شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
تصاعد مستمر في التوترات بين الولايات المتحدة وإيران حول مضيق هرمز

تصاعد مستوى التوتر تدريجياً منذ أيام بين الأميركيين والإيرانيين، على خلفية إطلاق إيران النار على سفن تمر عبر مضيق هرمز. وقد تبلور السيناريو الأسوأ في ليل الأربعاء ـ الخميس: إذ شنّ الأميركيون ضربات عنيفة على إيران، كما كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد هدّد في اليوم السابق. أما إيران، ووفاءً لعاداتها، فأطلقت صواريخها على عدد من دول الخليج، ولا سيما البحرين والكويت وقطر، مضيفةً هذه المرة الأردن إلى اللائحة، بعدما اعترض هذا الأخير عشرة صواريخ أُطلقت باتجاه أراضيه عند منتصف النهار. إنه تصعيد لا يُستهان به. وتُعدّ الضربات الأميركية على الأراضي الإيرانية الأعنف منذ أشهر. فقد كانت محافظة بوشهر، على وجه الخصوص، هدفاً لصواريخ سقطت في محيط الموقع النووي الذي تحتضنه هذه المنطقة، وفقاً لوسائل إعلام إيرانية. ونفى مسؤول في المحافظة، في منتصف النهار، أن تكون جزيرة خرج، التي يمر عبرها القسم الأكبر من النفط الإيراني، قد استُهدفت. وأعلنت القيادة المركزية الأميركية، في بيان على منصة «إكس»، أنها أصابت حتى صباح الخميس نحو 90 هدفاً عسكرياً في إيران. أما النظام الإيراني فأعلن حصيلة بلغت 14 قتيلاً و78 جريحاً خلال اليومين الأخيرين، واتهم الولايات المتحدة بارتكاب جريمة حرب بسبب ما وصفه بـ«الضربات ضد بنى تحتية مدنية»، وسمّى خصوصاً جسوراً وخط السكك الحديدية المؤدي إلى مدينة مشهد. وقد واكبت الخطابَ السياسي حدةُ التوتر المتجددة على الأرض، هذه المرة على لسان كبير المفاوضين الإيرانيين، رئيس مجلس الشورى محمد قاليباف. فقد أعلن أن «مضيق هرمز لن يُعاد فتحه إلا وفق الشروط الإيرانية، لا تحت ضغط التهديدات الأميركية». وبالفعل، كان المضيق مغلقاً أمس بفعل التوترات، بما يعكس موقفاً إيرانياً لم يتبدل. ولم يكن ثمة ما يشير، الخميس، إلى أن التوتر سيتراجع أو أن مسار المفاوضات سيُستأنف قريباً، على الرغم من أن دونالد ترامب أعلن خلال النهار أن «الإيرانيين اتصلوا ويريدون التوصل إلى اتفاق»، مضيفاً أنه لم يعد واثقاً من «استعدادهم لاحترام أي اتفاق». وقد نشط الوسطاء الباكستانيون والقطريون للدعوة إلى العودة إلى التهدئة. لكن، بصورة عامة، يبدو الإيرانيون معزولين إلى حد بعيد. وفي صدى لتصريحات الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، في اليوم السابق، الذي اعتبر أن الحزم إزاء النظام الإيراني أمر لا بد منه، رأى وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الخميس، أن إيران هي التي انتهكت الاتفاق مع الولايات المتحدة، وأن «مناوراتها» يجب أن تتوقف إذا كان للمفاوضات أن تستمر. في غضون ذلك، واصل الإيرانيون استعراض القوة المتمثل في مراسم التشييع الطويلة لمرشدهم الأعلى المغتال علي خامنئي وعائلته. وقد وصلت النعوش إلى مشهد خلال النهار لدفنها، في حدث طغت عليه إلى حد ما الضربات الأميركية. غير أن الحشود حضرت، كما حضرت الشعارات الحربية الداعية إلى قتل ترامب. أما الإسرائيليون، الذين كانوا حلفاء الأميركيين خلال هذه الحرب ضد إيران، فلم يعلّقوا رسمياً على التصعيد الأخير. لكن، وفق تسريبات في وسائل إعلامهم، أكدت مصادر إسرائيلية أن الجيش لا يزال مستعداً لمواجهة أي هجوم إيراني محتمل. حراك دبلوماسي متقاطع في بيروت كالعادة، يشكّل لبنان صندوق صدى لما يجري في المنطقة. فقد كانت العاصمة اللبنانية، الخميس، مسرحاً لحراك دبلوماسي متقاطع فعلي، تمثل بسلسلة زيارات قام بها السفير الأميركي ميشال عيسى، وجولة أجراها وفد إيراني. وكانت الزيارة الأساسية لعيسى إلى بعبدا، حيث التقى رئيس الجمهورية جوزاف عون ونقل إليه الدعوة الرسمية لزيارة واشنطن في 21 تموز. كما انتهز المناسبة لبحث موضوع تطبيق الاتفاق الإطاري الموقّع بين الإسرائيليين واللبنانيين والأميركيين، ولا سيما ما يتعلق بآلية الانسحاب الإسرائيلي من المناطق النموذجية، على أن يحل الجيش اللبناني مكان الجيش الإسرائيلي «من دون ترك أي فراغ». وكان الإعلان الأبرز هو وصول وفد أميركي في الأيام المقبلة للإشراف على العملية. كما استُقبل عيسى من قبل رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام. وفي ما يتعلق بالمفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، تتجه الأنظار إلى روما في 15 و16 تموز المقبلين، وهو تغيير في مكان انعقاد المفاوضات أثار قلق الجانب اللبناني، خشية أن يكون الانخراط الأميركي أقل فاعلية، بعدما عُقدت الجولات السابقة في واشنطن. غير أن تغيير المكان لا يعني تراجعاً في الالتزام الأميركي، بل يعود إلى مسائل لوجستية، كما أكد السفير الأميركي للرئيس جوزاف عون الخميس. وفي المقابل، طلب منه الرئيس اللبناني الضغط على إسرائيل لحملها على احترام بنود الاتفاق الإطاري الموقّع مع لبنان في حزيران. على الأرض، يواصل الجيش الإسرائيلي عمليات التدمير في القرى المحتلة، سواء طاولت مباني أو أنفاقاً. وقد شهد يوم الخميس تصريحاً حاداً لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، رداً على كلام ترامب في اليوم السابق بشأن الانسحاب الإسرائيلي من لبنان. إذ قال: «لم نطلب إذناً من أحد لدخول لبنان، وسنبقى فيه حتى نزع سلاح حزب الله». أما حزب الله فلا يرد، حتى الآن، على العمليات الإسرائيلية. وفي هذا السياق، عبّرت مصادر عبر وسائل الإعلام عن مخاوف من تصعيد جديد في جنوب لبنان، في حال وجدت إيران نفسها في موقع صعب في حربها ضد الولايات المتحدة. أما الجولة الدبلوماسية الأخرى، الخميس، فكانت لوفد إيراني ترأسه نائب وزير الخارجية. وقد استقبله رئيس مجلس النواب نبيه بري، حيث أكد الوفد دعم بلاده للبنان. ومن نائب رئيس الحكومة طارق متري، سمع الوفد كلاماً يعيد تأكيد إرادة لبنان التموضع ضد أي احتلال أو تدخل أجنبي. وهي مواقف تلتقي مع ما قاله وزير الخارجية اللبناني جو رجي، خلال زيارته قبرص الخميس، إذ شدد على أن لبنان يجب أن يتوقف عن دفع ثمن حروب لم يخترها، وأنه لم يعد يجوز لأي طرف أن يحتكر قراري الحرب والسلم، في إشارة واضحة إلى حزب الله. بالنسبة إلى الإيرانيين، لقد تغيّرت الأزمنة فعلاً... وفي هذا السياق، تجدر الإشارة أيضاً إلى زيارات السفير الروسي لدى الرئيس عون ووزير الداخلية أحمد الحجار. شطب سوريا من اللائحة الأميركية للإرهاب حدث بارز آخر شهده هذا الخميس: فقد أعلن الرئيس الأميركي نيته رفع سوريا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب. وبعد اللقاء بين ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع في اليوم السابق في تركيا، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي، تُعدّ هذه الخطوة تتويجاً لمسار يُفترض أن يتيح للنظام الفتي آفاقاً أوسع للاستثمارات والانخراط الدولي. وعلى الجبهة العراقية، يتواصل العمل بالتوازي على نزع سلاح الجماعات المسلحة ومكافحة الفساد. وقد شهد الخميس اكتشافاً طريفاً: مبلغ ضخم من المال، مصدره نهب الخزينة، عُثر عليه داخل قناة لتصريف مياه الأمطار... وفي العراق أيضاً، تجدر الإشارة إلى ضربة استهدفت مجموعة من الأكراد الإيرانيين المعارضين للنظام، في كردستان العراق. وليست هذه المرة الأولى التي تستهدف فيها طهران هذه المجموعات، في سعيها إلى الإبقاء على قبضتها على العراق، كما على لبنان.

