Logotipo de Levant Time

Artículos

Imagen destacada de la noticia
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
رأي
Retrato del autor
Por يوسف معوض
Publicado سبتمبر 5, 2026 - 13:25
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو « اجعل تركيا عظيمة من جديد »، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ« الوكلاء »، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
Retrato del autor
Por LevantTime . - Publicado سبتمبر 5, 2026 - 00:55
Imagen destacada de la noticia
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
Retrato del autor
Por ميشال حاجي جورجيو - Publicado سبتمبر 4, 2026 - 23:28
Imagen destacada de la noticia
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
Más artículos
Ordenar por: Más recienteMás antiguo
إيران وفنزويلا: هشاشة الأنظمة الاستبدادية

غالبًا ما يُخلط بين طول العمر والاستقرار. في الجغرافيا السياسية، يعد هذا أحد أغلى أخطاء التحليل. بعض الأنظمة لا تنجو لأنها قوية أو قابلة للتكيف أو مدعومة على نطاق واسع. إنها تنجو لأنها تعلمت إدارة التدهور : قمع المعارضة، وتفتيت المعارضة، ونقل الإخفاقات الداخلية إلى الخارج، وتوسيع الإكراه بما يتجاوز أي شرعية. بمرور الوقت، يخلق هذا وهمًا بالديمومة. لكن الديمومة القائمة على السيطرة بدلاً من الموافقة هي، بطبيعتها، هشة. مع مطلع عام 2026، تجسد دولتان هذا الوهم الخطير تمامًا: إيران وفنزويلا. يُوصف النظامان بانتظام بأنهما صامدان. إيران تعرض قوتها بعيدًا عن حدودها من خلال شبكة واسعة من المنصات الإقليمية. أما السلطة الفنزويلية، فقد نجت من العقوبات، والعزلة الدبلوماسية، والانهيار الاقتصادي. بالنسبة للكثيرين، أصبحت القدرة على التحمل دليلاً على الاستقرار. هذا الاستنتاج خاطئ بشكل عميق. لا تنهار الأنظمة فقط عندما يضعف الاقتصاد. إنها تفشل عندما تتدهور آليات السيطرة بشكل أسرع مما يمكن إعادة بناء الشرعية؛ عندما يحل القمع محل الموافقة؛ عندما تفقد الروايات المؤسسة مصداقيتها؛ عندما تتصدع تماسك النخب؛ وعندما لا يعوض النفوذ الإقليمي الاستنزاف الداخلي. هذه هي المرحلة التي تمر بها إيران وفنزويلا اليوم تحديدًا. في كلتا الحالتين، تآكلت الروايات المؤسسة التي بررت ممارسة السلطة. في إيران، لم يعد السرد الثوري الديني، الذي يعود عمره إلى ما يقرب من خمسة عقود، يسيطر على سكان شباب، حضريين، ومتصلين بشكل مفرط، لا يرون في التضحية، أو النقاء الأيديولوجي، أو المواجهة الدائمة مسارات تؤدي إلى الكرامة أو الازدهار. في فنزويلا، تحول المشروع البوليفاري لتشافيز ومادورو إلى نظام تحلل مُدار ، حيث تعتمد بقاء النظام على المحسوبية، والإكراه، واستنزاف المجتمع أكثر من اعتماده على الأيديولوجية. هكذا تحدث انهيارات الأنظمة الحديثة: ليس بصدمة مفاجئة، بل بتراكم الضغوط الداخلية ضمن أنظمة محكمة السيطرة — ضغوط تبدو قابلة للسيطرة حتى يكشف صدمة خارجية عمقها. تفشل الدول لأنها تصبح متضخمة، ومفرغة من الداخل، وغير قادرة على امتصاص الضغط. عندما تصل إلى هذه النقطة، حتى الأحداث الخارجية المحدودة يمكن أن تنتج عواقب غير متناسبة. في كلا البلدين، وصلت الديناميكيات الداخلية اليوم إلى نقطة الغليان. على الصعيد الخارجي، يواجه النظامان أيضًا تحولًا صامتًا ولكنه حاسم: تآكل أهميتهما الإقليمية بسرعة. منذ ما يقرب من نصف قرن، حدد نظام الملالي في إيران نفسه حول ركيزتين أساسيتين: إنشاء «هلال شيعي» في العالم العربي — في منافسة على الزعامة الإسلامية مع السعودية وقطر — وإرادته الأيديولوجية لتدمير إسرائيل، وهو شرط مسبق، في سرده الخاص، لاكتساب المصداقية في العالمين العربي والإسلامي. لقد زعزعت هذه الاستراتيجية الخارجية استقرار الشرق الأوسط بشكل عميق على مدى العقود الخمسة الماضية. فقد أشعلت حربًا أهلية ومجاعة في اليمن، وغذت الانهيار السياسي والاقتصادي في لبنان، ومنعت ظهور حل الدولتين في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من خلال دعم الفصائل الفلسطينية المتطرفة. تولد هذه الاستراتيجية الآن عوائد متناقصة بشدة. فقد أصبحت شبكة الوكلاء الإيرانيين أكثر تكلفة في صيانتها وأقل فعالية بشكل ملحوظ على المستوى الاستراتيجي. أدى هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 ضد إسرائيل إلى رد عسكري واسع النطاق، أضعف حماس بشدة في غزة، وقطع رأس القيادة في حزب الله في لبنان، وقلل بشكل كبير من القدرات العملياتية