شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
نشأة احد أكبر المتاحف في العالم
بقلم
ميشا مسلم
نُشر

في الأول من تشرين الثاني 2025، بعد 20 عاماً على انطلاق أعمال البناء، فتح المتحف المصري الكبير Grand Egyptian Museum-GEM أخيراً ابوابه أمام الجمهور. يُعدّ هذا المتحف سادس أكبر متحف في العالم، وأكبر متحف مكرّس لحضارة واحدة. خلال حفل افتتاح وُصف بالفرعوني، وبحضور عدد كبير من رؤساء الدول، قدم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المتحف الجديد على أنه هدية من مصر إلى العالم. قصة حافلة بالعقبات تعود بداية قصة المتحف المصري الكبير إلى عام 1992، عندما اقترح وزير الثقافة المصري آنذاك، فاروق حسني، إنشاء متحف جديد يحلّ محلّ المتحف المصري القديم في القاهرة الذي كان متداعياً وقديماً للغاية. كان الهدف من المتحف الجديد ان يجمع الكنوز الأثرية المصرية التي لا تقدَّر بثمن، والتي كانت موزَّعة في أماكن متفرقة. وُضِع حجر الأساس للمبنى عام 2002، إلا أنّ أعمال البناء الفعلية لم تنطلق إلا في عام 2005. واجهت عملية البناء هذه الكثير من العقبات وتأخّرت بسبب العديد من المشكلات، من بينها أحداث «الربيع العربي» عام 2011 وجائحة «كوفيد-19». كما واجه المشروع صعوبات في التمويل، إذ بلغت كلفة المتحف أكثر من مليار يورو… إلخ. لكن في نهاية المطاف، في الأول من تشرين الثاني من هذا العام، وبفضل تعاون دولي وثيق على المستويين المالي والتقني، أبصر المتحف النور أخيراً خلال حفل افتتاح مهيب. متحف يليق بالأهرامات المجاورة يقع المتحف على هضبة الجيزة مقابل الأهرامات، على ارض مساحتها حوالي 500 ألف متر مربّع، أي ما يعادل مساحة 70 ملعباً لكرة القدم. في عام 2002، أطلقت منظمة اليونسكو والاتحاد الدولي للمعماريين مسابقة معمارية دولية لتصميم المتحف. من بين نحو 500 مقترَح، تمّ اختيار مكتب الهندسة المعمارية الإيرلندي.Heneghan Peng Architects استُلهم تصميم المتحف من الأهرامات. فواجهته المثلثة، البالغ ارتفاعها 60 متراً، مكوّنة من ألواح من الألباستر (albâtre) والزجاج الشفّاف الذي يستحضر لون رمال الصحراء، ويتغيّر مظهرها بحسب أوقات النهار والليل. تزدان الواجهة بنقوش هيروغليفية واشكال اهرامات منقوش عليها أسماء 140 فرعوناً. تتماشى بنية الواجهة بصرياً مع الأهرامات الثلاثة القريبة . المبنى بأكمله مزيج من العمارة الحديثة وهندسة الفراعنة المقدسة. من ناحية أخرى يستفيد المتحف من تكنولوجيا متطورة جداً للحفاظ على مقتنياته في أفضل ظروف ممكنة، وإبراز روعتها، وإنارتها وحمايتها من السرقة او التلف. مركز عالمي للبحث العلمي و ترميم الآثار لا يقتصر دور المتحف المصري الكبير على احتضان التاريخ الباهر لمصر القديمة، بل يرسّخ أيضاً موقعه كمركز علمي من الطراز الأول إذ يضمّ مركزاً متقدّماً للأبحاث وترميم الآثار. تبلغ مساحة هذا المركز 32 ألف متر مربّع، وهو أكبر وأحدث مركز في العالم متخصّص بترميم القطع الأثرية. بدأ عمل المركز عام 2010، وهو يضمّ 19 مختبراً من احدث المختبرات المجهّزة بمجاهر رقمية، وأجهزة أشعة سينية وتقنيات تصوير ثلاثية الأبعاد، وتقنيات تحليل طيفي وتقنيات تحديد الحمض النووي…الخ. يعمل في المركز نحو 120 خبيراً من كبار أخصائيين الترميم وباحثين ذات مستوى عالمي. بفضل هذه الإمكانيات التقنية الاستثنائية، لعب المتحف المصري الكبير دوراً محورياً في نقل أكثر من 57 ألف قطعة أثرية من مواقع مختلفة داخل مصر، تم ترميمها في المختبرات التابعة له. إلى جانب ذلك، يقدّم المركز برامج تدريب متخصّصة لخبراء الآثار المصريين والدوليين، ما يعزّز مكانتهٍ كمرجع في مختلف مجالات الحفاظ على التراث في منطقة الشرق الأوسط. من ناحية أخرى يضمّ المتحف مركز مؤتمرات يتّسع لألف شخص، مجهزاً خصيصاً لاستضافة المؤتمرات والندوات الدولية. تجدر الإشارة الى أنّ المتحف شُيّد مع مراعاة معايير حماية البيئة، حيث يعتمد على الطاقة المتجدّدة تصل الى توفير نحو 60٪ من استهلاكه الإجمالي للطاقة، كما يوفر ما يقارب ثلث مجمل استهلاكه للمياه. متحف من أجل المستقبل لا يكتفي المتحف المصري الكبير بحفظ الماضي وترميمه، بل يعيد ابتكار طرق عرضه للأجيال القادمة. فيدمج في مساراته المختلفة تقنيات غامرةtechnologies immersives مثل الواقع المعزَّزréalité augmentée، وإعادة البناء الرقمية reconstruction numérique ، والعروض السمعية البصرية التفاعلية، معتمداً بذلك لغة « « generation Z على حد قول أحمد غنيم، المدير العام للمتحف. تحوّل كل هذه الابتكارات زيارة GEM من زيارة متحف تقليدية إلى رحلة آسرة عبر الزمن. من ناحية أخرى يضمّ GEM متحفاً مخصّصاً للأطفال على مساحة قدرها 5 آلاف متر مربّع، يهدف إلى تشجيع التعلّم عن طريق اللعب باستخدام شاشات وأدوات تفاعليةécrans interactifs . وعليه، لا يُعتبر المتحف المصري الكبير مجرّد معرضاً لتراث وحضارة عريقة، بل يشكل واحة للبحث العلمي و للحوار الحي بين الثقافات. بعد هذه اللمحة السريعة عن نشأة هذا المتحف الاستثنائي، حان الوقت لندخله ونتعرّف إلى بعضٍ من الكنوز التي يحتضنها. وهذا ما سنتناوله في مقالتنا المقبلة : " رعمسيس الثاني يرحب بكم".