من فائض القوة إلى قوة الدولة
بقلم
سمير عبد الملك
نُشر

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات غير مسبوقة تعيد رسم معادلات القوة والأمن. فبعد سنوات من الحروب المفتوحة والصراعات بالوكالة، يتجه الإقليم تدريجياً نحو مقاربة جديدة تقوم على ترسيخ دور الدولة الوطنية، وتقليص نفوذ القوى المسلحة غير الرسمية، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية باعتبارها الضامن الوحيد للاستقرار. وفي هذا السياق، تبدو أمام لبنان فرصة نادرة لإعادة صياغة منظومته الدفاعية بما ينسجم مع المتغيرات الإقليمية ويحفظ مصالحه الوطنية. لقد راكم حزب الله خلال عقود خبرات عسكرية وتقنية متقدمة في القيادة، والاستخبارات، والطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والاتصالات واللوجستيات. وهذه الخبرات تمثل رأس مال بشرياً لا ينبغي أن يُهدر، بل يجب أن يتحول، ضمن إطار الشرعية، إلى قوة تضاف إلى قدرات الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية، بما يعزز سيادة الدولة بدلاً من ازدواجية القرار الأمني. وتؤكد التجارب الدولية، من جنوب أفريقيا إلى كولومبيا، أن إنهاء الصراعات لا يتحقق بإقصاء المقاتلين أو تبديد خبراتهم، بل بإعادة دمجهم داخل مؤسسات الدولة وفق معايير مهنية وقانونية واضحة. فنجاح أي عملية انتقالية يرتبط بقدرة الدولة على استيعاب الكفاءات، وفي الوقت نفسه بفرض احتكارها الكامل لاستخدام القوة وقرار السلم والحرب. إن التحولات الجارية في المنطقة، وما تفرضه من أولويات اقتصادية وأمنية جديدة، تجعل من الضروري أن يباشر لبنان حواراً وطنياً حول استراتيجية دفاعية شاملة، تترافق مع خطة لتطوير الجيش، وإنشاء مركز وطني للابتكار الدفاعي والأمن السيبراني، والاستفادة من الخبرات اللبنانية في التكنولوجيا والصناعات الدفاعية الحديثة. فالمعادلة الجديدة لم تعد تقوم على تعدد مراكز القوة، بل على دولة قوية بمؤسساتها، قادرة على حماية حدودها وكسب ثقة المجتمع الدولي وجذب الاستثمارات. إن اللحظة الراهنة ليست مناسبة لتصفية الحسابات، بل لبناء عقد وطني جديد يجعل جميع الطاقات والخبرات في خدمة الجمهورية. فالدول لا تنهض بانتصار فريق على آخر، وإنما عندما تصبح الدولة نفسها المنتصر الوحيد، ويصبح السلاح والقرار والسيادة جميعها تحت مظلة المؤسسات الدستورية، بما يفتح أمام لبنان باب الاستقرار والازدهار في شرق أوسط يتغير بسرعة.

تجاوز هرمز... يفسر الجنون الإيراني
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

في العمق، لا بد من التساؤل ما الذي جعل إيران تخرق بشكل مفضوح مذكرة التفاهم التي توصلت إليها مع الولايات المتحدة عبر المفاوضات التي جرت في سويسرا مع وفد أميركي برئاسة نائب الرئيس جي. دي. فانس؟ لا شكّ أن أسبابا كثيرة يمكن ان تفسّر التصرف الإيراني الغريب القريب من الجنون. جعل ذلك الرئيس دونالد ترامب يذهب إلى حد وصف المسؤولين الإيرانيين بـ"المرضى" و"الكذابين" الذين لا يمكن التعامل معهم. بل راح إلى أبعد من ذلك في استخدام عبارات تكشف خيبة كبيرة من المسؤولين الإيرانيين قبل أن يعلن عن نهاية العمل بمذكّرة التفاهم. لكنّ التفسير الأهمّ للجنون الإيراني يكمن في سعي دول المنطقة إلى البحث عن طرق لتجاوز مضيق هرمز، إن عبر البحر الأحمر أو عبر البحر المتوسط، مع ما يستدعيه ذلك من تفاهمات مع الأردن وسوريا أو مع العراق وتركيا بغية الوصول إلى موانئ يصل منها الغاز والنفط إلى أوروبا ومناطق أخرى في العالم من دون أن يكون ذلك تحت رحمة إيران. كلّ ما في الأمر أنّ إيران شعرت أن الوقت، الذي راهنت عليه، لا يخدم استراتجيتها وأن العمل جار من أجل الإستغناء عن مضيق هرمز الذي تعتبر انّه ورقتها الأساسيّة في المواجهة مع الولايات المتحدة. جاء بحث دول الخليج عن مسارات جديدة لخطوط انابيب النفط والغاز ليحرم "الجمهوريّة الإسلاميّة" من ورقتها الرابحة التي جعلت الإدارة الأميركيّة توقع مذكرة التفاهم مع إيران، غير مدركة أنّها تتعامل مع نظام من نوع مختلف لا علاقة له بأي قيم مرتبطة بالقانون الدولي واحترام سيادة الدول الأخرى. كانت السياسة الوحيدة التي يمكن ربط النظام الإيراني بها منذ قيامه في العام 1979، هي سياسة اسمها الإبتزاز. في كلّ الأحوال يعكس لجوء الولايات المتحدة للضربات العسكريّة، ردّا على استهداف "الحرس الثوري" لناقلات، بينها نقالة قطريّة وأخرى سعوديّة كانت تعبر مضيق هرمز، اكتشافا متأخرا كثيرا للرئيس الأميركي لطبيعة المسؤولين الإيرانيين وللنظام القائم نفسه. أن يكتشف ترامب النظام الإيراني متأخرا يبقى أفضل من أن لا يكتشفه ابدا! لم تكن من حاجة إلى كلّ هذا الوقت كي يدرك دونالد ترامب مع من يتعامل وأنّ النظام الإيراني لم يتغيّر يوما. لم يحترم هذا النظام أي قانون دولي أو أي قيم انسانيّة في يوم من الأيّام. تؤكد ذلك مأساة جنوب لبنان التي تسببت بها "الجمهوريّة الإسلاميّة". كلّ ما رآه الإيرانيون في مذكرة التفاهم مع الإدارة الأميركيّة فرصة لكسب الوقت. لم يحترم النظام الإيراني الفقرة الأساسيّة في مذكرة التفاهم، وهي الفقرة التي تتمثل، بالمفهوم الأميركي، في المحافظة على حريّة الملاحة في مضيق هرمز. كان بقاء هرمز مفتوحا مسألة محوريّة بالنسبة إلى ترامب نفسه الذي رأى في هبوط أسعار النفط إنجازا كبيرا يستطيع تسويقه في الداخل الأميركي. كان ترامب في حاجة إلى هذا الإنجاز الذي يخدمه في تعاطيه مع المواطن الأميركي العادي. لذلك جنّ جنونه عندما عاد "الحرس الثوري" إلى عرقلة الملاحة في مضيق هرمز. قبل ذلك اكتشفت إيران مدى جدّية دول المنطقة في العمل على الإستغناء عن مضيق هرمز. هذا ما يفسّر عودة التركيز الإيراني على اليمن والحوثيين الذين عادوا إلى توجيه تهديدات إلى المملكة العربيّة السعودية بعدما التزموا طويلا نوعا من التهدئة معها. بالنسبة إلى إيران، يستطيع الحوثيون لعب دور مهمّ في تعطيل الملاحة في البحر الأحمر ومنع مرور ناقلات النفط فيه. ليس صدفة خرق "الجمهوريّة الإسلاميّة" الحظر المفروض دوليا على مطار صنعاء لتأكيد أن الحوثيين ورقة في تصرّفها وأن ليس في استطاعة هؤلاء الخروج عن عصا الطاعة الإيرانيّة. تبقى نقطة في غاية الأهمّية. ليس دونالد ترامب وحده الذي أعاد اكتشاف الإيرانيين والنظام القائم في طهران. هناك باكستان التي تبيّن بكلّ بساطة أن وساطتها بين الولايات المتحدة وإيران لا تفيد في شيء. كل ما تستطيع باكستان عمله هو أن تكون ورقة إيرانيّة لا اكثر. استفادت "الجمهوريّة الإسلاميّة" إلى ابعد حدود من باكستان. لعبت باكسان دورا في جعل إدارة ترامب تعتقد أنّ في الإمكان عقد صفقة متوازنة مع إيران تقوم على المحافظة على جريّة الملاحة في مضيق هرمز. ارتدت لعبة كسب الوقت على إيران. ترفض دول المنطقة قبل غيرها أن تكون رهينة مضيق هرمز. هذا ما يفسّر الجنون الإيراني الذي لم يأخذ في الإعتبار خروج دونالد ترامب عن طوره ولجوءه إلى منطق القوّة مجددا. هل عادت الحرب؟ ذلك هو السؤال الكبير الذي من الباكر الإجابة عنه. الأكيد أن حرمان "الجمهوريّة الإسلاميّة" من ورقة مضيق هرمز والعمل على تجاوز المضيق جعلاها تجازف بمذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة. ما قيمة هذه المذكّرة عندما لا تكون لدى إيران ورقة اسمها هرمز تضغط بها على العالم وتتحكّم بأسعار النفط والغاز فيه؟ كان المضيق لعبة إيرانيّة مكنتها من التوصّل إلى مذكّرة التفاهم التي قدمت فيها الولايات المتحدة تنازلات كبيرة، شملت ربط إيران بالحل في لبنان. يبدو أن تجاوز المضيق، الذي تعمل عليه دول المنطقة، يشبه حرمان طفل من لعبته المفضّلة. ليس تصرّف "الحرس الثوري" سوى تصرّف طفل جرى تشليحه لعبته هذه!