للحوثيين في اليمن. فبدلاً من تعزيز نفوذها، سلطت الطموحات الإيرانية لفرض «هلال شيعي» الضوء على حدود قدرتها على إظهار القوة. في فنزويلا، كان المسار مختلفًا، لكن النتيجة قابلة للمقارنة. وصل هوغو تشافيز إلى السلطة في عام 1998 مدفوعًا بموجة من الغضب الشعبي ضد الفساد وعدم المساواة، واعدًا بإصلاح جذري تحت راية الثورة البوليفارية. ما تبع ذلك لم يكن تجديدًا، بل تآكلًا مؤسسيًا: ترسيخ السلطوية، وسوء الإدارة الاقتصادية، ونقص كبير في الاستثمار، وواحدة من أكبر موجات الهجرة في زمن السلم في تاريخ أمريكا اللاتينية. كانت فنزويلا في السابق واحدة من الاقتصادات الرئيسية في المنطقة، وتمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، لكنها شهدت تآكل وزنها الاستراتيجي تدريجيًا. على الصعيد الخارجي، تقلصت فائدتها الجيوسياسية لحلفائها مع تآكل أهميتها الاقتصادية والدبلوماسية والإقليمية. يُظهر التاريخ أن المرحلة الأكثر خطورة للأنظمة الراسخة ليست الأزمة المفتوحة، بل اللحظة التي تفسح فيها الحوكمة المجال لمجرد إدارة البقاء. لقد حانت هذه اللحظة. عام 2026 مهم ليس لأنه يبدأ بحدث مذهل، بل لأنه قد يمثل النقطة التي تتوقف فيها استراتيجيات المماطلة عن العمل. يتلاقى فيها شيخوخة القادة، وعدم اليقين المرتبط بالخلافة، والانقسام بين الأجيال، وتسرب المعلومات، وضعف الدعم الخارجي. عندما يحدث ذلك، يمكن حتى للأنظمة المحكمة السيطرة أن تتزعزع بسرعة ملحوظة. بعد أسابيع عدة من هجمات القوات الأمريكية على سفن فنزويلية متورطة في تهريب المخدرات وفرض حصار صارم على صادرات البلاد النفطية، شنت القوات الأمريكية، في 3 يناير 2025، عملية واسعة النطاق ضد فنزويلا واعتقلت نيكولاس مادورو وزوجته. عملية 3 يناير تمثل النهاية الحاسمة للثورة البوليفارية وفتح حقبة جديدة لفنزويلا. فيما يتعلق بإيران والشرق الأوسط، قد يعلن اجتماع 2 يناير بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، في سياق انتفاضات شعبية واسعة النطاق في عدة مدن إيرانية، عن عملية عسكرية إسرائيلية كبرى في إيران ولبنان — استكمالًا للتحول الاستراتيجي التكتوني الذي بدأ في 7 أكتوبر. تحتاج إسرائيل إلى أنظمة قوية على حدودها لإحلال سلام دائم. سوريا ولبنان يمثلان القطعتين الأخيرتين المفقودتين. إن تحييد حزب الله بشكل دائم في لبنان وتثبيت نظام قوي هناك يمثل الخطوة التالية. وهذا يفترض تحولًا جذريًا للنظام الديمقراطي الطائفي الفاشل في لبنان. وهذا يعني أن على إسرائيل أن تتحرر بشكل نهائي من التهديد الذي يمثله نظام الملالي الإيراني. الظروف مواتية. والوقت ربما حان الآن.

عمى سياسي انتحاري
Por
ميشال توما
Publicado

من المرجح أن قادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أو على الأقل كبار قادة الحرس الثوري (الباسداران)، لم يقرأوا، أو حتى يحاولوا فهم، أسطورة لافونتين "الضفدع الذي أراد أن يكون بحجم ثور"، عندما كانوا في أوج قوتهم. ولو فعلوا ذلك، لأدركوا بلا شك أنهم لا يستطيعون منافسة قوى تمتلك إمكانات، في كل مجال، تبعد سنوات ضوئية عن قدراتهم "الإلهية" الفعلية من خلال الأيديولوجيا، والشعارات الفارغة، والخطب النارية، والشعبوية، والديماغوجية، وقبل كل شيء، الإرهاب. ولو كانوا على دراية بواقع هذا العالم، لكانوا أكثر واقعية بكثير في طموحاتهم التوسعية والجيواستراتيجية. منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين فصاعدًا، ظهرت سلسلة من المؤشرات التي أوضحت بجلاء أنه ليس فقط الولايات المتحدة وإسرائيل، بل المجتمع الدولي بأسره، بما في ذلك روسيا والدول الرئيسية في الاتحاد الأوروبي، لا يمكن أن يقبل بأي شكل من الأشكال أن يمتلك نظام إسلامي متطرف، يظهر موقفًا عدائيًا، أسلحة نووية متطورة. يبدو من الوثائق الرسمية التي رفعت عنها السرية قبل أيام قليلة في واشنطن أن الرئيس فلاديمير بوتين، خلال اجتماع عقده في سلوفينيا في يونيو 2001 مع رئيس البيت الأبيض، جورج دبليو بوش، أكد أنه يمتلك أدلة موثوقة تشير بوضوح إلى أن النظام الإيراني يسعى للحصول على أسلحة نووية، معربًا عن مخاوفه الجادة للرئيس الأمريكي. وخلال اجتماع آخر عقد بين رأسي الدولتين في نفس الوقت في البيت الأبيض، أكد الرئيس بوش لبوتين، في إشارة واضحة إلى إيران، أن "لا نحتاج إلى متطرفين دينيين يمتلكون سلاحًا نوويًا." كانت هذه أولى علامات ظهور مواجهة دبلوماسية وإعلامية طويلة الأمد كانت ستضع الجمهورية الإسلامية في مواجهة المجتمع الدولي بشأن البرنامج النووي الإيراني لأكثر من عقدين. في