


أعلن مجلس الأمن الدولي في عام 2005 القرار رقم 1612و يقضي بتسمية الأطراف التي ترتكب انتهاكات خطيرة بحق الأطفال في النزاعات المسلّحة والحروب . سواء كانت دول أو قوى الأمر الواقع من ميليشيات وسلطات محلية غير شرعية و بموجب هذا القرار تصدُر "لائحة العار" بأسماء الدول والمنظمات حسب ترتیب عدد و طبيعة الانتهاكات التي تمارسها و قد كشف التقرير السنوي أنّ القوات المسلحة والأمنيّة ارتكبت 38 الف انتهاك ضد الأطفال حول العالم خلال السنة الماضية، وشمل التقرير الأُمَمي ستة عشر دولة أبرزها: افغانستان ، مالي، هايتي، ميانمار، الصومال، نيجيريا، السودان، ایران، واسرائیل.
و قد تبيّن أنّ القوات المسلّحة الأمنيّة الاسرائيلية ارتکبت ربع حالات الانتهاك المُوَثّقة بمعدّل يتجاوز 12,425 انتهاكاً ضد خمسة آلاف طفل جرى التحقيق معهم و ما زال التحقيق مستمراً مع خمسة آلاف حالة اخرى. لذا اُدْرِجَت قوات الامن الاسرائيلية بصفتها أكبر المُدانين و تصدّرت المرتبة الأولى في لائحة العار للمرة الثانية.
وقدّمت المديرة التنفيذيّة لليونيسف کاترين راسل إحاطتها حول الموضوع موضحة أن [الارقام الواردة في التقرير لا تعكس العدد الحقيقي للانتهاكات ضد الاطفال، لأن التقرير يشمل فقط الحالات التي تم التحقق منها...، إن كثيرا من الانتهاكات لا يُبَلّغ عنها لأسباب متعددة، منها صعوبة الوصول والخوف من الانتقام وغيرها.... ].
و يُبيّن التقرير أنّ 70% من الوفيّات والاصابات نتجت عن استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة بالسكان.
ان وضع اسرائيل في صدارة "لائحة العار" ليس مُرتَبِطاً بما يجري في فلسطين فقط حيث الانتهاكات لا تقل وحشية بحق أطفال لبنان وسوريا وكذلك الشعوب الإيرانية التي تعاني أصلاً من وحشية نظام الملالي. إلا أنّ هذه الانتهاكات تُشکّل تحدّياً كبيراً لكافّة دول العالم المتحضّر و خصوصاً للدول الديمقراطية المدافعة عن القانون الانساني الدولي ومجمل المواثيق التي ساهمت في صياغتها والدعوة لها حيث ينص القانون الدولي على مقاضاة الفاعل الرئيس المباشر وكذلك مقاضاة الأطراف المتواطئة مع المجرم، بحسب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948.
لذا يُعتبر التواطؤ شكلاً من أشكال المساهمة غير المباشرة يشمل الدعم المادي والدعم اللوجستي وكذلك الدعم المعنوي، وهذا يطال قانونياً الشركات المصنّعة للسّلاح وغيرها ذات الصّلة بكل امداد يخدم الجهد العسكري لِمُرْتَكبي جريمة الابادة. بما فيها شركات التكنولوجيا و الذكاء الاصطناعي.
بهذه المطالعة تحدثت وكيلة الأمين العام والممثّلة الخاصّة المعنيّة بالأطفال والنزاعات المُسَلّحة فانيسيا فرايزر قائلة : [إن التّقاعُس عن التحرّك ليس وليد الجهل ، بل هو خَيار سياسي واعٍ] و على هذه الشّهادة يمكن إعادة محاكمة مواقف كل الدّول ذات الصّلة بالجرائم المرتكبة بحق الاطفال في العالم اينما وُجدوا ولأي سبب تمّ انتهاك طفولتهم.
ان المسافة كبيرة وواسعة بين ما ينُصّ علیه القانون الدولي وبين حال البشرية الرّاهن على الرغم من التّقدّم العلمي الكبير إلا أنه لا يعني حتماً تقدّماً حضارياً.
العاصمة
تمّ تأجيل المُفاوضات حَوْل مدينة القدس الشرقيّة لما بعد المرحلة الانتقالية من "اتفاق أوسلو" و مُدّتها خمسُ سنوات و حين صار الوقت على مشارف الألفيّة الثالثة رفض رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهودا باراك نقاش قضايا الحل النهائي مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. ولم تنفع أيضاً الوساطة التي بذلها الرئيس الاميركي بيل كلينتون قبل خروجه من البيت الأبيض . حيث لم يقبل افكاره كلا الطرفين، وكان الحل عند اريئيل شارون عبر الاستفزاز المدروس والمنسّق مع ايهودا باراك باقتحام المسجد الاقصى و ما نَجَمَ عنه من رد فعل فلسطيني جماهيري اوّلاً وبالعودة للسلاح من جديد بقيادة حركة حماس ثانياً.. وعندما صار اريئيل شارون رئيساً للوزراء اصدر في 15-08-2005 أمراً بالانسحاب من قطاع غزّة تحت عنوان خطة "فكّ الارتباط".