حين تتحول السوسيولوجيا إلى مرافعة عن السلاح

ثمّة منطق يتكرّر كلما فُتح النقاش حول سلاح “حزب الله”، يحاول أن يقدّم الحزب لا بوصفه سلطة مسلحة صادرت قرار طائفة وبلد، بل بوصفه الامتداد الطبيعي للمجتمع الشيعي اللبناني، وكأنّ الاعتراض عليه اعتراض على الشيعة أنفسهم، وكأنّ نزع سلاحه هو اقتلاع لجماعة من تاريخها وذاكرتها ووسائل حمايتها. هذا المنطق ليس خاطئاً فحسب، بل مهين. فهو يختزل الشيعة في خوفهم، ويحوّل تاريخهم الطويل إلى مقدمة لبندقية، ويعامل طائفة كاملة كأنها لا تستطيع أن توجد إلا داخل شبكة حزب مسلح، وكأنّ جبل عامل، والنجف، والاجتهاد، والإصلاح، والعلماء، والمثقفين، والمزارعين، والطلاب، والتجار، وكل التجارب الوطنية الشيعية في لبنان، لم تكن إلا تمهيداً لولاية الفقيه. الحقيقة أن الشيعة لم يبدأوا مع “حزب الله”، ولن ينتهوا معه. قبل الحزب كان هناك تاريخ كامل من العلم والسياسة والاجتماع والاعتدال والتمثيل والمطالبة بالعدالة. كان هناك السيد محسن الأمين، والإمام موسى الصدر، والسيد محمد مهدي شمس الدين، , و السيد هاني فحص وكان هناك خطاب شيعي لبناني يعرف معنى الدولة، ويعرف معنى الشراكة، ويعرف أن الكرامة لا تُختصر بسلاح خارج المؤسسات، ولا تُقاس بعدد الصواريخ، ولا تُباع في سوق المحاور الإقليمية. لقد استفاد “حزب الله” من الخوف، من الاحتلال الإسرائيلي، من غياب الدولة، من تهميش طويل، ومن جراح حقيقية أصابت الجنوب والبقاع والضاحية. لكن الاستفادة من الجرح لا تمنح أحداً حق امتلاك الجسد. وما بدأ، في لحظة ما، بوصفه جواباً على الخوف، تحوّل مع الوقت إلى نظام دائم لإنتاج الخوف. صار الحزب يقول للناس: أنا أحميكم من الخطر، ثم يجعل وجوده سبباً دائماً لاستدعاء الخطر. يقول إنه يحمي الجنوب، ثم يحوّل الجنوب إلى ساحة مفتوحة. يقول إنه يحمي الشيعة، ثم يجعلهم يدفعون ثمن حروبه، وعقوباته، وتحالفاته، وقراراته التي لا يشاركون في صنعها. أما الكلام عن المستشفيات والمدارس والقروض والرواتب، فهو لا يثبت شرعية السلاح، بل يكشف حجم الكارثة. حين يصبح المواطن محتاجاً إلى حزب كي يولد، ويتعلم، ويتداوى، ويقترض، ويعمل، ويدفن شهيده، فهذه ليست بيئة حاضنة بقدر ما هي بنية احتجاز اجتماعي. الخدمات لا تمنح حق إعلان الحرب. والمساعدة لا تبرّر مصادرة القرار. والراتب الشهري لا يحوّل العائلة إلى شاهد زور على شرعية السلاح. المافيات أيضاً تؤمّن حماية. والأنظمة الشمولية أيضاً توزع الخبز. والعصابات أيضاً تعرف كيف تجعل الناس محتاجين إليها. لكن السؤال ليس ماذا تعطي هذه السلطة، بل ماذا تأخذ. و”حزب الله” أخذ أكثر بكثير مما أعطى: أخذ قرار الحرب والسلم، أخذ حق الاعتراض داخل الطائفة، أخذ صورة الشيعة في لبنان والعالم العربي، أخذ الدين وحوّله إلى جهاز تعبئة، أخذ الشهادة وحوّلها إلى رصيد سياسي، أخذ الخوف وحوّله إلى عقد إذعان طويل الأمد. إن أخطر ما فعله الحزب أنه ربط مصير الشيعة بمصيره. جعل أي ضغط عليه ضغطاً عليهم، وأي نقد له إساءة إليهم، وأي محاولة لنزع سلاحه تهديداً لوجودهم. وهذه ليست عبقرية اجتماعية، بل ابتزاز سياسي محكم. فحين يضع الحزب مستشفى ومدرسة وقرضاً وراتباً وشهيداً وصاروخاً في السلسلة نفسها، فإنه لا يبني مجتمعاً طبيعياً، بل يصنع قفصاً واسعاً؛ قفصاً له أبواب خدماتية كثيرة، لكنه لا يسمح بالخروج السياسي الحر. ومن حق الشيعة أن يسألوا: من يحمينا؟ هذا سؤال مشروع، بل سؤال لا يجوز الاستخفاف به، لأن الدولة اللبنانية خذلتهم كما خذلت غيرهم، ولأن الجنوب دفع أثماناً باهظة من الاحتلال والحروب والدمار. لكن السؤال المشروع لا يجوز أن يتحوّل إلى جواب أبدي لمصلحة الميليشيا. “من يحمينا؟” لا تعني أن يبقى السلاح إلى الأبد خارج الدولة. ولا تعني أن يصبح قرار طائفة وبلد في يد تنظيم مرتبط بمشروع إقليمي. ولا تعني أن يُطلب من الناس أن يختاروا بين الحزب والفناء، وبين الدولة والذبح، وبين لبنان وإيران. الحماية لا تكون بتأبيد الخوف. الحماية تكون بدولة قادرة، وجيش واحد، وقرار واحد، وحدود لا تتحكم بها منظمة، وسياسة خارجية لا تُدار من الضاحية ولا من طهران. الحماية تكون بإعادة الشيعة إلى الدولة، لا بإقناعهم أن الدولة مستحيلة وأن الحزب قدرهم الوحيد. ومن يقول إن فشل الدولة يبرّر بقاء الميليشيا، يشبه من يقول إن فشل الطبيب يبرّر تسليم المريض إلى الدجّال إلى الأبد. ثم إن الذاكرة التي تُستعمل لتبرير السلاح ذاكرة ناقصة. نعم، هناك 1978 و1982 والاحتلال الإسرائيلي والخذلان الرسمي. لكن هناك أيضاً ذاكرة أخرى: حروب الداخل، قمع الأصوات الشيعية المستقلة، تخوين المعترضين، توريط لبنان في حرب 2006، إرسال الشباب إلى سوريا والعراق واليمن، تحويل الجنوب إلى منصة في صراع لا يقرره أهله، وإرغام الناس على تسمية الهزيمة نصراً والخراب صموداً. لا يحق لأحد أن يتحدث باسم ذاكرة الشيعة ثم يمحو من هذه الذاكرة كل ما فعله الحزب بهم. لا يحق لأحد أن يستدعي صور الاحتلال الإسرائيلي كي يمنع السؤال عن الاحتلال الحزبي للقرار. ولا يحق لأحد أن يجعل من الخوف القديم سند ملكية سياسية على المستقبل. الشيعة أكبر من “حزب الله”. الجنوب ليس مخزناً للصواريخ. الضاحية ليست ثكنة. البقاع ليس ممراً عسكرياً. الشهادة ليست شيكاً مفتوحاً بيد حزب. والدين ليس بطاقة حزبية. والحرمان ليس رخصة أبدية لمصادرة الدولة. والذاكرة ليست سجناً. والخوف ليس هوية. المطلوب ليس أن يُترك الشيعة بلا حماية، بل أن يتحرروا من معادلة كاذبة تقول لهم إن حمايتهم لا تكون إلا بمن صادر قرارهم. المطلوب ليس تجاهل جراحهم، بل منع المتاجرة بهذه الجراح. المطلوب ليس إنكار أن الدولة فشلت، بل رفض تحويل هذا الفشل إلى تفويض دائم لحزب مسلح. فالدولة تُبنى حين تُستعاد من الميليشيات، لا حين نسلّم لها بما تبقى منها. إن أسوأ أنواع الدفاع عن الشيعة هو ذاك الذي يقدّمهم كجماعة محاصرة داخل قدر واحد، لا مستقبل لها إلا السلاح، ولا أمن لها إلا الحزب، ولا كرامة لها إلا في مشروع لا يملكون قراره. هذا الدفاع، في ظاهره تعاطف، وفي جوهره إلغاء. لأنه لا يرى الشيعي مواطناً حراً، بل تابعاً خائفاً يحتاج إلى وصيّ مسلح كي يشرح له معنى البقاء. الحقيقة أبسط من كل هذه البلاغة: “حزب الله” لم يعد يحمي الشيعة من الخطر؛ صار هو الخطر الذي يطلب منهم أن يخافوا من كل شيء إلا منه. وحين تتحول الحماية إلى احتجاز، والمظلومية إلى تجارة، والسلاح إلى قدر، يصبح واجب الكلام لا أن يسأل كيف نحافظ على هذا النظام، بل كيف نحرّر الناس منه. فالطائفة التي أنجبت علماء ومصلحين ومقاومين ومفكرين ومواطنين لا يجوز أن تُختصر في تنظيم. والناس الذين دفعوا أثمان الاحتلال والحروب والخذلان لا يجوز أن يُطلب منهم دفع أثمان جديدة كي يبقى الحزب فوق الدولة. ومن يريد فعلاً إنصاف الشيعة، فليبدأ من الاعتراف بأنهم ليسوا ملكاً لأحد، لا لحزب، ولا لمحور، ولا لوليّ فقيه. الشيعة مواطنون لبنانيون. حمايتهم تكون بدولة تحميهم، لا بميليشيا تستعمل خوفهم. ومستقبلهم يكون في لبنان، لا في انتظار حرب جديدة يقررها غيرهم ويدفعون هم ثمنها.