أعوام 2006 و2007 و2008، فرض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عقوبات على إيران (بموافقة روسيا والصين) بسبب سعيها المشبوه والمستمر لتخصيب اليورانيوم بمعدل لا يمكن أن يؤدي إلا إلى امتلاك القنبلة. منذ ذلك الحين، استمرت المناقشات المحمومة خلف الكواليس، والمناورات الدبلوماسية، والمفاوضات، دون إحراز أي تقدم يذكر، وكان هدف طهران بوضوح هو مجرد كسب الوقت. حتى اتفاق عام 2015 الذي توسط فيه باراك أوباما كان به عيوب ولم يذكر، على سبيل المثال، الإنتاج المكثف لإيران للصواريخ الباليستية، كما طالب وزير الخارجية الفرنسي آنذاك، لوران فابيوس، الذي دعا إلى موقف حازم بما فيه الكفاية تجاه الجمهورية الإسلامية. لكن باراك أوباما كان "يقظًا" لمواجهة أي محاولة لتبني موقف شديد القسوة تجاه الملالي في طهران... ونحن نعرف كيف تطورت الأحداث في هذا الصدد. قبل وقت طويل من هذه المعركة الدبلوماسية التي بدأت منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لم تتردد إسرائيل في اتخاذ إجراء، دون الانغماس في نقاشات عقيمة، وفي يونيو 1981 قصفت المفاعل النووي الذي كانت العراق تعمل على بنائه. وفي عام 2007، شنت القوات الجوية الإسرائيلية غارة في سوريا ضد موقع نووي في منطقة دير الزور. أكدت كل هذه المؤشرات، يومًا بعد يوم، التصميم الثابت لإسرائيل والولايات المتحدة والدول الأوروبية وحتى روسيا لمنع القوى الاستبدادية، ولا سيما نظام متطرف مثل نظام الملالي الإيراني، من استكمال برنامج نووي كان غرضه العسكري واضحًا للجميع. وعلى الرغم من هذا الإجماع شبه الكامل، استمرت الجمهورية الإسلامية لأكثر من عقدين في استثمار مئات المليارات من الدولارات في مشروع استراتيجي للغاية كان تحقيقه وهميًا وغير عقلاني، بل وانتحاريًا تمامًا بالنظر إلى الحقائق الدولية. ومما زاد الطين بلة، ولتعزيز موقفها الانتحاري، قامت إيران، من خلال استثمارات بلغت عشرات المليارات من الدولارات، بتأسيس وصيانة ميليشيات خاضعة تمامًا للحرس الثوري في خمس دول ومناطق في بلاد الشام (بما في ذلك غزة). وقد أدى ذلك إلى تفاقم التوتر القديم بين السنة والشيعة، مصحوبًا بالزعزعة المزمنة لهذا الجزء من العالم، وذلك فقط لإرضاء طموحات الهيمنة لجهاز الحرس الثوري. كل هذا... مغلف بخطاب معادٍ لأمريكا والغرب وموقف عدائي تجاه دول الخليج. في ضوء العدد الهائل من هذه المؤشرات والاعتبارات التي تراكمت على مدى أكثر من عشرين عامًا، يبرز سؤال مقلق: كيف يمكن لقادة طمحوا إلى لعب دور رئيسي، بل مهيمن، في المنطقة أن يظهروا مثل هذا العمى السياسي، ويسمحوا لأنفسهم بالاقتناع بأنهم يستطيعون بسط نفوذهم دون عقاب، في كل مكان، متجاهلين الحقائق المجتمعية والتاريخية والسياسية والثقافية والجيوسياسية لمنطقة المشرق؟ إن الإعصار الذي يضرب حاليًا العاصمة والعديد من المدن الإيرانية هو، إلى حد كبير، نتيجة لهذه الرغبة العنيدة في بناء هيكل قوة ضخم، لا يتناسب على الإطلاق مع قدرات النظام الفعلية والإمكانات الهائلة للخصم الذي افترض الملالي مواجهته.

عاصفة تلوح في أفق النظام الايراني

ليست هذه المرة الأولى التي ينزل فيها الإيرانيون إلى الشوارع للاحتجاج على حكامهم. لكن هذا الحراك الشعبي المتكرر يتميز بتعبئة فاعل جديد: تجار البازار، الذين يعتبرون من ركائز النظام الإسلامي. بدأ كل شيء في 28 ديسمبر، عندما أطلق تجار طهران إضرابًا للاحتجاج على التضخم المفرط والركود الاقتصادي. ومنذ ذلك الحين، توسعت الحركة لتشمل مطالب سياسية. منذ بدء الاحتجاجات، يلعب النظام على وتر التهدئة، معترفًا بـ "مطالب مشروعة" مرتبطة بالصعوبات الاقتصادية، وعلى وتر الحزم في مواجهة أي محاولة لزعزعة الاستقرار. اعتبر المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، الذي يتولى السلطة منذ عام 1989، يوم السبت، في اليوم السابع من الانتفاضة الشعبية، أن المطالب الاقتصادية للمتظاهرين "عادله" لكن "مثيري الشغب" يجب "وضعهم في مكانهم"... عقود من التمرد الشعبي شكلت حركات التمرد سمة مميزة لحياة الجمهورية الإسلامية منذ عام 1999. في يوليو من ذلك العام، اندلعت حركة احتجاج طلابية تهدف إلى الدفاع عن الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي. وقد أدى التدخل العنيف لقوات الباسيج إلى إنهاء الاحتجاج عملياً. في يونيو 2009، أدت إعادة انتخاب الرئيس المحافظ المتشدد محمود أحمدي نجاد المتنازع عليها، وهو المفضل لدى خامنئي، إلى حركة احتجاج تندد بالتزوير. وانتهى الأمر بالنظام إلى سحق الثورة باللجوء