنا حول تفاصيله، هو خطوة في اتجاه الدولة. ومن يعارضه بوصفه “استسلاماً” لا يعارض اتفاقاً فقط… بل يعارض فكرة الدولة نفسها.

من انتصر؟ ومن خسر؟ لا أحد يعلم، ولم نعد نعلم!

في أعقاب حرب حزيران/يونيو المشؤومة عام 1967، المعروفة بحرب الأيام الستة، كان على الدول العربية أن تواجه حقيقة مريرة: فقد خسرت مصر قطاع غزة وسيناء، وخسرت المملكة الهاشمية القدس والضفة الغربية، فيما انسحبت سوريا على نحوٍ مخزٍ من الجولان. غير أن حزب البعث الحاكم في دمشق، رافضًا تحمّل مسؤولية هزيمة تاريخية، أوحى بأن الإسرائيليين لم يحققوا النصر ما داموا لم ينجحوا في إسقاط نظامه. فطالما بقي النظام صامدًا، لا يحق لتل أبيب أن تدّعي الانتصار! وقد شكّل هذا الإنكار سابقةً تكرّرت كلما مُني العرب بنكسة جديدة. وها هو الأمين العام لحزب الله، رافعًا سقف خطابه رغم التراجع، يعلن عشية إحياء مراسم عاشوراء انتصار «حزب الله» على «المؤامرة التي حيكت من قبل التحالف الأمريكي–الإسرائيلي، والتي وفّرت لها الدولة اللبنانية الغطاء». فلا يفتقر إلى الجرأة من ينسب إلى نفسه أمجاد النصر في الوقت الذي يواصل فيه الجيش الإسرائيلي التوغّل التدريجي في الجنوب وإفراغه من سكانه. إنها محاولة لحفظ ماء الوجه أما دونالد ترامب، فكيف يبدو بهذه الدرجة من الابتهاج؟ يرى نيكولا بافيريز في صحيفة لو فيغارو الباريسية أن البروتوكول الموقّع في فرساي من قبل الرئيس الأمريكي يحمل أوجه شبه عديدة مع معاهدة عام 1919 التي أنهت الحرب العالمية الأولى وكرّست «سلامًا زائفًا ومجرد تعليق للأعمال العدائية». وانطلاقًا من ذلك، خلص الكاتب إلى الحكم التالي: «إن بروتوكول فرساي يكرّس الانهيار الاستراتيجي الذي اختتم حرب إيران بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل وملَكيات الخليج وأوروبا وحلفاء أمريكا الآسيويين». إلّا أنّه يجدر الحذر من النزعة المعادية لأمريكا التي تطبع بعض وسائل الإعلام الفرنسية، والإصغاء إلى ما يقوله توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز، وهي صحيفة لا تُعرف بتساهلها مع الإدارة الأمريكية الحالية. يقول فريدمان إن قادة إسرائيل وإيران وحزب الله وحماس والولايات المتحدة يشتركون في أمر واحد: لا أحد منهم يرغب في تشكيل لجنة تحقيق لتقييم أدائه وسلوكه خلال آخر صراع في الشرق الأوسط! فمن انتصر إذن؟ ومن خسر؟ أليس من المبكر جدًا طرح هذا السؤال أو الإجابة عنه؟ قد لا يكون «محور الشر» أو «محور الخير» قد كسب معركةً بعينها، لكنه لم يخسر الحرب بالضرورة. فالحروب لا تُقاس بجولاتها الأولى، بل بنتائجها النهائية. ومن المرجح أن يستمر الصراع الكامن بشكل أو بآخر، وتحت ذريعة أو أخرى، مع بقاء لبنان ساحةً للتجارب وتصفية الحسابات. فك الارتباط بإيران بأي ثمن إن لبناننا، الذي أصبح أكثر من أي وقت مضى كيس ملاكمة تتقاذفه أطراف النزاع، يتعرّض منذ مطلع آذار/مارس لحرب جديدة بين إسرائيل وحزب الله. وقد تكبّد أضرارًا تُقدَّر بأكثر من مليار دولار، فيما دُمّر بالكامل نحو 11 ألف مبنى في الجنوب. هذا فضلًا عن آلاف القتلى والجرحى والنازحين. غير أن الأخطر من ذلك، وهو ما يدعو إليه نعيم قاسم، والذي يتمثل في الإبقاء على الربط بين وقف إطلاق النار في لبنان ووقف إطلاق النار الذي تمّ بين إيران والولايات المتحدة. إن جعل الجبهتين مترابطتين على هذا النحو من شأنه أن يضحّي بالقضية اللبنانية على مذبح المصالح الإيرانية خلال المفاوضات الجارية في برغنشتوك بسويسرا. بينما يحتاج لبنان، للخروج من محنته، أن يبقى ساحة عمليات مستقلة تخضع لظروفه الخاصة وشروطه الذاتية. فإن أصبح وقف القتال في الجنوب رهين تفاهم بين طهران وواشنطن، فإن ذلك يعني عمليًا نهاية سيادتنا الوطنية، وهذا قد يؤسس لوصاية فارسية على الدولة اللبنانية أشد ضررًا وخطورة من الوصايةالسورية في عهد سلالة الأسد. وهذا تحديدًا ما ينتظره نعيم قاسم ليعلن انتصاره بأعلى صوته. غير أن ذلك، إن حصل، سيكون انتصارًا لإيران لا للبنان.

