شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
صراع كل التناقضات
بقلم
ميشال توما
نُشر

سيبقى الصراع الطويل والمستمر، الذي أشعلته الانحرافات المتواصلة للنظام الإيراني، على الأرجح في سجلّ التاريخ بوصفه صراع الخطب الرنانة والاستعراضات الكلامية التي يلجأ إليها أطرافه لإقامة ستار كثيف من الدخان يخفي بصعوبة إخفاقاتهم الداخلية، ويخفي قبل كل شيء حالة مذهلة من التناقضات العامة. وتتجلى هذه التناقضات يومًا بعد يوم في وقائع تتعارض كليًا مع الخطابات الحربية وغير العقلانية التي يطلقها كل طرف. فعلى سبيل المثال، اختار المسؤولون الإيرانيون السير في طريق التوصل إلى اتفاق دائم ذي طابع استراتيجي مع الولايات المتحدة. لكنهم، في الوقت نفسه، يواصلون وصف الولايات المتحدة بأنها "العدو" و"الشيطان الأكبر" الذي ينبغي القضاء عليه والثأر منه "حتماً"، عاجلًا أم آجلًا، مهما كانت الظروف، وفق ما جاء في بيان نُسب مساء السبت إلى المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، الغامض والمتواري عن الأنظار، والذي لا يزال من غير المعروف ما إذا كان على قيد الحياة أصلًا، وإن كان كذلك، فهل يتمتع فعلًا بكامل قدراته الذهنية، أم أن حضوره الافتراضي يُبقيه الحكام الجدد في طهران حاضرًا في الأذهان لينسبوا إليه القرارات والمواقف تبعًا لتطور الأحداث وتبدّل موازين القوى داخل ما تبقى من الجمهورية الإسلامية. ولإكمال المشهد، تجدر الإشارة إلى أن كبار المسؤولين الإيرانيين وقعوا بالفعل مع واشنطن خارطة طريق تنص على إجراء مفاوضات تمتد على ستين يومًا، لكنهم لا يفوتون أي فرصة للتأكيد أنهم لا يثقون بالولايات المتحدة، وأنهم لن يقبلوا ببدء المفاوضات إلا إذا "غيّرت الإدارة الأميركية سلوكها"، و"أوقفت تهديداتها"، و"احترمت بنود مذكرة التفاهم". غير أن هذا الرفض للمفاوضات لم يمنع استئناف الحوار الثنائي المباشر ــ مهما بلغت درجة التناقض ــ عبر اجتماع للخبراء الأميركيين والإيرانيين، كان مقررًا عقده يوم الأحد 12 تموز في باكستان. وقد بلغت اللهجة العدائية، بل والمهينة أحيانًا، التي يعتمدها أركان الجمهورية الإسلامية تجاه الولايات المتحدة، رغم أن أي مفاوضات سلام يفترض أن تجري في أجواء هادئة، ذروتها منتصف الأسبوع، عندما "نصح" المندوب الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة السفير الأميركي، خلال جلسة لمجلس الأمن، بأن يكون "مهذبًا"، مضيفًا أن ذلك "سيكون أفضل له ولبلاده"! التناقض الأميركي لكن التناقض لا يقتصر على الجانب الإيراني وحده. فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في منتصف الأسبوع الماضي، أن المفاوضات مع المسؤولين الإيرانيين، الذين وصفهم بأنهم "مرضى"، "لا جدوى منها وتمثل مضيعة للوقت"، مؤكدًا في الوقت نفسه أن مذكرة التفاهم مع إيران "أصبحت لاغية". ومع ذلك، أعطى الضوء الأخضر لاستئناف المحادثات، مؤكدًا أن الإيرانيين طلبوا صراحة إعادة إطلاق المفاوضات، وأنه وافق على طلبهم، لكنه أبلغ الجمهورية الإسلامية في الوقت نفسه أن وقف إطلاق النار أصبح من الماضي. وسارع المسؤولون الإيرانيون إلى الرد، السبت، مؤكدين أنهم لم يطلبوا إطلاقًا استئناف المفاوضات، وأن ما يُتداول بهذا الشأن ليس سوى "ادعاءات" تنقلها "وسائل إعلام مقربة من إسرائيل". وأضافوا أن إيران ترفض استئناف الحوار مع المفاوضين الأميركيين ما لم تتراجع إدارة ترامب عن "مواقفها العدائية"، وما لم يتم تشكيل اللجنة الأميركية–اللبنانية–الإيرانية المكلفة معالجة ملف جنوب لبنان، وفقًا للاتفاق الذي تم التوصل إليه مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في إطار مذكرة التفاهم، في إشارة واضحة إلى أن إيران تعود للمطالبة بإعادة الإمساك بالورقة اللبنانية، متجاهلة السياسة التي تعتمدها الدولة اللبنانية في هذا الملف. كما برزت تناقضات مواقف الأطراف السبت أيضًا في ملف مضيق هرمز. فقد وجهت إدارة ترامب إلى طهران إنذارًا نهائيًا طالبتها فيه بنشر وثيقة رسمية تعترف بأن الهجمات الإيرانية، التي استهدفت مطلع الأسبوع ثلاثة سفن في مضيق هرمز، كانت خطأ. كما طالبت الجمهورية الإسلامية بأن تتعهد علنًا وخطيًا بعدم تكرار أي اعتداءات على ناقلات النفط التي تعبر هذا الممر البحري. وردت السلطات الإيرانية على الإنذار الأميركي بالقول إن الهجمات التي استهدفت السفن الثلاث كانت "خطأً تقنيًا"، رغم أن الاعتداءات استمرت على مدى أربع وعشرين ساعة. والمفارقة أن هذا التفسير "التقني"، الذي ينفي وجود أي قرار سياسي متعمد، اعتبره بعض المسؤولين الأميركيين تفسيرًا مقبولًا بكل بساطة. أما بالنسبة إلى البيان المتعلق بالتعهد بوقف الاعتداءات على السفن، فقد التفّت إيران عليه بإيفاد وزير خارجيتها، السبت، إلى سلطنة عُمان لإقناع السلطنة بإصدار بيان مشترك يؤكد ضرورة ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، بما يسمح للجمهورية الإسلامية بتجنب إعطاء الانطباع بأنها رضخت للإملاءات الأميركية في هذا الشأن. ويبقى السؤال: هل ستنخرط إدارة ترامب، هي الأخرى، في هذه اللعبة الإيرانية؟ اجتماع عسكري لبناني–أميركي على الصعيد اللبناني، زار وفد عسكري أميركي، السبت، اليرزة، حيث عقد اجتماعًا مع قائد الجيش وكبار الضباط لوضع التفاصيل النهائية الخاصة بإقامة المناطق التجريبية التي ستتولى مسؤوليتها القوات المسلحة اللبنانية، وفقًا للاتفاق الإطار الموقع بين لبنان وإسرائيل. ومن المتوقع أن تبدأ الخطوات التنفيذية الأولى لهذا المسار خلال الأيام القليلة المقبلة. وفي هذا السياق، أعلن الجانب اللبناني رسميًا مساء السبت أن لبنان سيشارك في الجولة الجديدة من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، المقررة هذه المرة في روما يومي 15 و16 تموز، برعاية وإشراف أميركي. وكان لبنان قد اشترط للمشاركة في هذه الجولة أن يبدأ فعليًا تنفيذ عملية إقامة المناطق العازلة، بما يتضمن انطلاق انسحاب إسرائيلي أولي، وهو ما بدا أنه تحقق مساء السبت.

