شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
مقاومة السلطة
بقلم
نديم تابت
نُشر

السينما ، العمارة، والسلطة شاهدتُ The Brutalist منذ بعض الوقت، لكن موسم تصنيفات أفضل أفلام السنة أعاده إلى ذاكرتي. فقد ورد الفيلم في عدة قوائم، رغم كونه إنتاج عام 2024، إلا أن إطلاقه الدولي تم في عام 2025. وبمحض المصادفة، يعود هذا الفيلم إلى الواجهة في لحظة مناسبة من حياتي، إذ يتزامن مع مرحلة تتجلى فيها فكرة السلطة بكل أشكالها: في انحرافاتها الأخلاقية، كما في قضية إبستين؛ في غرورها، كما في اعتقال مادورو؛ في عنفها، كما في قمع المتظاهرين في إيران؛ وكذلك في أشكالها الجديدة. وأفكر هنا خصوصًا في الأهمية المتزايدة للسيطرة على الفضاء الرقمي، وهو ما تجسد مؤخرًا في سعي إسرائيل للاستثمار في ChatGPT من أجل توجيه إجاباته بما يخدم مصالحها. وإذا كنت أصف هذا التوقيت بالمناسب، فلأن The Brutalist يتناول مسألة السلطة، كما هو الحال غالبًا في الأفلام التي تتمحور حول المعماريين أو حول العمارة بحد ذاتها. وتشهد على ذلك عدة أفلام حديثة، مثل The Zone of Interest لجوناثان غلايزر، بجدار العزل الذي شُيّد لحجب رؤية الفظائع المرتكبة في معسكر أوشفيتز، أو Megalopolis لفرانسيس فورد كوبولا، بما يحمله من تشبيه بين الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية الأميركية. وحتى وإن لم تكن العمارة في صلب السرد، أفكر أيضًا في The Apprentice، الذي يعيد النظر في بدايات دونالد ترامب كمطوّر عقاري، مذكرًا إيانا بأن السلطة، في جوهرها، مسألة سيطرة على الفضاء. وبالطبع، هناك أدبيات واسعة حول هذا الموضوع، لكنني أفكر هنا خصوصًا في أعمال ميشال فوكو حول المجتمع الانضباطي. في هذه الأعمال، يستند فوكو إلى نموذج البانوبتيكون، وهو تصميم معماري سجني يتيح المراقبة الدائمة، لتحليل الكيفية التي تسعى بها السلطة، عبر تنظيم الفضاء، إلى ضبط السلوك دون الحاجة إلى الظهور المستمر. وبالعودة إلى دونالد ترامب، وأكثر من هذه الأفلام الحديثة، هناك فيلم يعمل كمرآة لـ The Brutalist، وهو The Fountainhead لكينغ فيدور، الصادر عام 1949 والمقتبس من رواية لآين راند، المرجعية الأبرز للفكر الليبرتاري. آين راند، التي كثر الحديث عنها في بداية الولاية الثانية لدونالد ترامب، خاصة مع إحاطته بشخصيات مثل إيلون ماسك، من المؤمنين بفلسفة تدعو إلى دولة حدّها الأدنى، بهدف إطلاق قوى الفردانية وما تسميه «الأنانية العقلانية». وإذا كان هذا الفيلم يعكس The Brutalist، فلأننا نجد في كلا العملين معماريًا مُحبط الطموحات، لكن بفعل شكلين متناقضين تمامًا من السلطة. سلطة المجتمع وقيد الدولة في The Fountainhead، حيث يرفض المعماري التضحية برؤيته إرضاءً لجماعة عاجزة عن فهم عبقريته. وسلطة «الأناني العقلاني» في The Brutalist، حيث نتابع معماريًا نجا من المحرقة، ليقوده الحلم الأميركي في النهاية إلى اغتصابه على يد الصناعي الثري الذي كلّفه ببناء مركز اجتماعي. ومن دون حسم أيّ السلطتين تبقى أقل سوءًا، ما يلفتني أساسًا هو الكيفية التي يتمكن بها لازلو توث، المعماري في The Brutalist، من مقاومة السلطة التي يخضع لها. الزمن كصيغة لمقاومة السلطة لهذا السبب بالذات، يبدو استحضار The Brutalist اليوم في مكانه. خصوصًا بالنسبة لي، كلبناني، وربما لغيري أيضًا، إذ إن أحد أنماط السلطة الجديدة، القائمة على التحكم بالفضاء الرقمي، يتمثل في تقسيم الأفراد بين من يُسمح لهم بممارسة حرية التعبير، ومن يصبح ذلك بالنسبة إليهم مخاطرة. هناك مثال إسرائيل وChatGPT، كما يمكن التفكير في دخول الأراضي الأميركية، حيث بات يُطلب الاطلاع على السجلات الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي. وهذه هي بالضبط صيغة المقاومة التي يتناولها The Brutalist: