شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو « اجعل تركيا عظيمة من جديد »، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ« الوكلاء »، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
كيف يُعاد تعريف السيطرة في الشرق الأوسط؟

من الخطأ الفادح مقاربة التوسّع الأميركي والتوسّع الإسرائيلي بالمنظار نفسه، رغم ما يبدو من تلاقٍ ظرفي بين المشروعين في لحظات إقليمية مفصلية. فالخلط بينهما لا يحجب فقط الفوارق البنيوية في الجوهر، بل يُضلّل في فهم طبيعة الصراعات الدائرة اليوم، وأشكال السيطرة التي باتت تُمارَس باسم الأمن أو الردع أو «الاستقرار». التوسّع، بوصفه مفهومًا سياسيًا–استراتيجيًا، ليس واحدًا في الدوافع ولا في الأدوات، حتى عندما يفضي إلى نتائج متشابهة. وما يجمع الولايات المتحدة وإسرائيل اليوم ليس وحدة المشروع، بل تقاطع المصالح، ووحدة بعض الأدوات، في لحظة انتقالية يُعاد فيها تعريف معنى السيطرة والنفوذ. أولًا: التوسّع الأميركي… إمبراطورية بلا خرائط تاريخيًا، لم يكن التوسّع الأميركي توسّعًا جغرافيًا بالمعنى الكلاسيكي الذي عرفته الإمبراطوريات القديمة أو الاستعمار الأوروبي. الولايات المتحدة، منذ الحرب العالمية الثانية، بنت نفوذها العالمي على قاعدة مختلفة: السيطرة الاقتصادية والتجارية بوصفها جوهر القوة، والقوة العسكرية كأداة حماية لهذا النفوذ لا كهدف بحدّ ذاته. واشنطن لا تبحث عن أرضٍ تضمّها، ولا عن أعلام ترفعها فوق الجغرافيا. ما تريده هو: • فتح الأسواق وربطها بالاقتصاد الأميركي، • حماية طرق الإمداد والطاقة، • فرض قواعد النظام المالي العالمي، • والتحكّم بسلاسل التوريد والتكنولوجيا. بهذا المعنى، فإن التوسّع الأميركي هو توسّع في الفضاء الاقتصادي لا في الخرائط. دولة قد تكون «مستقلة» سياسيًا، لكنها خاضعة اقتصاديًا، مرتبطة بالدولار، أو مرهونة بالمؤسسات المالية الدولية، أو معتمدة على السوق الأميركية. هنا تتحقق السيطرة من دون احتلال، والنفوذ من دون إدارة مباشرة. حتى التدخل العسكري الأميركي، حين يحصل، غالبًا ما يُقدَّم بوصفه وسيلة لضمان هذا النظام: حماية حلفاء، منع انهيار أسواق، تأمين ممرات بحرية، أو احتواء قوى تهدّد التوازنات الاقتصادية العالمية. لذلك، تميل واشنطن في السنوات الأخيرة إلى تقليص الانخراط العسكري المباشر، من دون التخلّي عن النفوذ، في انتقال واضح من «الحرب الصلبة» إلى «الإدارة الذكية للصراعات». ثانيًا: التوسّع الإسرائيلي… الأرض كهوية لا كأداة في المقابل، يقوم المشروع الإسرائيلي على منطق مختلف جذريًا. التوسّع الإسرائيلي توسّع أيديولوجي–تاريخي، حيث تشكّل الأرض جوهر المشروع الصهيوني، لا مجرّد وسيلة. من «أرض الميعاد» إلى عقيدة الحدود المتحرّكة، ظلت الجغرافيا عنصر الهوية والبقاء، لا مجرد مجال نفوذ. في هذا السياق، لا يمكن فصل التوسّع عن الرواية التأسيسية لإسرائيل، حيث تُقدَّم الأرض باعتبارها: • حقًا تاريخيًا، • وضمانة أمنية، • وشرطًا لوجود الدولة واستمرارها. لكن هذا المنطق، رغم رسوخه العقائدي، اصطدم بوقائع سياسية وديموغرافية وأمنية جعلت الاحتلال المباشر عبئًا أكثر منه مكسبًا. السيطرة البرّية الطويلة الأمد باتت مكلفة على أكثر من مستوى: • مقاومة دائمة تستنزف الجيش، • أعباء ديموغرافية تهدّد «يهودية الدولة»، • وضغط دولي متزايد يعمّق العزلة السياسية. من هنا، لم يتخلَّ المشروع الإسرائيلي عن التوسّع، بل أعاد تعريفه. ثالثًا: من الاحتلال إلى التحكّم… التوسّع بصيغته الجديدة في التحوّل الإسرائيلي الراهن، لم يعد التوسّع مرادفًا لضمّ الأرض أو إدارتها مباشرة. التوسّع اليوم يعني التحكّم بالأرض من دون احتلالها. أي إبقاؤها ضمن مجال السيطرة، لا ضمن حدود الدولة. هنا تبرز السيطرة الجوية والتفوّق التكنولوجي كأداة التوسّع الحديثة. فالسماء باتت البديل عن الأرض، والتكنولوجيا صارت بديلاً عن الإدارة المدنية والعسكرية المباشرة. هذا النموذج يقوم على عناصر واضحة: • سماء مفتوحة بلا ردع فعلي، • تفوّق استخباري وتقني يسمح بالمراقبة الدائمة، • قدرة على الضرب متى شاءت ومن حيث تشاء، • فرض معادلة سيادية منقوصة على