الحرب والمعرفة الجغرافية المرة

في الحياة العادية نعيش ما يسميه الأنتروبولوجيون المكان "milieu" فضاء مشحون بالذاكرة والعلاقات: البيت، الساحة، الدكان، الجامع او الكنيسة، والطريق الى المدرسة. في الحرب يتحول المكان إلى فضاء: يُقاس ويُدار: مدى، زاوية رؤية، خط إمداد. هذا انتقال من المعنى إلى الوظيفة، من السكن إلى الحساب والتعداد. كأن الأرض تُنزع منها قصتها وتُعاد كتابتها بلغة عسكرية. الحرب تكسر الانتماء. يبنى الانتماء عادةً عبر الاستقرار والتكرار الروتيني: نفس الطريق، نفس الوجوه ونفس العادات. حين يصبح المكان مهدداً، يتبدّل الانتماء إلى حالة قلق: تنتمي إلى مكان قد تضطر لمغادرته في أي لحظة. هنا يظهر شكل من "الانتماء المؤقت" - تحب المكان لكنك لا تثق بإمكانية البقاء فيه. هذه مفارقة تُحدث شرخاً داخلياً دائماً. كذلك الجسد، فذلك المُنساب والمترسخ في المكان، في زمن السلم، دون تفكير، فإنه يتعلم في زمن الحرب: أن ينحني ان يدخل عالم الحسابات: يختبئ، يقدّر المسافات، يقرأ الأصوات، يتلفت حوله ويتحرك. تصبح الحواس جهاز إنذار. الأرض تُفهم وتقدّر عبر الخطر: أين تختبئ؟ أين تمرّ؟ أي طريق أقل انكشافاً؟ أي توقيت؟ هذه "معرفة جسدية" تُعيد تشكيل علاقتنا بالعالم على مستوى لاواعي. ليس المكان وحده الذي يتبدّل؛ الزمن أيضاً. في الحرب، الزمن يتكثف: لحظات قصيرة تحمل قرارات حياة أو موت. ينتقل الإنسان من زمن ممتد (ماضٍ–حاضر–مستقبل) إلى حاضر ضاغط. هذا ما يُضعف القدرة على التخطيط ويقوّي رد الفعل. الأرض لم تعد مسرحاً لحياة تُبنى، بل لحظات تُدار. تحوّل الحروب البشر الى أرقام. فلسفياً، هذا جزء من "عقلنة" الحرب: تحويل البشر إلى وحدات قابلة للحساب. هنا يحدث اغتراب مزدوج: عن الذات (أنا لست مجرد رقم)، عن الأرض أيضاً (التي لم تعد تعترف بقصتي بل بموقعي). كل هذا يهدد فكرة الكرامة المرتبطة بالاسم والسيرة. لا تعود الأرض محايدة بعد الحرب. كل تلة أو جسر يحمل أثراً: خسارة، خوف، نجاة. الذاكرة تُلصق بالمكان وتُعيد إنتاجه. لذلك لا تكون العودة بعد الحرب عودة إلى "نفس" المكان، بل إلى مكان مُعاد شكله وتعريفه. وهذا يفسر لماذا قد يشعر الناس بالغربة في قراهم نفسها. والأرض نفسها تُقرأ بعيون مختلفة بعدما تم التعامل معها: كموقع دفاع، ومنصة رصد، بيت غير آمن، أو طريق هروب. توجِد الحرب جغرافيات متراكبة بدل جغرافيا واحدة. هذا التعدد يخلق صراعاً على المعنى، وليس فقط على السيطرة. من يملك الأرض؟ ليس فقط من يسيطر عليها، بل من يفرض تفسيرها. بالتالي نجد ان هذه الحرب كشفت لنا عن جغرافية جديدة للبنان لم نكن نعرفها. القرى اصبحت مواقع عسكرية والطرق ممرات للهروب من جحيم الحرب، والأنهر حيطان، الجسور تهدم لقطع التواصل، والهضاب تصبح اماكن مطلة لرصد العدو، يستميتون لاحتلالها للكشف والمراقبة!! البشر تحولوا ارقاماً تحصى مقتولة او مفقودة او مهجرة او متسولة.. السيارات تحولت بيوتاً، والبيوت هدمت... تعرفنا على قرى وطرق وتلال ووديان ووهاد وعرة، تمنع التقدم او تسهّله… لم نكن نعرف بلدنا بهذه الصورة. لم نعد بشراً لنا تاريخ وذكريات ومهنة، صرنا أهدافاً للطائرات والصواريخ والمسيرات... وساحة قتال لعدو يستسهل احتلالنا والاعتداء علينا، ليقاتل مرتزقة وجنود بلد غازٍ ( بواسطة ضباطه مباشرة وبواسطة حزبه الذي يعرّف نفسه كجندي ايراني)، تستغلنا ايران للوصول الى البحر المتوسط (حلمها منذ قورش) والتي تعود عنه خائبة في كل مرة...يدهشني ذلك كله وأقف متأملة أمام هذه المعرفة المرّة والمفارقة ...المعرفة الكئيبة والمؤلمة. الحروب لا تغيّر السياسة فقط، بل تعيد رسم الجغرافيا في عيون الناس. المكان نفسه يبقى، لكن معناه ينقلب. القرية التي كانت حياةً وعلاقات، تصبح موقعاً؛ الطريق الذي كان وصلاً، يصير احتمال نجاة؛ والجسر الذي كان يختصر المسافة، يتحول إلى هدف. هذه ليست مجرد "معرفة جديدة"، بل هي تشويه لعلاقة الانسان بمكانه. الجغرافيا في زمن السلم تُعاش، وفي زمن الحرب تُقاس: مسافة قصف، مدى رؤية، خط إمداد، أو طريق هروب. حتى اللغة تتبدّل: بدل أن نقول "بيت"، نقول "نقطة"، وبدل "وادي" نقول "ممر"، وبدل "تلة" نقول "موقع". والأقسى أن الإنسان نفسه يُختزل. ليس فقط إلى رقم، بل إلى فئة: قتيل، مفقود، نازح، أو منتظر للمساعدة. هذه عملية تجريد قاسية، لكنها جزء من منطق الحرب الذي يحتاج إلى الاحصاء والتبسيط ليستمر. هنا تحديداً يبدأ الألم العميق: حين يشعر الإنسان أنه فقد فردانيته، وصار مجرد "حالة".

