

سيبقى الثامن من تموز/يوليو 2026 تاريخًا مفصليًا في تاريخ حلف شمال الأطلسي. فقد أظهر «إعلان أنقرة»، الصادر في ختام قمة الناتو التي عُقدت في تركيا، تحولًا عميقًا على المستويات التكنولوجية والمالية والجيوسياسية. ويجسد هذا الانتقال إلى «الناتو 3.0» إعادة تمحور الحلف حول عقيدة تقوم على التفوق المعلوماتي والدفاع الإقليمي عالي الكثافة، مع ترسيخ مكانة تركيا بوصفها الركيزة الأساسية للجناح الجنوبي للحلف.

ثورة مالية: بنك الدفاع والصمود
يُعدّ أحد أكثر جوانب القمة ابتكارًا هو الاستجابة للتحديات المالية المرتبطة بإعادة التسلح. فمع أن الاتحاد الأوروبي أنشأ عام 2025 صندوق «SAFE» (العمل الأمني من أجل أوروبا) بقيمة 150 مليار يورو لدعم الدفاع، وهو صندوق استُبعدت منه كل من كندا وتركيا، كان لا بدّ لحلف شمال الأطلسي من إيجاد آلية خاصة تتيح إشراك هذين البلدين.
وفي وقت التزمت فيه الدول الأعضاء برفع إنفاقها الدفاعي إلى ما يصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، أعلنت تسع دول، من بينها تركيا وكندا، إنشاء «بنك الدفاع والأمن والصمود».
وسيكون مقر هذه المؤسسة في كندا، مع قدرة تمويلية ضخمة تبلغ 134 مليار دولار. ويتمثل هدفها الرئيسي في توفير قروض بشروط تفضيلية لدعم مشاريع البنى التحتية ذات الاستخدام المزدوج (المدني والعسكري)، إلى جانب تعزيز الدفاع السيبراني وتمويل إعادة تسليح الدول الأعضاء بشكل مباشر.
العقيدة المعلوماتية: الذكاء الاصطناعي و«سحابة القتال»
تمثل قمة أنقرة انتقالًا من الرؤية العسكرية التقليدية، القائمة على عدد الدبابات والفرق العسكرية، إلى عقيدة ترتكز على التفوق في اتخاذ القرار.
وبالنسبة إلى الناتو، يعني ذلك أن تكون قواته المسلحة قادرة على فهم الموقف، واتخاذ القرار، والتحرك بسرعة وكفاءة أكبر من الخصم.
ولم يعد الأمر يتعلق بالتفوق المادي وحده، إذ تقوم هذه العقيدة على ثلاثة ركائز:
السيطرة على البيانات: عبر الدمج الفوري للبيانات الواردة من الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة والرادارات والمصادر السيبرانية، وتحليلها بواسطة الذكاء الاصطناعي.
تسريع دورة القيادة والسيطرة: من خلال «المحاكاة الحربية الرقمية» (Wargaming)، وهي محاكاة استراتيجية تضع فرقًا بشرية أمام سيناريوهات شديدة الواقعية، بما يسمح باختبار الخطط من دون مخاطر فعلية، وكشف الثغرات اللوجستية والتكتيكية، فيما يقوم الذكاء الاصطناعي بتحليل كل قرار لتقديم مؤشرات مفيدة إلى هيئات الأركان.
الحماية من الحرب الإدراكية: عبر اتخاذ تدابير تهدف إلى حماية القادة والسكان من عمليات التلاعب والمعلومات المضللة.
وفي هذا الإطار، بدأت تتبلور «سحابة القتال» (Warfighting Cloud)، وهي شبكة قتالية سحابية عابرة للأطلسي وقابلة للتشغيل البيني، تربط في الزمن الحقيقي جميع أجهزة الاستشعار التابعة للحلفاء.
فالمقاتلات والسفن والرادارات الأرضية ومنظومات الأقمار الاصطناعية تدمج بياناتها لتوفير رؤية فورية وشاملة لساحة المعركة.
وقد أقرّ الإعلان الختامي للقمة دمج نماذج متقدمة من الذكاء الاصطناعي في تخطيط العمليات وتنفيذها.
أما الهدف فهو واضح: تقليص زمن اتخاذ القرار بحيث يتمكن الناتو من الاستجابة بسرعة أكبر من خصومه في مواجهة تهديدات تزداد تعقيدًا وتسارعًا.
قطاع صناعي قياسي: أواكس و«درون إدج»
أظهر الجانب الصناعي من القمة حيوية غير مسبوقة، مع توقيع عقود تجاوزت قيمتها 50 مليار دولار في يوم واحد.
ويجسد إعلانان رئيسيان هذا التوجه نحو التحديث.