الأزمة، والكارثة، واهتزاز العالم (6/7)

يقترح هذا البحث رحلةً عبر صور الأزمة والكارثة، من الكوسمولوجيات القديمة إلى الخبرة المعيشة لاهتزاز العالم. ومن خلال الجمع بين الميراث اليوناني والكتابي والهندي وفكر يان باتوتشكا، يتساءل عن الكيفية التي تصوّرت بها الحضاراتُ الفوضى والانهيار واللاعودة، بل وإمكان الفعل ذاته حين يبدأ المعنى في التصدع. ويُنشر هذا النص هنا في سبعة فصول مترابطة، يتتبع خيطاً فكرياً بالغ الصعوبة والأهمية: هل الكارثة قطيعة مفاجئة، أم تفكك بطيء للعالم، أم الحقيقة الأعمق لعصرنا؟ وهذه هي الحلقة السادسة. القرار والحرب: أرجونا، البطل الملحمي في المهابهارتا، في مواجهة كارل شميت هل يمكن اتقاء الكارثة؟ إنها لا تُحارَب؛ بل تمارس جاذبيتها، وتطاردنا، وتتسلل إلى البنى ذاتها التي يقوم عليها العقل. وهل ما زال ممكناً الفصل بين الأزمة والكارثة؟ لعل ذلك لم يعد ممكناً: فقد تحولت الأولى إلى إيقاع، والثانية إلى أفق. وما نسميه الحكم لا يعود سوى ذلك الفن الهش: البقاء على خط اللايقين حيث يتأرجح العالم بين نهايته وبدايته من جديد. إن أطروحة كارل شميت القائلة إن “السيد هو من يقرر في الحالة الاستثنائية” تجعل من الأزمة لحظة الحقيقة في السياسي، غير أن هذا الارتقاء لا يُفهم على نحو كامل إلا إذا أُعيد إدراجه ضمن الأفق الأوسع للكارثة. فحالة الاستثناء، عند شميت، لا تظهر قط بوصفها حادثاً عارضاً يصيب نظاماً مستقراً في الأصل؛ بل تتكشف دائماً على خلفية تهديد، حقيقي أو متوقَّع، بانهيار النظامين القانوني والمؤسساتي. ومن ثم تؤدي الكارثة وظيفةً تأويلية أساسية، إذ تشكل شرط إمكان فهم الأزمة، وتبرر ضرورة وجود قرار سيادي قادر على الحيلولة دون انحلال السياسي في حالة اللامعيارية ( anomie ) [1] . ومن هذا المنظور، لا يقتصر خطاب الاستعجال والضرورة والخطر الوجودي على وصف وضع متطرف، بل يساهم في تشكيل المسرح الذي يمكن للسيادة أن تظهر عليه. وهكذا تغدو الكارثة أقل شأناً من كونها حدثاً تجريبياً، وأكثر من كونها بناءً مفاهيمياً، وعتبةً درامية يُختزل عندها السياسي إلى إمكانه الخالص. والاستثناء، بعيداً عن أن يكون أمراً عرضياً، يعمل بوصفه جهازاً يعيد القانون باستمرار إلى أصله الخارج عن المعيار: فعلُ القرار. غير أن هذه الدراماتورجيا تستدعي بدورها مسافةً نقدية. فحين يجعل شميت الكارثة لحظةً مؤسسةً للسياسي، فإنه يميل إلى تطبيع رؤية للعالم تُصوِّر بقاء الجماعة وكأنه مهدد على الدوام، بما يضفي المشروعية على قدرة تقريرية لا تكاد تعرف حدوداً. ويغفل مثل هذا التصور إمكان أن تدمج الأنظمة القانونية في بنيتها نفسها آلياتٍ للصمود الداخلي: إجراءات متدرجة، ورقابات مؤسساتية، وقواعد استثنائية مؤطرة بدقة، وُضعت تحديداً لمنع الأزمات من الانزلاق إلى الانهيار. ومن خلال افتراضه أن القرار السيادي وحده قادر على الحيلولة دون وقوع الكارثة، يبني شميت طوبولوجيا للسياسي يصبح فيها الاستثناء حجر الزاوية الضمني لكل معيارية. وهكذا، إذا نُظر إلى الأزمة الشميتية في ضوء الكارثة، بدت أقل شبهاً بواقعة موضوعية منها ببنية مفاهيمية ترمي إلى إضفاء الشرعية على شكل من أشكال السلطة لا يؤكد ذاته إلا عبر تعليق القاعدة. والهشاشة التي يكشفها الاستثناء لا تصيب النظام القانوني وحده، بل تمتد إلى الفكر الذي يجعل منه أداةً للسيادة. ومن خلال الربط الوثيق بين القرار والكارثة، يقدم شميت تصوراً للسياسي مؤسساً على منطق الحد الأقصى، مع ما ينطوي عليه ذلك من خطر الخلط بين الاستثناء وبين القاعدة الكامنة للحياة الجماعية. ويبلغ جورجيو أغامبن بهذه المنطق إلى نقطة انقلابه. ففي كتابيه Homo Sacer وÉtat d’exception، يرى أن الحد الفاصل بين القاعدة والاستثناء قد تلاشى، وأن حالة الاستثناء لم تعد انقطاعاً، بل أصبحت النموذج السائد للحكم. [2] وهكذا يحل محل السيّد الشميتي، بوصفه التجسيد المكثف للسلطة، نمطٌ منتشر من إدارة الحياة، تصبح فيه “الحياة العارية” معرضةً لسلطة قابلة للاتساع بلا حدود. ولم تعد الكارثة تهديداً خارجياً يبرر القرار، بل غدت بنية دائمة للسياسي الحديث: أسلوباً في الحكم الحيوسياسي يعمم حالة الطوارئ ويطمس الحدود ذاتها بين الشرعية واللاشـرعية. ومن ثم يبيّن أغامبن أن فكر شميت، الذي وُضع أصلاً للتفكير في الاستثناء، يجد اكتماله، على نحو مفارق، في عالم يصبح فيه الاستثناء هو القاعدة. في كتابها “الأزمة التي لا تنتهي: مقالة في التجربة الحديثة للزمن”، ترى ميريام روفو دالون أن الأزمة تنطوي على ازدواجية تأسيسية: فهي، من جهة، الصورة الزمنية الملازمة للحداثة، أي عالم معلَّق يعيش في ظل تحولات دائمة؛ وهي، من جهة أخرى، العلامة المتناقضة على إنهاك السياسي عندما تتحول الأزمة إلى حالة مستمرة. ولكن إذا غدا الزمن برمته مرادفاً للأزمة، فما الذي يبقى من لحظة الحسم؟ فحيث رأى شميت في الاستثناء المشهد الأصلي للسيادة، تشخّص روفو دالون، على العكس، تلاشي الصلة التي كانت تجمع بين الأزمة والقرار. [3] فـkrisis، التي كانت تعني، من حيث الاشتقاق، لحظة الحكم، تنزلق تدريجياً إلى حالة من العطالة المزمنة: وبدلاً من أن تفتح مجالاً للتدخل، تصبح الخلفية اللامحسومة لعالم تحكمه الإدارة. ويُحدث هذا التحول انقلاباً عميقاً في بنية السياسي نفسها. فلم تعد الأزمة حدثاً استثنائياً يستدعي فعلاً سيادياً، بل أصبحت حالة اعتيادية تخضع للرصد والقياس والإدارة عبر آليات التوقع والتحسين المستمر. وبهذه الصورة، تكف الأزمة عن أن تكون عتبةً حرجة، لتتحول إلى منطقٍ للتعطيل والتحييد: إذ تُستبق، وتُنمذج، وتُستوعب داخل بروتوكولات تقنية للتنظيم. ومن ثم، لم يعد السياسي يُعرَّف بقدرته على اتخاذ القرار، بل بقدرته على تثبيت عالم يُنظر إليه بوصفه غير مستقر بطبيعته. وفي مثل هذا السياق، تحتل الكارثة الموقع الذي أخلته الأزمة. فبعدما اندمجت الأزمة في روتين الحكم، تغدو الكارثة الشكل الوحيد للحدث القادر على إعادة تنشيط فعل القرار. وهي، بعيداً عن أن تكون قطيعة غير متوقعة، تتحول إلى أفق ناظم: شبح يُستدعى لتبرير الاستثناء، وإعادة إدخال القرار السيادي إلى الساحة حيث لم تعد الأزمة، بعد اعتيادها، تتيح ذلك. ويكشف هذا الانقلاب الكيفية التي تعبّئ بها السلطات المعاصرة