شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
مرحبًا بكم عند رمسيس الثاني
بقلم
ميشا مسلم
نُشر

في مقالنا الأول، تتبعنا خطوات بناء المتحف المصري الكبير واستكشفنا قسمه الفني، المسؤول عن ترميم القطع الأثرية التي اكتشفها علماء الآثار. حان الوقت لاكتشاف بعض الكنوز التي يحتفظ بها. بمجرد دخولنا المتحف المصري الكبير، يستقبلنا بهو مهيب (الأتريوم) بمساحة 10,000 متر مربع تحت سقف زجاجي، ودرج عظيم مكون من 108 درجات يمتد على مساحة 6,000 متر مربع موزعة على 6 طوابق. يضم المتحف 12 قاعة عرض ويتميز بهيكل منظم حول ثلاثة محاور رئيسية: الملكية، والمجتمع، والمعتقدات، ويغطي بذلك فترات زمنية تمتد من عصر ما قبل الأسرات إلى العصر اليوناني الروماني. رحلة رائعة عبر 7000 عام من التاريخ يهيمن على البهو الكبير تمثال رمسيس الثاني الضخم، الذي اكتشف بالقرب من ممفيس القديمة عام 1820. يعود عمره إلى 3000 عام، ويبلغ ارتفاعه 11 مترًا ويزن أكثر من 80 طنًا من الجرانيت الأحمر، ويبدو التمثال المهيب وكأنه يتقدم لاستقبالنا. قبل المتحف المصري الكبير، كان هذا التمثال يتوج مدخل محطة قطار القاهرة في الميدان الذي يحمل اسم الفرعون. وقد كان لا بد من وضعها داخل المتحف حتى قبل بناء القاعة، حيث كان من المستحيل إدخالها عبر الأبواب نظرًا لأبعادها الاستثنائية. أما الدرج الكبير، فقد صُمم هو نفسه كعمل فني ويوفر إطلالة بانورامية خلابة على الأهرامات. وهو مزين بتماثيل ضخمة للفراعنة، وتوابيت، وقطع أثرية لا تقدر بثمن، مرتبة وفقًا لأربعة محاور محددة تتبع عرضًا مسرحيًا مذهلاً: تماثيل الملوك والملكات، وأماكن الصلاة، وعلاقة الملك بالآلهة، وأخيرًا توابيت الملوك والملكات. في أعلى الدرج وعلى طول المسار، نقطة الجذب الرئيسية هي بلا شك المنظر الخلاب للأهرامات. بعض العجائب يجمع المتحف أجمل كنوز مصر القديمة ويحتوي على آلاف القطع التي تم ترميمها جميعًا بعناية في الموقع، داخل مختبرات المتحف. وهناك آلاف القطع الأخرى تنتظر دورها في الترميم. من بين هذه العجائب، طابق مخصص لتوت عنخ آمون. فالفرعون الشاب، الذي توفي في سن 19 عامًا، يفتن السياح من جميع أنحاء العالم بقدر ما يفتن علماء المصريات والباحثين الآخرين. يعود هذا أساسًا إلى الكنز غير المسبوق الذي اكتشفه المهندس المعماري هوارد كارتر سليمًا في مقبرته، وقد شكل هذا الاكتشاف نقطة تحول حاسمة في تاريخ علم المصريات. يشمل كنز توت عنخ آمون أكثر من 5000 قطعة معروضة في قاعتين بمساحة 7000 متر مربع. من بين القطع الرائعة التي تخص توت عنخ آمون، قناعه الجنائزي الشهير، وهو تحفة فنية تعكس براعة وصياغة المجوهرات في مصر القديمة. إنه مصنوع من الذهب الخالص المرصع بالفيروز واللازورد والكوارتز... ويزن حوالي 10 كيلوغرامات. وضع في مقبرة الفرعون ليتمكن روحه من التعرف على جسده في الحياة الأخرى. يمكن أيضًا الإعجاب في القاعتين المخصصتين له، بعرشه الذهبي وعرباته الحربية الست، وأسِرّته الجنائزية الثلاثة التي منها واحد من الذهب الخالص، ومئات القطع (مجوهرات، تمائم، ملابس... إلخ) المخصصة لمرافقته في الحياة الأخرى. مركب خوفو جاذبية رئيسية أخرى للمتحف، هي قاعة مراكب خوفو حيث يمكن الإعجاب بالمركب الشمسي للفرعون، باني الهرم الأكبر. يبلغ طوله 43.5 مترًا وعرضه 5.9 مترًا، ويعود تاريخه لأكثر من 4600 عام. كقطعة رمزية في الأساطير المصرية المرتبطة بدورة رع، إله الشمس، تعتبر أقدم سفينة سليمة في العالم. كان من المفترض أن تستخدم هذه التحفة المصنوعة من خشب الأرز اللبناني، والذي كان ثمينًا جدًا في العصور القديمة، لنقل الملك المتوفى إلى العالم الآخر. عثر عليها سليمة في حفرة، ولكنها كانت في قطع متفرقة على شكل أحجية مكونة من 1224 قطعة. استغرق الخبراء 10 سنوات لإعادة تجميعها، حيث أن آليتها لا تتضمن مسامير أو براغي. في مقالنا القادم، سندرس تأثير المتحف، مصدر الفخر الوطني، على الإشعاع الثقافي واقتصاد مصر.