إلى قمع شديد أسفر عن عشرات القتلى وآلاف الاعتقالات، مما أضعف الأوساط السياسية والفكرية المعارضة تحت وطأة أحكام قاسية للغاية في كثير من الأحيان. في أواخر ديسمبر 2017، تظاهر مئات الأشخاص في مشهد، ثاني أكبر مدن البلاد، وفي مدن أخرى ضد ارتفاع الأسعار والبطالة والحكومة. وفي نوفمبر 2019، نُظمت مظاهرات بعد وقت قصير من الإعلان عن زيادة كبيرة في سعر البنزين. وهنا أيضًا، يُسجل مئات القتلى وآلاف الاعتقالات. في يوليو 2021، اندلعت احتجاجات ضد نقص المياه في محافظة خوزستان، التي ضربها الجفاف. بينما في طهران، احتج السكان على انقطاع الكهرباء. تتزايد أعداد الإيرانيات اللواتي يظهرن مكشوفات الرأس في الأماكن العامة في طهران والمدن الكبرى، متحديات بذلك إلزامية ارتداء الحجاب المعمول بها منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. يعود آخر انتفاضة، وربما الأكثر دموية، إلى سبتمبر 2022. أدت وفاة مهسا أميني، شابة كردية إيرانية اعتقلت لاتهامها بانتهاك قواعد اللباس المتبعة بارتداء حجاب غير محكم، إلى اندلاع أشهر من الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد، تحت شعار "المرأة، الحياة، الحرية!". وقد قُتل عدة مئات من الأشخاص، بينهم عشرات من أفراد قوات الأمن، واعتقل آلاف المتظاهرين. تعبئة غير مسبوقة بالعودة إلى الحركة الاحتجاجية الحالية، فقد حشدت مدنًا كبيرة مثل أصفهان وشيراز وحتى مدينة قم المقدسة، معقل الفكر الخميني، حيث قُتل رجل جراء انفجار قنبلة يدوية كان ينوي استخدامها. لم يتردد بعض المتظاهرين في ترديد شعار «الموت للديكتاتور!»، وهو الشعار الشهير الذي أُطلق ضد الشاه خلال الثورة الإسلامية عام 1979. ويُستخدم هذا الشعار هذه المرة من قبل الشعب ضد طغيان الملالي... بحسب الصحفي اللبناني والباحث في الشأن الإيراني علي الأمين، فإننا نشهد اليوم «للمرة الأولى حركة نشأت داخل البازار الإيراني»، وهو ما يعتبر، في رأيه، «مؤشرًا مهمًا سيكون له تأثير كبير». ويذكّر الأمين بأن هذا «يعيدنا إلى الثورة الإيرانية، في بداياتها عام 1979: ما قلب مجرى الأحداث حينها كان الإضراب الذي نظمه البازار، والذي لعب دورًا رئيسيًا في سقوط نظام الشاه». لماذا البازار؟ «نظام الملالي يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية: الحوزات والسلطة الدينية، والحرس الثوري، والبازار»، يوضح علي الأمين. «جميع الحركات السابقة جرت خارج هذا الثالوث». ويضيف: «اليوم، دخل البازار الساحة ويؤثر حتى على السلطة الدينية بفضل 'الخمس' (خُمس أو 20%)، وهو ضريبة إسلامية واجبة على جميع الشيعة. يستخدم هذا العشر لتمويل رجال الدين بطريقة ما. يتم تمويل الحوزات من أموال الخمس، وما إلى ذلك. وهذا المال دائمًا في أيدي الطبقات الغنية، أي تجار البازار. داء واحد، أعراض متعددة الشارع الإيراني يتحرك، فالاقتصاد الوطني يضعف بسبب عقود من العقوبات الغربية المرتبطة ببرنامجه النووي. يؤدي الانخفاض المزمن في قيمة الريال الإيراني إلى تضخم مفرط (52% على أساس سنوي في ديسمبر) وتقلب شديد في الأسعار. كما يتولد الاستياء من تداعيات «حرب الأيام الاثني عشر» التي اندلعت في يونيو الماضي بين إسرائيل وإيران، والتي تعرضت خلالها المنشآت النووية الإيرانية لضربات جوية إسرائيلية وأمريكية. «إيران اليوم في مأزق»، يؤكد علي الأمين. «حتى في المظاهرات السابقة، كانت إيران تستطيع دائمًا مخاطبة شعبها قائلة: "نحن على حدود إسرائيل، نحن على حدود البحر الأبيض المتوسط، نحن نسيطر على العراق، نحن نسيطر على سوريا..." وهذا كان يشكل نوعًا من الضمان لبقاء النظام على الصعيد الداخلي». "لا غزة ولا لبنان، حياتي فداء إيران!" تجد السلطات الإيرانية نفسها أيضًا في عزلة بعد الضربات التي وجهت لحلفائها الإقليميين: حماس في غزة، حزب الله في لبنان، وسقوط النظام العلوي لبشار الأسد. بعض الإيرانيين يحملون منذ فترة طويلة استياءً من الدعم المالي والعسكري الذي تقدمه طهران لهؤلاء الحلفاء، بينما يعاني البلد اقتصاديًا. وقد ذكرت قناة "إيران إنترناشيونال"، وهي قناة تلفزيونية ناطقة بالفارسية ومقرها خارج البلاد ومنتقدة للنظام، شعار "لا غزة ولا لبنان، حياتي فداء إيران!"