إمكان الانهيار، سواء كان مناخياً أو صحياً أو مالياً أو أمنياً، لتبرير أجهزة استثنائية باتت مندمجة في صميم الحياة العادية للحوكمة. ويندرج هذا التحول ضمن ما يمكن تسميته الباراديغم الحيوي-البياني ( bio-datapolitical paradigm ): بنية للسلطة تميز العصر التقني العلمي، حيث يغدو تدبير الكائنات الحية وإدارة البيانات وجهين لا ينفصل أحدهما عن الآخر. فالحياة والمعلومة، البيولوجي والرقمي، يشكلان اليوم معاً ركيزتي عقلانية موجهة نحو الاستباق، والنمذجة، والتنظيم الوقائي. ولم يعد الأمر يقتصر، كما في الحيوسياسة عند فوكو، على إدارة السكان، بل أصبح يتعلق بإنتاج بيئات قابلة للحساب، وسلوكيات قابلة للتنبؤ، ومخاطر قابلة للقياس. ولم تعد التقنية العلمية مجرد أداة في خدمة السياسي؛ بل غدت شرط إمكانه، وبنيته التحتية العميقة. فإذا كانت الحيوسياسة تدير الحياة، فإن الحيوية-البيانية ( biodatapolitics ) تصوغ الحياة في هيئة بيانات، بحيث تصبح قابلة للاستباق، والتعديل، والخوارزمية. ويجد هذا النموذج أصداءً عميقة في كوسمولوجيا الكرمان ( karman )، حيث يُسجَّل كل فعل بوصفه أثراً محايثاً وقوةً باقية، تتراكم ضمن استمرارية سببية تتجاوز لحظة وقوعه. ومن ثم، لا يظهر الذات بوصفها فاعلاً مستقلاً، بقدر ما تبدو عقدةً داخل سلسلة من العلل المتداخلة، تعبرها محددات مدمجة ترسم إمكانات صيرورتها. وهكذا يتجلى العالم بوصفه نسيجاً من الترابطات الخفية والفاعلة، حيث تُفهم بنية الواقع بوصفها قابليةً علائقية للفهم داخل الصيرورة: مصفوفةً اجتماعية كونية تتشابك فيها الأفعال، والنتائج، وأوضاع الموجودات وفق عقلانية معيارية، وإجرائية، وشديدة التدرج. [4] وإذا كان الفكر الفيدي قد صاغ أنطولوجيا إجرائية للعالم من خلال الطقس، فإن العصر الرقمي يبدو وكأنه يؤسس أنطولوجيا حاسوبية للواقع، يُنتَج فيها العالم باستمرار بوصفه أثراً للحساب، والنمذجة، والتحسين. وفي مثل هذا الكون الخوارزمي، تفقد الأزمة كثافتها التاريخية. فهي تُنزع عنها فرادتها، وتُجرَّد من بعدها الدرامي، وتُختزل إلى مجرد متغير داخل أنظمة تكيفية تقوم على المعالجة المستمرة للإشارات الضعيفة، سواء في الصحة العامة، أو الأسواق، أو المناخ، أو الأمن. ويغدو السياسي مجرد حلقة دائمة من التعديلات، والمعايرات، والاستجابات الوقائية. أما الكارثة، فتكتسب وظيفةً مفارقة: فبدلاً من أن تكون مجرد الانهيار الذي يُخشى وقوعه، تصبح الآلية التخيلية التي تُطبِّع الاستثناء، وتؤتمت القرارات، وتوسع منطق المراقبة والضبط باسم حالة الطوارئ المقبلة. إن التفكير في مستقبل السياسي يقتضي، والحال هذه، إعادة مساءلة التشابك بين الأزمة والكارثة في ضوء الرأسمالية التقنية-الخوارزمية. لا من أجل الاستسلام لرؤية رؤيوية عن الحاضر، بل لاستعادة إمكان نقد لا يبتلعه نزعُ الواقعية عن السلطة؛ سلطةٌ لا تحكم بالقرارات بقدر ما تحكم بالترابطات، ولا بالقانون بقدر ما تحكم بالحساب، ولا بالحدث بقدر ما تحكم باستباقه اللامتناهي. إن المواجهة مع البهاغافاد غيتا، ذلك الحوار الفلسفي-الروحي الكامن في قلب المهابهارتا، حيث يلقن كريشنا أرجونا دروس الفعل والواجب والبصيرة، تتيح إحداث تحول حاسم في طريقتنا في التفكير في القرار، والأزمة، والكارثة. فحيث يرى شميت في الأزمة مبرراً للسلطة الحاسمة، يجعلها النص الهندي، على العكس، موضع تعليم باطني. إن المشهد الافتتاحي، حيث يقف أرجونا مشلولاً أمام الانهيار الرمزي للنظام المحارب، هو أزمة بالفعل، لكنه ليس أزمة شميتية. فهو لا يستدعي تعليق القاعدة، بل يكشف أن الفعل لا يمكن أن يستند أبداً إلى قاعدة خارجية. إنها كارثة داخلية، وانحلال للمرتكزات، واستحالة للفعل، لا تستدعي سيداً قرارياً، بل انقلاباً في الإدراك. فالقرار الحقيقي لا ينبثق من الاستثناء، بل من التجرّد من التماهي. ويعلّم كريشنا أرجونا أن الفعل ينبغي أن يكون بلا تملك ( niṣkāma karma )، وأن ذات الفعل ليست هي الأنا، وأن الرؤية غير المتمركزة حول الأنا وحدها هي التي تجعل الفعل عادلاً، من خلال الانسجام مع الدهرما. ومن ثم، فالقرار ليس قطيعة، بل فهماً؛ وليس تعليقاً للقاعدة، بل حدساً بالواقع. وحيث يؤكد شميت أن السيّد يؤسس النظام بقراره، توحي الغيـتا بأن النظام الكوني، أي الريتا والدهرما، هو وحده الذي يجعل قراراً غير عنيف أمراً ممكناً. [5] ويتضاعف هذا الانقلاب عندما تتناول البهاغافاد غيتا مسألة الكارثة. فعند شميت وأغامبن، تظهر الكارثة بوصفها الإطار الذي يتجلى فيه السياسي: أفقاً لسلطة الاستثناء أو قاعدةً منتشرة للحكم. أما في الغيـتا، فهي تنتمي إلى نظام مختلف تماماً: إنها داخلية، ووجودية، ومعرفية. ففي مشهد التجلي الإلهي (الفصل الحادي عشر)، لا تشير رؤية الزمن، مدمّر العوالم ( kālo ’smi lokakṣayakṛt ) إلى انهيار سياسي، بل إلى الحقيقة الكونية للصيرورة، تلك الحقيقة التي تبدد وهم السيطرة السيادية على العالم. وأمام هذه الكارثة الأنطولوجية، لا يكمن التحدي في اتخاذ قرار أكثر حسماً، بل في إدراك أن كل قرار عادل حقاً يفترض عبور الخوف، وإعادة تشكيل العلاقة بالفعل. وهكذا، لا تعود الكارثة تبريراً للسيادة، بل تصبح تربيةً على التحرر من التعلق. وتغدو هذه القراءة أكثر خصوبة في مواجهة الوضع المعاصر. ففي الوقت الذي تحوّل فيه الحيوية-البيانية ( biodatapolitics ) الأزمة إلى إدارة خوارزمية للمستقبل، تقترح الغيـتا علاقةً مغايرة بالزمن: حاضرٌ مكثف، منسجم مع الدهرما، لا يتحدد فيه الفعل بالخوف من الكارثة ولا بتوظيفها الحكومي. فالذات ليست سيادية، بل سيرورية، تعبرها الغونات ( guṇa )، ولا تختزل الفاعلية أبداً في مجرد الاستجابة للإشارات الضعيفة. وهكذا، وعلى ضوء الغيـتا، تكتسب السيادة معنىً جديداً. فالسيادة الحقيقية ليست القدرة على تعليق القاعدة، بل القدرة على التحرر من الذات. إنها ليست قرارية، بل باطنية؛ ولا تقوم على الانهيار، بل على البصيرة. فلا الأزمة ولا الكارثة تؤسسان النظام، بل تكشفان أوهام الذات التي تتخيل أنها تحكم، وحدود النماذج التي تجعل الفعل قائماً على الاستعجال أو الخوف أو الاستباق التقني. الغيـتا لا تنكر الأزمة، بل تسمو بها. ولا تنكر الكارثة، بل تدرجها في أفق كوني. ولا تنكر القرار، بل تنزع عنه