الناتو 3.0: صحوة العملاق العثماني داخل الحلف (2/2)

سيبقى الثامن من تموز/يوليو 2026 تاريخًا مفصليًا في تاريخ حلف شمال الأطلسي. فقد أظهر «إعلان أنقرة»، الصادر في ختام قمة الناتو التي عُقدت في تركيا، تحولًا عميقًا على المستويات التكنولوجية والمالية والجيوسياسية. ويجسد هذا الانتقال إلى «الناتو 3.0» إعادة تمحور الحلف حول عقيدة تقوم على التفوق المعلوماتي والدفاع الإقليمي عالي الكثافة، مع ترسيخ مكانة تركيا بوصفها الركيزة الأساسية للجناح الجنوبي للحلف. ثورة مالية: بنك الدفاع والصمود يُعدّ أحد أكثر جوانب القمة ابتكارًا هو الاستجابة للتحديات المالية المرتبطة بإعادة التسلح. فمع أن الاتحاد الأوروبي أنشأ عام 2025 صندوق «SAFE» (العمل الأمني من أجل أوروبا) بقيمة 150 مليار يورو لدعم الدفاع، وهو صندوق استُبعدت منه كل من كندا وتركيا، كان لا بدّ لحلف شمال الأطلسي من إيجاد آلية خاصة تتيح إشراك هذين البلدين. وفي وقت التزمت فيه الدول الأعضاء برفع إنفاقها الدفاعي إلى ما يصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، أعلنت تسع دول، من بينها تركيا وكندا، إنشاء «بنك الدفاع والأمن والصمود». وسيكون مقر هذه المؤسسة في كندا، مع قدرة تمويلية ضخمة تبلغ 134 مليار دولار. ويتمثل هدفها الرئيسي في توفير قروض بشروط تفضيلية لدعم مشاريع البنى التحتية ذات الاستخدام المزدوج (المدني والعسكري)، إلى جانب تعزيز الدفاع السيبراني وتمويل إعادة تسليح الدول الأعضاء بشكل مباشر. العقيدة المعلوماتية: الذكاء الاصطناعي و«سحابة القتال» تمثل قمة أنقرة انتقالًا من الرؤية العسكرية التقليدية، القائمة على عدد الدبابات والفرق العسكرية، إلى عقيدة ترتكز على التفوق في اتخاذ القرار. وبالنسبة إلى الناتو، يعني ذلك أن تكون قواته المسلحة قادرة على فهم الموقف، واتخاذ القرار، والتحرك بسرعة وكفاءة أكبر من الخصم. ولم يعد الأمر يتعلق بالتفوق المادي وحده، إذ تقوم هذه العقيدة على ثلاثة ركائز: السيطرة على البيانات: عبر الدمج الفوري للبيانات الواردة من الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة والرادارات والمصادر السيبرانية، وتحليلها بواسطة الذكاء الاصطناعي. تسريع دورة القيادة والسيطرة: من خلال «المحاكاة الحربية الرقمية» (Wargaming)، وهي محاكاة استراتيجية تضع فرقًا بشرية أمام سيناريوهات شديدة الواقعية، بما يسمح باختبار الخطط من دون مخاطر فعلية، وكشف الثغرات اللوجستية والتكتيكية، فيما يقوم الذكاء الاصطناعي بتحليل كل قرار لتقديم مؤشرات مفيدة إلى هيئات الأركان. الحماية من الحرب الإدراكية: عبر اتخاذ تدابير تهدف إلى حماية القادة والسكان من عمليات التلاعب والمعلومات المضللة. وفي هذا الإطار، بدأت تتبلور «سحابة القتال» (Warfighting Cloud)، وهي شبكة قتالية سحابية عابرة للأطلسي وقابلة للتشغيل البيني، تربط في الزمن الحقيقي جميع أجهزة الاستشعار التابعة للحلفاء. فالمقاتلات والسفن والرادارات الأرضية ومنظومات الأقمار الاصطناعية تدمج بياناتها لتوفير رؤية فورية وشاملة لساحة المعركة. وقد أقرّ الإعلان الختامي للقمة دمج نماذج متقدمة من الذكاء الاصطناعي في تخطيط العمليات وتنفيذها. أما الهدف فهو واضح: تقليص زمن اتخاذ القرار بحيث يتمكن الناتو من الاستجابة بسرعة أكبر من خصومه في مواجهة تهديدات تزداد تعقيدًا وتسارعًا. قطاع صناعي قياسي: أواكس و«درون إدج» أظهر الجانب الصناعي من القمة حيوية غير مسبوقة، مع توقيع عقود تجاوزت قيمتها 50 مليار دولار في يوم واحد. ويجسد إعلانان رئيسيان هذا التوجه نحو التحديث. أولًا، استبدال أسطول طائرات الإنذار المبكر الأمريكية «أواكس» (AWACS) الذي بات متقادمًا. وقد اختار الناتو نظام GlobalEye الذي تطوره شركة «ساب» السويدية. ويحمل هذا القرار أهمية استراتيجية كبيرة، إذ يُعد «غلوبال آي» من بين الأنظمة القليلة القادرة على كشف وتتبع التهديدات الجديدة المتمثلة في الصواريخ فرط الصوتية، التي أصبحت مصدر قلق رئيسيًا للأمن الأوروبي. ثانيًا، إطلاق مبادرة «NATO's Drone Edge» بميزانية ضخمة تبلغ 40 مليار دولار على مدى خمس سنوات. ويهدف هذا البرنامج إلى شراء أنظمة مستقلة وغير مأهولة في مختلف المجالات، تشمل الطائرات المسيّرة، والمسيّرات البحرية، والروبوتات البرية. وفي هذا السياق، أكد الحلف بالفعل شراء طائرات الاستطلاع المسيّرة عالية الارتفاع «ترايتون» (Triton) من شركة Northrop Grumman الأمريكية، بما يعزز مراقبة الحدود والمناطق ذات الأهمية الاستراتيجية. الانكفاء الأميركي والاستقلالية الأوروبية بدأ البنتاغون تنفيذ انسحاب مادي جزئي من القارة الأوروبية، انسجامًا مع استراتيجية الأمن الأميركية التي أُعلنت أواخر عام 2025. فقد سحبت الولايات المتحدة واحدة من حاملتي الطائرات المخصصتين لمنطقة الناتو. كما سحبت قاذفة استراتيجية واحدة من أصل اثنتين، وخفضت ثلث أسطولها من مقاتلات F-15 المنتشرة في أوروبا، إضافة إلى تقليص عدد طائرات Reaper المسيّرة، الأساسية في مهام المراقبة، إلى النصف. ويفرض هذا الانسحاب عمليًا على الدول الأوروبية تولي مسؤولية أكبر في الدفاع عن نفسها. وهذا هو جوهر «الناتو 3.0»: تحالف لم يعد الأوروبيون وكندا وتركيا فيه مجرد شركاء من الدرجة الثانية، بل أصبحوا ركائز الدفاع الجماعي، ولا سيما في مواجهة التهديدات التقليدية على الأراضي الأوروبية، فضلًا عن التهديدات الأخرى على الجناح الجنوبي للحلف. بيان ختامي عالي الكثافة يعيد «إعلان أنقرة» التأكيد على المادة الخامسة من معاهدة الحلف، التي تنص على أن «أي اعتداء على أحد الحلفاء يُعد اعتداءً على الجميع»، مع التشديد في الوقت نفسه على دعم أوكرانيا والاستعداد لحروب عالية الكثافة. وخلال عام 2026، سيخصص الحلفاء، ومعظمهم من الدول الأوروبية، 70 مليار يورو لتجهيز القوات الأوكرانية وتدريبها، مع التزام بتجديد هذا الدعم في عام 2027. كما يتناول الإعلان إيران، مؤكدًا أنها يجب ألا تمتلك السلاح النووي، ومطالبًا باحترام حرية الملاحة في مضيق هرمز. وبذلك يعيد «الناتو 3.0» تركيز الحلف على الردع والدفاع. وبين الابتكارات التكنولوجية، والأدوات المالية السيادية، وتزايد مسؤولية الأوروبيين في ظل الانسحاب الأميركي الجزئي، يستعد الناتو لمواجهات ستكون فيها البيانات والاستقلالية عاملَي الحسم. تركيا الرابح الأكبر في القمة... ولكن خرجت تركيا من القمة بوصفها أحد أبرز المستفيدين من «الناتو 3.0»، بعدما حققت مكاسب دبلوماسية وصناعية مهمة، وإن لم تنجح في تحقيق جميع طموحاتها. وبصفتها الدولة المضيفة للقمة، عززت مكانتها كحلقة وصل بين الشرق والغرب، وانضمت إلى الدول التسع المؤسسة لـ«بنك الدفاع والصمود» الجديد، الذي يدير أصولًا بقيمة 134 مليار دولار، ما يوفر رافعة محتملة لصناعاتها الدفاعية. كما أن التركيز على مبادرة «Drone Edge» البالغة قيمتها 40 مليار دولار، ودمج الذكاء الاصطناعي، يؤكدان صواب استراتيجيتها القائمة على الأنظمة المستقلة، ولا سيما الطائرات المسيّرة، ويضعان شركاتها في موقع الشريك الأساسي داخل الحلف. من جهة أخرى، وافقت واشنطن على بيع محركات مخصصة للمقاتلة التركية المستقبلية Kaan ، في صفقة تُقدّر قيمتها بنحو 700 مليون دولار. ومع ذلك، ورغم التحول الدبلوماسي الذي يميل إلى رفع القيود تدريجيًا عن بيع المكونات العسكرية الغربية ومقاتلات F-35 الأميركية لتركيا، فإن رفع الفيتو الذي يفرضه الكونغرس الأميركي لا يزال شرطًا أساسيًا لتحويل هذه التوجهات إلى واقع.