الاتحاد المتوسطي: ماذا تبقّى من مسار برشلونة؟ (١/٢)

في هذه السلسلة من المقالات، يتتبع ليفانت تايم نشأة الاتحاد من أجل المتوسط (UpM)، الذي لبنان عضو فيه، وإنشائه وطريقة عمله الحالية. سيختتم السلسلة نهج استشرافي حول ما يمكن لبلد الأرز أن يقوم به، والدور الذي يمكن أن يلعبه في إطار هذا الاتحاد. الاتحاد من أجل المتوسط (UpM) هو الوريث المباشر لعملية برشلونة، ثم للمشروع الذي أطلقه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عام 2008 تحت عنوان «الاتحاد المتوسطي». هذه المبادرة، التي حظيت بموافقة عدد كبير من الفاعلين ولكن رفضها، بل وانتقدها آخرون - خاصة دول شمال أوروبا، بقيادة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، التي كانت متشككة بشأن معالمها وتداعياتها - قدمت مع ذلك ميزتين أساسيتين. الأولى هي أنها أتاحت إنجاز مشروع، وإن كان تحت اسم آخر وبشكل آخر، ولكنه يجسد إنشاء «اتحاد من أجل المتوسط». والثانية هي أنها أعادت إحياء عملية برشلونة التي كانت في حالة تراجع آنذاك، من خلال الحلول محلها، ولكن بعكس منطق بنائها. ارتكز الافتراض الأولي على فكرة أن التنمية المشتركة - بين الشمال والجنوب وبين الجنوب والجنوب - ستسمح بإنشاء منطقة للتجارة الحرة للسلع والخبرات. كان من المفترض أن تساهم التبادلات بين الجنوب والجنوب، على وجه الخصوص، في جعل هذه المجموعة مساحة للسلام والتنمية الثقافية والتقدم الاجتماعي. وافترض أن السياسة ستتبع. وهنا تحديدًا تكمن الحداثة ومحاولة إعادة إطلاق عملية برشلونة، بشكل مختلف. فإذا كان من الممكن أن تدعي العملية بعض النجاحات في المجال الاقتصادي، فقد فشلت جوانبها السياسية والاجتماعية لسبب رئيسي: صعوبة إقامة حوار بين جميع البلدان المعنية، ويرجع ذلك بشكل خاص إلى استحالة حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والذي أضيف إليه الشكوك الكامنة، خاصة حول مواضيع حساسة مثل الهجرة. اعتبر الرئيس ساركوزي، وليس بدون سبب، أن التنمية المنسقة للاقتصادات من خلال مشاريع مشتركة من شأنها أن تسمح بإعادة فتح الحوار على جميع المستويات الأخرى: السياسي والاجتماعي والثقافي. هذا النهج استبعد فورًا ما كان يدعو إليه البعض، ربما لتهميش هذه الفكرة الجديدة، وهو تضاعف المشاريع الصغيرة. كان من المفترض أن يوفر الدفع الذي أعطي للمشاريع الهيكلية فرصة جديدة للمنطقة بأكملها، وما وراء ذلك، أن يكتسب قيمة نموذجية. كان الاتحاد المتوسطي يُنظر إليه على أنه تجمع للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وبالأساس الدول الساحلية، والدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط، بهدف تصميم وتنفيذ مشاريع مشتركة تعزز التنمية الاقتصادية للمنطقة وتحويل هذه المساحة إلى منطقة سلام. في عام 2008، كان الاتحاد الأوروبي قد توسع شرقًا بانضمام عضويه السادس والعشرين والسابع والعشرين، بلغاريا ورومانيا. كان اندماجهما قيد التنفيذ وكان من المقرر أن يكتمل على المدى المتوسط. بيد أن هذا التوسع، المرغوب فيه من بعض النواحي، بدا مفرطًا من حيث إمكاناته، مع خطر أن يؤدي إلى إعادة تشكيل أوروبا في دوائر متحدة المركز، وذلك لتمكين نواة صلبة من التقدم وسحب المجموعات الأخرى بوتيرة مستدامة. من هذا المنطلق، لم يكن ينبغي اعتبار هذين البلدين جزءًا من منطقة البحر الأسود، بل بمثابة الأطراف الشرقية للاتحاد الأوروبي. كانت المشكلات الخاصة بالبحر الأسود حقيقية بالفعل، ولم يكن حلها يعتمد، على المدى القصير، على الاتحاد الأوروبي، بل بالأساس على روسيا. وقد اعتمدت بشكل خاص على قدرة كل دولة ساحلية على حل صعوباتها الداخلية، الموروثة من تفكك الاتحاد السوفيتي السابق، وكذلك تلك المتعلقة بوجود أقليات، وهو وجود حاسم في بعض الأحيان. كانت هذه التحديات تتعلق بالدرجة الأولى بقدرة هذه الدول على إرساء ممارسات ديمقراطية والتحاور فيما بينها، دون إغفال