شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
   حرفًا تلو الآخر
بقلم
زينه زيادة
نُشر

“لماذا توقّفتِ عن الكتابة؟” سُئلتُ مؤخرًا، ومن أكثر من شخص. أمسكتُ بهاتفي وسألتُ ميشال: كيف نكتب ونحن في خدر؟ “حرفًا تلو الآخر”، أجاب. فبدأت تتبعثر الأحرف في مخيّلتي. تتراءى، وترفض أن تصطفّ كلمات. أراها تتراكم دون جدوى. أتدرون كم من كلمةٍ تولد من حرفٍ تلو الآخر؟ ها هي تُكتب وتُقرأ في هذه اللحظة بالذات. أنتم وأنا نخلق الكلمات نفسها، بفارقٍ زمنيّ فقط. فهي تولد وتموت في الوقت ذاته، وما من علاقةٍ بين الكاتب والقارئ إلا تلك اللحظة التي يلتقيان فيها عند الكلمة. لكن كيف أكتب ما لا يموت؟ ما يبقى محفورًا في ذاكرةٍ ما، في زمنٍ تتزاحم فيه الكلمات حتى تكاد تختنق؟ نتصفّح المئات منها كل يوم. تمرّ أمام أعيننا كما تمرّ الوجوه المبتسمة على شاشاتنا، ثم تمضي، ولا يبقى منها إلا القليل؛ تلك التي لمستنا بصدق، أو أيقظت حواسنا، أو حرّكت ضمائرنا، أو جعلتنا نتوقّف، ولو للحظة. ثم يأتي الجفاف، ذاك الذي لا يراه أحد، فيظنّ البعض أن الكاتب يتوقّف لأنه فقد الرغبة، بينما الحقيقة أنه، أحيانًا، يفقد الطريق إلى مخيّلته. يجلس أمام الصفحة كما يقف أمام بابٍ أضاع مفتاحه. الكتابة موهبة، لكن الامتهان هو ما يصقلها. والامتهان يحتاج إلى انضباطٍ يومي؛ أن نجلس أمام الصفحة حتى في الأيام التي لا تزورنا فيها فكرة، وحتى حين نشكّ في كل جملةٍ نكتبها. فالإلهام، مهما بالغنا في تمجيده، لا يُعوَّل عليه وحده. وحده الانضباط يعيد الكاتب إلى مكتبه، مرةً بعد أخرى. لكن كيف يلتزم المرء بهذا الانضباط في بلادٍ لا تسمح ليومٍ أن يشبه الذي سبقه؟ في بلادٍ تستيقظ كل صباح على خبرٍ جديد، أو أزمةٍ جديدة، أو خوفٍ جديد، حيث يصبح الانتباه عملةً نادرة، ويغدو جمع النفس قبل جمع الأفكار إنجازًا بحدّ ذاته. نتلهّى، أو لعلّنا نُلهى، بما يستنزفنا. ندور في يومياتٍ ترهق كاهلنا. نطارد التفاصيل، ونركض خلف ما ينبغي إنجازه، ونحاول فقط أن نعبر اليوم بأقلّ الخسائر، حتى يصبح الوصول إلى المخيّلة رحلةً أطول من الكتابة نفسها. لا لأن الخيال غادرنا، بل لأن الطريق إليه صار مزدحمًا بما يؤجّلنا عن أنفسنا. ولعلّنا لا نخشى الصمت بقدر ما نخشى أن نعتاده. أن يصبح الانشغال هو الحالة الطبيعية، وأن تتحوّل الكتابة إلى وعدٍ مؤجّل ينتظر هدوءًا لن يأتي. ليت الكلمات تعرف طريقها إلينا، كلما أضعنا الطريق إليها. ومع ذلك، كلما ظننت أن الكلمات هجرتني، أكتشف أنها لم تكن بعيدة. كانت تنتظر فقط أن يهدأ الضجيج قليلًا، وأن أهدأ أنا أيضًا، كي أسمع صوت الحرف الأول. ربما لم أتوقّف عن الكتابة. ربما كنتُ فقط أبحث عن ذلك الحرف الذي يستحقّ أن يتبعه حرفٌ آخر.

تشييع نظام
بقلم
هشام دبسي
نُشر

كانت جنازة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، من اكبر جنازات الدولة في الشرق الأوسط ، غلب عليها عاطفة الجمهور، وانتزعها من سياقها الرسمي ، وسار مع نعش قائده ، إلى مثواه الأخير عام 1970 أما في نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 2004 و دعت ثلاث قارات ، اوروبا و افريقيا وآسيا ، الرمز الفلسطيني ياسر عرفات ، كما تودع باريس ملوكها، وكما تستقبل القاهرة فلسطين ، وفى رام الله لم يعد مكاناً للتنظيم ، لأن اكف الناس حملت النعش ، وعيونهم شربت دموعها، لرحيل صانع الكيانيّة، ولأنه رحيل ملتبس بكلام رئيس وزراء اسرائيل شارون عن يد القدر، قال الشعب الفلسطيني له لا تفرح إنّ الحق معنا. بينما في بريطانيا العظمى شاهدنا اكبر جنازة دولة رسمية في هذا القرن للملكة اليزابيث الثانية عام 2022 حضرها مئات القادة من رؤساء وملوك العالم. وكانت الجنازة المدهشة في تنظيمها الذي رسمته الملكة الراحلة بأدق تفاصيله تجلّى بها عقل المؤسسة الملكيّة بشخصها ورؤيتها الواقعية للحياة والناس والدولة، واعتقد أنها تعمّدت أن تسير في وعيها في جنازة نفسها راضية مرضية عمّا انجزت للدولة والعرش معاً. بالأمس شهدنا بضعة ملايين من المُوالين للولي الفقيه، خلف المرشد الثاني علي الخامنئي يذرفون دموع غزیرة بانضباطٍ صارم، بحضور حفنةٍ من الرسميين الضيوف، وكثرة من الجنرالات ورجال الجمهورية الاسلامية، في استعراض للولاء بما هو عنصر القوة الرئيس للنظام بعد كل ما جرى من تدمير للقوة. وهذا لا يكفي لإقناع عشرات الملايين من الإيرانيين، ممن راقبوا المشهد عن بعد، بأن قوات الامن قادرة على حماية النظام لوحدها مع أتباعها - بل إن هذا التشييع هو للنظام نفسه حيث لن يشيّعه أحد لحظه سقوطه. جملة تحدّيات صدرت الجملة الاولى عند المرشد الابن قائلاً "سننتقم حتماً وقريباً" مستخدماً لغة التكليف الشرعي لكل قادر على التنفيذ، ما يذكرنا بالفتوى التي أطلقها المرشد الاول "الخميني" لهدر دم الكاتب البريطاني “سلمان رشدي" بعد صدور روايته الشهيرة "آيات شيطانية ". بينما صدرت الجملة الثانية عن قادة الحرس الثوري بإعلان " إغلاق مضيق هرمز حتى إشعار آخر". لكن وإن لم يسمّي "المرشد الابن" المقصود بالانتقام، فإنّ عامّة الناس في تشييع المرشد الأب هتفت بالموت للرئيس ترمب والموت لنتنياهو... بين التهديد بالقتل والانتقام من أعلى مرجع وإغلاق "المضيق" واستهداف السفن في المياه الاقليمية العمانية دخل الصراع مرحلة جديدة بأبعاد مختلفة، سقطت معها ورقة التفاهم الأوّلية، وانهارت الهدنة، بما حملته من تباين في تفسير النصوص العامة، وحلّ التراشق الناري كلٌّ حسب قدراته العسكرية. بينما غاب عن المعترضين على صياغة تلك "المذكرة"، أنها أدت وظيفتها المرجُوّة للجانب الأميركي بالخروج من الحرب بشكلها الاول. وسرعان ما اكتشفت القيادة الإيرانية المتباهية بحنكتها التفاوضية، أن "المُكْر الفارسي" ليس نِدّاً حقيقيّاً "للخداع الاميركي"، لأن المسارات العملية ترتبط دائماً بموازين القوى الواقعية وليس بالذكاء المبنيّ على "الفهلوة" والتشبيح السياسي. إذ يكفي الأميركي ربط سيادة ايران على المضيق، بأن هذا مقبول حتى الآن لكن ضمن حدود المياه الاقليمية المعترف بها دولياً. بينما مبادرة التنسيق مع سلطنة عمان سمحت للبحرية الأميركية أن تتجاوز الاجراءات الايرانية بتشغيل المسار الجنوبي المحاذي لساحل عمان، وبهذا فقدت طهران ورقتها الأخيرة كما فقدت ايضا طرفاً وسيطاً طالما كان متعاوناً معها ومتسامحاً حتى في مياهه