وقدّم نموذجاً للحلّ على قاعدة الاحتفاظ بفكرة اسرائيل الكبرى والانسحاب من التجمّعات السكانيّة في المدن الفلسطينية فقط ، على أن تستمر عملية تهويد مدينة القدس الشرقيّة الخاضعة لقانون الضمّ منذ نهاية حرب حزيران 1967.
هذا النموذج للحلّ استمرّ في التطبيق العملي لتهويد المدينة العاصمة لدولة فلسطين من خلال وضع سُكّانها في حالة قانونية خاصّة تمنعهم من حمل الهويّة الفلسطينيّة، وتمنعهم من حمل الجنسية الاسرائيلية مثل فلسطينيي الداخل..لذا منحتهم الحكومة بطاقات تحمل صفة "المقيم الدائم" الذي يحق له التصويت لبلديّة المدينة فقط . وليس للكنيست وفي كلّ مرّة كانت تجري انتخابات تشريعيّة فلسطينية تبدأ المعركة على حق المقدسيين بالتصويت لصالح السلطة الوطنية ومجلسها التشريعي حيث يبدأ الموقف الاسرائيلي رافضاً مشاركتهم في الانتخابات الفلسطينيّة.بينما يستمرّ وضعهم، بموجب القانون الدولي، سُكّان ارض مُحتلّة يحتاجون لحماية دوليّة.
لقد تبرّع الرئيس ترمب منذ ولايته الاولى بقرار ضم اسرائيل للقدس الشرقيّة ونقل السفارة الامريكية من تل أبيب اليها من دون الاكتراث لِما فعله و زاد في الأمر، اغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن. أمّا في شهر أيار/ مايو الماضي صادق الكنيست الاسرائيلي بالقراءة الأولى على مشروع قانون إقامة "سلطة التراث في يهودا و السامرة" الاسم التوراتي للضفّة الغربيّة. و يحتاج القانون للقراءة الثانية و الثالثة كي تصبح كافّة الآثار في الضفّة الغربية تحت سلطة حكومة اسرائيل وهي آثار منتشرة في كل مكان تقريباً منذ العصر الكنعاني حتى الروماني و العثماني بما يجعل سلطة الآثار تستطيع الترميم و الانشاء و البيع و الشراء من دون أي عائق.
ما يسمح لاسرائيل مصادرة كل منطقة في مدينة القدس والضفة الغربيّة عموماً وبالنسبة لهم تُعتبر القضية المركزية الكبرى تبدأ بالهيكل المدفون تحت المسجد الاقصى حسب سرديتهم. ومن أجل هذا تتخذ حكومة نتنياهو إجراءات ضد ادارة المسجد عبر احتلال اجزاء داخله ليتمركز به الجنود و"وحدة حُرّاس الهيكل" لحماية من يريدون إقتحام المسجد وممارسة الشعائر الخاصّة بهم داخله لذا سيطر الجنود على اربعة مواقع داخل المسجد الاقصى هي قبّة الإمام الغزالي، وقبّة سليمان ، وقبّة موسی ، ودار الحديث الشريف ، كما ابعدت قوى الامن 37 حارس وموظف لتقليص عدد الحراس الفلسطينيّين من خمسين حارس إلى عشرين في كل مناوبة ، فضلاً عن سحب تصاريح ثلاثين من العاملين في المسجد المُقيمين في الضفة الغربية بينما تعلن شرطة الاحتلال عن مسابقة لجذب متطوّعين جُدُد "لوحدة جبل الهيكل" من عتاة المتطرّفين اليهود.
تلك السياسات التي تمسّ بالاتفاقات المعقودة مع السلطة الفلسطينيّة والمملكة الأردنية الهاشمية بصفتها صاحبة الولاية على المسجد الاقصى منذ عشرينات القرن الماضي، لا تجد من نتنياهو إلا تصريح مقتضب يدّعي بأنهم لم يغيّروا شيئاً في الواقع.
إلّا أنّ "حركة السلام الآن" على ضعف أنصارهم الجهة الوحيدة التي قالت : [إنّ مشروع القانون هذا، اذا تمّ إقراره في الكنيست، يشكّل اجراء ضمّ بكل المقاييس و مُصادرة واسعة النطاق للاراضي الفلسطينية.]