الخصوم. في هذا النموذج، قد لا تكون الأرض محتلة رسميًا، لكنها عمليًا فاقدة للسيادة الكاملة. القرار الأمني، وحدود الحركة، وحتى الاستقرار اليومي، يبقى مرهونًا بإرادة القوة المسيطرة جوًا. رابعًا: وحدة الأدوات… لا وحدة المشروع هنا يلتقي المنطقان الأميركي والإسرائيلي مرحليًا، لا لأن المشروعين واحد، بل لأن أدوات السيطرة الحديثة باتت مشتركة. فالولايات المتحدة، التي تُدير توسّعها عبر الاقتصاد والأسواق، تجد في هذا النموذج الإسرائيلي وسيلة لضبط الإقليم من دون تورّط مباشر. واشنطن لا تمانع تفوّقًا جويًا إسرائيليًا طالما أنه: • يمنع الانفجار الإقليمي الكبير، • يضبط الخصوم عند حدود معينة، • ولا يجرّ الولايات المتحدة إلى حرب شاملة. في المقابل، تستفيد إسرائيل من هذا الغطاء الأميركي لتكريس نموذج السيطرة عن بُعد، حيث تحافظ على قدرتها الردعية من دون تحمّل أعباء الاحتلال المباشر. لكن هذا الالتقاء يبقى التقاء مصالح لا اندماج مشاريع. فحين تتعارض الحسابات الاقتصادية الأميركية مع الاندفاعات الأيديولوجية الإسرائيلية، تظهر التباينات بوضوح، كما في حدود الحرب، وتوقيت التصعيد، وإدارة الأزمات الكبرى. خامسًا: لبنان نموذجًا… السيادة تحت سقف السماء يظهر هذا التحوّل بأوضح صوره في الحالة اللبنانية. لبنان اليوم ليس دولة محتلة بالمعنى الكلاسيكي، لكنه أيضًا ليس دولة ذات سيادة مكتملة. فالانتهاك اليومي للأجواء، والقدرة الإسرائيلية على العمل الجوي والاستخباري من دون عوائق حقيقية، يضع البلد في قلب نموذج التوسّع الجديد. هنا لا حاجة لاحتلال الأرض: • السماء كافية، • والتكنولوجيا كافية، • ومعادلة الردع المختلّة كافية لفرض وقائع سياسية وأمنية. هذا هو التوسّع في صيغته المعاصرة: لا دبابات على الحدود، بل سيطرة فوقها؛ لا أعلام مرفوعة، بل قرار سيادي معلّق. السيطرة بأقل كلفة… أخطر أشكال التوسّع في النهاية، لا يمكن فهم التحولات الإقليمية من دون إدراك أن التوسّع لم يعد ما كان عليه. الأرض لم تعد شرط السيطرة، والاحتلال لم يعد الشكل الوحيد للهيمنة. نحن أمام مرحلة تُدار فيها الصراعات بأدوات أقل صخبًا، لكنها أكثر عمقًا وتأثيرًا. الولايات المتحدة تُدير توسّعها عبر الاقتصاد والتجارة، وإسرائيل تُدير توسّعها عبر الجو والتكنولوجيا، لكن الهدف المشترك واحد: السيطرة بأقل كلفة وأكبر نفوذ. وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة، لأن هذا النوع من التوسّع أقل وضوحًا، أصعب مواجهة، وأكثر قدرة على الاستمرار… من دون أن يُسمّى باسمه الحقيقي.

المشهد اليمني يبرز تصاعد التوتر بين حلفاء الخليج

اليمن، الذي دمرته ما يقرب من عقد من الحرب الأهلية بين الحكومة المعترف بها دولياً والمتمردين الحوثيين المدعومين من إيران، يواجه الآن خط صدع جديد. لقد أدت المواجهة مع الانفصاليين الجنوبيين إلى قلب توازن الصراع ووضع حليفين إقليميين قديمين ضد بعضهما البعض: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. تصاعدت التوترات في أوائل ديسمبر، عندما سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو حركة انفصالية مدعومة من الإمارات العربية المتحدة ولكنها عضو رسمي في التحالف المناهض للحوثيين، على مناطق واسعة في شرق اليمن، مؤكداً سيطرته على محافظة حضرموت بالإضافة إلى جزء كبير من محافظة المهرة المجاورة. يوم الثلاثاء، شنت المملكة العربية السعودية غارة جوية استهدفت ميناء المكلا، شرق البلاد. اتهمت الرياض علناً أبوظبي بتبني سلوك «خطير للغاية» من خلال دعم الانفصاليين، مذكرة بأن أمنها القومي يشكل «خطاً أحمر». ثم انسحبت القوات الإماراتية من اليمن بعد إنذار سعودي. يريد المجلس الانتقالي الجنوبي إعادة تأسيس دولة مستقلة في جنوب اليمن، وهي المنطقة التي شكلت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بين عامي 1967 و1990، قبل توحيدها مع الشمال. تتركز معظم حقول النفط اليمنية في حضرموت، وهي أكبر محافظة في البلاد، وتغطي ما يقرب من ثلث الأراضي الوطنية، وتعتبر مورداً رئيسياً للمالية العامة. لقد سمح تقدم المجلس الانتقالي الجنوبي للحركة بالوصول إلى الحدود السعودية، في