طابعه النفسي. وهي بذلك تفتح سبيلاً يتجاوز القرارية الشميتية، والاستثناء المعياري عند أغامبن، كما يتجاوز الأزمة الدائمة للحوكمة الخوارزمية: تصوراً آخر للذات، وللزمن، وللفعل، يعيد توجيه السياسي نحو سيادة غير سيادية. لقد درج الفكر السياسي الحديث على إدراج الفعل ضمن منطق القطيعة. فعند شميت، تتجلى السيادة في القرار المتخذ داخل حالة الاستثناء، أي في القدرة على الحسم عندما يبدو النظام مهدداً بالانهيار. ويجعل هذا التصور الدرامي للسياسي من الأزمة لحظة الحقيقة، ومن الكارثة الأفق الذي يبرر تعليق القواعد. غير أن فلسفة للفعل تقوم على الاستعجال تبلغ حدودها عندما تكف الأزمة عن أن تكون حدثاً لتصبح حالة دائمة. وكما أوضحت ميريام روفو دالون، فإن الحداثة المتأخرة تحول الأزمة إلى بنية زمنية منتشرة: فهي لم تعد لحظة حاسمة، بل زمناً غير محدد، يُدار ويُستوعب داخل أجهزة الاستباق، إلى الحد الذي يكاد يمحو إمكان القرار ذاته. وفي إطار الحيوية-البيانية المعاصرة، التي تتمحور حول النماذج الخوارزمية، ينزلق الفعل السياسي تدريجياً من التدخل إلى الحساب، ومن التداول إلى مجرد الاستجابة للإشارات الضعيفة. بل إن الذات نفسها تُعاد صياغتها بوصفها عاملَ تكيّف، لا قوةً فاعلة. وهنا بالذات تفتح البهاغافاد غيتا، ولا سيما كما قرأها بال غانغادار تيلاك، أفقاً فلسفياً مغايراً جذرياً. فالأزمة التي يستهل بها النص، أي شلل أرجونا أمام الانهيار الرمزي للنظام المحارب، ليست شميتية بأي معنى؛ فهي لا تستدعي تعليق القاعدة ولا ظهور سيدٍ صاحب قرار، بل تكشف حقيقة داخلية: لا يمكن للفعل أن يكون مشروعاً إلا إذا تحرر من الخوف، والحساب، والتملك. [6] ويبيّن تيلاك بقوة أن الغيـتا لا تدعو إلى الانسحاب ولا إلى الزهد، بل إلى تحويل الذات بما يجعل الفعل العادل ممكناً. وهو، بعيداً عن اختزال السياسي في القرار السيادي، يؤكد أن الفعل الموافق لـالدهرما يسبق كل قرار سيادي، لأنه يصدر عن علاقة صحيحة بالواقع. فالفاعل لا يعمل اتقاءً للانهيار، بل لأن فعله يشارك في نظام كوني ليس هو سيده ولا مركزه. وهكذا تعيد الغيـتا صياغة مفهوم الأزمة نفسه. فهي ليست عتبة سياسية، بل اختبار للإدراك. أما الكارثة الحقيقية، فليست الدمار الخارجي، بل الانهيار الداخلي للذات حين تكتشف أن فعلها لم يعد يستند إلى المرجعيات المألوفة. والتجلي الإلهي في الفصل الحادي عشر، حيث يكشف كريشنا عن نفسه بوصفه “الزمن الذي غدا مدمّر العوالم”، لا يشكل رؤيا سياسية لنهاية العالم، بل يكشف البنية الأنطولوجية للصيرورة. فليس العالم هو الذي ينهار، بل وهم الذات السيادية. ومن هذا المنظور، لا تكون الكارثة أساساً لقرار استثنائي، بل حدثاً للحقيقة يذيب فكرة السيادة ذاتها، متى فُهمت بوصفها سلطة مستقلة. وتقف هذه الرؤية على النقيض من منطق الحوكمة الخوارزمية المعاصرة. ففي حين تحول أنظمة التوقع الأزمة إلى متغير دائم للإدارة، تقترح الغيـتا زمناً قائماً على كثافة الحاضر. فالعمل وفق الدهرما يعني التحرر من هيمنة المستقبل على الحاضر، وقطع الصلة بالدينامية التفاعلية للاستباق القَلِق. ويشدد تيلاك على أن الفعل الحقيقي يبدأ تحديداً عندما تكف الذات عن أن تُحكم بالخوف من النتائج: فالفعل العادل ليس أثراً للمخاطرة، بل تعبيراً عن اتساق داخلي. وفي أفق هذه الفلسفة، لم تعد السيادة القدرة على اتخاذ القرار في حالة الاستعجال، بل القدرة على التحرر من المحددات الوجدانية والاستدلالية التي تحكم ردود الفعل. ومن ثم يتضح أن الغيـتا، ولا سيما في قراءة تيلاك، تعيد تشكيل مجال الفلسفة السياسية من جذوره. فهي تنقل السيادة من حقل القرار إلى حقل التوافر الداخلي. [7] وترفض أن تكون الأزمة أو الكارثة أساساً للسياسي، لأنهما لا تكشفان إلا وهم ذاتٍ كانت تظن نفسها سيدة النظام وقادرة على تعليق مجراه. وما تكشفه الغيـتا هو أن الفعل لا يدين بشيء للقطيعة، بل يدين بكل شيء للبصيرة. فهو لا ينبع من الانهيار، بل من فهم أعمق لانغراسنا في الواقع. وهي، بدلاً من أن تبرر السلطة بالتهديد، تذيب السلطة في أخلاقية الالتزام غير التملكي. وهكذا تقدم الغيـتا بديلاً مفاهيمياً بالغ الأهمية للنماذج الغربية للأزمة والاستثناء. فهي لا تنكر هشاشة العالم ولا اضطراب التاريخ، لكنها ترفض أن تجعل منهما المحرك الأساسي للسياسي. إنها تقترح أنطولوجيا للفعل، لا تعود فيها السيادة فعلاً استثنائياً يصدر عن ذات متعالية، بل الكيفية التي تتولى بها ذاتٌ متحولة موقعها داخل نسيج الصيرورة. ومن هذا المنظور، تدعونا إلى إعادة التفكير في إمكان الفعل ذاته في عالم تغمره الأزمات وتطارده الكوارث: لا بالسعي إلى السيطرة على الاستثناء، بل بتعلّم الفعل من دونه. غير أن هذا التحول لا يصبح مفهوماً إلا إذا سلّمنا بأن كل نظرية في الحكم تقوم، تصريحاً أو تلميحاً، على كوسمولوجيا كامنة. فالحكم يعني دائماً، بطريقة أو بأخرى، التموضع داخل كوسمولوجيا ضمنية. ومن ثم، لا تكون الأزمة سوى اختلال في العالم نفسه، بينما لا تقتصر الكارثة على كونها حدثاً، بل تعبر عن تحول في النظام الكوني للواقع. ومن هنا تبرز الأهمية الحاسمة للعودة إلى التقاليد الكتابية والسنسكريتية، لأنها تتيح إعادة بناء الطبقات العميقة لما يمكن تسميته حكمة الكون السياسية ( Political Cosmosophy ). وهي طريقة في التفكير في السياسي انطلاقاً من جذوره الكوسمولوجية، أي بإدراجه ضمن تصور شامل لنظام العالم ( cosmos )، والزمن، والصيرورة. فهي لا تنظر إلى السياسي بوصفه مجالاً مستقلاً، يقتصر على المؤسسات أو السيادة أو القواعد، بل بوصفه تموجاً داخل نظام كوني أعمق، قادر على أن يتجلى في أنظمة متعددة: دورية، أو إسكاتولوجية، أو فوضوية، أو خوارزمية. [1] انظر: كارل شميت ، اللاهوت السياسي : أربعة فصول في نظرية السيادة، ترجمة جان لوي شليغل، باريس: غاليمار، سلسلة “مكتبة الفلسفة”، 1988 (الطبعة الأصلية: 1922)، ص 15. [2] انظر: جورجيو أغامبن ، حالة الاستثناء، ترجمة جويل غيرو، باريس: سوي، سلسلة “النظام الفلسفي”، 2003؛ وكذلك: الإنسان المقدس (Homo Sacer I): السلطة السيادية والحياة العارية، ترجمة ماريلين رايولا، باريس: سوي، 1997. [3] ميريام روفو دالون ، الأزمة التي لا تنتهي : مقالة في التجربة الحديثة