لبنان أولًا…
بقلم
سمير عبد الملك
نُشر

تكشف الأزمات الكبرى حقيقة بسيطة: لا يصمد وطن إذا بقيت الولاءات التي تعلو عليه أقوى من الانتماء إليه. فالدول التي تنجح في تجاوز محنها هي تلك التي تجعل الهوية الوطنية المظلة التي تجمع جميع مواطنيها، على اختلاف انتماءاتهم السياسية والدينية والثقافية. فالوطن ليس إلغاءً للتنوع، بل الإطار الذي يحميه. هذا الدرس بدا واضحًا في التحولات الأخيرة داخل إيران، حيث ارتفع منسوب الخطاب القومي والوطني ليضم فئات كانت تُعد حتى الأمس خارج دائرة الولاء السياسي. فالسلطات أدركت أن التحديات الوجودية تفرض توسيع دائرة الانتماء، لأن قوة الدولة لا تُقاس فقط بتماسك السلطة، بل أيضًا بقدرتها على احتضان المجتمع بكل مكوناته. أما في لبنان، فما زلنا نواجه المعضلة نفسها: هل تكون الأولوية للطائفة، أم للحزب، أم للمحور الإقليمي، أم للدولة؟ وقد أعاد توقيع إعلان النوايا الأخير بين لبنان واسرائيل برعاية أميركية، وما أثاره من انقسام داخلي، التذكير بأن المشكلة ليست فقط في مضمون أي اتفاق، بل في غياب إطار وطني جامع تُناقش فيه الخيارات المصيرية قبل أن تتحول إلى موضع انقسام. ليس المطلوب أن يتخلى أي فريق عن قناعاته أو هواجسه، ولا أن تُفرض خيارات بالأكثرية أو بالقوة. لكن المطلوب أن يصبح شعار “لبنان أولًا” قاعدة سياسية وأخلاقية يلتقي حولها الجميع. وهذا يقتضي إطلاق حوار وطني صريح حول القضايا الخلافية، من الاستراتيجية الدفاعية إلى العلاقات الخارجية، بحيث تُصنع القرارات داخل المؤسسات الدستورية لا في ساحات التجاذب الإقليمي أو على موائد التفاوض الخارجية. فالسلام الحقيقي يبدأ من الداخل، والسيادة تبدأ بوحدة القرار، والاستقرار لا يصنعه اتفاق خارجي إذا بقي اللبنانيون مختلفين على مفهوم الدولة نفسها. عندما يصبح لبنان أولًا، لا يعود الاختلاف تهديدًا، بل يصبح مصدر قوة، لأن الجميع يختلفون تحت سقف وطن واحد، ودولة واحدة، ومستقبل واحد.