الاقليمية تلك هي نقطة التحول التي أفقدت القيادة الإيرانية توازنها بعد أن اعتمدت على "ورقة المضيق " بديل "ورقة النووي" وبعد أن اعتقدت أنها نجحت في تشتيت المفاوضات، عن الهدف الأصلي " تغيير سلوك النظام " إلى هدف " فتح او اغلاق المضيق". هكذا استطاعت ادارة البيت الأبيض اعادة ترتيب أوراقها، سواء في المسرح الاميركي الداخلي وعلى حَلَبَة "حِلف الناتو" بمخرجات مؤتمر أنقرة. وقبل نهاية تشييع المرشد في تطوافه الأخير، اكتشفت القيادة العسكرية الإيرانية ان حسابات البيدر أقل بكثير من توقعات الحقل، كما أن الانتصارات التي تحدثت عنها لجمهورها تتبدد بأسرع من احتراق عود البخور. فإذا كانت نشوة الانتصار التفاوضي، التي صاحبت إعلان "مذكرة التفاهم" قد ذهبت في المسار الجنوبي العُماني، فإن حشد ملايين الانصار والهِتاف بشعارات الموت والانتقام، لا يمكن ترجمته في ميزان القوى الواقعي، حتی لو رفع منسوب ميزان القوى المعنوي عند شعب مقهور وقيادة لا تبالي بالخسائر. هكذا اصطدمت القيادة الايرانية، بالبديل الأميركي - العُماني لجعل مضيق هرمز مفتوح باستمرار وفق المعايير الدولية ولهذا شهدنا على جرعة الجنون والتطرف، عبر الهجمات على السفن العابرة وعلى بلدان الخليج العربي فضلاً عن المملكة الاردنية. ولكن شيئاً واحداً لم نلاحظه أن الحرص الايراني على تجنّب قصف اسرائيل كان في أعلى درجاته، كما أن الاشتباك المباشر مع البحرية الاميركية ليس وارداً بالمطلق. ما تقدم يعكس حسبة ايرانية بسيطة ، بأن الهجوم على السفن والدول العربية لا يغضب واشنطن ، لأن هذه الدول ستشتري المزيد من منظومات الدفاع الجوي الاميركي، وأن هذه الدول بقيادة الرياض ، لن تسمح للحرس الثوري أن يجرها إلى الحرب في الميدان وفي الوقت الذي يرغب به، لأنها تمتلك استراتيجية دفاعية من موقع القوة، و تمارس دوراً سیاسیاً اقليمياً ودولياً فاعلاً، وإذا كان أحد مظاهره هو الوساطة ، فهذا يخدم أهدافهم و سياساتهم البعيدة، خاصةً بعدما خرج العُمانيون من مسارهم السابق و صارت حدود الوساطة القطرية مقتصرة على الجانب المالي ، حيث تحتجز الدوحة أموال كثيرة لإيران بفعل العقوبات. ومن جهةٍ اخرى، فإنّ إسلام آباد والرياض والقاهرة وأنقرة، مستمرون في الحفاظ على القنوات المفتوحة مع الرئاسة الإيرانية ووزارة الخارجية، للحفاظ على استمرارية الوساطة لأن العواصم الاربعة تعلن في كل صباح أنها ضد الحرب وتسعى لِوأد نارها على قاعدة تطبيق القانون الدولي وخاصة في المضيق، وهذا هو عنوان هزيمة الحرس الثوري تحديداً. إننا الآن أمام مرحلة استنزاف قوى بأشكال متعددة وكل يوم يقدم قادة ايران الجدد كل ما يحتاجه سيد البيت الابيض. للاستمرار في معركة الاستنزاف حتى نهاية هذا العام بما يجعل الاستحقاقات الداخلية الاميركية تخدم أجندته، ويمكن توظيفها أيضا في الاستحقاقات الدولية، وبعد أن ظهر قدر كاف من تراجع حدة الخلافات الحزبية، من دون اعتبار هذا التراجع يعني أن وحدة الحال والانسجام سائد في الدولة العظمى التي تدير معظم الملفات على هذا الكوكب. قرار مُسْتَقِل يساهم لبنان الرسمي للمرة الأولى في صناعة مستقبله، بتشخيص و ادراك واقعي للصراعات الدولية، وخصوصاً المواجهة الجارية مع الجمهورية الاسلامية. وما أنتجته من عودة الاحتلال الاسرائيلي للجنوب فضلاً عن انتهاك الأجواء في سماء لبنان. وللمرة الاولى أيضا يشتبك حزب الله مع اسرائيل في حرب الاسناد لغزة ومناصرة ايران، بعد مقتل المرشد الخامنئي، والحزب خارج معادلة "جيش وشعب ومقاومة". بعد انفاذ سياسة حصرية السلاح بيد الدولة وقواها الشرعيّة، وعليه يمكن القول لولا صدور قرار حصرية السلاح، لَما كانت الدولة قادرة على الدخول في مفاوضات، أنتجت "مذكرة تفاهم" تحتاج إلى رعاية سياسية وادارة ملفات متشابكة لا تعجز عنها الدبلوماسية اللبنانية: صاحبة الباع والخبرة في العلاقات الدولية العربية. إنّ منتقدو هذه الخطوة الجريئة والشجاعة معظمهم ممّن لا يوافقون أصلاً على قرار حصرية السلاح بيد الدولة. كذلك لديهم تحفّظات على "اتفاق الطائف" بعلاقته بالتّوازنات العملية والاقليمية لذا لا يمكن قراءة التحفظات على مسار المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية بعيداً عن الموقف السلبي من القرارين، حتى لو أبدى البعض قبول لفظي "لاتفاق الطائف" بينما السلوك الواقعي يعاكس هذا القبول من عدة نواحٍ. انه اشتباك الماضي القريب المثقل بسياسات استخدام البلد كساحة للاستثمار وليس وطناً للبناء والتضحية في وقت حصل فيه لبنان الوطن والكيان والدولة بمعاملة خاصة من المجتمع الدولي والعربي، ورعاية مضمونها تفهم ثِقل التدخل الخارجي الذي يتجاوز قدرات الدولة، ويضعها أمام تحديات مع اسرائيل ليست من صنعها. وهذا ما عبّرت عنه قرارات متتالية في الامم المتّحدة أبرزها القرار 425 الذي حسم اي جدل حول سيادة لبنان وحدوده الجنوبية وهو القرار الذي عالج حقبة امتدت إلى حرب حزيران عام 1967 وتداعياتها اللاحقة المرتبطة بصعود الكفاح المسلّح الفلسطيني من الجنوب اللبناني وكذلك هو القرار الذي بموجبه انسحب الجيش الاسرائيلي في أيار عام 2000، وبدأت الدولة اللبنانية تتلمس طريقها للتعافي من ويلات الحروب السابقة. إن مفاوضات اليوم التي تدمج أهمية قرارات الأمميّة لصالح لبنان وأخرها القرار 1701 لا تنفصل عن المسار الدولي والعربي المساند في جوهره للسيادة اللبنانية المدعّمة بسياسات واضحة ومباشرة ومؤصّلة على قواعد الدستور والميثاق واتفاق الطائف فضلاً عن خطاب القسم والبيان الوزاري. هذا ما يساعد لبنان على الاستثمار الايجابي في الشرعية الدولية والشرعية العربية لردم الفجوة في ميزان القوى مع المحتل الاسرائيلي وتلك الفجوة لا يمكن ردمها إلا بالتفاهم مع الادارة الأميركية نفسها صاحبة الوصاية الكاملة على دولة اسرائيل وكل من يحاول تبخيس الحالة السياسية اللبنانية في سعيها لإنتاج تفاهمات تصون البلد وتفتح طريق الخروج من الازمة المستعصية فيه، انما يريد ادارة عجلة الدولة للوراء من أجل مكاسب جزئية لا علاقة لها بمصير لبنان الوطن والدولة. وفي ضوء ما يجري من حرب استنزاف جديدة بين واشنطن وطهران تزداد أهمية إنقاذ لبنان بعيداً عن "مضيق هرمز"، لأن الإيراني مازال يستثمر حيث يستطيع، بل كلما سقطت اوراقه تشتد حاجته للعودة مجدداً لمصادرة القرار الوطني اللبناني المستقل.