القدرة على سرد قصتك وصياغة رؤيتك للعالم رغم هذه القيود. في الفيلم، تتجسد هذه الفكرة في الطريقة التي يقوم بها لازلو توث بتحوير المهمة الموكلة إليه سرًا، من أجل الإبقاء على أثر من تاريخه الشخصي. فالمبنى الذي يشيده طوال الفيلم يتبين في النهاية أنه نسخة عن معسكر الاعتقال الذي سُجنت فيه عائلته. وأكثر من فوكو، الذي ينصب تحليله على بنية السلطة، تذكرني هذه الفكرة بأعمال ميشال دو سرتو. ففي كتابه L’Invention du quotidien ، يحلل دو سرتو كيف يمكن، في مواجهة «استراتيجيات» السلطة للسيطرة على المعرفة والفضاء، تطوير «تكتيكات» مقاومة. وهذه الفنون التكتيكية تشترك جميعها في ارتباطها بمفهوم الزمن. فبينما تعتمد السلطة على استراتيجيات للسيطرة على الفضاء الواقعي أو الرقمي، يمتلك صاحب التكتيك الزمن، بما يسمح له بالإفلات من رادارات السلطة ومن «الانضباط» الذي تسعى إلى فرضه. وإذا كان المثال الأكثر تداولًا لتوضيح هذه الفكرة هو فصل «المشي في المدينة»، حيث يبين دو سرتو كيف يمكن دائمًا ابتكار مسار خاص داخل فضاء مخطط من قبل آخر، فإن The Brutalist يذكرني على وجه الخصوص بمفهوم «الباروكة» ( la perruque ). وهو مفهوم يصف من خلاله دو سرتو كيفية استغلال الوقت والمواد داخل مكان العمل للقيام بشيء خاص بالفرد. وإلى جانب الزمن، يتجلى البعد الآخر الذي يميز التكتيك لدى دو سرتو في هذه العبارة المقتبسة من كتابه: «الحياة اليومية تُخترَع عبر ألف طريقة من الصيد غير المشروع». وهذا الفن في استخدام الزمن، وهذا الفاعل الصياد والمُركِّب عند دو سرتو، هو ما يشغل تفكيري اليوم، في لحظة يبدو فيها أن المجتمع الانضباطي الذي وصفه فوكو يدخل مرحلة جديدة مع الأدوات الرقمية التي باتت في متناول السلطة. القبر بدل الكوخ وللختام باستعارة معمارية، سواء في أعمال دو سرتو أو في ما يرمز إليه البناء الذي شيده لازلو توث، يخطر في البال ذلك الجدل في تاريخ العمارة حول ما إذا كانت القبور أم الأكواخ هي أولى البنى التي شيدها الإنسان. ومن دون السعي للإجابة عن هذا السؤال، ما يهمني في التمييز بين هذين الشكلين هو أن الكوخ يرتبط بالزائل والمؤقت، بينما يعكس القبر إرادة الحفاظ على أثر عبر الزمن. وإذا كانت ميولي تميل إلى ما يرمز إليه القبر، فليس ذلك دعوة للمقاومين إلى حفر قبورهم، بل دعوة إلى أخذ الوقت لبناء قبور مجازية، بهدف إفشال استراتيجية السلطة التي تسعى إلى محو أصوات معينة وأقسام كاملة من التاريخ.

العدالة الدولية بين الأسطورة والواقع

أحدثت الضربة العسكرية الأميركية في فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله خارج البلاد صدمة قوية في السياسة الدولية. أثار الاعتقال حالة من الاستنكار الدولي الواسع؛ العديد من الدول والمنظمات اعتبرته انتهاكاً للقانون الدولي واعتداءً على السيادة الوطنية لفنزويلا. خبراء القانون الدولي، بما في ذلك في مقالات تحليلية مثل الجارديان، يشيرون إلى أن العملية الأميركية في فنزويلا تنتهك ميثاق الأمم المتحدة، وخصوصاً الفقرة التي تمنع استخدام القوة دون مبرر ذاتي دفاعي أو موافقة مجلس الأمن. انه حدث يعيد كتابة بعض قواعد اللعبة. ليس الاعتقال في حد ذاته ما يغيّر قواعد اللعبة، بل ما يمثّله من تحوّل في فهم السيادة، والقوة، والزمن السياسي في النظام الدولي. يكشف تباين ردود الفعل - من إدانات قوية، إلى تحفظات، وحتى ترحيبات مشروطة - أن العالم يقف عند مفترق مهم: هل يبقى القانون الدولي إطاراً تحميه المؤسسات والاتفاقات، أم أنه يتراجع أمام قوة الأمر الواقع؟ فهذا الحدث ليس مجرد فصل جديد في قصة فنزويلا، بل اختبار للمعايير الدولية نفسها في لحظة حسّاسة من تاريخ السياسة العالمية. ما يكشف عن فجوة عميقة بين الخطاب والممارسة في العالم الغربي. فلطالما قُدِّمت العدالة الدولية بوصفها أحد أعمدة النظام العالمي الحديث، وركيزة أخلاقية تقوم عليها شرعية المؤسسات العابرة للدول، وفي مقدمتها المحكمة الجنائية الدولية. غير أن مسار هذه العدالة، يكشف عن فجوة لم تعد تُختزل بازدواجية الموقف الغربي وحدها، بل باتت اليوم أكثر تعقيداً مع دخول العالم مرحلة تعدد الأقطاب وصعود قوى تنازع الغرب ليس فقط النفوذ، بل أيضاً تعريف القيم ذاتها. في المرحلة الأولى، كان النقد الموجَّه إلى العدالة الدولية يتركّز على ازدواجية الخطاب الغربي. فقد بدا واضحاً أن تطبيق القانون الدولي لم يكن يوماً منفصلاً عن المصالح السياسية. تدخلات عسكرية جرت تحت عناوين حقوق الإنسان، بينما تم التغاضي عن انتهاكات جسيمة حين يرتكبها حلفاء استراتيجيون. هذه الانتقائية أضعفت مصداقية العدالة الدولية، وحوّلتها، في نظر كثيرين، إلى أداة في يد الأقوياء أكثر منها نظاماً قانونياً كونياً. لم يكن الخلل في القيم المعلنة بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى آلية انتقائية، تُستدعى حين تخدم التوازنات، وتُهمَل حين تعرقلها. غير أن التحول الأهم اليوم لا يكمن فقط في استمرار هذا الإرث، بل في انكشاف حدود النظام الليبرالي نفسه مع تراجع قدرته على فرض قواعده. فالعالم لم يعد أحادي القطب، ولم تعد الولايات المتحدة قادرة، منفردة أو مع حلفائها، على ضبط إيقاع العدالة الدولية. دخول الصين وروسيا كلاعبين وازنين أعاد تشكيل المشهد: لم يعد السؤال لماذا تُطبق العدالة بانتقائية، بل من يملك أصلاً القدرة في تطبيقها. في هذا السياق، تبدو العدالة الدولية عالقة بين قوتين متعارضتين: غربٌ يرفع خطاب القيم (التي يطبقها انتقائياً) لكنه عاجز عن فرضها دون توافق دولي، وقوى صاعدة ترفض ما تسميه "العدالة المسيسة"، لكنها في الوقت ذاته لا تمارس خطابها، ولا تقترح بديلاً قانونياً، بل تكتفي بتعطيل المسار القائم. وهنا تظهر مفارقة لافتة: الاعتراض على العدالة الانتقائية لا يقود إلى عدالة أشمل، بل إلى شلل كامل. هذا الشلل سمح بظهور خطاب "الممانعة" بوصفه رداً أخلاقياً مضاداً. غير أن هذا الخطاب، عند اختباره عملياً، يكشف بدوره ازدواجية صارخة. فالدفاع عن السيادة يُستخدم لتبرير قمع الداخل، ورفض التدخل الخارجي لا يقترن ببناء مؤسسات قضائية مستقلة أو احترام فعلي لحقوق الإنسان. هكذا، تسقط أسطورة العدالة الغربية من جهة، وتسقط معها أسطورة العدالة البديلة التي يدّعيها خصومها. إن ما يمنع تحقق العدالة الدولية اليوم ليس عاملاً واحداً، بل وجود ثلاث معيقات أساسية: أولها، غياب سلطة تنفيذية دولية مستقلة عن موازين القوة؛ ثانيها، تآكل الإجماع القيمي العالمي مع تصاعد الصراع بين نماذج حضارية وسياسية متناقضة؛ وثالثها، استخدام العدالة، من جميع الأطراف، كأداة خطابية أكثر منها التزاما مؤسسياً. في هذا المشهد، تصبح المحكمة الجنائية الدولية مرآة للأزمة لا سبباً لها. فهي محكمة بلا شرطة، وبلا جيش، وبلا إجماع سياسي يحمي قراراتها. قدرتها على الفعل تتوقف على تعاون الدول، وهذا التعاون بات اليوم رهينة الاستقطاب العالمي. ليست المشكلة أن العدالة الدولية "غير عادلة" فحسب، بل أنها لم تعد قادرة على أن تكون عدالة أصلاً. كل ذلك يبرهن عن وجود فجوة متزايدة بين الخطاب الأخلاقي الغربي وآليات تطبيقه الفعلية. إن التعثر في عدم فتح المحكمة الجنائية تحقيقاً في "الوضع في فنزويلا"، مقابل السرعة النسبية في ملاحقة قادة آخرين، يضعف سردية "العدالة الكونية المحايدة"، ويُغذّي خطاب القوى المناهضة للغرب التي ترى في العدالة الدولية أداة انتقائية، لا منظومة قانونية شاملة. وهنا، لا تسقط فقط "أسطورة العدالة الغربية"، بل تتقاطع مع سقوط "أسطورة المقاومة" المقابلة، التي تدّعي بدورها امتلاك احتكار أخلاقي مضاد، بينما تتحرك هي الأخرى ضمن منطق القوة والضرورة لا ضمن