توقيع الاتفاق الإطاري اللبناني-الإسرائيلي في واشنطن يخرج إيران من المعادلة

بعد قرابة شهرين من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وفي اليوم الرابع من الجولة الخامسة من المحادثات التي عُقدت في مقر وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، بإشراف وزير الخارجية ماركو روبيو، وُقّع مساء السبت، بتوقيت بيروت، «اتفاق إطار» بين لبنان وإسرائيل. وجرت المراسم بحضور روبيو ومفاوضي البلدين، ولا سيما، من الجانب اللبناني، السفير اللبناني السابق لدى واشنطن سيمون كرم، والسفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى. ووقّعت الوثيقة سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، وسفير إسرائيل يحيئيل لايتر، اللذان ألقيا كلمتين مقتضبتين شكرا فيهما إدارة ترامب على جهودها، وشددا على أهمية هذا الحدث. ويُعدّ هذا الاتفاق الإطاري أول عمل دبلوماسي رسمي يُبرم بين لبنان وإسرائيل منذ توقيع اتفاق 17 أيار عام 1983، الذي أُجهض لاحقاً. ويمثل هذا الإنجاز، بعد خمس جولات من المفاوضات، خطوة أولى ستليها مفاوضات طويلة في المستقبل، بهدف التوصل إلى انسحاب إسرائيلي كامل من جنوب لبنان، بالتوازي مع مسار نزع سلاح حزب الله. وفي هذا السياق، أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مساء السبت، إلى أن هذه الخطوة الأولى ستمهّد الطريق لاتفاقات أخرى، على أن تكون المرحلة النهائية، كما قال السفير لايتر مساء السبت، اتفاق سلام مستقبلياً بين البلدين. وعملياً، تنص الوثيقة على إنشاء «منطقتين تجريبيتين» فوراً، إحداهما شمال الليطاني، حيث سيتعين على الجيش اللبناني الانتشار لمنع أي وجود ميليشيوي في القطاعات المعنية. وأفاد مصدر إسرائيلي في وقت متأخر من المساء بأن انتشار الجيش اللبناني سيتم بدعم أميركي مباشر، قد يترجم بإيفاد خبراء عسكريين أميركيين. وعليه، فإن الأمر يتعلق بنقطة انطلاق ستتبعها خطوات أخرى، تقود تدريجياً إلى انسحاب إسرائيلي بالتوازي مع انتشار القوات النظامية المحلية ونزع سلاح حزب الله. وفي هذا الإطار، وبناءً على تعليمات الرئيس جوزاف عون، شدد الوفد اللبناني على ضرورة أن يذكر الاتفاق الإطاري صراحة الحاجة إلى «انسحاب كامل» للقوات الإسرائيلية من جنوب لبنان. أما في ما يتصل بمدى هذا الاتفاق، فقد أكد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي مساءً أن «عملية نزع سلاح حزب الله، المنصوص عليها في الوثيقة، ستُطبّق جنوب الليطاني وشماله». لكن الدلالة الجيوسياسية لهذا الاتفاق الإطاري هي التي تستقطب خصوصاً اهتمام المحللين والأوساط السياسية في لبنان. فالوثيقة المعنية تكرّس عملياً إبعاد إيران عن مسار معالجة الأزمة اللبنانية ومشكلة جنوب لبنان. وخلال الأسابيع الماضية، لم يوفر نظام الملالي أي جهد لفرض دور إيراني مباشر في المساعي الرامية إلى إيجاد مخرج للنزاع اللبناني، ولا سيما في الجنوب. وخلال المفاوضات الأخيرة بين إدارة ترامب والجمهورية الإسلامية، كان القادة الإيرانيون يشترطون، كمدخل لأي اتفاق مع واشنطن، الوقف الكامل للعمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب. وكان هذا الإصرار يخفي بصعوبة رغبة طهران في انتزاع موقع وازن لها في أي مسار لحل سياسي في لبنان. وقد بدا أن هذا الدور الإيراني، الذي يطالب به الحرس الثوري، قد تكرّس خلال المحادثات الأميركية-الإيرانية التي انطلقت هذا الأسبوع في سويسرا بإشراف نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس. وكانت تلك المحادثات قد أفضت إلى تفاهم يرمي إلى