لبنان بين وصايتين: إعادة تشكيل النصاب الوطني

إذا كانت الملاحظات على الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركيّة هي عديدة وعميقة ومحقة ومشروعة على ضوء إخفاق النص في تقديم أي مكتسبات جديّة للبنان؛ إلا أن ذلك لا يعني القبول بالالتحاق بمسار إسلام آباد أو إتفاق سويسرا بين واشنطن وطهران الذي شهد إنهياراً غير مفاجىء على ضوء الكثير من العوامل السياسيّة وغير السياسيّة. فإتفاق سويسرا الهش يعكس بوضوح حالة انعدام الثقة بين الطرفين المتنازعين التي لا تتوانى تل أبيب عن تغذيتها وتعميقها بما يتلاءم مع مصلحتها المباشرة في استئناف الحرب من حيث انتهت بما يتيح لها المزيد من التدمير للقدرات الإيرانية (حتى ولو لم يؤدِ ذلك إلى سقوط النظام وفق التوقعات أو الأمنيات في المراحل الأولى للحرب)، وبما يسمح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كسب المزيد من الوقت وتحسين صورته الشعبيّة على مشارف الانتخابات التشريعيّة، والتهرّب أيضاً من إجراءات المحاكمة وتسويف إجراءاتها وإبطاء خطواتها. ويستطيع مؤيدو الخيار التفاوضي في لبنان (بمعزل عمّا إذا كان مباشراً أم غير مباشر إذ أن هذا الأمر تجاوزته الأحداث) أن يفاخروا الآن بأن هذا الخيار يجنّب لبنان أن يرتبط بشكل مباشر اندلاع الحرب مجدداً بين واشنطن وطهران. صحيحٌ أن الحرب لم تتوقف في لبنان وأن الانتهاكات الإسرائيليّة للسيادة اللبنانيّة لا تزال متواصلة بصورة يوميّة، إلا أن المرحلة لم تصل إلى انهيار الجبهة تماماً كما حصل في الأشهر الماضية (أقله حتى اللحظة) ولعل ذلك مرتبط بتسريب نُقل عن الإدارة الأميركيّة بأنها أبلغت نتنياهو بأن المسار اللبناني ليس مرتبطاً بانهيار اتفاق سويسرا. ولكن، مع هذه الملاحظة الجوهريّة المرتبطة بحق لبنان الحصري بالتفاوض عن نفسه، وبحقه أيضاً بأن يرفض أن تفاوض دولة أخرى عنه، بما يناقض الحد الأدنى من مقومات السيادة (التي من المسلم أن يرفض انتهاكها من أي جهة أتت)؛ إلا أن ذلك لا يلغي حق الأطراف اللبنانيّة نقد الإتفاق الإطاري وتقديم الملاحظات حوله دون أن تنطلق اتهامات التخوين من هنا وهناك. صحيحٌ أن الإنهاك الجماعي اللبناني من دوامة الحروب المتتالية التي تعيد إنتاج نفسها قد وصل إلى مستويات متقدمة، وأنه لم يعد من الجائز لأي طرف أن يقحم البلاد بصراعات تفوق قدرته على الاحتمال، وأن واقع الدمار الشامل في الجنوب اللبناني بات يحتّم الخروج من المقاربات التقليديّة القائمة على إشعال الحروب دون طائل؛ ولكن الصحيح أيضاً أن الثغرات المتعددة التي يشملها اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل غير مقبولة، ولا تتطابق مع المصلحة الوطنيّة اللبنانيّة وهي تتطلب من لبنان الرسمي الإقرار بها والتعامل معها بوصفها ثغرات تستحق إعادة التفاوض حولها. عمليّاً، ما يقوّي الموقف الرسمي اللبناني هو إعادة بناء الإجماع على مسار التفاوض الذي يحظى بدعم عريض من خلال وضع خطة تفاوضيّة محكمة ترتكز على مبادئ وثوابت وطنيّة لا يمكن إشاحة النظر عنها وفي مقدمها جدولة الانسحاب والاحتفاظ بحق المقاضاة للمعتدي أمام المراجع الدوليّة. الأكيد أن تقوية الموقف الرسمي لا يكون بإنكار حق الفرقاء اللبنانيين بانتقاده أو- بما هو أخطر من ذلك بدرجات- بالموافقة على إدخال المحتل الإسرائيلي في ديناميكيات تنفيذ قرارات أساساً اتخذتها السلطات اللبنانيّة وتحديداً موضوع حصر السلاح الذي هو أصلاً قرار شائك ومعقد، ولا يمكن التراجع عنه بما يساعد في قيام الدولة الفعليّة في لبنان بعد تأخير لم يعد محمولاً أو مقبولاً. ولكن، في نهاية المطاف، لا يمكن الركون إلى فكرة أن الدولة اللبنانيّة قد تستدعي أو تستعين بإسرائيل لاتمام مهمة حصر السلاح، أو أن تضع الجيش اللبناني في موقع الاختبار من قبل الجيش الإسرائيلي حيال مهماته الوطنيّة والعسكريّة، وأن يكون تحت وصاية أمنيّة أعلى منه. إن هذا الأمر، حتى لو لم يكن مقصوداً عند المفاوض اللبناني أو أنه بطبيعة الحال من أهدافه، إلا أنه أحد النتائج العمليّة لاتفاق الإطار: غياب الجدولة الواضحة للانسحاب (التي سُميّت أصلاً إعادة انتشار)، وبدعة المناطق التجريبيّة التي تُخضع عمليّاً الجيش اللبناني لامتحان يومي سوف يضعه في الحد الأدنى في مواجهة محليّة تتمكن من خلالها إسرائيل من نقل الصراع إلى الداخل اللبناني وتوسع عبره دائرة النزاع. إنما، في مقابل ذلك، لا مفر من أن تنضبط بعض الجهات اللبنانية ضمن النصاب الوطني العام الرافض للحرب والذي لا يريد أن يكون لبنان وقوداً أو ساحة مرة أخرى لتصفية الصراعات الإقليميّة التي يبدو أنها آخذة في التصاعد، وأن تنظر إلى المصلحة الوطنيّة العليا بما يتيح ردم الهوة السحيقة التي نشأت بينها وبين سائر مكونات المجتمع اللبناني، وأن تجري قراءة عميقة للتغيرات التي حصلت خلال الأعوام الثلاثة المنصرمة والتي تحتّم بناء مقاربات مختلفة لتحرير الأرض والانطلاق نحو مرحلة جديدة. وعلى الرغم من عدم إمكانيّة تبرئة إسرائيل من مشاريعها العدوانيّة في لبنان وفلسطين وسوريا، إلا أنه لا بد من الإقرار أيضاً بأن قرار الدخول في حربي الإسناد كان قراراً متسرعاً ومدمراً ولم يحقق الأهداف المرجوة منه، وأنه أدى إلى خسائر هائلة في البشر والحجر بددت إنجاز التحرير التاريخي الذي تحقق في 25 أيار/ مايو 2000 بحيث انسحبت إسرائيل للمرة الأولى من أرض عربيّة دون قيد أو شرط، ودون إتفاق سلام أو حتى اتفاق ترتيبات أمنيّة بما ظهر وكأنه هروب وخروج مهين، انتقمت لنفسها منه في الحربين الأخيرتين، ولا تزال. وبكل وضوح، لبنان لا يستطيع أن يقدّم الإسناد لطهران وليس المطلوب منه ذلك، فهذا أكبر بكثير من طاقته على الاحتمال. أما التصريحات التي تقول بأن حزب الله لن يترك إيران وحدها في مواجهة الولايات المتحدة، فهي تنمّ إنكار شديد للواقع المستجد وغياب الحد الأدنى من الرؤية الاستشرافيّة للمرحلة المستقبليّة، ناهيك عن أنها تضرب في الصميم المصلحة الوطنيّة اللبنانيّة. أسوأ ما يمكن أن يحصل للبنان واللبنانيين أن يخضع لحرب وصايتين عليه: وصاية أميركيّة- إسرائيليّة ووصاية إيرانيّة. وبين هذا وذاك، الشعب اللبناني وحده يدفع الثمن.