قيودها الجيوسياسية وبيئتها الإقليمية المباشرة. بما أن تحليل الاتحاد من أجل المتوسط سيتم تناوله لاحقًا، فمن المناسب عدم دمج جميع المشكلات الكامنة أو المؤكدة في منظور إنشاء اتحاد، سواء كان أولاً «متوسطيًا»، ثم «من أجل المتوسط». فدول البحر الأبيض المتوسط كان لديها بالفعل ما يكفي من الصعوبات الخاصة بها، دون إضافة مشكلات أبعد، ولكن المستقبل سيظهر أهميتها. هذه العناصر، من بين أمور أخرى، كانت كافية لاستبعاد البحر الأسود وبحر مرمرة من النطاق المتصور. وبالتالي، فإن البحر الأبيض المتوسط المعتمد سيكون هو البحر الأبيض المتوسط في كتب الجغرافيا. المقال التالي: ولادة الاتحاد المتوسطي، مشروع عابر أصبح الاتحاد من أجل المتوسط.

اتفاق لبنان-قبرص: بين المكاسب القانونية والخسائر البحرية

يشكل اتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بين لبنان وقبرص (ZEE)، الموقع في 26 تشرين الثاني 2025 والمصادق عليه بموجب المرسوم رقم 2108 في 16 كانون الأول 2025، خطوة مهمة في السياسة البحرية اللبنانية. وقد قدم هذا الاتفاق رسمياً كوسيلة لضمان استغلال الموارد البحرية، لكنه يثير تحفظات عميقة على الصعيد القانوني والاستراتيجي. قراءة نقدية في الاتفاق يعتبر العميد الركن المتقاعد خليل الجميّل، الخبير في ترسيم الحدود البحرية، أن هذا الاتفاق، رغم بعض الفوائد، يبقى غير مؤاتٍ للبنان إلى حدٍ كبير. إنه اتفاق ينهي نزاعاً طويلاً، لكن بأي ثمن؟ ووفقاً للعميد الجميّل، فإن أحد المكاسب الرئيسة لهذا الاتفاق يكمن في إنهاء النزاع البحري الذي كان قائماً بين لبنان وقبرص منذ ما يقارب العقدين. هذا التوضيح القانوني يضع حداً لمنطقة رمادية كانت تعيق أي تخطيط للطاقة. كما يشير إلى أن الاتفاق سمح بتمديد الحدود البحرية اللبنانية رسمياً مع قبرص من النقطة رقم 1 إلى النقطة رقم 23، والتي أصبحت نقطة التقاء بحرية بين لبنان وقبرص وإسرائيل. ومع ذلك، أن هذا التمديد تم وفق طريقة خط الوسط (Median Line Method)، وهي طريقة، وفق وجهة نظره، تعطي الافضلية لقبرص. ويرى أن إنهاء النزاع، على الرغم من أهميته الظاهرية، تم على حساب المصالح اللبنانية. إعادة إنتاج الخلل يرى الجميّل أن الاتفاق غير عادل للبنان بسبب المنهجية المعتمدة. ويوضح أن التحديد يعتمد على الخط الوسط بين جزيرة، وهي قبرص، ودولة ساحلية قارية، وهي لبنان. ويذكر أن السلطات القضائية البحرية الدولية تعتمد منهجية ثلاثية المراحل: رسم خط وسط مؤقت أو لا، ثم أخذ الظروف ذات الصلة في الاعتبار، ثم اجراء اختبار التناسب النهائي(Proportionality Test). ويأسف على أن هذا النهج لم يُطبق، خصوصاً عدم إجراء اختبار التناسب بين أطوال السواحل المتقابلة. وفي هذا السياق، يشير إلى أن الساحل اللبناني المعني يمتد لحوالي 188 كيلومتراً، مقابل 103 كيلومترات للساحل القبرصي المقابل. هذا النسبة 1.82 لصالح لبنان مقابل 1 لقبرص، كان ينبغي أن تؤدي إلى تحديد أكثر توازناً. ووفق تحليله، أدى عدم احترام هذا المبدأ إلى فقدان حوالي 2600 كيلومتر مربع من المنطقة الاقتصادية اللبنانية لصالح قبرص. ويضيف أن اتفاق 2025 يتبع أساساً نفس منهجية ترسيم الحدود التي كانت متبعة في الاتفاق الموقع عام 2007 بين البلدين، وهو نص لم يُصادق عليه ولم يُطبق بدقة بسبب هذه الاختلالات، وبقي مجمداً لحوالي 18 عاماً. خيارات سياسية مخالفة للتوصيات الرسمية السابقة يسلط العميد الجميّل الضوء أيضاً على تناقض مؤسسي. يذكر أنه في 2022، تم تشكيل لجنة وزارية لبنانية مشتركة لدراسة مسألة الحدود البحرية مع قبرص. وقد أوصت هذه اللجنة باستخدام المنهجية الثلاثية المراحل وأخذ التناسب بين السواحل في الاعتبار، مع الاعتراف صراحة بأن الخط الوسطي ضارٌ للبنان. ومع ذلك، في 2025، تم تشكيل لجنة وزارية جديدة، تضم نفس الوزارات، إلا أن هذه اللجنة ألغت توصيات اللجنة السابقة وصدقت على ترسيم الحدود وفق طريقة خط الوسط، وهي