منطقة ذات أهمية تاريخية ورمزية، حيث تنحدر منها العديد من العائلات السعودية الكبيرة والمؤثرة. آل بن لادن، وبخشب، والجفالي، والعمودي، والزامل، جميعهم من أصول «حضرمية» ولديهم شركات تحمل أسماءهم تلعب دوراً رئيسياً في الاقتصاد السعودي. مركبات عسكرية متضررة أُرسلت من قبل الإمارات العربية المتحدة لدعم القوات الانفصالية للمجلس الانتقالي الجنوبي، عقب غارة جوية نفذها التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية في ميناء المكلا، جنوب اليمن، بتاريخ 30 ديسمبر 2025. (الصورة: أ ف ب) بينما تقول الرياض إنها تفضل يمناً مستقراً وغير معادٍ على حدودها الجنوبية، فإن أبوظبي تدرج عملها ضمن استراتيجية إقليمية أوسع. تسعى الإمارات العربية المتحدة إلى تعزيز نفوذها في البحر الأحمر وفي القرن الأفريقي، بالاعتماد على شبكة من الحلفاء في جنوب اليمن. علاوة على ذلك، تتبع أبوظبي، منذ حوالي عشر سنوات، سياسة خارجية نشطة في الشرق الأوسط وأفريقيا، لا سيما لمواجهة الحركات المرتبطة بالإخوان المسلمين، التي تعتبرها السلطات الإماراتية تهديداً للاستقرار الإقليمي. أصبحت الإمارات العربية المتحدة، على وجه الخصوص، الداعم المالي الرئيسي لمصر منذ الإطاحة بالرئيس الإسلامي محمد مرسي عام 2013. وفي السودان، يعد دعمها لقوات الدعم السريع، المنخرطة في حرب ضد الجيش النظامي، سراً مكشوفاً. وفي ليبيا، تدعم أبوظبي المشير خليفة حفتر، المعارض لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً. في عام 2020، طبعت الإمارات العربية المتحدة علاقاتها مع إسرائيل في إطار اتفاقيات أبراهام، وهي مبادرة ترفض المملكة العربية السعودية الانضمام إليها ما دامت لا توجد آفاق لإنشاء دولة فلسطينية. يندرج هذا التطبيع ضمن تقارب استراتيجي في مواجهة خصوم مشتركين، لا سيما إيران وبعض الجماعات الإسلامية. علاوة على ذلك، عززت أبوظبي روابطها الاقتصادية والأمنية مع أرض الصومال، وهي منطقة أعلنت نفسها مستقلة عن الصومال. استثمرت مجموعة موانئ دبي العالمية 442 مليون دولار في ميناء بربرة، الواقع على خليج عدن. وفي الأسبوع الماضي، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف رسمياً باستقلال أرض الصومال، وهو قرار ينسبه موقع أكسيوس، نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين، إلى وساطة من الإمارات العربية المتحدة...

“منطقة ترامب الاقتصادية”: حلم السلام وهاجس المؤامرة

أثار اقتراح إنشاء منطقة اقتصادية في جنوب لبنان، الذي طرحه المبعوث الأمريكي توم باراك لأول مرة في أغسطس/آب 2025، صدمةً في البلاد. وتقوم فكرة مشروع "المنطقة الاقتصادية لترامب" على افتراض أن هذه المنطقة ستجذب الاستثمارات الأجنبية، وتموّل إعادة الإعمار، وبالتالي تضمن أمنًا مستدامًا. إلا أن أصواتًا عديدة حذرت من خطر تقويض سيادة الدولة اللبنانية من خلال إنشاء "محمية" إسرائيلية أمريكية في المنطقة الحدودية. ويُعدّ مشروع "المنطقة الاقتصادية لترامب" جزءًا من نهج تبنّاه الرئيس الأمريكي الحالي لحلّ النزاعات عبر التنمية الاقتصادية والتجارة. ويُعتبر هذا النهج أحد أركان الفكر الليبرالي في العلاقات الدولية. إذ تقوم نظرية "التجارة الناعمة" على فكرة أن التبادلات الاقتصادية بين الدول تُشكّل عاملًا أساسيًا للاستقرار السياسي والسلام. ومن خلال بناء علاقات تجارية متينة، تصبح الدول مترابطة، مما يقلل من دوافع اللجوء إلى الحرب. انتشرت هذه النظرية في القرن الثامن عشر على يد مونتسكيو، الذي كتب: "التجارة تُليّن وتُهذّب العادات الوحشية"، مؤكدًا أن التبادلات الاقتصادية تُحوّل ديناميكيات القوة إلى علاقات تعاونية. وقد طرح ترامب هذه الفكرة لغزة، من خلال "ريفييرا ترامب"، وكذلك لأوكرانيا، عبر تحويل دونباس إلى منطقة تجارة حرة تُفيد الروس والأوكرانيين على حد سواء. المنطق الشرطي بحسب فيليب سميث، الخبير الأمريكي في شؤون الشرق الأوسط الذي عمل في معهد واشنطن والمجلس الأطلسي، فإن المنطقة الاقتصادية تتجاوز الإطار السياسي البحت، وتستند إلى منطق شرطي واضح. ويؤكد سميث أن تطبيقها يتطلب مستوى عالٍ من التنظيم والتخطيط والتنسيق على