الولايات المتحدة وإيران: التصعيد يتغلب على الدبلوماسية… حتى إشعار آخر!

تصاعدت حدة التوتر منذ مطلع الأسبوع بين واشنطن وطهران عقب هجمات إيرانية جديدة استهدفت سفناً تعبر مضيق هرمز. ورغم ذلك، فإن مسار المفاوضات لم يمت، لكنه يبدو أكثر هشاشة. وفي المقابل، هدّد حزب الله بإعادة الانخراط في القتال في جنوب لبنان إذا استؤنفت الحرب، فيما تتجه الأنظار إلى المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية المقررة الأسبوع المقبل في روما. أعلنت القوات الأميركية صباح الأحد أنها نفذت خلال الليل موجة ثالثة من الضربات استهدفت أكثر من 140 هدفاً داخل إيران، رداً على هجوم جديد شنّه الحرس الثوري الإيراني ضد سفينة تجارية كانت تعبر مضيق هرمز. ولم يتأخر الحرس الثوري في الرد، إذ وسّع، كعادته، هجماته لتشمل عدداً من دول الخليج، ولا سيما البحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان والكويت... إضافة إلى الأردن، التي أدرجتها طهران ضمن قائمة أهدافها المحتملة منذ التصعيد الأخير. وحتى الوسيط العُماني لم يسلم من هذه الهجمات، إذ استهدفت سلطنة عُمان بعد ساعات قليلة فقط من زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إليها. وتعكس هذه الهجمات أجواء الأسبوع المنصرم، الذي شهد تصاعداً تدريجياً في التوترات حتى بلغت ذروتها خلال عطلة نهاية الأسبوع. ففي مساء الأحد، شنّ الجيش الأميركي غارات جديدة استهدفت بنى تحتية عسكرية تابعة للحرس الثوري، الذي استأنف بدوره هجماته على دول الخليج، ولا سيما الكويت. وكانت بوادر التوتر بين إيران والولايات المتحدة قد ظهرت منذ مطلع الأسبوع. فرغم تزايد استياء الرئيس الأميركي دونالد ترامب من السلوك الإيراني، فإنه أعلن أنه سيمنح طهران مهلة حتى مراسم دفن المرشد الأعلى السابق علي خامنئي في التاسع من تموز. من جهتها، استغلت السلطات الإيرانية هذه المناسبة، التي كانت قد أُرجئت منذ آذار (إذ قُتل خامنئي في 28 شباط مع بداية الحرب على إيران إثر غارات أميركية-إسرائيلية)، لتنظيم استعراض واسع للقوة بين الرابع والتاسع من تموز، مؤكدة أن «ملايين» من «المؤيدين» شاركوا في التجمعات التي شهدتها إيران وبعض المناطق العراقية، وسط مشاهد البكاء والحداد. وكان اللافت في هذه التجمعات الشعبية والرسمية الشعارات التي رُفعت، والتي تضمنت تهديدات مباشرة بالقتل للرئيس الأميركي دونالد ترامب. وفي هذا السياق، كشفت تسريبات في وسائل إعلام أميركية أن إسرائيل نقلت إلى الرئيس الأميركي تحذيرات بشأن مخطط إيراني يستهدف اغتياله. كما عززت مؤشرات أخرى هذه المخاوف، إذ وصل ترامب إلى قمة حلف شمال الأطلسي التي انعقدت هذا الأسبوع في تركيا على متن طائرته الرئاسية الجديدة التي أهدته إياها قطر، لكنه غادر على متن الطائرة الرئاسية القديمة، الأكثر تحصيناً، «لدواعٍ أمنية»، بحسب وسائل إعلام أميركية. وقد عكست تصريحات ترامب طوال الأسبوع هذا التصعيد، إذ استؤنفت الضربات الأميركية حتى قبل دفن خامنئي في التاسع من تموز. ففي السادس من تموز، هدّد الرئيس الأميركي قائلاً: «إما أن يكون هناك اتفاق مع إيران، أو سننهي المهمة». ثم أضاف في الثامن من تموز: «وقف إطلاق النار انتهى». كما وجّه انتقادات حادة إلى القادة الإيرانيين، واصفاً إياهم بـ«الكاذبين» و«المرضى». ولا تعكس هذه اللهجة الغاضبة استياءه من التهديدات التي استهدفته شخصياً فحسب، بل أيضاً ردّ فعل على الهجمات المتكررة التي ينفذها الحرس الثوري ضد السفن العابرة لمضيق هرمز، إضافة إلى إصراره على مواصلة فرض هيمنته على هذا الممر البحري. مفاوضات «تحت النار» صحيح أن ترامب تراجع نسبياً في العاشر من تموز عندما أعلن أن «الإيرانيين طلبوا استئناف الحوار، وقد وافقنا». وبالفعل، كثّف الوسطاء الباكستانيون والقطريون جهودهم طوال الأسبوع لمنع انهيار مسار المفاوضات بالكامل. ويبدو أن المحادثات مستمرة بشكل أو بآخر في سلطنة عُمان، وفق تقارير إعلامية أكدها أيضاً بيان صادر عن وزارة الخارجية الإيرانية الأحد. إلا أن ما تغيّر، على ما يبدو، هو أن المفاوضات ستتواصل تحت وقع المواجهات، لا في ظل هدنة. أما على الصعيد الداخلي الإيراني، فقد أثار غياب المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي عن مراسم تشييع والده تساؤلات واسعة في وسائل الإعلام والأوساط السياسية حول الجهة التي تدير إيران فعلياً اليوم. ويزداد هذا السؤال أهمية في ظل ما يبدو أنه تفوق للجناح المتشدد داخل النظام على حساب التيار المعتدل. وخلال الأيام الأخيرة، صدرت معظم التصريحات التصعيدية عن الحرس الثوري، فيما سار رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد قاليباف في الاتجاه نفسه، إذ أكد في العاشر من تموز أن الحرب في الشرق الأوسط «لن تنتهي باستسلام إيران»، قبل أن يضيف الأحد: «لقد انتهى زمن الصفقات غير العادلة». إلى أي مدى يمكن أن يذهب هذا التشدد الإيراني؟ فالاقتصاد الإيراني يعيش أزمة خانقة، لكن الحرس الثوري يبدو مصمماً على كسب الوقت عبر المراهنة على ارتفاع أسعار النفط من خلال التلويح بإغلاق مضيق هرمز. وفي جميع الأحوال، يبقى التصعيد حتى الآن مضبوطاً نسبياً، بانتظار إما هدنة جديدة، أو انزلاق واسع يفتح الباب أمام صراع إقليمي شامل. المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في روما على جبهة جنوب لبنان، بقي الوضع على حاله حتى الآن، مع استمرار الجيش الإسرائيلي في تدمير البنية التحتية التابعة لحزب الله. إلا أن الحزب أعلن، على لسان عدد من مسؤوليه، أنه «لن يترك إيران وحدها إذا استؤنفت الحرب». أما السجال الداخلي اللبناني خلال الأيام الماضية، فتمثل أساساً في هجمات كلامية شنّها الفريق الموالي لإيران ضد خيار الدولة اللبنانية بالمضي في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. وقد ردّ رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع بحزم على هذه