طريقة كان لبنان قد رفضها طويلاً وكانت سببًا اساسيًّا في تجميد اتفاق 2007. من الاتفاق القانوني إلى الأسئلة السيادية بعيداً عن التقييم التقني الذي يقدّمه العميد الجميّل، يوضح هذا الاتفاق معضلة كلاسيكية في المفاوضات الدولية: السعي إلى حل فوري وواضح قد يتم على حساب المبادئ الفنية والمصالح الاستراتيجية على المدى الطويل. المكسب الأساسي للاتفاق – التوضيح القانوني للحدود البحرية وإنهاء النزاع التاريخي مع قبرص – لا يمكن إنكاره، وهو يوفر استقراراً قانونياً يمكن أن يشجع على الاستثمار في المناطق البحرية. ومع ذلك، المنهجية المعتمدة تكشف عن تجاهل للمعايير الفنية المعترف بها دولياً، خصوصاً اختبار التناسب النهائي. لاتفاق على الخط الوسيط دون تعديل يتناسب مع طول السواحل يعكس حلا وسطاً سياسياً ربما جاء نتيجة الرغبة في إبرام اتفاق سريع بعد 18 عاماً من الجمود، لكنه يترك لبنان مع خسارة ملموسة في مساحة البحر الصالحة للاستغلال. هذا الخيار الاستراتيجي، رغم أنه يؤمن حدوداً واضحة، يضعف الإمكانيات الاقتصادية المستقبلية، لا سيما فيما يتعلق بالموارد الغازية والنفطية. أخيراً، التباين بين توصيات لجنة 2022 والموافقة النهائية في 2025 يبرز مشكلة مستمرة في الحوكمة اللبنانية: استمرار النهج الفني والمؤسسي أحياناً يُضحى به في سبيل قرارات سياسية مؤقتة. والنتيجة هي اتفاق يوفر وضوحاً حدودياً لكنه يطرح أسئلة مشروعة حول حماية المصالح الوطنية والقدرة على اتباع استراتيجية بحرية متماسكة وطويلة الأمد.

لإيقاف السقوط
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

هل أصبحت الوقاحة محرّك التاريخ؟ من يتابع مسار الأحداث عن كثب قد يخلص، عن حق، إلى هذا الاستنتاج. فثمّة بالفعل شيء فاضح في الطريقة التي لا يزال بها العالم المعاصر يحتفي بمحاكاته الزائفة للنظام، في الوقت الذي تتهاوى فيه السدود كلها، بلا استثناء. نعم، الخطابات المتدفقة لا تزال حاضرة، والمؤسسات تتكاثر. لم تكن الخطب الكبرى يوماً بهذا القدر من الوفرة، لكنها باتت اليوم تطفو في فراغ مقلق، وتصدر صدى أجوف، حين لا تضيع في الكتلة غير المتشكلة من التضليل وتيمات الشعبوية والهويات القاتلة. وهكذا لا نزال نتحدث عن القانون، والسيادة، والشرعية، والأمن الجماعي، كما لو أننا نردد ألفاظاً مهترئة من ليتورجيا دنيوية عدميّة… في الوقت الذي نقبل فيه، وبقدر من الاستسلام، أن تعود العنف ليغدو متغيراً مقبولاً في مسار التاريخ. البنى التي وُلدت من أنقاض القرن العشرين، تلك التي سعت إلى احتواء القوة، وضبطها، وإخضاعها لحد أدنى من القواعد المشتركة، تُفكَّك اليوم بشكل منهجي. لا بفعل الجهل، بل نتيجة إرادة ميفيستوفيلية، مفترسة ومدمّرة. تُعتبر هذه البنى بطيئة أكثر من اللازم، أخلاقية أكثر من اللازم، مقيِّدة أكثر مما ينبغي لعالم يطالب مجدداً بالاستثناء الدائم، وبالسلطة المنفلتة، وبالهوية كتبرير أخير. إن النظام المنبثق من سان فرانسيسكو وبريتون وودز يُفرَّغ عمداً وبصورة منهجية من مضمونه، ليغدو مجرد ديكور دبلوماسي رخيص. وبالتالي، وقد تحررت من كل كوابحها، تتكاثر نداءات الإمبراطورية، بأشكال مختلفة لكنها متقاربة في الجوهر. لا يهم إن ارتدت لباس الأمة، أو الحضارة، أو الأمن، أو العقيدة: المنطق واحد. عالم مُجزّأ إلى مناطق نفوذ، حيث تُطبّق القاعدة على الآخرين، وحيث تصبح القوة لغة السياسة، وحيث يُختزل الإنسان إلى ضرر جانبي. تتلاشى الفوارق الإيديولوجية أمام قسوة واحدة مشتركة. وفي هذا الإطار، تتحول النزعة إلى التطرف إلى نبوءة تحقق ذاتها، تبرّر لكل فاعل سلوكه. أفعى تلتهم ذيلها، إلى أن لا يبقى شيء، لا منها ولا مما حولها. في مثل هذا المشهد، لا يسع المرء إلا أن يلاحظ أن الشعوب لم تعد تُحسب كثيراً. خارج استطلاعات الرأي، يتم استدعاؤها، توظيفها، والتضحية بها في سبيل مشاريع أكبر منها. بعضها بشكل أوضح من غيره. إيران اليوم تجسّد هذا الانهيار