إشراك إيران في مسار مراقبة الوضع في جنوب لبنان. غير أن الاتفاق الإطاري الذي وُقّع في واشنطن مساء السبت يستبعد أي ضلوع للجمهورية الإسلامية، وبالتالي لحزب الله، ويحصر جهود التهدئة وإعادة الأمن والسيادة اللبنانية بالإطار اللبناني-الإسرائيلي وحده، تحت إشراف أميركي صارم ومنفرد. وهذا ما يفسر رد الفعل الحاد لحزب الله في ساعة متأخرة من مساء السبت. فقد عاد النائب في الحزب حسن فضل الله في هذا السياق إلى لازمة التهديد بـ«الحرب الأهلية»، معتبراً أن اتفاق واشنطن يهدف إلى تقويض مسار إسلام آباد، المرتكز، بوضوح، على إعادة إحياء دور إقليمي راجح للجمهورية الإسلامية في المنطقة، ولا سيما في لبنان. وعلى مستوى المواقف السياسية، أعلن وزير الخارجية الأميركي في وقت متأخر من المساء أن هذا الاتفاق الإطاري «يرسي أسس مسار محدد بوضوح، يهدف إلى استعادة سيادة لبنان، ونزع سلاح حزب الله، وتفكيك بنيته التحتية». أما الرئيس جوزاف عون، فشدد من جهته على أن الهدف المنشود هو «إرساء سيادة حصرية للدولة اللبنانية على أراضيها». وأضاف: «لم يعد جائزاً بعد اليوم الحديث عن احتلال، أو تبعية، أو وصاية»، في إشارة شبه واضحة إلى محاولات إيران فرض هيمنتها على الساحة اللبنانية. تصعيد عسكري، هرمز وعلي الطاهر على الصعيد العسكري، تجدر الإشارة إلى أن إبرام الاتفاق الإطاري في واشنطن سبقه إعلان الجيش الإسرائيلي، بعد ظهر السبت، «السيطرة الكاملة على تلة علي الطاهر»، ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة. وقال القيادة العسكرية الإسرائيلية: «نحن نسيطر الآن بالكامل على تلة علي الطاهر، وبذلك يكون حزب الله قد خسر معقله الذي كان يتيح له تهديد الأراضي الإسرائيلية». ولا تكتسب السيطرة على تلة علي الطاهر أهمية عسكرية فحسب، بل تشكل أيضاً لإسرائيل مكسباً جيوسياسياً أساسياً. فقد حوّل الحرس الثوري الإيراني باطن هذه المنطقة إلى شبكة واسعة جداً من الأنفاق والبنى التحتية، تضم غرف قيادة مجهزة بعناية، ومستودعات كبيرة للصواريخ والذخائر المتنوعة. وبات عشرات من عناصر حزب الله، والأهم من ذلك عدد من الضباط الكبار وكوادر الحرس الثوري، عالقين في هذه الأنفاق، من دون أي منافذ خروج، نتيجة سيطرة الجيش الإسرائيلي على المنطقة. ودفع هذا التطور مصدراً عسكرياً إسرائيلياً إلى القول إن السيطرة الكاملة على علي الطاهر من جانب قوات الدولة العبرية «تمثل نهاية دور إيران وحزب الله». غير أن الحزب الموالي لإيران نفى في وقت متأخر من المساء سقوط التلة المعنية في يد الجيش الإسرائيلي. وعلى المستوى الإقليمي البحت، اتهم الرئيس دونالد ترامب الجمهورية الإسلامية بخرق اتفاق وقف إطلاق النار، موضحاً أن الإيرانيين أطلقوا أربع طائرات مسيّرة باتجاه سفن في مضيق هرمز. وأكد الرئيس الأميركي أن ثلاثاً من هذه الطائرات أُسقطت في تلك المنطقة على يد القوات الأميركية، مشيراً إلى أن الطائرة الرابعة أصابت مباشرة الجزء العلوي من سفينة تجارية كبيرة، ما تسبب بأضرار جسيمة. وفي هذا الإطار، أفادت وسيلة إعلام إيرانية، السبت، بأن «قناة اتصال مباشرة أُنشئت بين الأميركيين والإيرانيين لتفادي أي خلل على مستوى مضيق هرمز». إلا أن هذه المعلومة نفاها لاحقاً، وبشكل قاطع، الحرس الثوري الإيراني. وقبيل منتصف الليل، أعلن الجيش الأميركي أنه نفذ ضربات ضد أهداف إيرانية في منطقة المضيق. وأوضحت القيادة العسكرية أن الطيران الأميركي شن غارات على مستودعات صواريخ وطائرات مسيّرة، وعلى مراكز رادار، رداً على الهجوم الإيراني على السفينة التجارية.

الخوف من صورة!