المواقف، خلال زيارته الجمعة إلى قصر بعبدا على رأس وفد كبير من تكتله النيابي، دعماً لخيار الشرعية اللبنانية في اعتماد المفاوضات المباشرة. ومن المقرر أن تستأنف هذه المفاوضات الأسبوع المقبل في روما، رغم التحفظات اللبنانية على تغيير مكان انعقادها، خشية تراجع مستوى الانخراط الأميركي، وهو ما نفاه المسؤولون الأميركيون بشكل قاطع. وقد بدّد السفير الأميركي ميشال عيسى هذه المخاوف خلال جولته الخميس على المسؤولين اللبنانيين، ولا سيما رئيس الجمهورية جوزاف عون. وفي هذا الإطار، أعلن السفير الأميركي وصول وفد عسكري أميركي إلى لبنان للإشراف على تنفيذ الاتفاق الإطاري الموقّع بين لبنان وإسرائيل في 22 حزيران، ولا سيما في ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي التدريجي وانتشار الجيش اللبناني في منطقتين تجريبيتين في الجنوب. وقد عقد الوفد الأميركي في نهاية الأسبوع اجتماعاً مع قيادة الجيش لبحث هذه المسائل. ويبدو أن القيادة العسكرية الإسرائيلية، في إطار منح هذه المفاوضات فرصاً أفضل للنجاح، أصدرت أوامر إلى وحداتها بتجميد «العمليات الحساسة في جنوب لبنان» بناءً على طلب أميركي. أما الحدث اللبناني الأبرز هذا الأسبوع، فكان تأكيد زيارة الرئيس اللبناني إلى واشنطن في 21 تموز. ويُشار إلى أن جوزاف عون لا يزال يرفض أن تتضمن هذه الزيارة لقاءً مباشراً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أعلن مطلع الأسبوع عن لقاء مرتقب مع الرئيس ترامب. ماكرون في سوريا وشهد الأسبوع أيضاً انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا، بمشاركة الرئيس ترامب، لكن الحدث الأبرز كان زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق في السادس من تموز، وهي الأولى لرئيس دولة غربي منذ تغيير النظام في كانون الأول 2024. وشكلت الزيارة مناسبة للبحث في التعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار، في وقت يسعى فيه النظام السوري الجديد إلى توحيد الصفوف وإطلاق عملية النهوض بالبلاد. لكنها كانت أيضاً فرصة للإرهابيين – الذين ترجح السلطات السورية أنهم ينتمون إلى تنظيم «الدولة الإسلامية» – لتنفيذ تفجيرين قرب الفندق الذي كان يقيم فيه الرئيس الفرنسي، في مؤشر جديد إلى أن الوضع الأمني في سوريا لا يزال هشاً.

كأس العالم: المشاعر الجماعية وتجليات الهوية في لبنان

تتجاوز بطولة كأس العالم لكرة القدم حدود الرياضة بكثير. فهذا الحدث العالمي يوقف، ولو مؤقتاً، إيقاع الحياة اليومية، ويجمع ملايين الأشخاص حول رواية جماعية واحدة. وفي لبنان، تكتسب هذه البطولة بُعداً خاصاً. ففي بلد أنهكته الأزمات المتلاحقة، والهجرة، والانقسامات الاجتماعية، تصبح لحظات الاحتفال التي ترافق كأس العالم ذات قيمة ثمينة، تكاد تكون نادرة. وترى الأخصائية في علم النفس السريري، ساندرا خوّام ، أن تشجيع منتخبات معينة يرتبط أولاً بتاريخ عائلي، غالباً ما طبعته الهجرة. وتوضح: «يلعب العامل العائلي دوراً مهماً. فبسبب الحروب والأزمات وموجات الهجرة المتعاقبة، تفرقت عائلات لبنانية كثيرة في أنحاء العالم». وقد أفرز هذا التشتت خريطة وجدانية خاصة. فقد استقرت جاليات لبنانية في البرازيل، والأرجنتين، وألمانيا، وفرنسا، وغيرها من البلدان، لكنها حافظت على روابط قوية مع الوطن الأم، ليس فقط على المستوى الجغرافي أو الإداري، بل أيضاً على المستوى العاطفي. وتظهر هذه الروابط في الروايات العائلية، والذكريات، والعادات، وأحياناً في الولاءات الرمزية. وخلال كأس العالم، قد تؤثر هذه الروابط في أشكال الانتماء الرياضي. فدعم منتخب أجنبي قد يعني، بصورة غير مباشرة، دعم جزء من التاريخ العائلي أو الذاكرة أو مسار الهجرة. كرة القدم كحاجة إنسانية إلى الانتماء إلى جانب الحالة اللبنانية، تؤكد السيدة خوّام وجود آلية أوسع وأكثر شمولاً. فبحسب رأيها، تلبي كرة القدم حاجة الإنسان إلى التماهي مع مرجعيات يُنظر إليها على أنها مستقرة ومرئية وذات قيمة. وتقول: «عندما يجسد منتخب ما الاستقرار والنجاح والأداء المتميز، ويضم شخصيات بارزة، فإنه يصبح بطبيعة الحال موضوعاً للتماهي». فالمشجعون لا يتابعون مجرد نتائج رياضية، بل يواكبون سردية كاملة، يترقبون فيها مسار الفريق، واحتمالات الفوز، وتجاوز الذات. ويعمل هذا التماهي كمرآة رمزية يُسقط فيها كل فرد تطلعاته الشخصية أو الجماعية. وفي السياق اللبناني، تكتسب هذه الدينامية طابعاً خاصاً. إذ تشير السيدة خوّام إلى أن المجتمع اللبناني تحكمه انقسامات هوياتية وطائفية تنعكس أيضاً على أشكال الانتماء. وقد تتحول كرة القدم إلى مساحة لإسقاط هذه الانقسامات. فدعم منتخب معين لا يرتبط دائماً باعتبارات رياضية، بل قد يعكس في بعض الأحيان انتماءً رمزياً أو هوياتياً. وتوضح: «يتماهى الأفراد مع المنتخبات بطرق مختلفة، فيشجعون منتخباً دون آخر». وهكذا يصبح ملعب كرة القدم مساحة تُنقل إليها الانتماءات، حيث يمكن للتوترات الاجتماعية الكامنة أن تعود للظهور في إطار رمزي ومنظم. فسحة عاطفية وتشدد الأخصائية النفسية على بُعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في كون البطولة متنفساً جماعياً. ففي بلد يعاني أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية كلبنان، تتحول كأس العالم إلى فسحة يتوقف خلالها ثقل الحياة اليومية، ولو طوال مدة المباراة. وتقول: «يجتمع الناس ويتشاركون شعوراً بالوحدة والفرح والفخر والحماسة الجماعية». وتكتسب هذه الفسحة أهميتها لأنها تتيح مجالاً للتعبير عن المشاعر، وهو أمر نادراً ما يتاح في الحياة اليومية. وهكذا تتيح كرة القدم تحويل واقع مثقل بالضغوط إلى تجربة جماعية خفيفة، يصبح فيها انتصار منتخب ما انتصاراً مشتركاً، يكاد يكون رمزياً. وتفسَّر هذه الكثافة العاطفية أيضاً بآليات الجماعة. ففي التجمعات، لا تبقى المشاعر مجرد تعبيرات فردية، بل تتعزز وتتضاعف بفعل الدينامية الجماعية. وتصف السيدة خوّام هذه