الأخلاقي. مجتمع كامل، واعٍ، شجاع، غني ثقافياً، يواجه قمعاً عنيفاً، بارداً، متكرراً، يكاد يكون صناعياً. وفي المقابل، يراقب العالم، يعبّر عن سخط متقطع، ثم يساير، بهدوء. حذر دبلوماسي يتحول إلى ذريعة، وحسابات استراتيجية تطغى على أي مطلب أخلاقي. وكأن الحرية يمكن أن تنتظر، وكأن بعض الأرواح أقل قيمة من توازنات إقليمية أو مصالح طاقوية. غير أن ما يجري في طهران، كما في أوكرانيا أو غزة، يتجاوز نظاماً أو أزمة أو بلداً بعينه. إنه يعيد طرح مسألة معنى النظام الدولي ذاته. ما قيمة نظام لا يحمي من هم بأمسّ الحاجة إلى الحماية؟ ما معنى حكم القانون حين يتراجع بمجرد أن يصبح مكلفاً؟ متى يتوقف الكوني عن كونه مبدأ ليصبح خطاباً مشروطاً، خاضعاً لموازين القوى وأمزجة الأقوياء؟ كيف يمكن إعادة بناء نظام إنساني، تكون فيه الحرية مكوّناً جوهرياً للشخص الإنساني، من دون تحطيم ما هو مكسور أصلاً؟ هذه أسئلة قديمة قِدم العالم. لكنها في نظام بلا أي صمّامات أمان، تصبح ملحّة إلى حد الإلحاح المرضي. الحقيقة أننا ربما دخلنا تلك اللحظة المخيفة التي تستمر فيها الثقافة بإنتاج الأشكال والصور والخطابات، بينما تكفّ الحضارة عن الإيمان بما تقوله. نهاية ثقافة، على حد تعبير جورج شتاينر، ليست حتى الآن استعراضية – فالشر غالباً ما يتجلى في عاديّته – لكنها مع ذلك شاملة. التعب الأخلاقي يتعمق؛ المعايير تتلاشى؛ اللغة تُفرَّغ من معناها في سيل متواصل من الصور والشعارات والاستنكارات الانتقائية. العقل يتزعزع. هل هُزم، أم أعلن انسحابه لغياب من يدافع عنه؟ لا يهم. النتيجة واحدة. في هذا الفراغ المسكون بالوحوش – وما أطول هذا الليل الطويل من الفراغ – تتصلب الهويات، يتشرعن العنف، ويغدو الخوف أساس السياسة ومادتها. يعيد العالم اكتشاف ردود الفعل القديمة، برعب أو بفتور: الانغلاق، الكراهية، الافتتان بالرجال الأقوياء، وازدراء الحريات باسم الأمن. لم تنتج العولمة الكونية الموعودة، بل سرعت غالباً التفكك والذرّة وفقدان الرابط. في كل مكان، تعجز المجتمعات عن إنتاج مرجعيات مشتركة، من دونها لا ثقافة حية ولا تعايش ممكن. وإذا كانت نووية موازين القوى قد عادت إلى الواجهة، فإن نووية العلاقات الإنسانية والعقول قد تحققت بالفعل. لم يكن هناك توازن ردع. من واشنطن إلى موسكو، مروراً بتل أبيب وطهران وأنقرة، يسود إجماع على سباق تفتيت الإنسانية. أمام هذا الفشل الدولتي – الناتج في جزء كبير منه عن جماعيات تزداد نرجسية وريبة – تفرض نفسها مسؤولية جديدة، شاء من شاء وأبى من أبى: مسؤولية رأي عام عالمي عابر للحدود. لا جمهوراً عاطفياً، قطعاً لا. ولا أخلاقاً للزينة. بل وعياً قادراً على تجاوز الحدود، ورفض تراتبيات الشفقة الضمنية، وتسمية غير المقبول حيثما وُجد. رأياً عاماً لا يكتفي بالتعليق، بل يعيد الأمور إلى مستوى المسؤولية، والواقع، وأخلاق العلاقات الدولية. يذكّر بأن ليس كل شيء متساوياً، وبأن ليس كل شيء قابلاً للتفاوض. وبأن ثمة سلّم قيم ما زال يحكم مصير هذا الكوكب، حتى وإن كان يعاني ليجد موطئ قدم. أو أن البشر قرروا، اليوم، أنهم لا يريدون العيش معاً بسلام في فضاء واحد، وأن عليهم تدمير المبادئ التي تجمعهم باسم فروقاتهم الصغيرة وقلقهم الوجودي. قد يبدو هذا ضرباً من السذاجة. لكنه ليس طوباوية. وعلى أي حال، ما الذي تبقى لنخسره، قبل أن يتحول العالم بأسره، كما في مطلع القرن العشرين، إلى ساحة أنقاض هائلة، إلى مقبرة جماعية عملاقة؟ إن ابتكار نظام جديد لا يعني الحلم بعالم مسالم أو متصالح. بل يعني إعادة إدخال الحدود، وإعادة كلفة للعنف، والتأكيد من جديد أن كرامة الإنسان ليست خياراً، بل ضرورة حيوية. وهذا يتطلب صحوة حضارية، هشّة، صراعية، ناقصة، لكنها ضرورية. لا لوعد بالجنة، بل لمنع تطبيع الجحيم. وإلا فإن الكلفة الأخلاقية للصمت والتقاعس ستكون باهظة، على الجميع. السقوط في العنف ليس قدراً تاريخياً. إنه دائماً خيار. وكذلك النهضة.