الأزمة، الكارثة واهتزاز العالم (7/7)

يقترح هذا البحث رحلةً عبر تمثلات الأزمة والكارثة، من الكوسمولوجيات القديمة إلى التجربة المعيوشة لاهتزاز العالم. ومن خلال الجمع بين الإرث اليوناني والكتابي والهندي وفكر يان باتوتشكا، يتساءل عن الكيفية التي تصورت بها الحضارات الفوضى والانهيار واللا رجعة، بل وحتى إمكانية الفعل نفسها حين يبدأ المعنى في التصدع. وقد نُشر هذا النص في سبعة فصول مترابطة، يتتبع فيها خيطاً فكرياً دقيقاً لكنه أساسي: هل الكارثة قطيعة مفاجئة، أم تفكك بطيء للعالم، أم الحقيقة الأعمق لعصرنا؟ وهذه هي الحلقة السابعة والأخيرة. أنظمة الاهتزاز: باتوتشكا، البوروشا، ومسألة الجبهة في العصر الخوارزمي غير أن لكل نظام نسقه الخاص من الاهتزاز، ضمن أفق فكري يستلهم أعمال يان باتوتشكا (1907-1977). ولكي يتضح مدى أهمية هذا الطرح، ينبغي أولاً تحديد طبيعة المشروع الفلسفي لهذا الظاهراتي التشيكي. فقد كان تلميذاً لكل من إدموند هوسرل ومارتن هايدغر، لكنه لم يفكر في العالم من راحة كرسي جامعي، بل من قلب الاضطرابات السياسية والتشبع الإيديولوجي اللذين طبعا القرن العشرين. وبصفته أحد مؤسسي ميثاق 77 في براغ وناطقه الرسمي، وهو مبادرة مدنية أخلاقية للدفاع عن الشرعية وحقوق الإنسان دفع حياته ثمناً لها، بلور في كتابه “المقالات الهرطوقية في فلسفة التاريخ” مفهوم “الاهتزاز” الجذري. [1] ولا يدل الاهتزاز، بعيداً عن كونه مجرد رد فعل سياسي، على تحول في علاقة العالم بذاته داخل التجربة التاريخية. فقبل الصدمة، يعيش الإنسان داخل “عالم الحياة” ( Lebenswelt ) اليومي، حيث تهيمن اعتبارات البقاء والراحة والإدارة التقنية: فضاءٌ وظيفي تتعاقب فيه الأشياء والأدوار من غير أن يُطرح السؤال عن أي معنى نهائي. [2] ويقع الاهتزاز حين تبدأ هذه البنية القائمة على البداهات العملية بالتشقق. [3] فالعالم لا يختفي، لكنه يكف عن أن يكون مفهوماً بصورة بديهية، فيُجبر الإنسان على الانتقال من مجرد البقاء البيولوجي إلى وجود روحي عارٍ. [4] ويرتبط هذا الاهتزاز، عند باتوتشكا، ارتباطاً مباشراً بتجربة الانفجار التاريخي والخطر الأقصى. وهو يرث بذلك، وفي الوقت نفسه يقلب، النشأة الهايدغرية لمفهوم الدازاين، التي كانت هي الأخرى مسكونة بصدمة الحرب العالمية الأولى. فقد وجد مفهوم Unheimlichkeit عند هايدغر، أي فقدان الألفة أو اكتشاف الإنسان أنه بلا مأوى، جذره التاريخي الخفي في تجربة الخنادق، حيث انهار العالم المألوف ليترك الإنسان وجهاً لوجه أمام الاحتمال الخام للموت. ولدى الفيلسوفين معاً تؤدي الكارثة وظيفة ظاهراتية كبرى، إذ تحطم قابلية العالم للاستعمال. فعند مواجهة الخطر، تكف الأشياء عن أداء وظائفها، وتتوقف الروتينات، وتفقد الخطابات الرسمية مظهرها الزائف من الحقيقة. ويختبر الدازاين عند هايدغر قلقه أمام العدم، بينما يُلقى الإنسان المهتز عند باتوتشكا في مواجهة محدوديته القصوى. وفي الحالتين يبقى العالم قائماً، لكن قابليته الفورية للفهم تكون قد انهارت، فيُنتزع الإنسان من ثرثرة “الهم” ( Das Man ) ومن بداهاته المطمئنة. [5] غير أن باتوتشكا يفارق أستاذه الألماني جذرياً عند مخرج هذه الأزمة، إذ ينجز انعطافة أخلاقية حاسمة. ففي فلسفة هايدغر، يفضي الخروج من اللاأصالة إلى أنطولوجيا فردية: فـ الوجود نحو الموت يعزل الدازاين، لأن أحداً لا يستطيع أن يموت مكاني. وتتحقق الأصالة عبر “العزم” ( Entschlossenheit )، وهو قرار سيادي، مأساوي ومنفرد، يتقبل فيه الإنسان مصيره الخاص. وهذه الأولوية الممنوحة للقرار الخالص، المنفصل عن أي مطلب أخلاقي كوني، هي التي أتاحت لهايدغر تاريخياً الانزلاق إلى وهم عزم جماعي تجسد في المصير القومي الاشتراكي. أما باتوتشكا، فيرى على العكس أن الكارثة لا تفرق البشر، بل تؤسس مجتمعاً مفارقاً. فذروة العنف تفتح قفزة إلى ما وراء القوة: فالإنسان المهتز ليس مجرد من يخاف الموت جسدياً، بل من يدرك فجأة أن الحرب والتنظيم التقني وصراعات المصالح ليست سوى أصنام خاوية. ولأن ضحايا الكارثة يتقاسمون التجرد نفسه، فإنهم يعترفون بعضهم ببعض بوصفهم كائنات حرية، خرجت نهائياً من سلطان القوة. وإذا مددنا هذا المنظور الظاهراتي عبر “الأنظمة الكوسمولوجية” المختلفة، أي عبر الكيفيات التاريخية التي ينكشف بها العالم وينتظم، اتضح أن لكل عصر هشاشته الأنطولوجية الخاصة. فالنظام لا يتحدد فقط بأدواته أو بأزماته الداخلية، بل أيضاً بالمسار الذي يتخذه اهتزازه. ففي النظام الدوري، القريب من الأزمنة الأسطورية أو من السامسارا، حيث تستند الاستمرارية إلى التكرار الكوني، يتخذ الاهتزاز شكل انقطاع العودة نفسها، أي دوار التصدع الذي يصيب يقين التكرار. أما في النظام الأخروي، المشدود إلى وعد بالخلاص أو إلى نهاية خطية، فإن الاهتزاز يتجسد في استعصاء النهاية على الحسم، تاركاً الإنسان أمام فراغ انتظار معلق فقد يقينه الإلهي. وفي النظام الفوضوي، حيث يحاول النظام السياسي والمفهومي احتواء القوى البدئية، يظهر الاهتزاز من خلال عودة اللامتشكل إلى قلب المتشكل، كاشفاً هشاشة كل بناء إنساني. [6] أما في النظام الخوارزمي المعاصر، الذي يقوم على قابلية الواقع للحساب بصورة شاملة وعلى وهم السيطرة التقنية المطلقة، فإن الاهتزاز الأقصى يتمثل في تجاوز اللامتوقع لكل ما هو قابل للحساب. إنها اللحظة التي يحطم فيها الممكن العارض وهم الإحكام السيبراني. [7] وعندما تحطم الكارثة، أو الخطر الأقصى، هذه القشرة التقنية الأخيرة، يحدث الاختراق الميتافيزيقي الحقيقي. فإذ يُلقى الإنسان في مواجهة العدم، يتحد مع أقرانه ليؤسس “تضامن المهتزين”. وعلى خلاف التحالفات السياسية التقليدية، التي تقوم على المصالح المادية أو على العداء المشترك، يجمع هذا التضامن أولئك الذين لم يعد لديهم ما يدافعون عنه، لا وطن، ولا طبقة، ولا سلطة، بل كرامتهم العارية وحدها. فالإنسان المهتز