للزمن، باريس: سوي، سلسلة “لون الأفكار”، 2012، ولا سيما المقدمة. [4] في كتابه طبخ العالم: الطقس والفكر في الهند القديمة ( Cuire le monde. Rite et pensée dans l’Inde ancienne ، باريس: لا ديكوفرت، 1989)، يكشف شارل مالامو عن بنية حاسمة في الفكر الفيدي: فالواقع لا يُفهم فيه، ابتداءً، بوصفه موضوعاً للتمثل أو التأمل، بل بوصفه مجالاً لعمليات فعلية، تعبره إجراءات طقسية تضمن في آن واحد تحوّله وقابليته للفهم. ومن هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى الطقس بوصفه لغةً ثانوية تأتي لتدل على نظام كوني معطى سلفاً. فهو، على العكس، جهازٌ مُنتِج، لا يبلغ الواقعُ من خلاله صورته المتمايزة إلا عبر فعل الطقس نفسه. ويؤدي تحليل فعل الطهو ( pāka ) دوراً نموذجياً في هذا السياق، لأنه يختزل منطقاً واحداً للتحول يشمل المادة، والصورة، والمعنى في آن واحد. فالطهو لا يدل هنا على مجرد عملية تقنية، بل على تحول حقيقي للواقع، يعاد فيها، في الوقت نفسه، تشكيل حالة الأشياء، ووضعها الرمزي، وموقعها داخل النظام الكوني. ومن ثم، يمكن فهم الفكر الفيدي بوصفه شكلاً من الأنطولوجيا الإجرائية، بمعنى أن الكينونة لا تُعطى فيه قط بوصفها جوهراً ثابتاً، بل باعتبارها النتيجة المؤقتة لسلسلة من العمليات المنظمة. وتتطور هذه الأنطولوجيا ضمن استمرارية متمايزة بين ثلاثة مستويات لا تتعارض، بل يستجيب بعضها لبعض: الفعل التقني بوصفه التنظيم المادي للعمل؛ والفاعلية الطقسية بوصفها الصلاحية المعيارية الداخلية لهذا العمل؛ والتحول الكوني بوصفه المقابل الأنطولوجي للطقس المنجز. وما يبرزه مالامو على نحو حاسم هو أن هذه المستويات لا تنتمي إلى مجالات متغايرة، تقنية أو رمزية أو ميتافيزيقية، بل إلى منطق واحد يحكم منطق إنتقالية الواقع . وهكذا يغدو العالم الفيدي متصلاً من العمليات، حيث لا يكون الواقع مجرد معطى يُلاحَظ، بل واقعاً يُنتَج باستمرار، ويُعدَّل، ويُثبَّت عبر سلاسل من الأفعال الفاعلة. وهكذا تتبلور عقلانية للفعل لا تفصل المعرفة عن الممارسة، ولا التقنية عن الكون. فالعالم ليس موضوعاً خارجياً للوصف، بل هو المقابل الداخلي لممارسة منضبطة، يتطابق فيها الفهم والتحويل داخل اقتصاد إجرائي واحد للواقع. وانطلاقاً من هذا التأويل الذي يقترحه مالامو، يصبح من الممكن إضاءة النظام المعاصر لإجرائية الواقع من زاوية جديدة. فهذه البنية تسمح بفهم التحول الراهن للعالم بوصفه انتقالاً من إجرائية طقسية-رمزية إلى إجرائية خوارزمية وبنيوية تحتية. ويغدو العالم، عندئذ، مجالاً لحسابية معممة، لم تعد الإجرائية فيه تمر عبر الطقس، بل عبر منظومات تقنية متواصلة تنظم، سلفاً، شروط الفعل والإدراك والقرار نفسها. ولم تعد البنية التحتية الخوارزمية تكتفي بمعالجة الواقع، بل أصبحت تُشكّله، وتعيد تقطيعه، وتجعله قابلاً للاستباق. وهي بذلك تؤسس شكلاً من الطقسية المحايثة، لا يقوم على وساطة رمزية أو مقدسة، بل على التكرار المؤتمت لسلاسل حسابية تُعيد تشكيل السلوكيات وتوجّه أنماط الفعل. [5] سارفيبالي راداكريشنان ، The Bhagavadgita ، لندن: George Allen & Unwin، 1948، ص 91-118. [6] بال غانغادار تيلاك ، Shrimad Bhagavad Gita Rahasya, or Karma-Yoga-Shastra ، بونه: Tilak Bros.، 1915 (الترجمة الإنجليزية عن الأصل الماراثي)، ولا سيما الفصول المخصصة لعقيدة كارما-يوغا ( karma-yoga ) وقراءته لـالبهاغافاد غيتا بوصفها تعليماً للفعل غير التملّكي ( niṣkāma karma ). [7] ناغابا ك. غاودا ، “The Sthitaprajna as the Foundation of the Nation: Tilak and the Gita Rahasya”، ضمن: The Bhagavadgita in the Nationalist Discourse ، أكسفورد: Oxford University Press، 2011. ويحلل المؤلف في هذه الدراسة القراءة التي يقدمها تيلاك لـالبهاغافاد غيتا، مبيناً كيف يحول شخصية أرجونا إلى ذاتية أخلاقية تتجسد من خلالها الدهرما. (النص مترجم من اللغة الفرنسية)

ترامب: "مذكرة التفاهم انتهت"... مناورة أم حقيقة؟

هل تعيش الهدنة بين واشنطن وطهران أيامها، بل ربما ساعاتها الأخيرة؟ سؤال يطرحنفسه بإلحاحٍ شديد منذ صباح الأربعاء، مع تفاقم حدّة التوترات بين العاصمتين بشكل خطير، على وقع مواجهة عسكرية جديدة عند مضيق هرمز. وتذهب الجمهورية الإسلامية، التي تنتهج سياسة حافة الهاوية منذ انتهاء العمليات العسكرية الإسرائيلية-الأمريكية ضد أراضيها، في استفزازاتها إلى أقصى مدى. وهي تحاول بذلك انتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في إطار المفاوضات التي انطلقت بناءً على مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين في حزيران الماضي. ويبدو أن طهران تراهن على رغبة ترامب في إعطاء الأولوية للحل الدبلوماسي – لاعتبارات اقتصادية ومالية، وأخرى ترتبط بالسياسة الداخلية الأمريكية – من أجل الذهاب بعيداً في الضغط، دون أن تخشى إعادة النظر في المحادثات المفترض استئنافها خلال الأسابيع المقبلة. فهل تسعى طهران أيضاً إلى اختبار حدود صبر ترامب؟ السؤال مشروع تماماً. ومهما تكن الغاية، فإن الجمهورية الإسلامية تخوض لعبة خطرة؛ إذ إن استراتيجيتها هذه قد تطير بمذكرة التفاهم، وتدفع الرئيس الأمريكي إلى تنفيذ تهديداته بشن عملية عسكرية واسعة النطاق إنما موضعية، لإرغام النظام الإيراني على الإذعان لشروطه. بإعلانه نهاية اتفاق حزيران بعبارة مقتضبة لكن حاسمة: "لقد انتهت مذكرة التفاهم"، على هامش أعمال قمة حلف شمال الأطلسي المنعقدة في أنقرة، وبنعته قادة الجمهورية الإسلامية بشتى الأوصاف، والتي يبقى أكثرها تهذيباً "كاذبون ومرضى"، فإن دونالد ترامب قد عبّر بالتأكيد عن ضيقه، لكنه لم يذهب إلى حد إعلان إجراءات تصب في اتجاه القطيعة. بل على العكس، أكد أن الأمر يعود لمفاوضيه لتقرير ما إذا كان يجب مواصلة المحادثات أم لا، موضحاً أنه في حال الإبقاء عليها، يتعين عليهم تقديم تقرير له بهذا الشأن. ومع ذلك، حرص في ساعة متأخرة من مساء الأربعاء على التشديد على ضيقه هذا. إذ قال: "لست متأكداً من أنني أريد إبرام اتفاق معهم. يمكننا خوض الألاعيب، لكنني لست واثقاً من أنني أريد التوصل إلى اتفاق. فلننهِ العمل فحسب". ورداً على صحفي أشار إلى أنه كان يشيد الشهر الماضي ببعض كبار المسؤولين