المعايرة الدبلوماسية للكنيسة الكاثوليكية في النزاعات: مثال فنزويلا

من المفارقات أن الانقلاب الأمريكي في فنزويلا ليلة 3-4 يناير/كانون الثاني شكّل بداية فصل جديد من "عدم الاستقرار العالمي"، الذي حذّر منه البابا ليو الرابع عشر قبل أيام قليلة في رسالته بمناسبة اليوم الدولي التاسع والخمسين للسلام في 1 يناير/كانون الثاني 2026. وقال البابا: "في العلاقات بين المواطنين والحكومات، بتنا نعتبر عدم الاستعداد الكافي للحرب، والرد على الهجمات، والتصدي للعنف، خطأً. وبعيدًا عن مبدأ الدفاع عن النفس، يُعدّ هذا المنطق العدائي، سياسيًا، العامل الأبرز في حالة عدم الاستقرار العالمي التي تزداد حدةً وتقلبًا يومًا بعد يوم". وفيما يتعلق بـ"عدم الاستقرار" و"عدم القدرة على التنبؤ"، فقد أحسنت الولايات المتحدة التصرف! لا شك أن فنزويلا "لطالما وُصمت لسنوات طويلة بتجارة المخدرات والفساد"، وفقًا لما ذكره الأب جورج إنجل، وهو كاهن مبشر نقل عنه أوليفييه بونيل في أخبار الفاتيكان. ولذلك، لن يحزن أحد حقًا على نيكولاس مادورو، الذي انتُخب في 10 يناير 2025 لولاية ثالثة اعتبرتها أغلبية المجتمع الدولي غير شرعية. ومع ذلك، فإن تصرفات الولايات المتحدة غير مبررة. في الواقع، ردًا على الانقلاب، خلال صلاة التبشير الملائكي في 4 يناير، تجنب البابا بحرص الانحياز لأي طرف في النزاع، مكتفيًا بالقول إن "مصلحة الشعب الفنزويلي الحبيب يجب أن تسود على جميع الاعتبارات الأخرى". هذا الموقف المتزن سمة مميزة للدبلوماسية الفاتيكانية، التي دائمًا ما تضع نفسها فوق الأطراف المتنازعة للدفاع عما تعتبره جوهريًا، حتى لو كان ذلك يُعرّضها لخطر اتهامها بمساواة المعتدي بالضحية. الجوهري والفرعي يأتي الجانب "الجوهري" محل النقاش لاحقًا في رسالة البابا. يتعلق الأمر بـ"تجاوز العنف والسير على درب العدالة والسلام، من خلال ضمان سيادة البلاد، وتأمين سيادة القانون المنصوص عليها في الدستور، واحترام حقوق الإنسان والحقوق المدنية لكل فرد، والعمل معًا لبناء مستقبل هادئ يسوده التعاون والاستقرار والوئام، مع إيلاء اهتمام خاص لأشد الناس فقرًا الذين يعانون من الوضع الاقتصادي الصعب". هذا النوع من الدبلوماسية، الذي لا تزال فيه سيادة الدول والقواعد الدستورية وحقوق الإنسان هي الأساس، هو "الحياد الفعال"؛ وهو ابتعاد عن "المحاور" الجيوسياسية، على غرار النهج الذي يأمل البطريرك الماروني أن يتبناه لبنان. يُشار إلى هذا المسار الدبلوماسي أيضًا في لغة الفاتيكان بـ"دبلوماسية الصالح العام". وتتمثل وسائله في الحوار، وهي وسائل "منزوعة السلاح وقادرة على نزع السلاح"، على حد تعبير البابا ليو الرابع عشر، مما يميزه، على سبيل المثال، عن دبلوماسية الأمم المتحدة، التي تختلف أدواتها اختلافًا جذريًا. الحياد الفعال، لا السلبي يعني "الحياد الفعال" أن الكرسي الرسولي لا ينحاز لأي طرف، دون أن يبقى سلبياً أو "محايداً" عند انتهاك الحقوق الأساسية. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2023، أعرب الكاردينال بارولين، في بيان علني، عن قلقه البالغ إزاء تصاعد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، واصفاً الأحداث الجارية بأنها قد ترقى إلى "إبادة جماعية". وبما أن الكرسي الرسولي لا يملك مصالح اقتصادية أو عسكرية، فإنه يستطيع تقييم الوضع استناداً إلى مبادئ أخلاقية، مع تشجيع الحوار واقتراح حلول سلمية للنزاعات كلما أمكن. وغالباً ما يعمل الفاتيكان، بالتوازي مع ذلك، في الخفاء، بسرية وثبات، في اتجاه اللاعنف. من الخاص إلى العام لا يمنع هذا دبلوماسية الفاتيكان، في جوهرها، من الانتقال من الخاص إلى العام. ففي رسالته بمناسبة اليوم العالمي للسلام، يناشد الفاتيكان وقف انتشار الأسلحة وصناعة التسلح. يأخذ هذا النداء في