عند باتوتشكا لا يسعى إلى السيطرة على مصيره أو إلى إغلاق التاريخ بقرار سيادي؛ بل يُبقي جرح الكارثة مفتوحاً ليستمد منه مقاومة أخلاقية كونية. وفي نهاية المطاف، يعيد هذا اللقاء تعريف معنى المقدس نفسه. فتضحية المهتز ليست استثماراً نفعياً في سبيل انتصار إيديولوجي مستقبلي، بل تقوم بوصفها شهادة خالصة في مواجهة العبث، فعلاً “يفتح” العالم بدلاً من أن يغلقه داخل يقينيات دوغمائية. والبنية التي يمنحها باتوتشكا لتضحية المهتز، أي العطاء الخالص الذي لا ينتظر مقابلاً، والذي “يفتح” العالم ولا يغلقه، تجد صدىً عميقاً في مفهوم اليَجْنَا ( yajña ، यज्ञ)، أي التضحية الكونية في التقليد الفيدي. ففي الريغفيدا (X.90)، يصف نشيد بوروشا سوكتا خلق العالم كله بوصفه ثمرة التفكيك التضحيَوي لـ البوروشا ( Puruṣa ، पुरुष)، الإنسان الكوني الأول. فالكون لا يولد بفعل إرادة أو سلطة، بل من خلال بذل كامل للذات، لا يُبقي شيئاً ولا ينتظر عائداً. [8] وهذه التضحية لا تُؤدَّى للحصول على شيء، بل لأنها الشرط الذي يجعل نظام العالم نفسه ممكناً. وهنا تبدو القرابة مع تضحية المهتز عند باتوتشكا مدهشة: ففي الحالتين، ليس المعروض قرباناً شيئاً يملكه الإنسان، بل وجوده ذاته، ويغدو الفعل ذا دلالة كوسمولوجية، لا أخلاقية أو سياسية فحسب. ومن خلال رفضه التفاوض على وجوده في مستوى الامتلاك أو السلطة، واختياره الشجاع أن يقيم في مستوى الكينونة، يبلغ المهتز “الحياة في الحقيقة”. [9] فهو لا يسعى إلى استعادة “سلام” زائف، ليس في كثير من الأحيان سوى اسم آخر للتعبئة التقنية السلبية، بل يحافظ على الصفاء المؤلم الذي انكشف له في قلب التمزق. وهكذا تجعل هذه الحبكة الظاهراتية من تضامن المهتزين القوة الروحية الوحيدة القادرة على مواجهة الليل العدمي للحداثة. وفي أنطولوجيا باتوتشكا، يجد تضامن المهتزين نموذجه في تجربة الجبهة. فهو يظل مرتبطاً ارتباطاً لا ينفصم بالقرب الفعلي من الموت، وبالاقتلاع من الحياة اليومية الذي تحدثه المواجهة المباشرة مع الفناء. غير أن بنية التجربة نفسها تبدلت في عالم مفرط الرقمنة؛ فالتقنية لم تعد تكتفي بإدارة البقاء، أي تلك “الحياة العارية” التي تحدث عنها أغامبن، بل أصبحت تستعمر أفق الحضور ذاته. لقد كانت تضحية البوروشا تفترض تمزقاً حقيقياً، وماديةً لا يمكن اختزالها للقرابين. أما العالم الرقمي، فيتجه على العكس نحو نزع التجسد. وهكذا يغدو “تضامن المهتزين” مهدداً بالتحول إلى مجرد “ترابط الغاضبين”، حيث لا يعود الالتزام يشرك الجسد فعلاً، بل يقتصر على إسقاطه التخيلي. ويحل استعراض الذات محل التعرض للخطر، فيما تتحول جماعة المصير إلى مجرد تجمع لملفات شخصية. ومع ذلك، فإن تجربة الجبهة لم تختف، بل انتقلت إلى موضع آخر. فهي تتمثل اليوم في الحفاظ على مناطق الظل، وعلى فضاءات العتامة الأنطولوجية التي يفلت فيها الوجود من تحوله إلى بيانات، ومن اختزاله إلى تدفقات قابلة للقياس ومعلومات قابلة للاستثمار. ولم تعد الجبهة تقع فقط على خط النار، بل عند الحد الذي تُختبر فيه لا قابلية الإنسان للاختزال أمام الرقمنة الشاملة للكينونة: حيث يتحول الجسد أولاً إلى صورة، ثم تُختزل الصورة نفسها إلى تداول محاكاة بلا سماكة هيولية، وقد جُردت من الهيولى ( hylē ) كما من القوة ( potentia ). وما يبقى عندئذ ليس الحضور، بل أثره المجرد القابل للحساب. ومن ثم تصبح الجبهة موضع مقاومة الشفافية المطلقة. ففي الهند الفيدية، كان الريتا ( Ṛta )، أي النظام الكوني للعالم، يصان من خلال لغز التضحية الذي لا يقبل الاختزال. أما العقلانية التقنية المعاصرة، فتميل إلى إلغاء كل منطقة ظل، وإذابة كل سر في أحادية الحساب. وإذا كانت التضحية تفتح ثغرة نحو ما يتجاوز السيطرة البشرية، فإن خوارزمية الواقع تسعى إلى إغلاق تلك الثغرة، برد الكينونة نفسها إلى أفق قابليتها للتنبؤ. ومن ثم قد تكون الجبهة الحقيقية لعصرنا هي، على وجه التحديد، صون كل ما يبقى في الإنسان وفي العالم عصياً على كل عملية حساب. غير أن مشروع الإغلاق هذا يحمل في داخله تناقضه الخاص. فكلما اتسع وعد السيطرة الكاملة على الواقع، تعمق، بالنسبة نفسها، الإحباط الناتج عن استحالة القضاء نهائياً على اللامتعين الملازم للوجود. وكلما ادعت التقنية أنها قادرة على تحييد الحدث، اصطدمت بذلك الباقي الذي يستعصي على نماذجها. وهكذا تغدو الشفافية المطلقة أفق رغبة محكوم عليها بألا تتحقق أبداً. ومن هذا التوتر تنشأ دينامية تسارع تدفع السعي إلى السيطرة بنفسه نحو الكارثة التي كان يطمح إلى تجنبها. ولا تخلو هذه الرؤية من صدى لبعض حدوس الفكر الهندي المتعلقة بـ الكالي يوغا. فالعصر المظلم لا يظهر فيه مجرد مرحلة انحطاط، بل اللحظة التي تبلغ فيها تناقضات دورة تاريخية حد التشبع. والكارثة ليست حادثاً خارجياً يقطع نظام العالم، بل هي اكتمال منطق أصبح عاجزاً عن وضع حدود لنفسه. ومع ذلك، فكلما اقتربت، كانت قد تجاوزت نفسها، بمعنى ما. إذ إن الاقتراب الأقصى من الانحلال يكشف في الوقت ذاته حدود ما كان يدعي أنه الكلية نفسها. وهكذا، فإن الحركة التي تبدو مندفعة نحو الإغلاق النهائي تصطدم، على نحو مفارق، بما لا تستطيع استيعابه: تعالٍ سلبي، واحتياط من الكينونة يستعصي على كل تشكّل صوري. وفي أفق الكالي يوغا، لا تكون النهاية نهاية مطلقة، بل النقطة التي يجعل فيها استنفاد شكلٍ ما ظهور بداية أخرى ممكناً من جديد. تبقى الكارثة واقعية، لكنها تكف عن أن تكون نهائية. وما ينكشف في قلب الانهيار المعلن ليس الانتصار الحاسم للحساب، بل استحالته الميتافيزيقية. فحيث بدا أن كل شيء سيختزل إلى الشفافية، يبقى الظل؛ وحيث بدا أن الكينونة قد تحولت بأكملها إلى معلومة، يبقى دائماً فائض يستعصي على الاستيعاب. فلعل الوفاء لهذا الباقي هو الموضع الذي يتحدد فيه اليوم تضامن المهتزين الحقيقي. [1] يان باتوتشكا، “المقالات الهرطوقية في فلسفة