أرض الواقع، وهي شروط أساسية لتخفيف المخاطر وجذب مستثمرين موثوقين. ويرى سميث أن هذا الشرط عاملٌ يدل على الجدية والجدوى، وليس عائقًا أمام التنمية. أشار باراك في أغسطس/آب 2025 إلى استعداد السعودية وقطر لاستثمار مليارات الدولارات في المنطقة الاقتصادية، وهو تصريح لم يُعلّق عليه المعنيون. الأمر المؤكد هو أن هذه الاستثمارات مشروطة بضمانات أمنية محددة، أبرزها نزع سلاح حزب الله. بل إن بعض المصادر تُشير إلى استثمارات محتملة تصل إلى 10 مليارات دولار في البنية التحتية والمناطق الصناعية ومشاريع خلق فرص العمل. إلا أن هذه المبالغ لا تزال بحاجة إلى تأكيد من خلال التزامات رسمية. ووفقًا لسميث، لا توجد أرقام محددة حتى الآن. وتُظهر هذه المؤشرات اهتمامًا حقيقيًا بدعم التنمية الاقتصادية لجنوب لبنان وتوفير فرص عمل للسكان المحليين. الخروج عن منطق المساعدات المؤقتة يُمكن لجنوب لبنان، بقاعدته الاقتصادية الرسمية المحدودة، أن يستفيد من آثار مضاعفة كبيرة: خلق فرص عمل، وتطوير البنية التحتية، وزيادة التجارة، وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية. وبالتالي، يُمكن للمنطقة الاقتصادية أن تُطلق ديناميكية إعادة إعمار مستدامة، وأن تُعيد تدريجيًا الثقة الاقتصادية إلى هذه المنطقة الهشة، كما يقول سميث. يهدف هذا المشروع إلى تحويل منطقة عانت طويلاً من الصراع المسلح إلى فضاء منظم قادر على جذب رؤوس الأموال الإقليمية والدولية. وتسعى هذه المبادرة إلى تجاوز منطق المساعدات المؤقتة لصالح إعادة الإعمار القائمة على استثمارات طويلة الأجل. ويتمثل هدف هذه المنطقة في دمج جنوب لبنان بشكل أفضل في الديناميكيات الاقتصادية الإقليمية، والحد من تأثير الاعتبارات السياسية التي هيمنت لفترة طويلة على الأجندة المحلية. بالنسبة للبنان، فإن الرهان واضح: إما اغتنام هذه الفرصة للقيام بإعادة إعمار منظمة ومستدامة، أو السماح للعقبات الداخلية، التي تفاقمت بسبب معارضة حزب الله، بحرمان جنوب البلاد من آفاق تنموية من شأنها أن تعيد تشكيل مستقبله الاقتصادي والأمني. حالة من الفقر المدقع يضفي عمق الأزمة اللبنانية أهمية خاصة على هذا المشروع. فمنذ عام 2019، انكمش الناتج المحلي الإجمالي للبنان بنحو 40%، وفقًا للبنك الدولي. ويتفاقم هذا التراجع بسبب انخفاض قيمة الليرة اللبنانية بأكثر من 98% مقابل الدولار، مما أدى إلى تضخم مفرط وفقدان هائل للقوة الشرائية. في عام 2022، كان 44% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، أي ما يقارب 2.6 مليون شخص من أصل 5.8 مليون نسمة تقريباً. وقُدِّر معدل البطالة الإجمالي بنسبة 11.5%، ولكنه تجاوز 23.6% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، أثر بشكل خاص على جنوب البلاد. أدى تراكم الخسائر المالية، وتدمير البنية التحتية، وانسحاب الاستثمارات العامة إلى آثار بالغة على المنطقة مما يُبرز الحاجة المُلحة إلى تنمية اقتصادية هيكلية. اختبار سياسي بحسب سميث، يُمكن لمعارضة حزب الله أن تُعرقل تنفيذ المشروع. ويؤثر هذا المأزق بشكل مباشر على جاذبية المنطقة الاقتصادية من خلال زيادة تكلفة المخاطر بالنسبة للمستثمرين المحتملين. وتهدف المنطقة إلى تغيير هذه المعادلة من خلال إدخال مصالح اقتصادية ملموسة قادرة على تحويل الاستقرار إلى منفعة مشتركة بدلاً من كونه قيدًا مفروضًا من الخارج. ويُعدّ غياب تفويض لبناني واضح المعالم نقطة ضعف هيكلية، كما أنه يعكس محدودية قدرات الدولة. ويشير سميث إلى أن المشروع يُمثل اختبارًا سياسيًا للسلطات اللبنانية. ومن شأن مشاركة الدولة بشكل أكثر فاعلية أن تُحوّل هذه المبادرة الخارجية إلى مشروع وطني، وتُعزز الحوكمة الاقتصادية، وتُعيد تأكيد السلطة المؤسسية في منطقة تُهيمن عليها إلى حد كبير ديناميكيات قوى متوازية. لذا، تبقى معارضة حزب الله العقبة الرئيسية. فوجودها المسلح ونفوذها السياسي يُصعّبان تأمين المنطقة ويُثنيان الاستثمار الأجنبي. إن الشرط الذي وضعه مستثمرو الخليج - وهو تقليص النفوذ العسكري لحزب الله - يُبرز مدى اعتماد نجاح المشروع على ميزان القوى المحلي المتغير، وعلى استعداد الميليشيا الموالية