أولًا، استبدال أسطول طائرات الإنذار المبكر الأمريكية «أواكس» (AWACS) الذي بات متقادمًا.
وقد اختار الناتو نظام GlobalEye الذي تطوره شركة «ساب» السويدية. ويحمل هذا القرار أهمية استراتيجية كبيرة، إذ يُعد «غلوبال آي» من بين الأنظمة القليلة القادرة على كشف وتتبع التهديدات الجديدة المتمثلة في الصواريخ فرط الصوتية، التي أصبحت مصدر قلق رئيسيًا للأمن الأوروبي.
ثانيًا، إطلاق مبادرة «NATO's Drone Edge» بميزانية ضخمة تبلغ 40 مليار دولار على مدى خمس سنوات.
ويهدف هذا البرنامج إلى شراء أنظمة مستقلة وغير مأهولة في مختلف المجالات، تشمل الطائرات المسيّرة، والمسيّرات البحرية، والروبوتات البرية.
وفي هذا السياق، أكد الحلف بالفعل شراء طائرات الاستطلاع المسيّرة عالية الارتفاع «ترايتون» (Triton) من شركة Northrop Grumman الأمريكية، بما يعزز مراقبة الحدود والمناطق ذات الأهمية الاستراتيجية.
الانكفاء الأميركي والاستقلالية الأوروبية
بدأ البنتاغون تنفيذ انسحاب مادي جزئي من القارة الأوروبية، انسجامًا مع استراتيجية الأمن الأميركية التي أُعلنت أواخر عام 2025.
فقد سحبت الولايات المتحدة واحدة من حاملتي الطائرات المخصصتين لمنطقة الناتو.
كما سحبت قاذفة استراتيجية واحدة من أصل اثنتين، وخفضت ثلث أسطولها من مقاتلات F-15 المنتشرة في أوروبا، إضافة إلى تقليص عدد طائرات Reaper المسيّرة، الأساسية في مهام المراقبة، إلى النصف.
ويفرض هذا الانسحاب عمليًا على الدول الأوروبية تولي مسؤولية أكبر في الدفاع عن نفسها.
وهذا هو جوهر «الناتو 3.0»: تحالف لم يعد الأوروبيون وكندا وتركيا فيه مجرد شركاء من الدرجة الثانية، بل أصبحوا ركائز الدفاع الجماعي، ولا سيما في مواجهة التهديدات التقليدية على الأراضي الأوروبية، فضلًا عن التهديدات الأخرى على الجناح الجنوبي للحلف.
بيان ختامي عالي الكثافة
يعيد «إعلان أنقرة» التأكيد على المادة الخامسة من معاهدة الحلف، التي تنص على أن «أي اعتداء على أحد الحلفاء يُعد اعتداءً على الجميع»، مع التشديد في الوقت نفسه على دعم أوكرانيا والاستعداد لحروب عالية الكثافة.
وخلال عام 2026، سيخصص الحلفاء، ومعظمهم من الدول الأوروبية، 70 مليار يورو لتجهيز القوات الأوكرانية وتدريبها، مع التزام بتجديد هذا الدعم في عام 2027.
كما يتناول الإعلان إيران، مؤكدًا أنها يجب ألا تمتلك السلاح النووي، ومطالبًا باحترام حرية الملاحة في مضيق هرمز.
وبذلك يعيد «الناتو 3.0» تركيز الحلف على الردع والدفاع. وبين الابتكارات التكنولوجية، والأدوات المالية السيادية، وتزايد مسؤولية الأوروبيين في ظل الانسحاب الأميركي الجزئي، يستعد الناتو لمواجهات ستكون فيها البيانات والاستقلالية عاملَي الحسم.
تركيا الرابح الأكبر في القمة... ولكن
خرجت تركيا من القمة بوصفها أحد أبرز المستفيدين من «الناتو 3.0»، بعدما حققت مكاسب دبلوماسية وصناعية مهمة، وإن لم تنجح في تحقيق جميع طموحاتها.
وبصفتها الدولة المضيفة للقمة، عززت مكانتها كحلقة وصل بين الشرق والغرب، وانضمت إلى الدول التسع المؤسسة لـ«بنك الدفاع والصمود» الجديد، الذي يدير أصولًا بقيمة 134 مليار دولار، ما يوفر رافعة محتملة لصناعاتها الدفاعية.
كما أن التركيز على مبادرة «Drone Edge» البالغة قيمتها 40 مليار دولار، ودمج الذكاء الاصطناعي، يؤكدان صواب استراتيجيتها القائمة على الأنظمة المستقلة، ولا سيما الطائرات المسيّرة، ويضعان شركاتها في موقع الشريك الأساسي داخل الحلف.
من جهة أخرى، وافقت واشنطن على بيع محركات مخصصة للمقاتلة التركية المستقبلية Kaan، في صفقة تُقدّر قيمتها بنحو 700 مليون دولار.
ومع ذلك، ورغم التحول الدبلوماسي الذي يميل إلى رفع القيود تدريجيًا عن بيع المكونات العسكرية الغربية ومقاتلات F-35 الأميركية لتركيا، فإن رفع الفيتو الذي يفرضه الكونغرس الأميركي لا يزال شرطًا أساسيًا لتحويل هذه التوجهات إلى واقع.