منطق القانون. في الحالتين، نحن أمام عالم يتآكل فيه الإطار الرمزي للقيم، ويُستبدل تدريجياً بقانون القوة، في مشهد يذكّر بعودة الإمبراطوريات أكثر مما يعكس نظاماً دولياً قائماً على قواعد مشتركة. هذا الواقع لا يعني نهاية الحاجة إلى العدالة، بل نهاية الوهم القائل بإمكانية فصلها عن السياسة دون إعادة بناء النظام الدولي نفسه. من منظور دوركهايم، نحن أمام لحظة "أنومي" - ليس بمعنى الفوضى، بل بمعنى فقدان المعايير المشتركة. ومن منظور ليفي-شتراوس، نحن أمام لحظة تفكك الأسطورة، حين تعجز عن حل التناقضات التي صُممت لتغطيتها. فالقانون، كما يقول علماء الاجتماع، لا يعيش في الفراغ؛ انه نتاج توازن اجتماعي وأخلاقي. وحين ينهار هذا التوازن، يتحول القانون إلى نص بلا قوة. بين ازدواجية الغرب السابقة، وازدواجية الممانعين الحالية، تضيع العدالة الدولية بين خطابين متناقضين، يتفقان عملياً على شيء واحد: إخضاع القيم لمنطق القوة. وما لم يُعاد التفكير جذريا في العلاقة بين السيادة، والقانون، والعدالة، ستبقى الأخيرة وعداً مؤجلاً، يُستدعى في الخطب… ويُغيب في الوقائع. فيما يتعلق بحالة نتنياهو يُفسَّر النجاح النسبي للمحكمة الجنائية الدولية في المضي بقرارها ضد بنيامين نتنياهو، على غير ما جرى في حالات مشابهة سابقة، بوصفه نتيجة تراكب عوامل سياسية وأخلاقية غير مسبوقة أكثر منه تعبيراً عن استقلال قانوني مطلق. فحجم الانتهاكات المرتكبة في غزة، واتساع نطاقها، وكثافتها الزمنية والبصرية، جعل من الصعب احتواءها داخل خطاب "الدفاع عن النفس" الذي لطالما وفّر مظلة سياسية لإسرائيل وحلفائها. إلى ذلك، لعب التحوّل العميق في الرأي العام الغربي، ولا سيما داخل الولايات المتحدة نفسها، دوراً حاسماً، إذ أظهرت الأجيال الصاعدة حساسية أعلى تجاه معايير حقوق الإنسان وأقل التزاماً بالسرديات الجيوسياسية التقليدية. هذا التحول قيّد هامش المناورة السياسية، حتى لدى أكثر الحكومات دعماً لإسرائيل. كما شكّل التدخل القانوني المنهجي لجنوب أفريقيا نقطة انعطاف، إذ أعاد توجيه النقاش من حلبة السياسة إلى ميدان القانون، وأكسب الملف شرعية أخلاقية آتية من دولة تحمل إرثاً تاريخياً مع الفصل العنصري، ما صعّب الطعن في دوافعها. هكذا، لم يكن قرار المحكمة نتيجة شجاعة مؤسسية معزولة، بل ثمرة تصدّع في منظومة الحماية السياسية التقليدية، وانكشاف غير مسبوق لفجوة بين السلطة والخطاب، جعل الإفلات من المساءلة أكثر كلفة من المضي فيها.

ارقصوا على المحارق
بقلم
جواد بقرادوني
نُشر

“وكان داود يرقص بكل قوته أمام الرب.” (صموئيل الثاني 6:14) الرقص لا يتعارض مع الصلاة. بل إن موسيقى الغوسبل تشكّل المثال الأوضح على أن الغناء والرقص، حتى خلال القداس الليتورجي، يخلقان أجواء من المشاركة والاحتفال الجماعي. “سبّحوا الرب بالقيثارة، سبّحوه بالعود ذي الأوتار العشرة. أنشدوا له نشيدًا جديدًا، وأحسنوا العزف واهتفوا بفرح.” (المزمور 33: 2–3) هناك كاهن أدرك أن أفضل وسيلة في عصرنا لجذب الجماهير، ولا سيما الشباب، هي الموسيقى. ففي زمن كتابة سفر المزامير، كان أكثر الآلات ضجيجًا على ما يبدو هو العود ذو الأوتار العشرة. هذا الكاهن استبدله بالموسيقى الإلكترونية. إنه الأب غيّيرمي، المعروف اليوم بالكاهن الـDJ. في آخر أيام الشبيبة العالمية في لشبونة عام 2023، وهي المدينة التي ينتمي إليها هذا الـDJ، بلغ عدد الحاضرين مليونًا ونصف المليون شخص، مقارنة بسبعمئة ألف في دورة 2019. أكثر من ضعف العدد، ومعظمهم من الشباب الذين رقصوا على إيقاع أنامل الأب غيّيرمي. ومن المقرر أن يحيي الأب غيّيرمي عرضًا في لبنان في العاشر من كانون الثاني المقبل. غير أن بعض المسيحيين من أبناء البلد يعتبرون أن أساليب هذا الكاهن غير كاثوليكية، وتمس بقيم المسيحية، بل ترقى إلى التجديف. وقد