الحسبان، هذا العام، إدخال الخوارزميات والردع النووي في النزاعات، ليُبين أن هذا التطور الجديد، الذي تتجلى آثاره المدمرة في الشرق الأوسط وأوروبا، يُقوّض أسس الحضارة الإنسانية ويقود البشرية إلى حافة الهاوية. ويضيف البيان: "إننا نشهد عملية إعفاء القادة السياسيين والعسكريين من المسؤولية، نتيجةً لتزايد تفويض القرارات المتعلقة بحياة البشر وموتهم إلى الآلات. إنها دوامة تدميرية غير مسبوقة للنزعة الإنسانية القانونية والفلسفية التي تقوم عليها الحضارة الإنسانية وتحميها". الإنسانية الفلسفية والقانونية ما هي تحديدًا هذه "الإنسانية القانونية والفلسفية" التي طرحها البابا ليو الرابع عشر؟ فلسفيًا، تؤكد هذه الإنسانية على أن الإنسان يتمتع بكرامة متأصلة، مستقلة عن نفعه أو ثروته أو قوته؛ كما تؤكد على أن الإنسان مُنح العقل والحرية، وبالتالي فهو مسؤول عن أفعاله؛ وأخيرًا، تؤكد على أن المجتمع والسياسة والعلم يجب أن تخدم الإنسانية، لا العكس. تتوافق هذه المفاهيم، المتجذرة بعمق في الأنثروبولوجيا المسيحية، مع الإيمان بأن كل إنسان مخلوق على صورة الله، وأن كرامة الإنسان بالتالي غير قابلة للتصرف، حتى في حالات الضعف (المرض، الفقر، الشيخوخة، أو ارتكاب الخطأ). قانونيًا، تعني الإنسانية أن القانون وُجد لحماية الإنسان، وليس لمجرد تنظيم السلطة. وهذا يستلزم بشكل خاص رفض القوانين التي تُعامل البشر كأشياء (سلع، أدوات، بيانات)، لا سيما في علاقات الإنتاج. يشكل هذا نقدًا للأنظمة القانونية التقنية أو النفعية البحتة، وكذلك لفكرة أن "كل ما هو قانوني فهو عادل". وكما نرى، تستند الكنيسة في أحكامها إلى مبادئ واضحة للغاية. يصف البعض عصرنا بأنه "كارثي" ويرون في الأحداث الجارية علامة على "نهاية الزمان". ولكن لا داعي للمبالغة في الحكم. فكما أكد القديس أوغسطين، المرشد الفكري للبابا ليو الرابع عشر، فإن الناس أحرار ومسؤولون ومحاسبون على أفعالهم، وسيُحاسبون عليها. ومع ذلك، لا يمنع هذا عصرنا من أن يكون مثيرًا للقلق حقًا.

سقوط النظام الإيراني يطرح أهمية إدارة تداعياته

في إيران اليوم، يتقدّم مشهدان متوازيان لا يلغيان بعضهما بل يعمّقان المأزق: شوارع تغلي بتظاهرات متقطّعة لكنها عنيدة، وسلطة تردّ عليها بقبضة أمنية أشد قسوة يقودها الحرس الثوري والمرشد معًا. هذا التوازي لا يُعبّر عن توازن، بل عن خوف. فالأنظمة الواثقة لا تحتاج إلى هذا المستوى من العنف المستدام، فيما الأنظمة المأزومة تعرف أن أي تراجع أمني قد يتحوّل إلى لحظة انهيار. غير أن السؤال الأخطر لا يتعلّق فقط بقدرة النظام الإيراني على الصمود داخليًا، بل بتداعيات أي اهتزاز أو سقوط محتمل على الإقليم بأسره. فإيران لم تكن يومًا دولة منغلقة على أزماتها، بل مركز شبكة نفوذ عابرة للحدود، بُنيت بعناية على مدى أكثر من أربعة عقود. وأي تصدّع في المركز سينعكس حُكمًا على الأطراف. منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، قام النظام على معادلة واضحة: شرعية أيديولوجية تعلو على الإرادة الشعبية، وأداة قمعية فعّالة تحمي هذه الشرعية بالقوة. اليوم، تتآكل الركيزة الأولى مع توسّع الاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فيما تُستنزف الركيزة الثانية مع اضطرار الحرس الثوري إلى لعب دور شرطة داخلية، بدل كونه ذراعًا للتوسّع الإقليمي. وهذه المفارقة ليست تفصيلًا، بل خلل بنيوي يضرب جوهر المشروع الإيراني. فكل ساعة يقضيها الحرس الثوري في قمع الداخل، هي ساعة تُسحب من إدارة النفوذ في الخارج. وكل تصعيد أمني داخلي يرفع كلفة المشروع الإقليمي، سياسيًا وماليًا ومعنويًا. من هنا، فإن اشتداد القمع لا يعني بالضرورة تثبيت النظام، بل قد يكون مؤشرًا على دخوله مرحلة استنزاف طويل، تُدار فيها الأزمة لا تُحلّ. في هذا السياق، يمكن