الإيرانيين وسأله عما تغير، أجاب الرئيس ترامب: "لقد تعلّمتُ أن أعرفهم"... غارات أمريكية ضد 80 هدفاً لإيران حساباتها، ولدونالد ترامب حساباته أيضاً. والسؤال الأبرز هو معرفة من ستكون له الكلمة الأخيرة. ويأتي الموقف الأمريكي، كما يُذكّر، بعد موجة عنف ليلية جديدة حول مضيق هرمز، أشعلها قصفٌ إيراني، نهار الثلاثاء، لثلاث ناقلات نفط كانت تسلك الممر الملاحي العُماني الذي ترفضه طهران. وبالنسبة إلى واشنطن يشكل هذا القصف انتهاكاً صارخاً لاتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في حزيران. وقد استتبع رداً أمريكياً فورياً تمثل في إعادة فرض الحظر على إنتاج النفط الإيراني ومشتقاته وبيعهما. وأعقب هذه العقوبة، بعد ساعات قليلة، ضربات أمريكية ضد أكثر من 80 هدفاً عسكرياً في إيران، أسفرت عن سقوط ثمانية قتلى، بحسب وسائل إعلام إيرانية. كما أفيد بوقوع انفجارات قرب مضيق هرمز، وتحديداً في منطقة بوشهر، على مقربة من جزيرة خارج، المرفأ النفطي الرئيسي في البلاد. وردّت الجمهورية الإسلامية بمهاجمة "85 منشأة عسكرية أمريكية في قواعد في الكويت والبحرين"، وفقاً للمعلومات التي عممتها على وسائل الإعلام، ونقلتها عنها الصحافة الإيرانية. وفي الكويت، تسببت الضربات الإيرانية في انقطاع التيار الكهربائي. تهديدات وتهديدات مضادة وهكذا، شهد يوم الأربعاء سلسلة من التهديدات الأمريكية والتهديدات المضادة الإيرانية؛ إذ اعتبرت طهران، التي لم تعد سوء نيتها بحاجة إلى برهان، أن واشنطن هي من انتهك اتفاق وقف إطلاق النار، وأن "على دونالد ترامب نفسه تحمل العواقب"، وفقاً لعلي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي. وأعلن الأخير عبر حسابه على منصة "إكس" أن "محور المقاومة لن يقف مكتوف الأيدي في حال استمرار المغامرة الأمريكية"، في إشارة واضحة إلى احتمال دخول الفصائل الموالية لها في المنطقة على خط المواجهة. كما توعدت طهران باتخاذ "إجراءات حاسمة" للدفاع عن مصالحها في حال صعدت واشنطن ضغوطها. وحذرت الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية من أن "أي دولة تسهل العمليات العسكرية الأمريكية ضد أراضيها ستصبح هدفاً مشروعاً"، في تهديد مبطن وواضح للبحرين والكويت. لكن في هذه المناورة الخطرة، تبدو إيران شبه معزولة؛ فالولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج ترفض جميعها ما تحاول طهران فرضه بالقوة: فرض سيطرة حصرية على مضيق هرمز الاستراتيجي، بما يتيح لها التحكم بالتجارة البحرية العالمية والتعويض، بهذا الأسلوب، عن تراجع نفوذها الإقليمي. وفي أنقرة، تقاطع موقف الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، والمستشار الألماني، فريدريش ميرتز، مع المعارضة الدولية للطموحات الإيرانية. واعتبر روته أن الرد الأمريكي كان "ضرورياً تماماً"، مؤكداً أهمية إظهار الحزم في مواجهة إيران. أما بالنسبة إلى المستشار الألماني، فقد كان الرد "مبرراً بالكامل". وصحيح أن دونالد ترامب جدد تهديداته ضد الجمهورية الإسلامية طوال يوم الأربعاء، غير أن نبرته هذه المرة جاءت مختلفة عن سابقاتها؛ فالرئيس الأمريكي يبدو مستعداً للإقدام على الخطوة التالية، في وقت أفادت فيه وسائل إعلام أمريكية وإسرائيلية بوجود تنسيق محتمل بين إسرائيل والولايات المتحدة في هذا السياق. ومع ذلك، فإن الضغط سيتصاعد تدريجياً بالنسبة إلى ترامب: إعادة فرض الحصار البحري، والسيطرة على جزيرة خارج الاستراتيجية، واستئناف الهجمات العسكرية. وفي هذا الإطار، أعلن في وقت متأخر من بعد الظهر أن الضربات ضد الأهداف العسكرية الإيرانية "قد تستأنف خلال الليل". وبعد ذلك بوقت قصير، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) عبر حسابها على منصة تليغرام أن "أكثر من 20 سفينة حربية أمريكية تقوم بدوريات في مياه الشرق الأوسط – من دون تقديم مزيد من التفاصيل – لضمان الاستقرار والأمن هناك". وهي خطوة لتأكيد الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة. حلف شمال الأطلسي وسوريا ولبنان وكان من المفترض أن تتيح قمة حلف شمال الأطلسي، التي تحدث خلالها الرئيس الأمريكي عن مواضيع عدة، إعادة الأمور إلى نصابها في ما يتعلق بملفات عدة. ورغم انتقاداته الحادة للحلف وللدول الأوروبية التي لم تسانده في حربه ضد إيران، أعلن دونالد ترامب أنه لن ينسحب منه. كما كشف عن توجهه لبيع مقاتلات "F-35"، فخر الصناعة الجوية العسكرية الأمريكية، إلى أنقرة – وهو ما لن يروق لتل أبيب –وإلى شطب سوريا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب. وفي ما يخص لبنان، أشار ترامب إلى رغبة إسرائيلية في الانسحاب من المناطق التي لا تزال تحتلها في الجزء الجنوبي من البلاد، من دون الخوض في التفاصيل. ووضع هذا الانسحاب في إطار المفاوضات الجارية بين تل أبيب وبيروت، والمزمع استئنافها في 15 و16 تموز في روما. وبحسب مصادر إعلامية متطابقة، فإن السلطات اللبنانية لم تتبلغ بعد رسمياً بهذه المواعيد من الولايات المتحدة، وهي تبدي تحفظاً حيال إعلانٍ جاء من دون التشاور معها مسبقاً، علماً أن إيطاليا وإسرائيل هما من حددتا الموعد والمكان. ووفقاً للمصادر نفسها، يشترط لبنان الانسحاب الإسرائيلي من "منطقتين نموذجيتين"، كما هو منصوص عليه في الاتفاق الإطاري، للذهاب إلى روما. وثمة موعد آخر بارز ينتظر لبنان، يتمثل في الزيارة الرسمية التي سيقوم بها الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن في 21 تموز، تلبية لدعوة من نظيره الأمريكي؛ وهو ما أعلنته السفارة اللبنانية في واشنطن الأربعاء. ومن المقرر أن يتسلم الرئيس عون الدعوة خلال الساعات المقبلة من السفير الأمريكي في لبنان، ميشال عيسى. ويتصدر جدول أعمال المحادثات، بشكل أساسي، تطبيق الاتفاق الإطاري الموقع مؤخراً بين إسرائيل ولبنان، والذي ينص خصوصاً على انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من جنوب لبنان ونزع سلاح "حزب الله". وفي هذا السياق، يُشار إلى أن الرئيس ترامب سُئل عن دور سوري محتمل في نزع سلاح الحزب، فجاءت إجابته أقل حزماً من مواقفه السابقة حول هذا الموضوع، إذ قال: "يمكنهم المساعدة. سوف نرى. أعتقد أن هناك تقدماً يُحرز، ويمكنهم القيام بعمل جيد".