رأى ثمانية عشر حارسًا ذاتيًا للإيمان أنه لا بد من إنقاذ المسيحية من هذا الخطر الداهم، فتقدموا بطلب مستعجل أمام قاضي الأمور المستعجلة لمنع العرض، ملوّحين بقطع الطرقات وبالعنف في حال رُفض طلبهم قضائيًا. لكن هؤلاء، الذين يعتقدون أنفسهم حماة للقيم والتعليم المسيحي، يبدو أنهم نسوا أن رأس الكنيسة الكاثوليكية، البابا فرنسيس الراحل، لم يوافق فقط على أسلوب الأب غيّيرمي، بل بارك أيضًا خوذته كمنسق موسيقى، شكرًا لمن ينجح في استقطاب عشرات آلاف الشباب إلى الدين المسيحي. هؤلاء “المطوّعة” يذكّرون بالعصور السوداء للمسيحية في القرون الوسطى، حين كان كل من لا يذعن عميانيًا للتعاليم السياسية-الدينية يُرسل إلى المحرقة. أما اليوم، فقد حلّت الرقابة والدعاوى القضائية محل النار المطهّرة. إن المتزمتين الذين يرون في الأب غيّيرمي شرًا مطلقًا، ينتمون إلى اللجنة الروحية نفسها التي رأت في منصور لبكي رجلًا قديسًا مضطهدًا وضحية حملة تشهير. فإدخال الفرح إلى قلوب الشباب وجعلهم يرقصون جريمة بنظرهم، أما استغلال الشباب فليس سوى شائعة. وهم أنفسهم الذين صرخوا “تجديف” يوم أنشد كاهن، خلال جنازة لقمان سليم، الترتيلة المخصصة للمسيح بعد الصلب. وقد صوّر الضجيج الإعلامي الذي أعقب ذلك الكاهن وكأنه مهرطق. الظلامية لا دين لها ولا إله. ففي العام الماضي أُلغيت مسرحية «يوم عرس عند الكرومانيون» لوجدي معوّض. واليوم يُراد منع كاهن لأنه يجعل الناس يرقصون. وغدًا، ربما يُستدعى داود نفسه للمحاكمة بتهمة الإفراط في الحماسة الراقصة. إن هذا الحمْيَة الدينية العمياء لا تلحق سوى الضرر بالمسيحية. وقد تساءل جان ديون: ماذا عسى الله أن يفكر بالمتزمتين الذين يظنون أنهم يعرفون ما يفكر به؟ وإذا كانت هذه الأقلية المتخلفة هي فعلًا رسل الإيمان، فربما لم يُساء تمثيل الله ولم يُدافع عنه بهذه السوء من قبل.

تطرح الأزمات الإيرانية تساؤلات حول مصير النظام

كانت 2025 سنة سوريا التي عاشت للمرة الأولى منذ نصف قرن من دون حافظ الأسد وبشّار الأسد، أي دون نظام أقلّوي، رعته إسرائيل، تحكّم بمصائر السوريين عن طريق آلته القمعيّة ثم عن طريق الإستعانة بالخارج من أجل الإنتصار على شعبه. للمرّة الأولى، أيضا، خرجت "الجمهوريّة الإسلاميّة" الإيرانية من سوريا مع ما يعنيه ذلك من تحوّل على صعيد التوازن الإقليمي، خصوصا أنّ سوريا في ظلّ الأسدين كانت أقرب إلى مستعمرة إيرانيّة مزروعة في قلب العالم العربي... لكن التركيز على سوريا، وعلى ما إذا كانت ستتجاوز السنة 2026 من دون تغييرات كبيرة، لا يمنع لفت النظر إلى أنّ الأحداث المتتالية منذ هجوم "طوفان الأقصى" الذي شنته "حماس" على المستوطنات الإسرائيلة في غلاف غزّة يوم السابع من تشرين الأول – أكتوبر 2023، جعل الظروف ناضجة للحديث عن مصير النظام الإيراني وهل سيتمكن من بلوغ نهاية 2026؟ يبدو هذا السؤال مشروعا في ضوء عوامل عدّة تجعل مصير النظام الإيراني الذي قام في العام 1979 مطروحا بشكلّ جدّي. يمكن الحديث في البداية عن واقع الاقتصاد الإيراني والتذكير في الوقت ذاته أن الإتحاد السوفياتي انهار لأسباب إقتصادية قبل أي شيء بعدما عمّر من 1917 إلى نهاية 1991. يعطي سعر الريال الإيراني فكرة عن عمق الأزمة الإقتصاديّة التي تعاني منها "الجمهوريّة الإسلامية". في أواخر أيام الشاه في العام 1979 كانت الحاجة إلى نحو 70 ريالا لشراء دولار أميركي. في أيامنا هذه يساوي الدولار الأميركي نحو مليون و400 الف ريال. تبدو المقارنة بين سعر الريال أيام الشاه وسعره الحالي مذهلة وتعبّر عن الفشل الاقتصادي لنظام أصرّ على مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة والغرب عموما وذلك منذ افتعال أزمة الرهائن الأميركيين في تشرين الثاني – نوفمبر من تلك السنة بغية التخلّص من أي أثر للإصلاحيين والليبراليين