الظاهرة بأنها «تأثير الحشد»، حيث تتضخم مشاعر الفرح والحماسة، وأحياناً الإحباط، بفعل التفاعل الجماعي. لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن أعمال الشغب تبقى محدودة ولا تمثل القاعدة، بل هي استثناء يلفت الأنظار. ومع ذلك، قد يؤدي تأثير الجماعة إلى تغيير سلوك الأفراد. فالشعور النسبي بعدم الكشف عن الهوية، وقوة المجموعة، وشدة الانفعال، قد تدفع بعض الأشخاص إلى التصرف بطريقة تختلف عن سلوكهم المعتاد، وقد يصل الأمر أحياناً إلى ارتكاب أعمال عنف أو تجاوزات. وقد شهدت بلدة وادي جيلو في قضاء صور (جنوب لبنان) حادثة من هذا النوع، حين تطور خلاف بين مشجعين خلال مباراة بين البرازيل واليابان إلى شجار، ثم إلى تبادل لإطلاق النار، ما أدى إلى إصابة ستة أشخاص بجروح. وفي هذا الإطار، يمكن لكرة القدم أن تتحول إلى صندوق رنين للتوترات الاجتماعية والسياسية، فتظهر بعض الصراعات من خلال المنافسات الرياضية. وتصبح المنتخبات رموزاً تُسقط عليها الانتماءات والخصومات والإحباطات العميقة. غير أن السيدة خوّام تشدد على ضرورة عدم اختزال الظاهرة في هذا الجانب وحده، لأن هذه الإسقاطات تتعايش مع البعد الاحتفالي والجامع الذي يشكل بدوره عنصراً أساسياً في البطولة. الشغف بين الألفة والانفلات ويجسد سيرجيو (22 عاماً)، وهو من مدينة جبيل، هذه الازدواجية على المستوى الشخصي. يقول: «أشجع المنتخب الألماني، أولاً لأن لبنان لا يشارك في كأس العالم، وثانياً لأنني أحب أسلوب لعب هذا المنتخب الذي ارتبطت به منذ طفولتي». وغالباً ما يشاهد المباريات مع أصدقائه، من دون أن يخلو الأمر من بعض التوتر. ويضيف: «نبدأ بالمزاح، ثم قد تحتد النقاشات، وأحياناً نتدافع، لكننا في النهاية نهدأ دائماً». وهكذا تعود كرة القدم، رغم بعض تجاوزاتها، إلى وظيفتها الأساسية، وهي كونها مساحة للتلاقي والود. أما جاد (28 عاماً)، وهو من بيروت ويشجع المنتخب الفرنسي، فيجسد الجانب الاحتفالي للبطولة. ويقول: «فرنسا جزء من قصتي منذ أيام المدرسة، خصوصاً مع مبابي اليوم. كنت أتابع هذا المنتخب مع شقيقي، وتحول الأمر إلى تقليد عائلي». وخلال مونديال 2026، تتحول الانتصارات إلى مناسبات للاحتفال. ويضيف: «لساعات قليلة، ننسى هموم الحياة اليومية». وفي جونية، تتحدث مايا (32 عاماً)، وهي من مشجعي المنتخب الأرجنتيني، عن تعلق ورثته عن والدها. وتقول: «إنها شغف نقله إليّ والدي منذ أيام مارادونا، واستمر مع ميسي». ورغم أنها لا تشارك في تجمعات المشجعين، فإنها تعيش أجواء البطولة داخل الأسرة. وتضيف: «تعيش شقيقتي في بوينس آيرس، وخلال المباريات نتبادل مقاطع الفيديو وكأننا نجلس في الغرفة نفسها». أما كريم (24 عاماً)، وهو من طرابلس ويشجع المنتخب البرازيلي، فيصف تجربة أكثر تبايناً. يقول: «اللعب، والسامبا، واللون الأصفر... كلها أسباب تجعل شغفي بالبرازيل كبيراً». لكنه يقر أيضاً بتصاعد التوتر عند الخسارة: «الهزيمة تؤجج المشاعر أحياناً. النقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي، والمنافسات... كل شيء يشتد». ويروي أنه شاهد مواقف متوترة: «كنت شاهداً على تبادل للشتائم وقلب للطاولات في بعض المطاعم، ففضلت المغادرة». في المحصلة، تبدو كأس العالم ظاهرة شديدة الازدواجية. وفي لبنان، تتجلى هذه الازدواجية بصورة خاصة. ففي بلد لا يزال يبحث عن ذاته منذ عقود، قد يكون من الأسهل أحياناً أن يخفق القلب لألوان منتخب أجنبي، أكثر من خفقانه لألوان الوطن نفسه.

الموسيقى والسياسة: زواج ضارب في القدم… الجذور (3/3)

يشكّل هذا المقال الحلقة الثالثة من المقدمة لهذه السلسلة، التي تقدّم قراءة واسعة، موضوعية وزمنية في آن، للعلاقات المتعددة التي نسجتها الموسيقى مع الفضاء السياسي عبر العصور. إذا كانت ثورة بيتهوفن على نابليون تمثل، إلى حدّ ما، لحظة تأسيسية في العلاقة المتوترة بين الموسيقى والالتزام السياسي، فإنها لم تُعِد، مع ذلك، تعريف تلك العلاقة الأقدم والأكثر التباسًا بين اللحن والسلطة، وهي العلاقة التي تمكّن الأيديولوجيا من حمل الجماهير واستنهاضها. ُظهر أوروبا في القرن التاسع عشر، بوضوح لافت، كيف تستطيع الموسيقى أن تبني الأمم وأن تتحول، في الوقت نفسه، إلى أداة في خدمتها. ويُعد جوزيبي فيردي مثالًا دالًا على قدرة الألحان على حمل الشعوب عبر منح الصدمات الجماعية جسدًا موسيقيًا. ففي عام 1842 ألّف أوبرا “نابوكو”، التي تجسد تدمير الهيكل الأول في القدس على يد نبوخذ نصّر الثاني، وسبي الناجين إلى بابل. لامست “فا، بينسييرو”، الجوقة الحنينية للعبرانيين المسبيين، قلوب أهل ميلانو الذين رأوا فيها انعكاسًا لمأساتهم هم أيضًا، بوصفهم شعبًا يعيش تحت الاحتلال النمساوي. وعندما تنشد الجوقة: “يا وطني، ما أجملك وما أشد ضياعك!”، تتحول أورشليم إلى استعارة لإيطاليا بأسرها. وسرعان ما أصبحت “فا، بينسييرو” أحد رموز حركة الريسورجيمنتو. لقد منحت الموسيقى التي أبدعها فيردي صوتًا مسموعًا لمعاناة جماعية لم تكن قد وجدت بعد تعبيرها السياسي. أما الوعي القومي فلم يتبلور إلا لاحقًا. هنا تسبق الموسيقى السياسة، وتهبها جسدها العاطفي والوجداني. ومع ذلك، لا تتضمن أوبرا فيردي، في ذاتها، أي تعبير سياسي مقصود. فالجوقة، في نهاية المطاف، لا تتحدث عن اليهود وحدهم، ولا عن الإيطاليين وحدهم، بل عن المنفى. ورسالتها ذات طابع إنساني شامل، ولهذا السبب تحديدًا أصبحت نشيدًا لكل من فقد وطنه، أو بيته، أو حريته، وما زالت تؤثر في جماهير مختلفة المشارب بعد ما يقارب قرنين على ميلادها. ومن هذا المنطلق، لم تفرض القراءة الوطنية الإيطالية نفسها إلا تدريجيًا، أكثر بكثير مما فرضته لحظة ميلاد الأوبرا نفسها. وهكذا يتبنى السياق السياسي، أي ذلك الوعي الجمعي المتجذر في الزمان والمكان، هذا العمل بوصفه النشيد الرمزي لقضية بعينها. نهر قَلِق والأكثر إثارة للدهشة هو ذلك اللحن القادر على إلهام مشاعر مختلفة عبر الحدود، من دون أن