لإيران للتكيف مع ديناميكية اقتصادية قد تُضعف نفوذها في جنوب البلاد. مخاوف على الجانب الآخر من الحدود، ستستفيد إسرائيل من إنشاء هذه المنطقة. فمن خلال تحويل المنطقة الحدودية إلى مركز اقتصادي، يُمكن للمشروع أن يُخفف التوترات ويُقلل الوجود العسكري لحزب الله، ويُتيح فرصًا للتعاون غير المباشر. ورغم أن لجنة آلية مراقبة وقف إطلاق النار لم تُدرس المشروع بعمق بعد، إلا أن هذه المشاورات الأولية تُشير إلى أن النهج الاقتصادي قد يفتح قنوات حوار جديدة بين بيروت وتل أبيب. وتُشير عدة أصوات مُنتقدة إلى نية إسرائيل المزعومة إنشاء منطقة عازلة أمنية منزوعة السلاح والسكان، على غرار تلك التي يُقال إنها تسعى إلى تطبيقها على طول حدودها السورية والفلسطينية. وتُشير تقارير غير مؤكدة إلى إنشاء محيطات أمنية واسعة. على الجانب الآخر من الحدود، من المتوقع أن تستفيد إسرائيل من إنشاء هذه المنطقة. في لبنان، تُؤجّج هذه التوقعات المخاوف من تحوّل ديموغرافي غير مباشر، يتمّ بموجبه تهجير السكان المحليين تدريجياً لإفساح المجال أمام نشاط اقتصادي خاضع لسيطرة خارجية. ووفقاً للمصادر نفسها، يكمن القلق الرئيسي في خطر أن تُرسّخ هذه الآلية تهجيراً قسرياً دائماً، لا سيما وأنّ النزوح مستمر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، في ظلّ غياب أيّ استراتيجية واضحة المعالم لعودة النازحين وإعادة إعمار القرى المدمّرة. في الوقت الراهن، لا تزال خطة ترامب مجرّد إعلان - رسميّ بالتأكيد، لكنّه غامض ومؤقت. وتعكس الأهمية التي تُعطى لتصريحات باراك الضائقة الاقتصادية التي تُعاني منها البلاد، وفي الوقت نفسه، تُثير التوقّع التقليدي لدى اللبنانيين للحصول على مساعدات من الخارج.

الحريات: روح الجمهورية
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

يمكن أكتر مفهوم مستهلك بلبنان هو الحرّيّة، بس مع هيك هي لا رفاهيّة ولا شعار. هي شرط وجودنا نفسه؛ هالنَفَس الخفيف اللي خلّى هالبلد الغريب يضل واقف بين البحر والجبل، بين لغات وطقوس وذكريات وجروح. من دونها، ما بيبقى غير أرض مكسّرة، قبائل مسلّحة. ومعها، بصير لبنان مساحة—هشّة، مليانة صراعات، بس حيّة—بعدها بتحاول تجمع عوالم، بمحلّات تانية بالعالم، ما عادوا يشوفوا بعض. بس هالحرّيّة اليوم بخطر. من كل الجهات. من جهة، مهدَّدة من “أقليّات” حقيقيّة أو معلَنة عن حالها، باسم اعتراف مشروع، بتنجرّ لإنكار الآخر بالكامل: ثقافة الإلغاء، ملاحقة الكلمات، الأعمال، والاختلاف. التحرّر بيتحوّل لمحكمة دايمة، النقاش لمحاكم تفتيش، والنقد لتهمة تجديف. ومن الجهة التانية، الحرّيّة محاصَرة بالشعبيّات المتطرّفة، بالتعصّب، وبالقوميّات السلطويّة اللي أسماءها ترامب، بوتين، أوربان، وأشباههم المحلّيّين—رجال أقوياء من كرتون، بوعدوا بالنظام وبيزرعوا الخوف. مرض العصر مش بس صعود “الفاشيّات” وباقي الـ“إيزمات” المعجبة بحالها، ولا بس “انحلال الأخلاق”. المرض الحقيقي هو الدوغمائيّة بكل أشكالها. هو ادّعاء كل فريق إنّه يمثّل الحقيقة المطلقة، وإنّه يملك الوسط، وبيطلع برّا الإنسانيّة السياسيّة كل شي ما بيشبهه. هون، باسم الله، في قمع ومنع وتهديد. وهونيك، باسم التقدّم، في محو وإقصاء و”دي-بلاتفورمينغ”، وفي اختزال حياة كاملة بزَلّة كلمة. بالحالتين، الفعل واحد: تسكير المساحة المشتركة، طرد الشكّ، ومنع الخلاف الخلّاق. تقليد غيراردي بأبهى—وبأحطّ—صوره. لبنان مش محصَّن ضد هالوباء. بالعكس، هو مختبر إلو. عرفنا المكتب التاني، الميليشيات، الاحتلال الإسرائيلي والسوري، ظلّ إيران، الوصايات الظاهرة والمخبّاية. منعرف منيح ردّات الفعل الأمنيّة، الاستدعاءات على بوست، نكتة، أو رأي. منعرف شو يعني محكمة عسكريّة بتحاكم مدنيّين، وأجهزة بتفتّش بيت أستاذ متل ما بتفتّش بيت مجرم، ورقابة بتقرّر عن الكل شو مسموح ينشاف وينقرا وينسمع. ومع هيك، ولا واحد من هالأنظمة البوليسيّة—ولا حتى الوصاية السوريّة-الإيرانيّة بكل تشعّباتها—قدر يتجذّر كليًّا. لأنّ هالبلد، بتكوينه نفسه، بيقاوم الطغيان. ممكن يتحمّله، يتكيّف معه فترة، يسايرُه من تعب أو خوف، بس بالنهاية دايمًا بيشقّه، بيلفّ عليه، أو بيسخر منه. تنوّع لبنان الديني والثقافي والاجتماعي ما بينحبس بالكامل بجهاز واحد للسيطرة. هاي نقمتنا… وفرصتنا. عكس الخيال اللي دايمًا بيرجع بالخطاب الشعبي—“بدنا أتاتورك أو عبد الناصر ليَفرضوا العلمانيّة”، “بن سلمان ليحارب الفساد”، “أسد ليسحق الإسلام السياسي”، “شرع ليهذّب الأقليّات”، “بشير ليستعيد المسيحيّين”، “جنرال ليضبط الكل”—لبنان ما رح ينقذه رجل قوي. التجارب علّمتنا شو بيعملوا “الرؤساء الأقوياء” والزعماء الكاريزميّين: تعليق الدستور، إلغاء المحاسبة، عبادة الشخص، وبعدين انهيار كامل—أخلاقي، مؤسّساتي، وعمراني. مشكلة لبنان مش نقص قادة. مشكلته نقص مواطنين. لفترة طويلة، خلطنا بين الشرعيّة السياسيّة وعبادة الزعيم والطائفة والراية. وبحسب تعبير فيبر، بقينا عالقين بين شرعيّة تقليديّة للقبائل والجماعات، وشرعيّة كاريزميّة لـ“المنقذين”—أنصاف قدّيسين، جنرالات، أو أمراء حرب. وما كمّلنا الانتقال للشرعيّة الوحيدة اللي بتحرّر: الشرعيّة العقلانيّة-القانونيّة، شرعيّة الدولة والقانون والمؤسّسات والمسؤوليّة المشتركة. الحرّيّة مش إضافة أخلاقيّة بتجي بعد ما “يرجع النظام”. هي نقطة البداية. هي وجوديّة: بتكوّن الإنسان قبل أي انتماء. هيدا اللي قاله سبينوزا برغبة الكائن بالاستمرار بوجوده؛ واللي أكّده ميشال شيحا لما جعل الشخص والملكيّة ركائز لبنان المنفتح على العالم؛ واللي ذكّره البابا بنديكتوس السادس عشر بعبدا لما قال إنّ كرامة الإنسان بتفترض خيارات حرّة “مش تحت ضغط إكراه خارجي صرف”. وهيدا اللي ردّده لآخر نفس محمد مهدي شمس الدين، سمير قصير، جبران تويني، غسان تويني، هاني فحص، سمير فرنجية، نصرالله صفير، حسن رفاعي، وغيرهم كُثُر. من دون هالحرّيّة الأولى، ما في مواطَنة ولا مسؤوليّة ولا عدالة—بس غرائز قطيع، جموع بدائيّة، كلاب وذئاب. لهيك، الرقابة بلبنان أكتر من تجاوز: هي خيانة لرسالتنا. كل مرّة مجموعة بتفرض فيتو على حفلة أو فيلم أو مسرحيّة أو مقال؛ كل مرّة كنيسة أو حزب أو ميليشيا بتهدّد بالشارع لتركّع الدولة؛ كل مرّة جهاز أمني بيستدعي مواطن على كلمة أو رسمة أو سخرية—بينبتر جزء من الروح اللبنانيّة. عم نربّي على الخوف، ننتج رقابة ذاتيّة، ونحضّر للعنف. شوي شوي، عم ندمّر إمكانيّة نصير شعب مواطنين. عم نقتل روح هالبلد، فرادته الأساسيّة. الخيار قدّامنا، بعد قرن على ولادة لبنان الكبير، واضح وقاسي: يا منكمّل نحلم بليفياثان يحلّ خلافاتنا على حساب حرّيّاتنا؛ يا منقبل أخيرًا مخاطرة الديموقراطيّة. هالمخاطرة مش فوضى. هي تعلّم صعب للتعدديّة، لفصل السلطات، لمراقبة الأجهزة الأمنيّة، ولحطّ حدود لكل مقدّس—ديني أو هويّاتي—بس يحاول يصير رقيب. هي احترام الدستور وقواعد الـ jus cogens اللي بتأطّره. مرّة جديدة، لبنان ما بحاجة لطاغية مستنير جديد. بحاجة لرجال ونساء دولة بيحترقوا بخدمتهم مش ليستغلّوها؛ لقضاة بيحموا الحرّيّة كقاعدة مش كاستثناء مسموح؛ لجيش بيشوف حاله آخر خط دفاع عن الدستور، مش ذراع نظام أو عشيرة. وقبل كل شي، بحاجة لمواطنين محرَّرين من العبوديّة الطوعيّة، رافضين يسلّموا تفكيرهم لزعيم أو طائفة أو قوّة خارجيّة. هيدا بيتطلّب نتخطّى خوفنا من الآخر، ونثق فيه لنصنع سوا مستقبل مشترك قائم على ثقافة الرابط. الذاكرة والماضي مهمّين، بس ما فيهن يضلّوا جامدين؛ دورهم يتطوّر، مش يرجع لورا. بعالم عم تعلى فيه الجدران، وعم تحبسنا الخوارزميّات بقفص ذهني، وعم تتغذّى فيه التطرّفات من بعض لحدّ ما تطحن المعتدلين، لبنان بعده قادر يقدّم شي غير الخراب. قادر يرجع يكون اللي كان لازم يضلّه: مساحة لتجريب الحرّيّة، مختبر للعيش المشترك، ورهان خطِر على قدرة البشر يمدّوا إيدهم لبعض من دون ما يتنازلوا عن ذاتهم. هيدا مش يوتوبيا، بل فعل يومي من إرادة وحياة. بس هالرهان ما بينربح بالتعاويذ. بده قرارات واضحة: إلغاء الرقابة المسبقة؛ سحب أي صلاحيّة للمحاكم العسكريّة بمحاكمة المدنيّين؛ إخضاع الأجهزة الأمنيّة لرقابة مدنيّة حقيقيّة؛ تعليم التعدديّة والشكّ والمسؤوليّة من المدرسة؛ حماية حرّيّة التعبير لحدّ الفضيحة—خصوصًا لما تهزّ قناعاتنا الدينيّة أو السياسيّة أو