، الذي ردده بعض المتظاهرين. «بانسحابها من سوريا وكشف أنشطتها في مناطق أخرى لم تكن تستهدفها من قبل، تواجه إيران الآن عدة مشاكل: أزمات داخلية متزايدة، وتراجع نفوذها الإقليمي والدولي، وتوتر العلاقات الخارجية، وتصاعد الضغوط الأمريكية والإسرائيلية»، يتابع السيد الأمين، قبل أن يضيف: «أحد أبرز التطورات، وفقًا لمصادر إيرانية، هو أن المظاهرات تشمل الآن الطبقات المتوسطة والعليا على حد سواء. نلاحظ مظاهرات في قلب طهران وأصفهان وشيراز، وهي مدن تتميز تقليديًا بحركات من الطبقات الميسورة والمتوسطة، وهذا مؤشر مهم آخر. وتعتبر هذه الحركات من بين الخيارات المتاحة للنظام الإيراني حاليًا، ومصيرها يعتمد على تطور الوضع». يؤكد علي الأمين أن «تصريح ترامب، الذي يفيد بأنه سيتدخل للدفاع عن المتظاهرين، مؤشر مهم. فهو يعزز دافعية الشعب الإيراني ويحثه على التعبئة!». ومن اللافت أن الموساد الإسرائيلي دعا يوم الأربعاء الماضي المحتجين الإيرانيين إلى تكثيف حراكهم الاجتماعي: «اخرجوا معًا إلى الشوارع. لقد حانت الساعة. نحن معكم»، كما أكدت أجهزة المخابرات الخارجية الإسرائيلية على حسابها في X، موجهة حديثها بالفارسية للمتظاهرين! إلى أين تسير الأمور؟ الخيارات المتاحة للإيرانيين، بالنظر إلى هذا المأزق الداخلي والخارجي، تعتمد أيضًا على تطور الأحداث ومدتها وتصاعدها. «أعتقد أن إيران تواجه اليوم خيارًا: إما إبرام اتفاق وقبول تنازلات كبيرة بشأن برامجها النووية والباليستية، أو التفاوض المتزامن على اتفاق نهائي مع الأمريكيين، وهو ما سيعادل الاستسلام فعليًا»، يؤكد الأمين. وفقًا لعلي الأمين، «هذه ورقة رابحة كبيرة للنظام، وقد نشهد أيضًا تطبيق خطة تم الحديث عنها علنًا تقريبًا تهدف إلى استبدال المرشد الأعلى بلجنة ثلاثية الأعضاء. ستضم هذه اللجنة نجل خامنئي، مجتبى، وهو معاون مقرب جدًا لوالده ورئيس مكتبه، ويسيطر فعليًا على المؤسسات الحكومية الرئيسية وعملية صنع القرار في إيران. هذا سيفتح الطريق أمام التنازلات التي يطالب بها الأمريكيون». لا تقتصر المؤسسات الحكومية على الجهاز الديني ولا على الحرس الثوري. كما يشرف مجتبى خامنئي على شبكة من الشركات التي تشكل نوعًا من الاقتصاد الموازي يعادل 60% من الناتج المحلي الإجمالي الإيراني. وقد قُدر حجم هذا الإمبراطورية الصناعية والتجارية والطاقوية بـ 95 مليار دولار وفقًا لدراسة أجرتها رويترز...

التدخل الأمريكي في فنزويلا: تأثير جيوسياسي متعدد الأوجه

كما في مسرحية. الفصل الأخير في فنزويلا... إدارة دونالد ترامب نفذت تهديداتها بالتدخل المباشر على الأراضي الفنزويلية ضد حكومة نيكولاس مادورو، فجر السبت 3 يناير 2026. تجدر الإشارة إلى أنه في الثالث من يناير/كانون الثاني أيضاً، اغتيل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس (التابع للحرس الثوري الإسلامي)، في بغداد عام ٢٠٢٠، بأمر من الرئيس دونالد ترامب. وفي اليوم نفسه، استسلم رئيس بنما، مانويل نورييغا، للأمريكيين عقب التدخل الأمريكي في بنما. وبالعودة إلى عملية الثالث من يناير/كانون الثاني ٢٠٢٦، بالتوازي مع الغارات الجوية التي شنت بالقرب من المواقع العسكرية في العاصمة كراكاس ومناطق أخرى من الجمهورية البوليفارية، تم القبض على مادورو وزوجته من قبل وحدة من القوات الخاصة الأمريكية، وتم إجلاؤه إلى الولايات المتحدة، حيث يواجه اتهامات جنائية تتعلق بتهريب المخدرات. من الواضح أن هذه العملية العسكرية الأمريكية تقلب المشهد الجيوسياسي في أمريكا اللاتينية وعموم القارة الأمريكية، لكن تأثيرها يتجاوز هذا الجزء من العالم أيضًا. وبشكل أكثر تحديدًا، بالنسبة لشعوب دول المشرق والشرق الأوسط والخليج بشكل عام، يطرح سؤال جوهري على ضوء هذه الاضطرابات: هل سيكون لسقوط مادورو نتيجة لإضعاف نظام الملالي الإيراني، الذي يعاني بالفعل، بشكل أكبر، وخصوصًا في الأيام الأخيرة؟ تؤكد الإدارة الأمريكية بالفعل أن هناك روابط وثيقة أكثر من أي وقت مضى بين كراكاس وطهران. وستجد الجمهورية الإسلامية نفسها محرومة، نتيجة لذلك، من حليف ثمين في وقت تواجه فيه انتفاضة شعبية، وأزمة اجتماعية اقتصادية غير مسبوقة، وضغوطًا أمريكية متزايدة. يطرح تساؤل ثانٍ في هذا السياق بحدة على دول المشرق، وخاصة لبنان: هل ستساهم التغييرات في فنزويلا حقًا في تجفيف مصادر تمويل حزب الله بشكل أكبر، والذي تتهمه إدارة ترامب باستغلال ورقة نظام مادورو للانخراط في تهريب المخدرات على نطاق واسع وعمليات غسيل الأموال؟ بانتظار إجابات موثوقة على هذه التساؤلات، وبانتظار كذلك عناصر أكثر دقة تتعلق بتطورات الساعات الأخيرة وتداعياتها على المدى القصير في فنزويلا، تُطرح ثلاث أسئلة أخرى، لا تقل أهمية، حول ظروف وتأثير التدخل الأمريكي على المدى القصير. التساؤل الأول، وهو كبير: هل كان “خروج” مادورو نتيجة لمفاوضات؟ على الرغم من حالة الطوارئ وتصريحات المسؤولين الفنزويليين، الذين أكدوا صباح السبت أنهم لا يعرفون مكان الزعيم البوليفاري، إلا أن خيار الخروج المتفاوض عليه كان قد ذُكر من قبل وسائل الإعلام والمستشاريات الغربية لعدة أشهر. وفي حين تم تبرير التدخل الأمريكي في البحر الكاريبي منذ منتصف أغسطس بمكافحة تهريب المخدرات، فقد أحكم الخناق منذ البداية حول نيكولاس مادورو، الذي اتهمته واشنطن لعدة سنوات بقيادة ما يسمى بكارتل لوس سوليس (Cartel de Los Soles)، بالإضافة إلى وصفه بالرئيس غير الشرعي. كان نيكولاس مادورو قد دعا مرارًا إلى حوار مباشر مع ترامب، وزيارات حديثة لمسؤولين أمريكيين إلى بيلاروسيا كانت قد لمحت إلى إمكانية الهروب إلى مينسك. ما يعادل بشار الأسد في موسكو... هل هو اعتراف بالضعف؟ يبقى أن عملية من هذا النوع، مثل التي حدثت في 3 يناير، تتخذ شكل تسليم قسري غير مسبوق؛ وهو سيناريو لم يحدث في أمريكا اللاتينية منذ القبض على نورييغا في بنما عام 1990. تبقى فكرة الخروج المتفاوض عليه ليست جديدة، مع العلم أن نتيجة مثل هذه المفاوضات لا يمكن أن تكون إلا في غير صالح مادورو. لكن المفاوضات سمحت رغم ذلك بإنقاذ ماء الوجه بطريقة ما... دليل بلا شك على أن مادورو ربما يكون قد أدرك افتقاره للشرعية في مواجهة الأزمات التي كانت تعصف ببلاده منذ موجة القمع الكبيرة عام 2017. ماذا عن المستقبل القريب؟ المجهول الثاني، في الوقت الحالي: هل يجب أن نتوقع فراغًا في مستوى السلطة في فنزويلا؟ من الضروري الإشارة في هذا الصدد إلى أن المعارضة مجزأة في مواجهة التشافيزية. في عام 2017، كان خوان غوايدو هو مرشح الرئيس ترامب في ضوء المظاهرات غير المسبوقة التي هزت البلاد، مما أدى إلى واحدة من أكبر عمليات النزوح في العالم: وفقًا للأمم المتحدة، غادر أكثر من 8 ملايين فنزويلي البلاد منذ ذلك الحين. ومع ذلك، تم تهميش غوايدو في تقاعده المريح في فلوريدا. في أعقاب الانتخابات المتنازع عليها عام 2024، كان إدموندو غونزاليس أوروتيا قد أُعلن فائزًا، لكنه أُجبر على المنفى. على الرغم من وعود العودة، فإن ماريا كورينا ماتشادو، التي كرمت مؤخرًا بجائزة نوبل للسلام، هي التي حظيت بدعم واشنطن العلني. يكشف هذا التغيير في الشخصية الداخلية عن صعوبة الحفاظ على معارضة موحدة ومتماسكة، خاصة وأن توجيهات ماتشادو للتصويت لم تتبعها قاعدة المعارضة. هذا دون احتساب جزء من المجتمع الفنزويلي المؤيد لمثل التشافيزية والمعارض للحظر الأمريكي. هذا الجمهور، بغض النظر عن تقديره لمادورو من عدمه، يحافظ على دعم أيديولوجي - أكثر منه ملموس - للنظام القائم. من المناسب في هذا السياق تسليط الضوء على موقف الرئيس ترامب تجاه إيران - الحليف الأكبر لفنزويلا. من الواضح أن التدخل العنيف يوم السبت سيسهل الوصول إلى الموارد المعدنية والنفطية والغازية في فنزويلا، ولكنه يهدف أيضًا، وقبل كل شيء، إلى قطع الطريق على روسيا والصين والمحور الإيراني. يبقى أن نعرف ما إذا كانت الخلافات الداخلية في فنزويلا ستؤدي إلى فوضى قد تكون الولايات المتحدة قد استخفت بها. مكافحة تهريب المخدرات المجهول الأخير المطروح، في الختام: أي تأثير يجب أن نتوقعه على المستوى الإقليمي؟ إن الانتشار غير المسبوق للقوات الأمريكية، خاصة منذ 13 نوفمبر، تاريخ الانطلاق الرسمي لـ «عملية رمح الجنوب»، كان سببه المعلن هو مكافحة تهريب المخدرات. ومع ذلك، فإن فنزويلا، وفقًا لخبراء الأمم المتحدة، ليست الدولة الرئيسية المنتجة ولا الدولة الرئيسية لعبور الكوكايين. المركز الأول في هذا الصدد يعود إلى جارتها كولومبيا. وكولومبيا، التي يحكمها منذ عام 2023 الرئيس اليساري غوستافو بيترو، تشهد، تجدر الإشارة إلى ذلك، أسوأ العلاقات الثنائية في تاريخها مع الولايات المتحدة منذ عودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض. من ملف الهجرة إلى حرب غزة، مروراً بمكافحة تهريب المخدرات، كل شيء تقريباً يعارض الزعيم الأمريكي الجنوبي دونالد ترامب. الرسوم الجمركية، قيود التأشيرات، التهديد بإنهاء تمويل الجيش الكولومبي، لا شيء ينجح... حتى الرئيس الكولومبي أُدرج في قائمة كلينتون الشهيرة لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، مما يضعه هو والعديد من المقربين منه تحت طائلة عقوبات الخزانة الأمريكية. السؤال المطروح، في ظل الوضع الراهن، هو معرفة ما إذا كان التصعيد الحالي يخصه أيضًا، قبل خمسة أشهر من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا التي ستجرى في سياق غير مسبوق من التحول نحو اليمين، منذ عام 2022، للحكومات المنتخبة في دول هذا الجزء من العالم.