يطرأ عليه، في المقابل، أي تغير موسيقي يُذكر. ويشكّل اللحن المعروف باسم “فوجّي، فوجّي، فوجّي دا كويستو تشييلو”، وهو مادريغال إيطالي يُنسب إلى المؤلف جوزيبي تشينتشي في مطلع القرن السابع عشر، وإن كان على الأرجح أقدم منه، مثالًا بليغًا على ذلك. وبعد عقود قليلة من ظهوره، ذاع صيته بوصفه رقصة موسيقية تحت اسمي “بالّو دي مانتوفا” و”آريا دي مانتوفا”، ولا سيما في أعمال المؤلف غاسبارو زانيتي عام 1645. ثم اشتهر، ببساطة، باسم “لا مانتوفانا”. لم يكن النص الأصلي لهذا اللحن سوى استعارة للفصول، يدعو فيها الربيع إلى طرد قسوة الشتاء. ولم يكن في نيته الأولى أي بعد سياسي. غير أن مصيره سيكون سياسيًا بامتياز. فمثل نهرٍ أوروبي، عبر اللحن الحدود من دون جواز سفر، مكتسبًا هوية ووظيفة مختلفتين لدى شعوب متعددة. ففي بوهيميا، استخدمه بدريخ سميتانا في مقطوعة “فلتافا” احتفاءً بالنهر بوصفه رمزًا للأمة التشيكية الخاضعة آنذاك لحكم آل هابسبورغ، فحوّله إلى فعل من أفعال الوطنية الثقافية. أما في رومانيا، فقد ظل يتداول بوصفه أغنية شعبية تحت اسم “كارول كو بوي”، من دون أي دلالة سياسية تُذكر. ثم، في أواخر القرن التاسع عشر، قام الرائد اليهودي صموئيل كوهين بتكييف النسخة الرومانية نفسها مع قصيدة “هاتيكفاه”، ليحوّل اللحن إلى حاملٍ موسيقي للتطلع الصهيوني نحو وطنٍ قومي لليهود، قبل أن يُعتمد لاحقًا نشيدًا رسميًا لدولة إسرائيل. لقد أيقظ حنينُ ربيعٍ إيطالي، على امتداد ثلاثة قرون، الشعورَ القومي التشيكي، وأسهم في ترسيخ الصهيونية، كما شكّل، لفترة من الزمن، استراحةً مرحة للرومانيين، قبل أن يحوّله فريق الروك التقدمي الألماني “بِل ميل”، عام 1972، إلى عملٍ موسيقي بديع بعنوان “مولداو” ضمن ألبوم “ماربورغ”. ثلاث هويات وطنية مختلفة، وثلاث ذواكر جماعية متباينة، وثلاثة مشاريع سياسية قد تتعارض فيما بينها، ومع ذلك كلّها حملها اللحن نفسه. وهذا وحده يكفي للدلالة على أن الموسيقى لا تحمل في ذاتها معنىً سياسيًا ثابتًا، بل هي أشبه بوعاء يملؤه التاريخ ويفرغه بحسب حاجاته. ولعل سرّ قوتها يكمن تحديدًا في هذه القابلية لأن تحمل كل شيء… ولذلك كانت، وما زالت، مطمعًا لكل سلطة. مواجهة فاغنر بشوستاكوفيتش ولعل ريتشارد فاغنر هو النقطة التي تبلغ عندها هذه “القابلية” أقصى حدودها خطورة، بل وربما حدودها الكارثية. فأعمال فاغنر ضخمة، ملتبسة، تعبرها العظمة بقدر ما يعبرها الخطر. ملحمية. مفرطة. وفي يد مهووس قادر على تنويم الجماهير، تحركه أوهام التفوق العرقي ولذة الإبادة، تتحول إلى مهلوس بالغ الخطورة. وقد لخّص وودي آلن هذه القوة الفتاكة بإيجاز ساخر، حين جعل أحد أبطال فيلم Manhattan Murder Mystery (1993) يقول: “كلما سمعت فاغنر كثيراً ، راودتني رغبة في غزو بولندا.” لكن فرنسيس فورد كوبولا هو من التقط، بأبلغ صورة، هذا الاندفاع المرضي للفاغنرية في فيلم Apocalypse Now (1979)، من خلال المتعة الهستيرية للمقدم كيلغور وهو يتأمل الغابات الفيتنامية وهي تحترق بالنابالم على وقع “مسيرة الفالكيريات”. قد يسارع البعض إلى الدفاع عن المؤلف الألماني بحجة أنه لم يكن في وسعه أن يتصور أن تتحول أعماله، بالنسبة إلى أدولف هتلر، إلى ما يشبه، على المستوى الأيديولوجي، نسخةً مضاعفة إلى ما لا نهاية من أغنية Helter Skelter لفرقة البيتلز، تلك التي توهّم تشارلز مانسون أنها تدعوه إلى طقس شيطاني انتهى بذبح شارون تايت في لوس أنجلوس، في أغسطس/آب 1969. غير أن ما صنعه النازيون بفاغنر لا يمكن اعتباره مجرد تشويه عارض، بل يمكن قراءته بوصفه تفعيلًا لإحدى الإمكانات الكامنة في العمل نفسه: الاحتفاء بالأسطورة بوصفها أساس الجماعة الوطنية، والنظر إلى الشعب باعتباره كيانًا عضويًا وشبه صوفي، والارتياب من الوساطات العقلانية. محافظته. نزعته التفوقية. ومعاداته للسامية. وإذا كانت الفالكيريات تتردد في احتفالات الحزب النازي، فذلك لم يكن مجرد توظيف دعائي بالمعنى المعتاد. لقد أدرك فاغنر، قبل غيره، أن الموسيقى تستطيع أن تجعل الناس يؤمنون بما لم يوجد بعد، وأن تصوغ جماعةً من خلال العاطفة المشتركة قبل أن توجد تلك الجماعة في الواقع. وقد أوصل النازيون هذه القوة إلى نهايتها الكارثية. لقد أعاد هتلر إلى الفالكيريات وجهها الأسطوري الأول، وجه المحاربات المتعطشات إلى الدم، بعيدًا كل البعد عن العظمة البطولية التي أضفاها عليهن الرومانتيكيون الألمان. وفي النهاية، يعيدنا فاغنر، بصورة لا مفر منها، إلى فعل تمرد بيتهوفن على نابليون، وإلى السلطة الهائلة التي قد تستقر بين يدي كبار الفنانين. ماذا كان سيفعل لو رأى حلمه بتفوق ألمانيا يتجسد في أفران أوشفيتز وبوخنفالد؟ هل كان سيثور، كما فعل الموسيقي النمساوي؟ أم كان سينجرف هو أيضًا مع جنون العظمة السائد؟ إنه سؤال يستحق أن يُطرح. غير أن هناك، في الطرف الآخر من القرن، وعلى النقيض تمامًا من ذلك الطيف السياسي، دميتري شوستاكوفيتش. فهو يقلب المعادلة رأسًا على عقب. أليست كتابة “السيمفونية السابعة” تحت قصف لينينغراد، ثم أداؤها داخل المدينة المحاصرة على أيدي موسيقيين يكاد الجوع يقضي عليهم، تحويلًا لأكثر أشكال الموسيقى الغربية مؤسسية إلى فعل مقاومة وجودية؟ فإذا كان فاغنر قد فتح، من غير قصد على الأرجح، طريقًا إلى العدم والموت، فإن شوستاكوفيتش يؤكد أن الحياة تستمر حيث يسعى السلطان إلى البرهنة على أنها انتهت، وأن الفن يملأ الزمن نفسه الذي تريد الحرب أن تفرغه من معناه. من فرساي إلى مونوبري غير أن هذا التوتر بين الموسيقى بوصفها أداة للسلطة، والموسيقى بوصفها مقاومة لتلك السلطة، لا يقتصر على الأعمال الكبرى وحدها. فهو متجذر أيضًا في أكثر الأشكال اليومية والعادية، بل والأكثر خفاءً، للحياة الصوتية داخل المجتمعات. الأناشيد الوطنية ليست مجرد أغانٍ، بل هي أيضًا تقنيات لصناعة الانتماء. فهي تخلق وحدة وجدانية حيث تتباين المصالح، وتُدخل الأجساد في جماعة متخيلة بمجرد الوقوف معًا والإنشاد بصوت واحد. وينبغي النظر إليها بوصفها أدوات سياسية متنكرة في هيئة موسيقى، أو، على نحو أدق، أدوات سياسية تنجح تحديدًا لأنها تُعاش بوصفها موسيقى لا بوصفها أيديولوجيا. فلا يمكن مجادلة نشيد وطني؛ كل ما يمكن فعله هو الامتناع عن إنشاده. وهذا الامتناع يُقرأ فورًا بوصفه موقفًا سياسيًا. وقد أدرك جيمي هندريكس ذلك بوضوح في مهرجان وودستوك عام 1969 عندما مزّق The Star-Spangled Banner بعزفه على الغيتار الكهربائي. وأدرك سيرج غينسبورغ الأمر نفسه حين أعاد، بشغفه المعتاد بالاستفزاز، صياغة “لا مارسييز” La Marseillaise في قالب ريغي تحت عنوان Aux armes et cætera عام 1979، مثيرًا، خلال حفلة في ستراسبورغ سنة 1980، غضب قدامى العسكريين الذين حاولوا إيقاف عرضه. وتخضع الموسيقى العسكرية، بدورها، للمنطق نفسه الذي تخضع له الأناشيد الوطنية، ولكن في أكثر صوره تجردًا. فالطبل الذي يضبط خطوات الجنود ينتزع منهم أيضًا إيقاعهم الفردي، ليذيبهم في إيقاع جماعي يمحو كل تردد، وكل خوف… وكل حكم شخصي. فالسير على وقع الطبول يشبه، إلى حد بعيد، تسليم الجسد إلى الجماعة في انتظار أن يُسلَّم، لاحقًا، إلى الموت. وإذا تأملنا الأمر مليًا، ألا تعمل موسيقى الخلفية في الفضاءات التجارية المعاصرة وفق المبدأ نفسه، وإن كان على نطاق مختلف، حين تضبط إيقاع التجول، وتحافظ على حالة وجدانية تشجع على الاستهلاك، وتجعل المكان أكثر ألفة، وفي الوقت نفسه أكثر قابلية للسيطرة؟ من مينويتات فرساي إلى موسيقى البوب في مونوبري، يظل المنطق واحدًا: إحاطة الأجساد بالصوت حتى يستولي عليها من دون أن يطلب منها موافقة صريحة. دونالد ترامب في مواجهة ليونارد كوهين وفي زمننا الأقرب، تكشف حادثة تبدو، للوهلة الأولى، مجرد تفصيل عابر، عن حقيقة جوهرية تتعلق باستمرار هذه العلاقة. ففي صيف عام 2026، حاول دونالد ترامب، كما فعل خلال ولايته الرئاسية الأولى، أن يستخدم أغنية “هاليلوياه” لليونارد كوهين في تجمعاته الانتخابية، الأمر الذي قوبل، مرة أخرى، برفض بارد وحازم من عائلة المغني الراحل، الذي كان قد توفي عشية الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016. وما يلفت النظر في هذه الحادثة ليس غضب العائلة، مهما بدا طبيعيًا ومشروعًا، بقدر ما هو محاولة ترامب الاستيلاء على “هاليلوياه”، وهي محاولة لا تفعل سوى إعادة إنتاج آلية ضاربة في القدم، تسعى السلطة من خلالها إلى استعارة شرعية وجدانية لا تستطيع أن تصنعها بنفسها. ففي عام 2026، ليست “هاليلوياه” أغنية سياسية بالمعنى الدقيق للكلمة. إنها، شأن معظم أغاني ليونارد كوهين، أشبه بمزمور تأملي عن النعمة المجروحة، والرغبة، والهزيمة. غير أن جمالها، وما تحظى به من اعتراف عالمي، يجعلان منها بالضبط ما تتطلع إليه كل سلطة: عاطفة خام تختصر الطريق إلى الوجدان، وتتجاوز الحكم العقلي، وتلهب الحشود وتحملها معها. ومن خلال سعيه إلى الاستيلاء على مسيرة كوهين الروحية في البحث عن النعمة، يحاول ترامب أن يتدثر بشيء من الهيبة أمام أنصاره. لكنه، في الواقع، لا يفعل سوى أن يثير السخرية من نفسه. فقد كان ليونارد كوهين، أكثر من أي فنان آخر، قد طوى، منذ النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، صفحة أي تسييسٍ لأعماله، كما رفض أي انحراف عن رسالته الروحية في الغناء. إن تجربة كوهين، في جوهرها، تجربة صوفية. فلا بد أولًا من الارتقاء بالنفس وفتح القلب قبل الولوج إلى العالم الطقسي الذي بناه الفنان الكندي. ومن نافلة القول أن مثل هذه التجربة تبقى بعيدة كل البعد عن الشعبوية، ولا سيما حين تختلط بنزعات التفوق، والسخرية الهدامة، والنزعة التجارية. والدليل على ذلك أن السعي إلى الاستيلاء على “هاليلوياه” من جهة، وإطلاق تهديدات بالقتل ضد بروس سبرينغستين من جهة أخرى، كما يفعل رئيس الولايات المتحدة اليوم، يشبه إلى حد بعيد السعي إلى الفوز بجائزة نوبل للسلام، وفي الوقت نفسه، العمل على إفناء حضارة بأكملها. الصدمة المؤسسة وما تذكرنا به، في نهاية المطاف، قضية ترامب، ولا سيما لأنها وقعت في الولايات المتحدة نفسها، هو أن الموسيقى، إذا كانت دائمًا أداة في يد السلطة، فقد كانت، في الوقت نفسه، واحدة من المساحات النادرة التي أمكن من داخلها تحدي تلك السلطة بأدواتها ذاتها. ولأن الصوت يسلك طريقًا يختلف عن طريق اللغة، ولأنه قد يُسمَع من دون أن يُفهَم، ولأنه يعبر حدودًا يعجز عنها النص المكتوب، ولأنه يخاطب الجسد قبل أن يبلغ الوعي، فقد استطاع أن يحمل أشكالًا من المقاومة عجزت الرقابة عن الإحاطة بها كاملة. إن الأغنية الملتزمة، بمعناها الحديث، والتي تسعى هذه السلسلة إلى تتبع تاريخها، لم تولد في صالونات أوروبا، ولا في ضباب الحانات الفنية، ولا في الأرياف البيضاء لأميركا الشمالية. كما أنها لا تنحدر مباشرة من التروبادور في العصور الوسطى ولا من الأغاني الإليزابيثية. لقد ولدت، على العكس من ذلك، من صدمة تاريخية لا نظير لعنفها في التاريخ الغربي الحديث: اقتلاع التقاليد الموسيقية الإفريقية من عالمها، وعبورها أهوال الموت والإذلال في تجارة الرقيق، ثم قذفها في مجتمع لم ير فيها سوى ضجيج، أو قوة عمل، أو تهديد. وقد أفرزت تلك الصدمة شيئًا لم يكن في العالم الصوتي لأميركا البيضاء في القرن الثامن عشر ما يمهد له أو يتنبأ به. إعادة تأسيس. فمن ذلك العنف ولدت الموسيقى الحديثة، بما تمتلكه من قدرة على قول ما يعجز عنه الكلام العادي، وعلى المقاومة حين تصبح الكلمة المباشرة مستحيلة، وعلى صناعة جسد جماعي داخل فعل الاعتراض. ولفهم كيف حدث ذلك، لا بد من التوقف عند ما جرى في المزارع، والكنائس السوداء، ومفترقات الطرق المغبرة في دلتا المسيسيبي، وكذلك عند ذلك العهد الأسطوري الذي يُقال إن عازف غيتار “متواضعًا” أبرمه مع “غريبٍ” شهير وغامض في ليلة متخيلة… لم يكن في العالم الصوتي الذي سبق ولادة أميركا السوداء ما يمهّد لما سيولد مع العبودية.