الأخلاقيّة. قتل العبوديّة الداخليّة وعبادة الزعيم. ما في حدا كامل. ولا حدا فوق النقد. الكلّ معرّض للخطأ، من الجبّة للبدلة العسكريّة. الحرّيّة مش نزوة مثقّفين. هي آخر حدودنا قبل الفوضى. إذا لبنان تخلّى عن فرادته—هالمزيج المستحيل بين التعدديّة والحرّيّة—ما رح يبقى عنده شي يواجه فيه الإمبراطوريات اللي محيطته، ولا العقائد اللي ساكنته. بصير مجرّد قطعة إضافيّة على خريطة السيطرة، محبوس بالماضي متل بعوض محجور بالكهرمان من العصر الجوراسي، أو سكّان متجمّدين بحمم بومبي. بقايا زمن مضى، ميّتين بس بعد ملموسين، قبل ما يحملهم الغبار. إنّو نرجّع نأخذ الحرّيّة بجدّ، يعني نرجّع الروح للجمهوريّة—ويمكن نرجّع فرصة لتاريخنا المشترك. وهون، بالضبط، خلاصنا… فداءنا الحقيقي.

جبهة إسرائيلية-يونانية-قبرصية في مواجهة النفوذ التركي

يمثل توقيع خطة تعاون عسكري ثلاثي بين إسرائيل واليونان وقبرص لعام 2026 خطوة مهمة في تعزيز محور أمني في شرق البحر الأبيض المتوسط. رسميًا، ينص الاتفاق، الذي كشف عنه الجيش الإسرائيلي الأحد الماضي، على تعزيز التدريبات المشتركة والتدريب المتبادل والحوار العسكري الاستراتيجي. لكن أبعد من غلافه التقني، يندرج الاتفاق في منطق أوسع للردع الجماعي، في سياق تصاعد قوة تركيا على الصعيد العسكري والدبلوماسي والبحري، لا سيما حول المناطق الاقتصادية الخالصة ومسارات الطاقة والمجالات الجوية المتنازع عليها. يوضح المشروع، الذي تم التحدث عنه منذ عدة أشهر، لإنشاء قوة رد فعل سريع - غير دائمة ولكن يمكن حشدها بسرعة براً وبحراً وجواً - تطوراً عقائدياً رئيسياً. لم يعد الأمر يتعلق فقط بالتعاون العرضي أو الثنائي، بل ببناء تدريجي لقدرة عملياتية متعددة الجنسيات موثوقة. في منطقة تتسم بالحرب في غزة، وعدم الاستقرار السوري، والتوترات المستمرة في لبنان، والتنافس حول موارد الغاز، يهدف هذا النهج إلى منع الأزمات بقدر ما يهدف إلى الاستجابة لها. التفوق الجوي الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، ساهمت الإجراءات التركية في تعزيز شعور أثينا ونيقوسيا وتل أبيب بالتهديد المشترك: الانتهاكات المتكررة للمجال الجوي في بحر إيجه، والمناورات البحرية في البحر الأبيض المتوسط، والنشاط في ليبيا، والرغبة في ترسيخ نفوذها بشكل دائم في سوريا، كلها أقنعت هذه العواصم بأن أنقرة تختبر الحدود الإقليمية. بالنسبة لإسرائيل، يكمن الخوف في أن يؤدي تزايد النفوذ التركي في نهاية المطاف إلى تقييد حرية مناوراتها، لا سيما في المجالين الجويين اللبناني والسوري. تندرج هذه الديناميكية الثلاثية في إطار إقليمي أوسع، حيث تتشابك الأمن الطاقوي وحرية الملاحة والانتشار العسكري الآن بشكل وثيق. كما تعكس اتجاهًا هيكليًا: إضفاء الطابع الإقليمي على الأمن، مع تزايد انتقائية الالتزام المباشر للقوى الغربية الكبرى. في الوقت نفسه، تضاعف تركيا مبادراتها لتعزيز نفوذها. تشارك أنقرة في القوة متعددة الجنسيات المنتشرة في قطاع غزة وتجري محادثات مع الحكومتين الليبيتين المتنافستين بهدف التفاوض على اتفاق بحري جديد. قد يعزز مثل هذا النهج موقعها المهيمن في الفضاء البحري للبحر الأبيض المتوسط المركزي والشرقي، على حساب جيرانها. الشراكة بين إسرائيل واليونان وقبرص ليست وليدة اليوم. لقد تطور هذا التعاون العسكري بشكل مستمر منذ وصول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السلطة في عام 2003. منذ إغلاق المجال الجوي التركي أمام الطائرات الإسرائيلية، وجد طيارو القوات الجوية الإسرائيلية في اليونان ساحة تدريب واسعة. تكثفت التدريبات المشتركة، وتعمق التعاون الاستخباراتي، وفي أوائل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، تم ترسيخ هذه العلاقة من خلال اتفاقيات دفاع طويلة الأمد وعقود تسليح مهمة. في هذا السياق، تشهد الانتقادات التي وجهها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضد القمة الثلاثية الإسرائيلية اليونانية القبرصية على مركزية هذا التشكيل الاستراتيجي الجديد. فبينما أكد الرئيس التركي دعم أنقرة لغزة، أدان أي مساس بـ «حقوق» تركيا في البحر الأبيض المتوسط.