الاختراق والتغلغل أمسكا بخناقنا!

من قال إن حزب الله لا يتغذّى إلّا من المناوشات والصراعات المسلحة؟ منذ تسعينيات القرن الماضي وهو لا يتوقف عن “اللبننة”، أي عن تليين مواقفه واختيار طريق التسويات. على الأقل شكلياً، ولإخفاء الحقيقة ليس إلا! صحيح أنه في البدايات، أي عند تأسيسه، لم يُخفِ الحزب نواياه. فقد أعلن جهاراً أنه يعتزم إقامة نظام منسوخ حرفياً عن النموذج الخميني. وبناءً على ذلك، وضع نفسه خارج اللعبة السياسية الوطنية، تلك اللعبة “غير الجديرة” التي لا تصلح، في نظره، إلا للماكرين. لكنه ما لبث أن غيّر موقفه، فانطلق بذكاء في مشروع اختراق أجهزة الدولة اللبنانية. إلى درجة أنه في عام 2005 استحصل من الشيخ عفيف النابلسي على فتوى تبيح له المشاركة في الحكومة. وهكذا تحققت الشرعية الشكلية بعد مسار طويل. فابتلع أصحاب“النية الحسنة” والسذج الطُّعم؛ إذ رأوا أن التركيبة اللبنانية قد نجحت أخيراً في “استيعاب” حزب الثورة الإسلامية. وإعتقدوا أن هذا الأخير سيتلبنن، وسيتبنى عقليتنا النفعية الواقعية، تلك العقلية التجارية التي ورثناها من الفينيقيين. صحيح أن الحزب الإيراني خفّف من حدّة خطابه، لكن هؤلاء البسطاء والمتفائلون صرخوا بالنصر باكراً جداً. غير أن الواقع سرعان ما كذّبهم! فالمنصة الديمقراطية لم تكن لتستفيد في هذه اللعبة. فالحزب، وقد قرر ألا يبقى على الهامش، تسلل إلى الإدارة العامة ليخدم أهدافه، القريبة والبعيدة معاً. وبث فيها روحه المناضلة. وبما أن الدولة كانت قابلة للأخذ، فإن الثنائي الشيعي عمل على ترويضها من داخل مفاصلها! اختراق وتغلغل هذا الاندساس، وهو ممارسة ماركسية ـ لينينية تقليدية، يقوم على “إدخال أعضاء تنظيم نضالي بشكل منسّق إلى داخل تنظيم منافس، أو حتى إلى أجهزة الدولة البرجوازية نفسها”. وأي وسيلة أسهل من هذه للوصول إلى السلطة ثم التمكن منها. في حين كان السياق الإقليمي والداخلي مناسبين تماماً لهذه اللعبة المخادعة. وإذا كان “حزب الله” ولا يزال ممتناً للرئيس إميل لحود، فذلك لأن الحزب خلال عهده كان قد تمدّد في كل مستويات السلطة والإدارة. واثقة من الإفلات من العقاب، وتحت حماية رعاتهم، استقرت “البيادق” المتسللة أو “الخلايا النائمة” في الإدارات العامة، وصعدت في السلم الوظيفي. وفي إدارة الشؤون اليومية، لم تكن ولاءتها موضع شك: كانت تطيع تعليمات “ضباط ارتباطها” وتتواطأ معهم في تأمين الخروقات. مساوئ “المؤامرة” لقد تحولت قضية الانفجار المزدوج في المرفأ، في ذلك الرابع المشؤوم من آب، إلى الدليل الأمثل على مؤامرة على مستوى الوطن بأكمله. والدليل أننا لانزال حتى اليوم نطرح الأسئلة نفسها: كيف أمكن تخزين أطنان من المواد المتفجرة في قلب مدينة، من دون تلاعب على كل المستويات؟ لماذا بقيت كل التحذيرات من الخطر الداهم حبراً على ورق؟ كم من الجبن سجلنا، وكم من الاغتيالات بقيت من دون كشف؟ يا لها من إدارة عامة “نموذجية”! كم من أجهزة أغمضت عينيها: القضاء والجمارك والقوى الأمنية على حد سواء. وفوق ذلك كله، مؤامرة الصمت. مهمّة ناجحة أيّها السّادة في حزب الله: لقد أثمرت سياسة الاختراق التي انتهجتموها. فما من عملية تغلغل كشفت هذا القدر من التواطؤ!