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

ليس امام لبنان غير متابعة المفاوضات مع إسرائيل بغية تحقيق الهدف المطلوب، أي تحقيق الانسحاب وعودة النازحين الى قراهم وبلداتهم. تلك هي الوطنية الحقيقية بعيدا عن الرغبة في الإنتماء إلى ماض طغت عليه الشعارات البراقة، من نوع "الصلاة في القدس" لم تؤد سوى إلى عودة الاحتلال. في النهاية، هناك واقع لا يستطيع لبنان الهرب منه إلى الأبد. لا يتمثل هذا الواقع، فقط، في أنّ على لبنان دفع ثمن الحروب التي شنتها إيران، عن طريق "حزب الله"، على الدولة العبرية. يتمثّل هذا الواقع أيضا في وجود مفاهيم جديدة في المنطقة وهي مفاهيم على لبنان التكيّف معها بدل البقاء في الأسر الإيراني. يُفترض بلبنان السعي إلى معرفة طبيعة الثمن الذي عليه دفعه في مقابل الانسحاب الإسرائيلي... هذا إذا كان مطلوبا التفادي في السقوط في الفخ الإيراني. في أساس هذا الفخّ رغبة "الجمهوريّة الإسلاميّة" بالمتاجرة بالبلد وأهله بغض النظر عن الخراب والدمار اللذين يعاني منهما الجنوب ومناطق أخرى. لم يتغيّر الهدف الإيراني يوما في لبنان. لذلك، لا يزال هناك رفض إيراني للإعتراف بالتغيير الذي حصل على صعيد المنطقة كلّها. لا يزال هناك إصرار لدى "الجمهوريّة الإسلاميّة" و "الحرس الثوري" على أن لبنان يصلح ورقة في أي مفوضات مع الولايات المتحدة. في مواجهة رفض إيران الإعتراف بالتغيير الذي حصل في المنطقة، يفترض في لبنان التوقف عن الهرب من الواقع من جهة ورفض الرضوخ للمنطق الإيراني من جهة أخرى. يعني ذلك أنّ لا معنى لتهرب ضباط لبنانيين يفاوضون الإسرائيليين في واشنطن من التقاط صورة للوفود المشاركة في المفاوضات. لن يقدّم ذلك ولن يؤخر، بمقدار ما يعطي صورة عن عقل لبناني متخلّف يصرّ على أن يكون لبنان تابعا لإيران لا اكثر. لا يفيد استرضاء إيران في شيء. لمثل هذا الإسترضاء نتيجة وحيدة هي بقاء الاحتلال وتكريسه. يقتات "حزب الله" من الاحتلال الذي تدفع إيران في اتجاه تكريسه خدمة للأوهام التي ما زالت تعيش في ظلّها. تتجاهل إيران أنّ الحروب الأخيرة كانت على ارضها وليس في مكان آخر وأنّها وجدت نفسها في نهاية المطاف تفاوض الأميركيين وتوقع معهم مذكرة تفاهم ليس ما يشير إلى أنّها ستحل أي مشكلة عالقة بين "الجمهوريّة الإسلاميّة" والولايات المتحدة أو بينها وبين إسرائيل... وحتّى بين "الجمهورية الإسلاميّة" ودول مجلس التعاون الخليجي الست. على هذه الخلفيّة، أقلّ ما يفترض في الضباط اللبنانيين إدراكه هو أنّهم لا يفاوضون اشباحا. إنّهم يفاوضون الجيش الإسرائيلي الذي يحتل ارضا لبنانية لن يخرج منها في حال احتفظ "حزب لله" بسلاحه. تكمن الجرأة، بكل بساطة في العمل من أجل انتهاء الاحتلال بدل تكريسه والإختباء خلف الشعارات الطنانة والهرب من صورة مع الوفد المفاوض. هل اللبنانيون الذين يفاوضون إسرائيل، بغطاء من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء خونة أم أنّهم زبدة الوطنيّة في بلد وقع تحت الاحتلال الإيراني الذي أعاد إسرائيل إلى الجنوب؟ لا يحتاج سيمون كرم رئيس الوفد اللبناني المفاوض، ولا السفيرة في واشنطن ندى حماده معوّض إلى شهادة في الوطنيّة من أحد. لا لشيء سوى لأن المفاوضات التي يخوض لبنان غمارها في العاصمة الأميركية، مفاوضات علنيّة، تستهدف التخلّص من الاحتلال قبل أي شيء. هل هناك مهمة أكثر نبلا من هذه المهمّة؟ يفاوض لبنان في ظروف معقّدة إلى ابعد حدود. لا يتعلّق الأمر بتعنت إسرائيلي بمقدار ما يتعلّق أيضا بتغيير كبير حصل داخل الدولة العبريّة حيث توجد أكثرية تؤمن بأن لا مجال للتعايش مع سلاح "حزب الله". لن يكون في استطاعة بنيامين نتانياهو تقديم أي تنازلات في ما يخص الانسحاب من لبنان في غياب ضمانات لبنانيّة واضحة في شأن سلاح "حزب الله". بكلام أوضح إن إسرائيل ما قبل "طوفان الأقصى" غير إسرائيل ما بعد الهجوم الذي شنته "حماس" على مستوطنات غلاف غزة في السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023. لا مجال لأي صفقات تحت شعار "قواعد الإشتباك"، لا مع "حماس" في غزة ولا مع "حزب الله" في جنوب لبنان. لم يعد واردا التوصل إلى مثل هذه الصفقات، خصوصا أن الإدارة الأميركيّة ليست مستعدة للذهاب بعيدا في ممارسة ضغوط على إسرائيل في لبنان. لم تعد المسألة مسألة الخوف من صورة. المسألة مسألة ظهور لبنان في واشنطن بوفد واحد موحّد يعرف ماذا يريد بعيدا عن المزايدات. السؤال في نهاية المطاف، هل يريد لبنان التخلّص من الأحتلال بدل العمل من أجل تكريسه أم لا؟ هل يريد تفادي الوقوع في الفخّ الإيراني الذي يقوم على المتاجرة بالجنوب والجنوبيين، خصوصا الشيعة منهم؟ الأكيد أن الخوف من صورة لا يبشر بالخير. ما يبشر بالخير وجود عزيمة لبنانيّة على المضي في المفاوضات عبر مسار مستقلّ عن المسار الأميركي – الإيراني. يشير ذلك إلى شجاعة لبنانية بدل التلطي بالشعارات والعقد المزمنة في وجه الاحتلال الإسرائيلي!

الأزمة، الكارثة واهتزاز العالم (1/7)

يتتبع هذا البحث تجليات الأزمة والكارثة، منذ الكوسمولوجيات القديمة وصولاً إلى التجربة المعيشة لعالمٍ يتعرض للاهتزاز. ومن خلال إقامة حوار بين الموروثات اليونانية والكتابية والهندية وفلسفة يان باتوتشكا، يتساءل عن الكيفية التي تصورت بها الحضارات الفوضى والانهيار واللاعودة، بل وحتى إمكان الفعل نفسه عندما يبدأ المعنى بالتزعزع. ويُنشر هذا النص في سبعة فصول متتابعة، يتبع فيها خيطاً فكرياً دقيقاً، لكنه أساسي: هل الكارثة قطيعة مفاجئة، أم تفكك بطيء للعالم، أم الحقيقة الأعمق لزمننا؟ وهذا هو الفصل التمهيدي. الأزمة والكارثة: علاقتان مختلفتان بالزمن على المستوى المفهومي، تنبسط الأزمة داخل منطقة انتقالٍ أنطولوجي؛ فهي ذلك الحيز الهش الذي يتأرجح فيه المعنى، معلقاً بين فعل النقد ودنوّ الكارثة. ولئن كانت الأزمة و النقد تشتركان في الأصل الاشتقاقي للفعل اليوناني krinein ، أي فعل الغربلة والتمييز والحسم، فإن كلاً منهما يؤدي وظيفة مغايرة ضمن منطق الحكم. فالأزمة هي اللحظة التي يغدو فيها توازن نظامٍ ما، أو وجودٍ ما، غير قابل للاستمرار؛ أما النقد، فينهض بوصفه ممارسةً تأملية تروم تحويل هذا الاختلال إلى أفقٍ للحقيقة أو إلى مخرجٍ قابل للفهم. [1] وتكمن مأساة كل نقد في أنه لا يستيقظ إلا على وقع الأزمات؛ فهو لا ينهض إلا عندما يكون التمزق قد وقع