دول الخليج: بحثاً عن قوة نوعية خاصة (٣/٣)
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر

صعدت دول الخليج وأثرت، بالتأكيد، بفضل استغلال مواردها، لكنها قامت، على مراحل سريعة الإنجاز، بتحول سيبراني حقيقي يشبه ثورة بالمعنى الحرفي. لقد تم الوصول إلى عصر القوة الناعمة الذي انخرطت فيه بفضل إعادة التوجيه والملاحظات والتحولات والتكيفات التي بفضلها أصبحت قوة إقليمية. وقد وسعت لاحقًا قدراتها وطورت مجال عملها متعدد الخدمات، مما منحها مكانة عالمية المستوى. لكن هذه الدول لم ترغب في التوقف عند هذا الحد. إن الديناميكية التي مكنتها من تحقيق الأهداف المرجوة لم تتوقف عند هذه المرحلة. إن الإرادة والطاقة التي ميزت كل هذه التحولات الوجودية دفعتها إلى اللحاق بالركب الذي يشكل عالمًا جديدًا، عالم الشبكات والبيانات ومعالجتها وإدارتها: عالم التدفقات والاتصال، وكذلك عالم الفضاء. لقد أصبحت جهات فاعلة مهمة في المخطط الجديد للعولمة؛ وهي في مرحلة «القوة الذكية». تُعتبر الولايات المتحدة حامية على المستويين العسكري والاستراتيجي. أما بالنسبة للباقي: التحدث مع الجميع والتدخل حيث تُرى مصالحهم. العمل في المجالات التي ستزيد من ثروتهم، وتحافظ على مكانتهم، من أجل تطوير وتوطيد مواقعهم. ولهذا السبب أرادت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة الانضمام إلى مجموعة البريكس+؛ وقد قدمت الكويت والبحرين طلبيهما. هل دول الخليج المعنية قوية؟ هل هي كلها قوية معًا؟ هل هي قوية بشكل مستقل عن بعضها البعض؟ طريقة أخرى لطرح السؤال: هل تملك وسائل القوة؟ من الواضح أن قوتها نسبية وانتقائية. بالإشارة إلى تعريف ريمون آرون الموجز، ولكن القائم على أسس، فإن دول الخليج بعيدة عن أن تكون قوية. ولكنها مجتمعة، وكل منها تؤدي دورها جزئيًا وفرديًا، تؤكد نفسها كمركز عصبي لا غنى عنه في العديد من المشاكل الإقليمية والعالمية. حكمتها في العديد من الملفات الصعبة الحل، ومعرفتها كوسطاء، ومواقفها السياسية والاستراتيجية المؤكدة والواضحة جدًا في كثير من الأحيان، تضعها فوق بعض البلدان التي سيكون من العبث، والوهم، الشروع في مفاوضات معها. الاقتصاد، المالية، الدبلوماسية، الاستماع، المواقف داخل وخارج المنطقة، الانضمام إلى البريكس+، التسلح الحديث والجيد المخصص لدفاعهم، التنمية الصناعية البحرية والموانئ، التجارة، السياحة، الفعاليات العالمية الرياضية، الثقافية، الفنية: قائمة مزاياهم طويلة. إنها تشكل دليلاً على تعدد أصولهم، مما يمنحهم مكانة دولية. قوتهم ليست تلك التي يمكن أن يتوقعها المرء من الدول الكبرى، لكنها في طريقها للتحقق. كان الانتقال من القوة الصلبة إلى القوة الناعمة تطورًا. أما الانتقال إلى القوة الذكية فهو ثورة لا يزال أحد غير قادر على تحديد مداها ومن سيكون الفائزون. دعونا نأخذ دول الخليج هذه في الاعتبار. إن قوتها هي أهميتها في جميع مجالات التميز هذه. إرادتها هي التواجد حيث يعتمد العالم عليها بالفعل، وحيث تعتقد أن مكانها يجب أن يكون. ملاحظة: لقد دفعت أهمية هذا الموضوع منظمي النسخة الرابعة ة من اللقاءات الاستراتيجية للبحر الأبيض المتوسط (RSMed 2025)، وهو مؤتمر يُعقد في تولون (فرنسا) سنويًا منذ عام 2022 من قبل مؤسسة البحر الأبيض المتوسط للدراسات الاستراتيجية (FMES)، إلى تخصيص طاولة مستديرة له في برنامج أيام 8 و 9 أكتوبر 2025. اقرأ في نفس الموضوع: دول الخليج، من النفط إلى القوة (1/3) دول الخليج، من الإقليمية إلى الدولية (2/3)