المتاحف : الطريق الى ذاكرة الشعوب

في الشرق الأوسط، لا تُعَدُّ المتاحف مجرّد أُطرٍ حجرية لروائعَ فنية مهدَّدة بالزوال، بل هي تشكل مساحات تُعاد فيها كتابة الذاكرة، وتتشكل فيها الهوية، وتُمارَس من خلالها القوة الناعمة في العلاقاتُ بين الدول. فبعض بلدان المشرق، مهد أعرق الحضارات القديمة، تعيش حالة من عدم الاستقرار بسبب الحروب والثورات وإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية في المنطقة. في هذه البلدان، تتحول كلُّ واجهة عرضٍ في متحف، وكلُّ قطعةٍ أُعيد ترميمها، إلى موقف سياسيٍّ والى تجسيد لروح الصمود الوطني. فالمتاحف مدماك تتمسكُ به الشعوب الباحثة عن هويتها وعن قراءةٍ موحَّدةٍ لتاريخها. أمّا في دول الخليج، فالصورة مختلفة. فالفنّ عمومًا، والمتاحفُ خصوصًا، مؤتمنة على الذاكرة والتقاليد، لكنها أيضًا أدواتٌ للقوة الناعمة، وتُسهم في الارتقاء بنوعية وجودة حياة سكان هذه البلدان. ففي هذه الدول تعتبر الثقافة ركيزةً أساسيةً لمسار التطوّر ولمستقبل ورخاء شعوبها. وهذا ما يفسّر الغِنى بالمشاريع الثقافية و المتاحف الجديدة التي تعتمد أحدث التقنيات والتي تشجع على الابداع في كافة مجالات الثقافة والفن. إنّ هذه الرحلة عبر متاحف المشرق و الخليج العربي هي رحلةٌ مدهشة تمتدّ على سبعة آلاف عام من التاريخ، وجسر بين ماضٍ عريق ومستقبل مشرق ٍ يُبنى للمئة عام القادمة. لقد اخترنا بعضٍاً من هذه المتاحف التي تمثل في نظرنا افضل تمثيل للواقع المتحفي المعاصر. متحف بيروت الوطني منذ أيام، بدأنا رحلتنا من متحف بيروت الوطني ، الذي يجسّد في آن واحد ضعف وصلابة بلاد المشرق . فقد وُلد المتحف في أربعينيات القرن العشرين كمشروع لدولةٍ فتيةٍ مستقلة. لكنه ما لبث ان عانى من ويلات الحرب اللبنانية. ومع إعادة إعماره تدريجياِ في تسعينيات القرن الماضي، اصبح المتحف الوطني خير دليل على رغبة بلدٍ مفتت في التمسك بتاريخه وبضرورة اعتماد قراءة واحدة لهذا التاريخ. المتحف المصري الكبير اما في مصر، فالمتحف المصري الكبير صمم ليكون رمزًا لطموحٍ دولةٍ تسعى إلى إبراز قوتها عبر تراثها. فهو أحد أكبر المتاحف الأثرية في العالم، وصرحا يليق بالأهرامات المجاورة ومشروعًا يجسد الإشعاع الثقافي والسياحي في مصر. وراء الواجهات المهيبة للمتحف الكبير، تراهن الدولة المصرية على سبعة آلاف سنة من التاريخ لدعم قطاعي السياحة والاقتصاد. المتحف العراقي اما المتحف العراقي فقصته هي قصة تراثٍ اختطفته الحروبُ والنهبُ المنظّم. فهو يجسّد مأساةَ الذاكرة العراقية المنهوبة، وإصرارَ وتصميم حفنة من عشاق التراث والتاريخ على إعادة جمع كنوزِه المبعثرة في الأسواق السوداء العالمية، والمجموعات الخاصة، ومستودعات المتاحف الغربية. Le Louvre Abu Dhabi أمّا في دول الخليج، فالمشهد مختلف. المتاحف هناك، رغم كونها حارساً اميناً للذاكرة والتراث، الا انها جزءٌ من استراتيجيةٍ ثقافيةٍ تجعل من منطقة الخليج مختبرًا جديدًا للدبلوماسية الثقافية والفنية، ومساحة للحوار بين الحضارات، ولتنافسٍ رمزيٍّ يخدم في النهاية رفاهيةَ مواطنيها ويحسن نوعية حياتهم. من أبرز الأمثلة على هذا الواقع متحف اللوفر أبوظبي في الإمارات العربية المتحدة. فمن خلال استقدام اسمٍ متحفيٍّ عالميٍّ مثل Louvre وإنشاء مؤسساتٍ ثقافيةٍ مميزة لدعم الثقافة والفن، رسّخت دول الخليج عموماً والإمارات خصوصًا موقعَها كجسرٍ فنيٍّ بين أوروبا وآسيا وأفريقيا. فدول الخليج تحاول خلق سردياتٍ فنية متقاطعةٍ وجديدة، وتحاول اعادة رسم مسارات تداول الأعمال الفنية فتشجع من اجل ذلك على الابتكار الفني الثقافي. فهذه الدول تطمح للدخول في منافسة فنية وثقافية مع العواصم الثقافية والفنية التقليدية العالمية والمحلية على حد سواء خلال هذه الرحلة بين متاحف دول المشرق والخليج العربي، ندعو القارئ إلى قراءة قصة هذه المتاحف الخمسة كما لو انها مخطوطات قديمة يكتشف من خلال صفحاتها تاريخ وفكر وفن واقتصاد هذه البلدان صفحة تلو الاخرى. فكلُّ متحف وكل مؤسسةٍ تعبّر، على طريقتها الخاصة، عن نظرة شعوب المنطقة إلى ذاتها، وتروي قصتها وتاريخها، وتستشرف من خلالها مستقبلها. المقال التالي: جناح نهاد السعيد للثقافة اقرأ في الموضوع نفسه المتحف الوطني في بيروت، رغم كل الصعاب