في تركيبة النظام الجديد. احتجز "طلاب" تابعون لـ"الحرس الثوري" ديبلوماسيي السفارة الأميركيّة في طهران 444 يوما. ثمة نقاط عدّة يمكن التوقف عندها في المرحلة الراهنة. قد تساعد هذه النقاط في فهم الوضع الحالي للنظام الإيراني وما يعانيه من أزمات قد تؤدي إلى الإنتهاء منه على غرار الإنتهاء، بوتيرة متسارعة، من الإتحاد السوفياتي بمجرد سقوط جدار برلين في تشرين الثاني – نوفمبر 1989. لا بد من التوقف أولا عند مقتل الرئيس إبراهيم رئيسي في أيار - مايو 2024 في تحطم طائرة هليكوبتر. لا تزال ظروف الحادث غامضة. تتحدث الرواية الرسميّة عن سوء الأحوال الجويّة التي رافقت إقلاع طائرة هليكوبتر أميركية، قديمة الصنع، من منطقة حدودية مع أذربيجان. لكنّ التأكيدات الرسمية لم تزل الشكوك في وجود من أراد التخلّص من ابراهيم رئيسي بسبب دوره المحوري في مجال بقاء النظام متماسكا. يعود ذاك إلى علاقته القوية بالقوى التي يرتكز عليها النظام والتي يستمد منها حماية له. كان إبراهيم رئيسي الوحيد القادر قادر على التنسيق في ما بين هذه القوى المفترض بها إخماد أي تحرّك شعبي، ولو بالقوّة. يفتقد النظام منذ غياب رئيس، وقبله غياب قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الشخصية المحورية التي تمتلك نفوذا كافيا لتنظيم المرحلة الإنتقالية في حال غياب "المرشد" على خامنئي الذي يعاني من تقدّمه في السنّ ومن أمراض عدّة. كان سليماني، الذي اغتاله الأميركيون مطلع العام 2020، القائد الأعلى لكل أدوات إيران في المنطقة بدءا بـ"حزب الله" في لبنان والحوثيين في اليمن والميليشيات المذهبيّة التابعة لـ"الحرس الثوري" في العراق. عوّض إبراهيم رئيسي جزءا من الفراغ الذي تركه قاسم سليماني. عوضّ هذا الجزء من الفراغ إلى درجة لم يعد يوجد في طهران من هو قادر على ممارسة دور فاعل في عمليّة تنظيم المرحلة الإنتقالية المتوقعة بمجرد غياب خامنئي، أو قبل ذلك. الأهمّ من ذلك كلّه، أنّ لا مفرّ من دفع "الجمهوريّة الإسلاميّة" ثمن الحروب التي خاضتها في مرحلة ما بعد "طوفان الأقصى" وذلك في ضوء رهانها على جعل هذه الحروب تصبّ في مصلحتها. خسرت إيران حرب لبنان التي افتعلها "حزب الله" بمجرّد فتحه جبهة الجنوب مع إسرائيل. خسرت سوريا بعدما ارتكب بشّار الأسد أخطأ عدة بينها السماح بارسال إيران صواريخ دقيقة إلى الحزب كي يستخدمها انطلاقا من لبنان. خسرت إيران كلّ الحروب التي اعتقدت أن في استطاعتها توظيفها في مصلحة تحول "الجمهوريّة الإسلاميّة" إلى الطرف الإقليمي الذي يمتلك مفتاح توسيع حرب غزّة أو ضبطها. انتقلت الحرب منتصف 2025 إلى داخل إيران نفسها، خصوصا في ضوء إعادة فتح أميركا وإسرائيل وأوروبا ملفّها النووي من جهة والمخاوف من الصواريخ الباليستيّة التي تمتلكها والتي تبدوو قادرة على الحصول عليها من جهة أخرى. باختصار شديد لم يعد في استطاعة "الجمهوريّة الإسلاميّة" التكيّف مع التطورات التي شهدتها المنطقة. لم تدرك معنى هذه التطورات وابعادها بعدما اعتمدت منذ اليوم الأوّل لقيام "الجمهوريّة الإسلاميّة" سياسة تقوم على تصدير الأزمات الداخلية إلى خارج الحدود. مع نهاية 2025، فقدت "الجمهوريّة الإسلاميّة" القدرة على الهرب من أزماتها التي يعبّر سعر العملة الوطنيّة أفضل تعبير عنها. هل يدرك حلفاء إيران واتباعها، خصوصا في لبنان، هذا الواقع الذي لا يزال المسؤولون في طهران، في مقدمهم الرئيس مسعود بزشكيان، يجهلون أن لا مجال للهرب منه؟ خلاصة الأمر أن الأزمات الإيرانية الحالية، أزمات متشعّبة تختلف عن سابقاتها. إنها أزمات نظام قبل أي شيء. يعود ذلك إلى عجز هذا النظام، مع حلول 2026، عن التصالح مع نفسه ومع لغة الأرقام أولا ثمّ مع المعطيات الإقليمية والدولية في ضوء خسارته لحروب عدّة، من غزّة إلى لبنان، إلى سوريا، حروب يرفض دفع ثمنها...