بالفعل. وفي المقابل، تحمل كل أزمة في أحشائها الأفق الشبحي لانحدارها نحو الكارثة. ومن ثم يمكن تعريف الكارثة بأنها أزمة بلغت ذروة نقديتها، أي تلك اللحظة التي تغمر فيها لا رجعة الكارثة القدرة على التمييز. وما دامت الكارثة لا تزال في طور الوشيك، يظل krinein في حال يقظة؛ إنه وعي متأهب يسعى إلى اكتشاف الشرخ قبل أن يستحيل هاوية. إنها لحظة القرار المعلّق، حيث يبقى التمييز بين الخلاص والهلاك ممكناً. غير أن krinein يتبدل في جوهره ما إن تحل اللاعودة. فهو لا يعود يفرز الإمكانات، بل يختم المصير؛ ولا يعود يحسم المآل، بل يكتفي بالإقرار بانغلاق المعنى. وبين هاتين الهاويتين، يذكرنا هذا «الجوال» الاشتقاقي بأن الفكر أشبه بسائرٍ على حبل مشدود فوق حدّ شفرة، يبذل جهده للإبقاء على حيّزٍ للتمييز في اللحظة التي يبدو فيها كل شيء مندفعاً نحو الحتمية. وتعطّل الكارثة استمرارية الحياة المألوفة؛ فهي تقطع السلاسل المعتادة للمعنى والسببية وإمكان الفهم، وتُحدث اختلالاً جذرياً، أي فقداناً للتناسب بين أطر التجربة وما يقع بالفعل. وعندئذٍ، لا يعود المألوف قائماً بوصفه عالماً؛ إذ يتفكك النسيج الذي كانت تستند إليه استمراريته. أما الأزمة، فلا تعلّق العالم المألوف، بل تُبقيه في حالة تعليق. فهي لا تقطع الاستمرارية، وإنما تجعلها غير محسومة، مضطربة، ومفتوحة على احتمالاتها. والأزمة، بهذا المعنى، نظام انتظار يعتمل في صميم العالم المألوف نفسه؛ فما تزال البنى قائمة، ولكن من دون حسم، كأن العالم يحافظ على توازنه فيما يعجز عن بلوغ مخرجٍ وشيك. إنها توترٌ ممتد أكثر منها قطيعة. تؤسّس الكارثة زمناً تالياً لا رجعة فيه. أما الأزمة، فتؤجّل هذا “الما بعد”، وتُبقيه معلّقاً من غير أن تمنحه قواماً نهائياً. والكارثة لا تكتفي بتفكيك التقويم الزمني، بل تعصف بالزمن نفسه بوصفه الحامل الأساسي للتجربة، فتحوّله إلى زمنٍ هائجٍ منفلت. وهي تُحمِّل الشيطاني دلالةً جديدة، لا بوصفه مجرد سلبٍ أو نفي، بل باعتباره نمطاً من أنماط اللاموجود يطارد العالم ويسكنه. وهكذا، لا تقتصر الكارثة على زعزعة تقطيع التاريخ، سواء في سرده أو في بنائه العلمي، بل تهزّ تقطيع الوجود نفسه، وتمسّ الكيفية التي ينتظم بها الزمان والوجود في علاقة واحدة. غير أن اختلاف الأنظمة الكوسمولوجية يفضي إلى اختلاف أنظمة الأزمات والكوارث والفعل السياسي. فالأنظمة الكوسمولوجية ليست مجرد خلفيات ميتافيزيقية، بل هي التي تُشكّل، في صمت، الأشكال ذاتها التي تتخذها الأزمة والكارثة والفعل السياسي. ففي كونٍ مستقر، تحكمه انتظاماتٌ معقولة ومراتب ثابتة، كما هو الشأن في بعض الكوسمولوجيات القديمة أو اللاهوتية السياسية، تبدو الأزمة، قبل كل شيء، اختلالاً داخلياً: اضطراباً يصيب نظاماً يُفترض أنه قابل للاستعادة، ومن ثم دعوةً إلى الإصلاح أكثر منها إلى إعادة التأسيس. أما في الكون الحديث منزوع السحر، حيث تخضع الطبيعة لقوانين لا شخصية ويظل التاريخ مفتوحاً، فإن الكارثة تميل إلى أن تتخذ صورة قطيعة بنيوية: انهيار المعنى، وتفكك الأطر المؤسسية، وانبثاق وقائع لا رجعة فيها. وعندئذٍ يتحول الفعل السياسي إلى إدارةٍ للمخاطر، واستباقٍ دائم