التاريخ” ( Essais hérétiques sur la philosophie de l’histoire )، ترجمة إيريكا أبرامز، تقديم بول ريكور، لاغراس، دار فردييه، 1981. يظهر مفهوم “الاهتزاز” ( otřes بالتشيكية) بصورة رئيسية في المقالتين الخامسة والسادسة من الكتاب، المخصصتين لحروب القرن العشرين بوصفها خبرات حدّية، ويتواصل عبر مفهوم “تضامن المهتزين”، أي الرابطة الأخلاقية والسياسية التي تجمع أولئك الذين خبروا تجربة الجبهة وقرب الموت. وفي التقليد السنسكريتي، يمكن مقارنة هذا الاهتزاز بمفهوم سامفيغا ( saṃvega ، संवेग)، أي الصدمة الوجودية المفاجئة أو رجّة اليقظة التي تولد من مواجهة المعاناة ( duḥkha ، दुःख)، أو عدم الدوام ( anitya ، अनित्य)، أو اقتراب الموت ( maraṇa ، मरण). ففي النصوص البوذية والجاينية، يشكل سامفيغا ما يهز الوجود العادي ( saṃsāra ، संसार) ويفتح الطريق نحو حياة أصيلة. غير أن سامفيغا يندرج ضمن أفق سوتيريولوجي خلاصي ( soteriological )، فهو مرحلة في مسار يقود إلى التحرر ( mokṣa ، मोक्ष). أما الاهتزاز ( otřes ) عند باتوتشكا فلا يحمل أي غاية خلاصية؛ إنه بنية أنطولوجية للوجود التاريخي، لا محطة في مسار روحي. وبعبارة أخرى: سامفيغا صدمة داخلية تحرر الإنسان من التاريخ، أما الاهتزاز فهو صدمة جماعية تُلزم الإنسان بالتاريخ. [2] يحتل مفهوم “عالم الحياة” ( Lebenswelt ) موقعاً مركزياً في ظاهريات هوسرل المتأخرة. انظر: إدموند هوسرل، أزمة العلوم الأوروبية والظاهريات المتعالية، ولا سيما الفقرات §§33-55. وقد ورث باتوتشكا هذا المفهوم مباشرة، لكنه راديكله بنزع أساسه الذاتي-الترنسندنتالي، ليجعله مجالاً للتجربة السابقة على الشخص، والتاريخية في آن واحد. [3] تشير عبارة “بنية البداهات العملية” إلى ما يسميه باتوتشكا، متابعاً هايدغر، نظام السقوط ( Verfallenheit )، أي انغماس الوجود في عالم “الهم” ( das Man ) اليومي. انظر: مارتن هايدغر، الوجود والزمان، §§35-38. [4] يان باتوتشكا، مرجع سابق. ويشكل هذا التقابل البنية الناظمة للمقالتين الخامسة والسادسة، حيث يصف باتوتشكا الانتقال من الحركة الأولى للوجود، أي الارتكاز ( Verankerung )، التي يهيمن عليها هاجس البقاء والأمان، إلى الحركة الثالثة، أي الاختراق ( Durchbruch ) نحو الوجود التاريخي الأصيل. وانظر أيضاً: يان باتوتشكا، “العالم الطبيعي وحركة الوجود الإنساني”. [5] حول الجذر التاريخي الخفي لمفهوم Unheimlichkeit عند هايدغر في صدمة الحرب العالمية الأولى، انظر: روديغر سافرانسكي، هايدغر وزمنه؛ وكذلك فرانسواز داستور، هايدغر ومسألة الزمن. أما بخصوص مفهوم Unheimlichkeit نفسه، فانظر: مارتن هايدغر، الوجود والزمان، §§40 و58. ويكمن الفارق الحاسم بين هايدغر وباتوتشكا في مكانة الكارثة. فعند هايدغر، يبقى القلق ( Angst ) أمام العدم بنية وجودية صورية تكشف محدودية الدازاين بمعزل عن أي مضمون تاريخي محدد. أما باتوتشكا، فيرفض هذا التجريد؛ فالاهتزاز ( otřes ) عنده تاريخي وسياسي على نحو لا يمكن اختزاله، وهو معقود على حروب القرن العشرين بوصفها أحداثاً جماعية وفريدة. وبهذا ينجز باتوتشكا عملية تجسيد تاريخي للتحليل الوجودي عند هايدغر. فحيث يرى هايدغر في الأزمة انكشافاً أنطولوجياً عاماً، يراها باتوتشكا حدثاً حضارياً مؤرخاً يحمل مسؤولية أخلاقية لا تستطيع الأنطولوجيا الصورية أن تضطلع بها وحدها. وانظر حول هذه القراءة النقدية: إتيان تاسان، “جماعة المهتزين”، وكذلك تقديم بول ريكور لـ “المقالات الهرطوقية في فلسفة التاريخ”. [6] حول النظام الفوضوي والتوتر بين الصورة واللامتشكل في الكوسموغونيات الأولى، انظر: بول ريكور، رمزية الشر، ولا سيما الفصل المخصص لأساطير الفوضى والخلق. ويحلل ريكور ما يسميه “أسطورة الخلق الدرامي”، التي تمثلها إنوما إيليش البابلية، باعتبارها بنية رمزية يولد فيها النظام الكوني من الصراع مع الفوضى البدئية. فـ تيامات، قوة اللامتشكل والمياه غير المتمايزة، لا بد أن تُهزم وتُمزق على يد مردوخ حتى يولد الكون المنظم. ويبين ريكور أن الشر، في هذا النمط من التفكير، ليس أمراً ثانوياً أو عرضياً، بل هو ملازم لفعل الخلق نفسه، ومنقوش في بنية الواقع. فالنظام لا ينتصر نهائياً على الفوضى، وإنما يحتويها ويكبتها من غير أن يقضي عليها. ولذلك فإن عودة اللامتشكل إلى قلب المتشكل ليست حادثاً طارئاً، بل إمكانية بنيوية دائمة. وتلتقي قراءة ريكور مع عمل هرمان غونكل ( Schöpfung und Chaos in Urzeit und Endzeit ) الذي أبرز لأول مرة الاستمرارية بين الكوسموغونيا والإسكاتولوجيا في التقاليد السامية، حيث يعود التهوم ( Tehom )، أي غمر المياه البدئي في سفر التكوين، بوصفه تهديداً أخروياً في نهاية الأزمنة. وللمقارنة مع الكوسموغونيات الفيدية، حيث يهزم إندرا التنين فرترا ( Vṛtra ) لكي تنطلق المياه والنور ( Ṛgveda I.32)، انظر: يان غوندا، رؤية الشعراء الفيديين؛ وجورج دوميزيل، سعادة المحارب وشقاؤه. كما يمكن الرجوع إلى هانس بلومنبرغ، شرعية الأزمنة الحديثة، حول محاولة الحداثة، وإخفاقها، في القضاء نهائياً على قلق الفوضى البدئية عبر تحويله إلى “مشكلة” عقلانية قابلة للحل. [7] برنار ستيغلر، التقنية والزمن، الجزء الأول: خطيئة إبيميثيوس؛ وكذلك أنطوانيت روفروي، “الحكومية الخوارزمية وآفاق سياسة نقدية للويب”، حيث تحلل حدود قابلية الواقع للحساب في مواجهة الطابع العارض الذي لا يمكن استنفاده. [8] ويندي دونيغر (ترجمة)، الريغفيدا : مختارات، نيويورك، بنغوين كلاسيكس، 1981، النشيد X.90 (بوروشا سوكتا)، ص 31-33. [9] تشكل “الحياة في الحقيقة” مفهوماً محورياً في فلسفة باتوتشكا. فهي تدل على أسلوب في الوجود لا يختزل نفسه في التكيف مع مقتضيات البقاء أو المنفعة أو الامتثال الاجتماعي، بل يقوم على مواجهة الحقيقة الكامنة في الشرط الإنساني كما تنكشف في الخبرات الحدّية: الأزمات التاريخية، ومواجهة