


من قال إن حزب الله لا يتغذّى إلّا من المناوشات والصراعات المسلحة؟ منذ تسعينيات القرن الماضي وهو لا يتوقف عن “اللبننة”، أي عن تليين مواقفه واختيار طريق التسويات. على الأقل شكلياً، ولإخفاء الحقيقة ليس إلا!
صحيح أنه في البدايات، أي عند تأسيسه، لم يُخفِ الحزب نواياه. فقد أعلن جهاراً أنه يعتزم إقامة نظام منسوخ حرفياً عن النموذج الخميني. وبناءً على ذلك، وضع نفسه خارج اللعبة السياسية الوطنية، تلك اللعبة “غير الجديرة” التي لا تصلح، في نظره، إلا للماكرين. لكنه ما لبث أن غيّر موقفه، فانطلق بذكاء في مشروع اختراق أجهزة الدولة اللبنانية. إلى درجة أنه في عام 2005 استحصل من الشيخ عفيف النابلسي على فتوى تبيح له المشاركة في الحكومة.
وهكذا تحققت الشرعية الشكلية بعد مسار طويل. فابتلع أصحاب“النية الحسنة” والسذج الطُّعم؛ إذ رأوا أن التركيبة اللبنانية قد نجحت أخيراً في “استيعاب” حزب الثورة الإسلامية. وإعتقدوا أن هذا الأخير سيتلبنن، وسيتبنى عقليتنا النفعية الواقعية، تلك العقلية التجارية التي ورثناها من الفينيقيين. صحيح أن الحزب الإيراني خفّف من حدّة خطابه، لكن هؤلاء البسطاء والمتفائلون صرخوا بالنصر باكراً جداً.
غير أن الواقع سرعان ما كذّبهم! فالمنصة الديمقراطية لم تكن لتستفيد في هذه اللعبة. فالحزب، وقد قرر ألا يبقى على الهامش، تسلل إلى الإدارة العامة ليخدم أهدافه، القريبة والبعيدة معاً. وبث فيها روحه المناضلة. وبما أن الدولة كانت قابلة للأخذ، فإن الثنائي الشيعي عمل على ترويضها من داخل مفاصلها!
اختراق وتغلغل
هذا الاندساس، وهو ممارسة ماركسية ـ لينينية تقليدية، يقوم على “إدخال أعضاء تنظيم نضالي بشكل منسّق إلى داخل تنظيم منافس، أو حتى إلى أجهزة الدولة البرجوازية نفسها”. وأي وسيلة أسهل من هذه للوصول إلى السلطة ثم التمكن منها. في حين كان السياق الإقليمي والداخلي مناسبين تماماً لهذه اللعبة المخادعة. وإذا كان “حزب الله” ولا يزال ممتناً للرئيس إميل لحود، فذلك لأن الحزب خلال عهده كان قد تمدّد في كل مستويات السلطة والإدارة.
واثقة من الإفلات من العقاب، وتحت حماية رعاتهم، استقرت “البيادق” المتسللة أو “الخلايا النائمة” في الإدارات العامة، وصعدت في السلم الوظيفي. وفي إدارة الشؤون اليومية، لم تكن ولاءتها موضع شك: كانت تطيع تعليمات “ضباط ارتباطها” وتتواطأ معهم في تأمين الخروقات.
مساوئ “المؤامرة”
لقد تحولت قضية الانفجار المزدوج في المرفأ، في ذلك الرابع المشؤوم من آب، إلى الدليل الأمثل على مؤامرة على مستوى الوطن بأكمله. والدليل أننا لانزال حتى اليوم نطرح الأسئلة نفسها: كيف أمكن تخزين أطنان من المواد المتفجرة في قلب مدينة، من دون تلاعب على كل المستويات؟ لماذا بقيت كل التحذيرات من الخطر الداهم حبراً على ورق؟ كم من الجبن سجلنا، وكم من الاغتيالات بقيت من دون كشف؟
يا لها من إدارة عامة “نموذجية”! كم من أجهزة أغمضت عينيها: القضاء والجمارك والقوى الأمنية على حد سواء. وفوق ذلك كله، مؤامرة الصمت.
مهمّة ناجحة أيّها السّادة في حزب الله: لقد أثمرت سياسة الاختراق التي انتهجتموها. فما من عملية تغلغل كشفت هذا القدر من التواطؤ!