لسيناريوهات الإخفاق، بل قد يغدو حكماً بمنطق الطوارئ. وفي الكوسمولوجيات الأخروية أو الرؤيوية، تصبح الأزمة بنيةً دائمةً ومشبعةً بالمعنى؛ فلا تعود حادثاً عارضاً، بل تغدو علامة، كما لا تعود الكارثة مجرد تدمير، بل كشفاً عن نهاية قصوى. وعندئذٍ قد يتأرجح الفعل السياسي بين الانسحاب من العالم، وتسريع الصراع، والتعبئة من أجل الخلاص. وهكذا، فإن تصور العالم بوصفه نظاماً دورياً، أو آلةً محايدة، أو مسرحاً أخروياً، يحدد العمق الأنطولوجي للأزمة، وزمنيتها، وأنماط الاستجابة الجماعية لها. غير أن هذه الأنظمة الكوسمولوجية لا تتعاقب ببساطة، ولا يُقصي بعضها بعضاً، بل تتداخل وتتفاعل وتتراكب في طبقات، فتولد تشكيلات هجينة تتأرجح فيها الأزمة بين الإصلاح والإدارة والكشف، بل قد تصبح هي نفسها أزمة الخوف من فقدان أفقها الكوسمولوجي والخضوع لأفق الآخر. [1] حول هذه الجينالوجيا الحديثة للعلاقة بين الأزمة والنقد، يُراجع: راينهارت كوزيليك ، Critique and Crisis: A Study of the Political Function of Dualistic Moral Thought (الأصل الألماني: Kritik und Krise. Eine Studie zur Pathogenese der bürgerlichen Welt ، 1959؛ الترجمة الإنجليزية: MIT Press، 1988). يُعدّ كوزيليك أحد أبرز مؤرخي تاريخ المفاهيم ( Begriffsgeschichte ). ويبيّن كيف حوّلت الحداثة الأوروبية النقد تدريجياً إلى قوة تاريخية مستقلة. ففي تحليله، لم يعد الفكر النقدي المنبثق عن عصر الأنوار يكتفي بفحص الواقع، بل غدا هيئةً أخلاقية وعقلانية تُحاكم الدولة والدين والنظام السياسي القائم. غير أن هذا الاستقلال الذي اكتسبه النقد أفضى، في الوقت نفسه، إلى إنتاج أزمة دائمة في شرعية السلطة السياسية. وهكذا، تتسم الحداثة بتوتر بنيوي يجعل النقد يُنتج باستمرار الأزمات التي يدّعي السعي إلى تجاوزها، فاتحاً أفقاً تاريخياً يتسم بعدم الاستقرار وبانتظار إعادة تأسيس المعنى. وإذا كان راينهارت كوزيليك ينظر إلى النقد بوصفه سمةً تأسيسية للحداثة الأوروبية، أي بوصفه دينامية داخلية في التاريخ السياسي لعصر الأنوار وللدولة الحديثة، فإن المؤرخ الهندي ما بعد الكولونيالي ديبيش تشاكرابارتي ، المتأثر بالتراث الماركسي وبمدرسة دراسات التابع، يكشف حدود هذا التصور الجيو-تاريخية. فالأزمة الحديثة، في نظره، ليست الأفق الكوني للسياسي، بل تجربة تاريخية مخصوصة عمدت أوروبا إلى تعميمها، حين رفعتها إلى مرتبة المعيار العالمي لفهم التاريخ. وفي كتابه Provincializing Europe: Postcolonial Thought and Historical Difference (Princeton University Press، 2000)، يسعى تشاكرابارتي إلى البرهنة على أن المفاهيم الأساسية التي تقوم عليها الكتابة التاريخية الحديثة، مثل التقدم، والعلمانية، والأزمة، والنقد، ليست صيغاً كونية لفهم التاريخ، بل بناءات فكرية نشأت من التجربة الفكرية والسياسية الأوروبية. ولا تنتهي أطروحته إلى تعميم “موقف لا نقدي”، بل إلى إعادة النظر في الشروط التي تجعل النقد ممكناً. غير أنها، في المقابل، تفتح إشكالية فلسفية حقيقية تتمثل في التوتر بين تعددية العقلانيات والحفاظ على أفقٍ مشترك للحكم. (النص مترجم من اللغة الفرنسية)