الفناء، وانهيار البداهات. وهي انتقال من نظام الوهم المطمئن إلى انفتاح على الحقيقة، لا بوصفها امتلاكاً لمعرفة، بل بوصفها تعرضاً محفوفاً بالمخاطر لما يكشفه اهتزاز المعنى. غير أن “الحياة في الحقيقة” ليست حالة مستقرة تقابل “الحياة في اللاحقيقة”، بل هي التوتر البنيوي الملازم لوجود الإنسان المهتز نفسه. فالتجربة الباتوتشكية تقوم على حركة دائمة من زعزعة الذات واستئنافها. فالاهتزاز لا يقود ببساطة إلى السقوط أو الاستسلام، بل يفتح إمكان تحول في نمط الوجود، حيث يُنتزع الإنسان من أشكال الحياة اليومية المطمئنة، مع بقائه معرضاً دائماً لإغراء العودة إلى الانغلاق. ومن ثم يسكن المهتز منطقة بينية، لا تُمتلك فيها الحقيقة مرة واحدة وإلى الأبد، بل ينبغي حملها والدفاع عنها باستمرار في مواجهة إغراء الطمأنينة، والنسيان، والاختزال التقني للعالم. (النص مترجم من اللغة الفرنسية)

أي مسافة ينبغي أن تفصلنا عن سوريا؟

هل يمكن أن تكون لنا مع سوريا علاقات هادئة ومتوازنة وقائمة على الاحترام المتبادل؟ يصعب تصديق ذلك، ما دامت علاقاتنا معها قد ظلت، على الدوام، محكومة بالعداء والريبة والتهديد الذي كثيرًا ما تحوّل إلى واقع. وعلى امتداد تاريخنا المشترك، لم ينجُ لبنان من أي إساءة أو إهانة، أيًّا يكن النظام الذي كان يحكم دمشق. ولنأخذ مثالًا ما عاشه بلدنا الصغير ابتداءً من آب/أغسطس1948، حين قرر خالد العظم*، رئيس مجلس الوزراء السوري آنذاك، فرض «مراقبة الواردات والحظر على الصادرات المتجهة إلى لبنان». ولا تزال صورة هذا الرجل، في الذاكرة الجماعية لجيل آبائنا، مقترنة بإغلاق الحدود السورية ـ اللبنانية، وهو قرار أملاه مزيج من الدوافع السياسية والنزعة الحمائية Protectionnisme.لقد كان ذلك خنقًا للاقتصاد اللبناني وفرضًا للإملاءات السورية عليه. فمنذ ذلك الحين، كان لبنان ضحيةً مفضلةً لسلطات دمشق، وذلك قبل زمن طويل من اتخاذ عبد الحليم خدام منه كبش فداء! لم تستسغ الأوساط الدمشقية يومًا خصوصية لبنان، وإن اضطرت أحيانًا إلى التظاهر بقبولها. فجيراننا، وهم في الوقت نفسه أشقاؤنا السوريون، يكنّون للبنان ما يُعرف بـ«المشاعر المختلطة»: خليطًا من الإعجاب والمرارة، من الانبهار والضغينة. وهذه الازدواجية ما انفكت تسمم العلاقات بين البلدين، بفعل الجغرافيا والقرب اللذين لا مهرب منهما. أما لبنان، فلم يكن هو الآخر دائمًا فوق الشبهات. فمن أراضيه، التي تمتعت بدرجات متفاوتة من الإنعزال، كانت تُحاك المؤامرات ضد الأنظمة القائمة في عاصمة الأمويين، سواء كانت تلك الأنظمة شرعية أم جاءت إلى السلطة عبر الانقلابات العسكرية. وقد دفع ذلك بعض المراقبين إلى القول إن مسؤولية توتّر العلاقات كانت مشتركة بين الطرفين. ثقل التاريخ وإكراهات الجغرافيا هل كان بإمكاننا، ونحن أسرى تراكمات طويلة من الأحكام المسبقة، أن نقيم علاقات هادئة مع دمشق؟ لقد كان غسان تويني، الذي راودته في مرحلة من حياته فكرة «سوريا الكبرى» قبل أن يتراجع عنها، قد انتهى إلى صيغة توفيقية مفادها أن لبنان لا ينبغي أن يُحكم ضد سوريا، لكنه في المقابل لا ينبغي أن يُحكم من قبل سوريا. وعليه، عندما يطمئننا المسؤولون السوريون إلى حسن نياتهم، فلا يسعنا إلا الترحيب بذلك. غير أننا سنكون مخطئين إذا تجاهلنا حقيقة أن الجغرافيا، قد وضعت سوريا ولبنان في وضع بالغ التعقيد، وربما مستعصٍ على الحل. فمن الناحية التاريخية، يكاد يستحيل أن يستقر حكم في دمشق من دون أن تتجه أنظاره إلى بيروت، ومن دون أن يسعى إلى تطويع هذه المدينة النابضة بالحياة الاقتصادية والثقافية. ومن هنا نتمنى أن تتصالح سوريا مع فكرة أن لبنان ليس مجرد جزء من أرض اقتُطع منها عام 1920 بإرادة الجنرال الفرنسي هنري غورو. وحتى لو افترضنا جدلًا أن الأمر كان كذلك، فإن قرنًا كاملًا قد انقضى منذ ذلك التاريخ، وجرت مياه كثيرة تحت الجسور، ومن الصعب اليوم العثور على لبنانيين يطالبون، عند الاقتضاء، بـ«أنشلوس» أو ضمّ إلى العمق السوري. أما يكفي ما تقاسمناه في السرير نفسه؟ منذ آذار/مارس 1950، كان «الطلاق الاقتصادي» بين سوريا ولبنان قد أصبح واقعًا. وفرضت دمشق، عقابًا للبنان، حصارًا على الحدود. فقد رفض لبنان مشروع الاندماج الاقتصادي الذي عُرض عليه، لأن النهج الحمائي لم يكن يتوافق مع خياره الاقتصادي الليبرالي المتطرف. ومنذ ذلك الحين، أصبح البلدان ينتميان إلى نظامين اقتصاديين متعارضين: اشتراكية على الطريقة الناصرية، ثم البعثية، إقترنت بموجات التأميم في ستينيات القرن الماضي لتعمّق الهوة بينهما. ومنذئذٍ، لم يعد بالإمكان إعادة بناء «المصالح المشتركة»، ذلك الإرث الذي خلّفه عهد الانتداب الفرنسي. ولعل هذا ما يفسر هواجس فارس سعيد، الذي تساءل مؤخرًا عن الجدوى من إنشاء لجنة عليا مشتركة لبنانية ـ سورية، في وقت تقوم فيه العلاقات الدبلوماسية بين البلدين على تبادل السفراء. فمثل هذه اللجنة لن تذكّرنا إلا بالمجلس الأعلى اللبناني ـ السوري، أي بتلك المرحلة السوداء التي خضع فيها لبنان لهيمنة نظام حافظ الأسد المنتصر. وإذا كان لا بد من طي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة مع الجارة الكبرى، فمن العبث أن ندخل الذئب إلى حظيرة الغنم تحت ستار لجنة مشتركة، اقتصادية كانت أم غير ذلك. * ومن المفارقات الجديرة بالتذكير أن خالد العظم نفسه كان سعيدًا بالفرار من حكم العسكريين الذين استولوا على السلطة في دمشق. فقد لجأ إلى بيروت، وأبدى في مذكراته إستحساناً كبيرًا بالحرية التي كان يتمتع بها اللبنانيون، والتي استطاع هو، الهارب من بلاده، أن ينعم بها أيضًا. ولم يكن الوحيد من المنفيين السوريين الذين خاصموا لبنان في مرحلة من المراحل، وهاجموا «استقلاله الذي لا يُطاق»، ثم انتهى بهم الأمر إلى الإقامة فيه. ويخطر ببالي في هذا السياق شكري القوتلي، وغسان جديد، وأكرم الحوراني، ومحمد عمران، وغيرهم كثيرون.