مشروع قانون الإنتظام المالي وإسترداد الودائع: كيف سيُطبَّق سقف الـ100,000 دولار على المودعين؟

في 26 كانون الأول 2025، أقرّ مجلس الوزراء مشروع قانون الإنتظام المالي وإسترداد الودائع، وهو نص يهدف إلى وضع إطار قانوني لتوزيع الخسائر المالية في البلاد، المقدّرة بنحو 70 مليار دولار أميركي، تمهيدًا لعرضه قريبًا على مجلس النواب. وقد أُقرّ مشروع القانون بأغلبية 13 صوتًا مقابل 9. يُدخل القانون تصنيفًا للمودعين وفق حجم ودائعهم، ويقرّ آلية ضمان للودائع التي لا تتجاوز 100,000 دولار أميركي، على شكل دفعات مرحلية موزّعة على أربع سنوات. أمّا المبالغ التي تتجاوز هذا السقف، فينصّ الإطار التشريعي على تحويلها إلى أدوات مالية طويلة الأجل صادرة عن مصرف لبنان، منظمة على شكل أوراق مالية مدعومة بأصول. وفي هذا السياق، أعلنت النقابات المهنية عزمها عقد اجتماع يوم الاثنين لإعلان موقفها من التدابير التي ينص عليها القانون، ولا سيما تلك التي تطال الصناديق التعاونية وصناديق التقاعد. وقد أجاب المحامي المتخصص في قانون الأعمال والمحكّم الدولي عزالدين أكرم بعاصيري، في هذا الإطار، عن سلسلة من الأسئلة الدقيقة والتقنية التي طرحتها عليه منصة Levant Time . س – كيف يُطبَّق سقف الضمان البالغ 100,000 دولار على الحسابات المشتركة؟ ج – يتناول القانون صراحةً مسألة الحسابات المشتركة في المادة 8، الفقرة الرابعة، التي تنص على ما يلي: "رابعاً – لغرض تطبيق أحكام هذه المادة، يُعتبر بمثابة وديعة واحدة مجموع الحسابات الشخصية للمودِع كما وحصته من حساباته المشتركة لدى جميع المصارف العاملة في لبنان. ويُعتبر بمثابة الحساب الواحد كل حساب تركة وكل حساب مشترك، مهما تعدد أصحابه. تتوزّع الحسابات المشتركة بين أصحاب الحساب المشترك، وفقاً لشروط الاتفاقية الموقّعة بينهم وبين المصرف المعني، وإلاّ بالتساوي بين أصحاب الحساب المشترك. إذا كان صاحب الحسابات المشتركة لا يملك حساباً شخصياً لدى المصرف، يُعتبر مجموع حصصه في مختلف الحسابات المشتركة كوديعة واحدة. يقوم مصرف لبنان بتحديد دقائق تطبيق هذا البند." وبالتالي يحدّد النص آلية توزيع رصيد الحساب المشترك، كالآتي: وفق الشروط المنصوص عليها في اتفاقية فتح الحساب الموقّعة مع المصرف؛ أو بالتساوي بين أصحاب الحساب، في حال عدم تحديد حصص كل منهم. وبالاستناد إلى هذه الأحكام، تترتب عدة نتائج قانونية مباشرة. أولًا، لا يستفيد الحساب المشترك من سقف ضمان مستقل أو منفصل. ثانيًا، تُوزَّع قيمة الحساب المشترك بين الشركاء إمّا وفق اتفاقية الحساب أو بالتساوي عند غيابها، وذلك لغايات احتساب مجموع وديعة كل مودع. وأخيرًا، تُضاف الحصة العائدة لكل شريك إلى حساباته الفردية وإلى حصصه في حسابات مشتركة أخرى. وبالتالي، يُحتسب سقف الضمان البالغ 100,000 دولار على أساس الوضع الشامل لكل مودع، بعد احتساب جميع ودائعه، سواء كانت فردية أم ناتجة عن حسابات مشتركة. س – هل يُطبَّق سقف الضمان البالغ 100,000 دولار لكل مصرف أم لكل مودع؟ ج – يتناول مشروع القانون مسألة تطبيق سقف الضمان في حال امتلاك المودع نفسه حسابات لدى عدة مصارف، ويعتمد مبدأ تجميع الودائع على مستوى النظام المصرفي ككل. وفي هذا الإطار، تنص المادة 8، الفقرة الرابعة، صراحةً على ما يلي: " يُعتبر بمثابة وديعة واحدة مجموع الحسابات الشخصية للمودع … لدى جميع المصارف العاملة في لبنان." وبالتالي، يقرّ القانون نتائج واضحة ومحددة: لا يُطبَّق سقف الضمان البالغ 100,000 دولار على أساس كل مصرف على حدة، بل يُحتسب لكل مودع بشكل فردي، بغضّ النظر عن عدد المصارف التي يملك لديها حسابات. س- هل تخضع الشركات التجارية والمؤسسات الخاصة للقواعد نفسها المطبقة على الأشخاص الطبيعيين لجهة سقف الودائع ومعالجتها؟ ج- يشمل مشروع القانون الأشخاص المعنويين ضمن تعريف المودعين. إذ تنص المادة 2 على أنّ المودعين هم: " المودعون: الأشخاص الطبيعيون أو المعنويون أصحاب حسابات الودائع وشهادات الإيداع، وفقاً للتعريف القانوني للوديعة والحسابات المصرفية في القوانين السارية والمرعية الإجراء عامة، والتي تُحدَّد أحكامها بشكل رئيسي في قانون الموجبات والعقود، وقانون التجارة البرية، لا سيّما منه المادة /307/" ولا ينصّ القانون على أي نظام خاص أو استثنائي لصالح الشركات التجارية أو المؤسسات الخاصة. فالفصل الرابع من القانون، المخصّص لردّ الودائع، لا يتضمن أي استثناء أو آلية خاصة بالأشخاص المعنويين. وبناءً على ذلك، تترتب نتائج مباشرة وواضحة. أولًا، تخضع الشركات التجارية والمؤسسات الخاصة لسقف الضمان البالغ 100,000 دولار. ثانيًا، تُصنَّف ودائعها ضمن الفئات نفسها المعتمدة للأشخاص الطبيعيين، أي الودائع الصغيرة والمتوسطة والكبيرة والكبيرة جدًا. وأخيرًا، تُطبَّق عليها آليات السداد المنصوص عليها في المادة 8 من القانون بالشروط نفسها. س – ما هو مصير الحسابات المقيّمة بالليرة اللبنانية، وأي سعر صرف سيُعتمد لها ضمن سقف الـ100,000 دولار؟ ج – من الناحية القانونية، يشمل مشروع القانون الحسابات المقيّمة بالليرة اللبنانية ضمن نطاق تطبيقه. إذ تنص المادة 3 من المشروع على ما يلي: " يُطبَّق هذا القانون على الخزينة العامة، وعلى مصرف لبنان، وعلى المصارف العاملة في لبنان والمسجّلة على لائحة المصارف. كما يُطبَّق على جميع الحسابات المفتوحة لدى مصرف لبنان والمصارف المذكورة، سواء فُتحت قبل 17/10/2019 أو بعد" وبالمعنى نفسه، تنص المادة 8، الفقرة الرابعة، على أنّ: " يعتبر بمثابة وديعة واحدة مجموع الحسابات الشخصية للمودع كما وحصته من حساباته المشتركة لدى جميع المصارف العاملة في لبنان .." ولا يميّز النص بين الحسابات المقيّمة بالعملات الأجنبية وتلك المقيّمة بالليرة اللبنانية، ما يعني مبدئيًا أنّ الحسابات بالليرة اللبنانية مشمولة بنطاق تطبيق القانون. إلا أنّ الفصل الرابع من القانون، ولا سيما المادة 8 وما يليها، الذي ينظّم آلية ردّ الودائع، يقتصر حصرًا على الودائع المقيّمة بالدولار الأميركي. ولا يتناول صراحةً الودائع بالليرة اللبنانية، ولا يلحظ أي آلية خاصة أو طريقة مباشرة لردّها أو إعادة تقييمها في ظل الانهيار المالي. وعليه، وفي غياب أي نص صريح أو آلية محددة بوضوح، تبقى الحسابات المقيّمة بالليرة اللبنانية غير منظّمة قانونًا من حيث آليات ردّها. ولا يمكن الجزم بسعر الصرف الذي سيُعتمد لإعادة تقييمها، ولا بما إذا كانت ستُحتسب ضمن سقف الـ100,000 دولار، ولا بالكيفية التي قد تُدرج بها في حال شمولها. س – الصناديق التعاونية وصناديق التقاعد: ماذا ينص عليه فعليًا قانون الفجوة، وما هي الإشكاليات التي يثيرها؟ ج – لا يتضمن مشروع قانون الفجوة، في الواقع، أي أحكام خاصة تتناول هذه الكيانات، ولا الجمعيات التعاضدية. وفي غياب نظام خاص، تُعامَل هذه الجهات وفق القواعد العامة المنصوص عليها في القانون. وبموجب المادة 2، تُعدّ النقابات المهنية والصناديق التعاونية وصناديق التقاعد والجمعيات التعاضدية أشخاصًا معنويين. كما تُعتبر ودائعها وديعة واحدة بالمعنى المقصود في الفقرة الرابعة من المادة 8 من القانون، وبالتالي تخضع بالكامل لآلية السداد المنصوص عليها في المادة 8. وعمليًا، تتكوّن هذه الآلية من شقّين: من جهة، تستفيد هذه الجهات من سقف سداد محدد بـ100,000 دولار أميركي. ومن جهة أخرى، يُحوَّل الرصيد المتبقي من ودائعها إلى شهادات مالية مدعومة بأصول، يصدرها مصرف لبنان، وذلك وفقًا لأحكام المادة 8 من القانون. من خلال هذا المقال، سعت Levant Time إلى إيضاح عدد من المناطق الرمادية التي تحيط بقانون الفجوة. وستتبع ذلك مقالات أخرى لمعالجة مسائل إضافية وتقديم إجابات قانونية وتقنية واضحة عن الأسئلة العديدة التي يثيرها هذا النص لدى الرأي العام.