التمييز بين سيناريوهين رئيسيين لنتائج الأزمة الإيرانية. الأول، أن ينجح النظام في احتواء الاحتجاجات عبر العنف المفرط، مع الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة والحرس الثوري. في هذا السيناريو، لا يسقط النظام فورًا، لكنه ينكفئ إقليميًا قسرًا، وتُعاد الأولوية المطلقة لبقاء السلطة في الداخل. الثاني، أن يتحوّل القمع إلى عامل تفجير، فتتوسع التظاهرات، وتدخل البلاد في حلقة تصعيد لا يمكن ضبطها، ما يفتح الباب أمام انهيار سياسي قد يكون سريعًا أو تدريجيًا، لكنه سيكون عميق الأثر. في اليمن، ينعكس هذا التحوّل مباشرة على جماعة الحوثي. فالجماعة التي ارتبط صعودها بالدعم الإيراني ستواجه تراجعًا في التمويل والتسليح والخبرات. ومع اشتداد الأزمة داخل إيران، ستُقلَّص الموارد المخصّصة للساحات الخارجية، لا سيما تلك الأقل أولوية استراتيجيًا. وعليه، قد يندفع الحوثيون نحو تسوية سياسية تحفظ لهم الحد الأدنى من النفوذ، أو يواجهون خطر التفكك الداخلي تحت ضغط الحرب والاقتصاد والبنية الاجتماعية المحلية. أما في العراق، فسيكون أثر التراجع الإيراني أكثر تعقيدًا. فالميليشيات المرتبطة بطهران، والتي اعتادت العمل تحت مظلة إقليمية قوية، ستُجبر على إعادة تعريف دورها. ومع غياب الدعم غير المشروط، ستبرز انقسامات بين أجنحة تسعى إلى “عراقنة” القرار، وأخرى تفضّل التصعيد للحفاظ على المكتسبات. هنا، يتحوّل اشتداد القمع في إيران من مصدر قوة إلى عامل ضعف، لأنه يسحب الغطاء الرمزي والسياسي عن هذه القوى، ويفتح نافذة – وإن كانت محفوفة بالمخاطر – أمام استعادة الدولة العراقية لجزء من سيادتها. لبنان، بطبيعته، يلتقط ارتدادات الأزمات الإقليمية بسرعة مضاعفة. فحزب الله، بوصفه الامتداد الأكثر تنظيمًا للمشروع الإيراني، سيتأثر مباشرة بتراجع قدرة طهران على التمويل والدعم. ومع اشتداد القمع داخل إيران، يفقد الحزب جزءًا من الغطاء المعنوي الذي لطالما استخدم لتبرير دوره العقائدي العابر للحدود. هذا الواقع يضعه أمام مأزق مزدوج: إما الحفاظ على سلاحه في ظل غياب المظلّة الإقليمية، أو إعادة التموضع سياسيًا داخل الدولة اللبنانية. في هذا السياق، تبرز مسألة التوقيت السياسي في لبنان كعامل حاسم. فإجراء الاستحقاقات الانتخابية في ذروة انكفاء إيراني غير مكتمل قد يمنح القوى الموالية لطهران فرصة لإعادة شدّ العصب، فيما يَعتبر كثر أن أي تأجيل تقني، في ظل تراجع التمويل والدعم العسكري، ولا سيما بعد “حرب الإسناد” وما خلّفته من دمار من دون أفق واضح لإعادة الإعمار، قد يُسرّع في تآكل القاعدة الشعبية للثنائي الشيعي، ويكشف حجم الأزمة الاجتماعية التي يعيشها جمهوره. هنا، لا يعود النقاش دستوريًا فحسب، بل سياسيًا بامتياز، مرتبطًا بميزان القوى المتحرّك في الإقليم. إقليميًا، يشير تزامن التظاهرات المتصاعدة والقمع المتشدد في إيران إلى بداية مرحلة انتقالية غير مستقرة. دول الخليج تراقب بحذر، مدركة أن ضعف إيران قد يكون فرصة لإعادة ترتيب الأمن الإقليمي، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر الفوضى. إسرائيل ترى في انشغال طهران بنفسها مكسبًا استراتيجيًا واضحًا، لكنها تتحسّب لسيناريوهات الانفلات. أما تركيا، فتستعد لمحاولة ملء أي فراغ محتمل، خصوصًا في سوريا والعراق. إن اشتداد التظاهرات في إيران، يقابله تشدد غير مسبوق من قبل الحرس الثوري، لا يعني أن النظام حسم المعركة، بل إنه دخل مرحلة “كسر عظم” طويلة. وفي هذه المرحلة، لن يكون السؤال متى يسقط النظام فقط، بل كيف، وبأي كلفة، وعلى حساب من في الإقليم. فسقوط النظام الإيراني، إن حصل، لن يكون مشهدًا احتفاليًا، بل لحظة خطرة، تتطلّب دولًا قوية ونخبًا سياسية واعية. ومن دون ذلك، قد يتحوّل انهيار مركز النفوذ إلى فوضى واسعة… بلا بديل.