هل تبدأ مرحلة جديدة في الشرق الأوسط؟

في لحظات التحول الكبرى، لا تكون الدول دائماً صانعة الأحداث، لكنها قد تجد نفسها في موقع يسمح لها بإعادة تعريف دورها. ولبنان، الذي كان لعقود طويلة مسرحاً لتجاذب النفوذ الإقليمي والدولي، قد يكون اليوم أمام فرصة نادرة للانتقال من موقع المتأثر بالأزمات إلى موقع المساهم في صياغة مرحلة جديدة. تأتي هذه اللحظة في ظل تغيرات عميقة في المشهد الشرق أوسطي، حيث تعيد القوى الكبرى والإقليمية تقييم حساباتها بعد سنوات من الصراعات المفتوحة. ومن بين أبرز الأسئلة المطروحة: هل يمكن أن يؤدي تعثر مسار التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران إلى إعادة ترتيب الأولويات، بحيث يصبح تعزيز الدولة اللبنانية جزءاً من مقاربة إقليمية أوسع؟ هذه الفرضية لا تعني أن لبنان سيصبح فجأة محور السياسة الدولية، لكنها تشير إلى تحول محتمل في طريقة النظر إليه. فبدلاً من التعامل معه فقط كملف أمني مرتبط بالتوترات الإقليمية، قد يُنظر إليه كعنصر أساسي في بناء توازن جديد يقوم على تقوية مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار. خلال السنوات الماضية، شهد النفوذ الإيراني في المنطقة تحديات متزايدة. فقد تغيرت المعادلة في سوريا، وتراجعت قدرة بعض الحلفاء الإقليميين على العمل كما في السابق، كما برزت داخل العراق توجهات تؤكد أهمية القرار الوطني المتوازن. هذه التحولات لا تعني نهاية النفوذ الإيراني، لكنها تشير إلى بيئة إقليمية أكثر تعقيداً وأقل قدرة على إنتاج نموذج النفوذ الذي ساد في العقد الماضي. في هذا السياق، تبرز أهمية لبنان. فوجود دولة لبنانية قادرة على ممارسة سيادتها الكاملة، وتعزيز دور مؤسساتها العسكرية والأمنية، وإدارة حدودها، يشكل مصلحة مشتركة لعدد من الأطراف. بالنسبة للبنان، هذا المسار يتعلق أولاً باستعادة مفهوم الدولة ووحدة القرار الوطني. وبالنسبة للمجتمع الدولي، فهو يمثل نموذجاً مختلفاً عن إدارة الأزمات عبر القوى غير الحكومية. وقد يكون أحد أبرز التحولات المحتملة أن تنتقل المقاربة الدولية تجاه لبنان من التركيز على منع الانهيار إلى دعم بناء الدولة. وهذا يتطلب رؤية طويلة الأمد تتجاوز المساعدات الطارئة نحو الاستثمار في المؤسسات، الاقتصاد، الأمن، والحكم الرشيد. من هنا يمكن فهم التقاطع المحتمل بين مصالح الولايات المتحدة ولبنان، وكذلك بين واشنطن وتل أبيب. فالولايات المتحدة لطالما سعت إلى الحد من نفوذ إيران في المنطقة، بينما تبحث إسرائيل عن ترتيبات أمنية تضمن استقرار حدودها على المدى الطويل. وفي المقابل، يحتاج لبنان إلى بيئة إقليمية تسمح له بتثبيت سيادته واستعادة دوره الطبيعي. هذا التقاطع لا يعني بالضرورة قيام تحالفات رسمية جديدة، ولا يعني أن مصالح جميع الأطراف متطابقة، لكنه يفتح المجال أمام مقاربة تقوم على فكرة بسيطة: أن الدولة القوية تشكل أساس الاستقرار، وأن المؤسسات الوطنية القادرة قد تكون أفضل ضمانة للأمن الإقليمي من استمرار منطق المواجهة. ويبقى العامل اللبناني هو الحاسم. فلا يمكن لأي دعم خارجي أن ينجح إذا لم يترافق مع قرار داخلي واضح بتعزيز مؤسسات الدولة وتكريس مرجعيتها. فالسيادة ليست فقط مطلباً دولياً، بل هي قبل كل شيء خيار وطني يحتاج إلى توافق سياسي واسع. في هذا الإطار، تكتسب زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن في 21 تموز أهمية خاصة. فمثل هذه اللقاءات لا تُقاس فقط بالرمزية السياسية، بل بقدرتها على إطلاق مسار عملي. فإذا نتج عنها تعاون أكبر في مجالات دعم الجيش، تعزيز المؤسسات، تشجيع الاستثمار، وتثبيت الاستقرار، فقد تشكل خطوة في اتجاه إعادة تعريف موقع لبنان في المنطقة. لكن التحولات التاريخية لا تُصنع في يوم واحد. فحتى لو حمل اللقاء إشارات إيجابية، فإن نجاح أي مسار جديد يتطلب التزاماً مستداماً من جميع الأطراف، داخلياً وخارجياً. المطلوب ليس فقط إعلان النوايا، بل بناء آليات تنفيذ واضحة تحمي لبنان من العودة إلى دوامة الأزمات. أما على المستوى الإقليمي، فإن مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران سيبقى عاملاً مؤثراً. فإذا فشل الطرفان في الوصول إلى تفاهمات تحد من التوتر، فقد تتجه واشنطن أكثر نحو بناء شراكات مع الدول والمؤسسات القادرة على تحقيق الاستقرار. وفي هذه الحالة، قد يصبح لبنان جزءاً من استراتيجية تقوم على تقوية الدولة بدلاً من إدارة الصراعات عبر ساحات النفوذ. المفارقة أن لبنان، الذي دفع ثمناً باهظاً بسبب موقعه الجغرافي والسياسي، قد يجد نفسه أمام فرصة لتحويل هذا الموقع إلى مصدر قوة. فبدلاً من أن يكون نقطة التقاء للأزمات، يمكن أن يصبح نقطة التقاء للمصالح: بين العالم العربي والمجتمع الدولي، بين الاستقرار والتنمية، وبين الأمن والسيادة. إن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة اللبنانيين على اغتنام هذه الفرصة. فالدعم الدولي، مهما كان مهماً، لا يمكن أن يحل مكان القرار الوطني. وفي المقابل، فإن القرار الوطني يحتاج إلى بيئة إقليمية ودولية تساعده على النجاح. قد لا يكون 21 تموز تاريخاً فاصلاً بحد ذاته، لكنه قد يكون محطة تشير إلى بداية نقاش مختلف حول لبنان ودوره. فإذا ترافقت الدبلوماسية مع خطوات عملية، فقد نشهد بداية انتقال لبنان من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الدولة. وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل لبنان لن تحدده فقط صراعات القوى الكبرى، بل قدرة اللبنانيين على تحويل المتغيرات الإقليمية إلى مشروع وطني يعيد للدولة مكانتها ودورها.