العودة إلى الإرث السياسي لمحمد مهدي شمس الدين

أحيا لبنان، وتحديدًا الطائفة الشيعية، مؤخرًا الذكرى الخامسة والعشرين لوفاة الإمام محمد مهدي شمس الدين، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للشيعة، في العاشر من يناير/كانون الثاني عام ٢٠٠١. لأكثر من عقدين، كان شمس الدين الزعيم الروحي للطائفة الشيعية اللبنانية، خلفًا للإمام موسى الصدر الذي اختفى في ظروف غامضة خلال زيارة إلى ليبيا عام ١٩٧٨. وقد ترك وراءه "وصية" سياسية يجهل وجودها وأهميتها الحقيقية (أو يُتجاهل وجودها عمدًا) لدى الكثير من اللبنانيين والأجانب، لا سيما في الأوساط الأكاديمية والصحفية. ويتجلى البعد التاريخي والوجودي لهذا الإرث في التطورات الدراماتيكية التي تشهدها لبنان والمنطقة حاليًا. يحتاج لبنان وبلاد الشام، أكثر من أي وقت مضى، إلى إسهام شخصية في الحياة العامة، كالإمام شمس الدين، تجمع بين السلطة الأخلاقية والانفتاح الفكري والفهم العميق للواقع الاجتماعي والسياسي الراهن. في أواخر حياته، ورغم ضعفه بسبب المرض، سجّل مذكراته وتوصياته على أشرطة كاسيت بشأن المسار الذي ينبغي على الشيعة في لبنان والمنطقة اتباعه. وحثّ على وجه الخصوص أبناء دينه على عدم تبني "مشروع سياسي خاص بالشيعة"، وعلى خوض النضال من أجل نيل حقوقهم "بالاندماج في المجتمع الذي يعيشون فيه". باختصار، كان يرفض، بشكلٍ غير مباشر، مبدأ تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية، الذي أطلقه الحرس الثوري (باسداران) عقب وصول الخميني إلى السلطة عام ١٩٧٩. وقد عارض بشدة النظام الذي أسسه الخميني، القائم على سلطة ولي الفقيه، أي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية - في هذه الحالة، هو وخلفاؤه - الذي، بصفته سليلًا مباشرًا للنبي، كان يمتلك سلطة اتخاذ القرار المطلقة والنهائية في المسائل الاستراتيجية، بما في ذلك قرارات الحرب والسلام. بتأسيسه هذا النظام السياسي، زرع آية الله الخميني بذور عدم استقرار إقليمي مزمن، نتيجة نظام استبدادي أغرق الشرق الأوسط بأكمله في الفوضى لأكثر من أربعة عقود. ولسبب وجيه: فقد صُممت ولاية الفقيه لتكون سلطة مطلقة ليس فقط للإيرانيين، بل لجميع الشيعة أيضًا. من الناحية الدينية، يتعين على كل جماعة أو فرد شيعي اختيار مرشده الروحي. إلا أن منح نفسه السلطة استنادًا إلى "شرعية" إلهية (وبالتالي لا تقبل النقاش)، جعل قائد الجمهورية الإسلامية الجديد (الخميني، ثم خامنئي، وحاليًا) نفسه فوق جميع السلطات الدينية الأخرى، ليخدم - وهنا تكمن المشكلة - مشروعًا سياسيًا عابرًا للحدود، توسعيًا، هيمنيًا، وقمعيًا، يُضفي الشرعية على العنف كأسلوب عمل. إن هذا "التدخل" الخميني في الكيان الاجتماعي السياسي الديني الشيعي لا يمكن إلا أن يكون مصدرًا للتوتر والصراع في العالم العربي، تحت وطأة "تصدير الثورة الإسلامية" والسلطة الإلهية الممنوحة للمرشد الأعلى. وقد رأى الشيخ محمد مهدي شمس الدين، صاحب الرؤية الثاقبة، الخطر المحدق، فنأى بنفسه بوضوح عن أسس ولاية الفقيه وعن طموحات الحرس الثوري الإسلامي التوسعية. كان هذا النهج مشابهاً لنهج المرشد الروحي للشيعة في العراق، آية الله السيستاني، والإمام موسى الصدر، وحتى الشيخ محمد حسين فضل الله، الذي وصفه العديد من المراقبين الغربيين خطأً بأنه "المرشد الروحي لحزب الله"، بينما هو في الحقيقة كان يُشكك في السلطة الإلهية للولي الفقيه، وبالتالي أبدى تحفظات على مسار حزب الله في لبنان. بعد أكثر من خمسة وعشرين عاماً، أظهرت الأحداث الطبيعة الرؤيوية للإرث السياسي للشيخ شمس الدين. ففي الواقع، استناداً إلى "المشروع العابر للحدود الخاص بالشيعة"، الذي ندد به الرئيس السابق للمجلس الأعلى الإسلامي، لجأ النظام الإيراني إلى ميليشيات من دول عربية لقمع شعبه بوحشية قبل أيام. إن شعار "لا غزة ولا حزب الله، نبذل أرواحنا فداءً لإيران"، الذي أطلقه الثوار الإيرانيون، يُلخص وحده البُعد التاريخي والوجودي الكامل للرؤية التي عبّر عنها الإمام شمس الدين. قبل كل شيء، يعكس ذلك الاستياء العميق تجاه السكان العرب الذي يتجلى في شريحة كبيرة من الرأي العام الإيراني، والذي لا يستطيع أن يفهم كيف يمكن للجناح الراديكالي للنظام الإيراني أن ينفق عشرات المليارات من الدولارات للحفاظ على وكلاء في الدول العربية.يأتي هذا في وقت تواجه فيه إيران أزمة اجتماعية واقتصادية حادة وغير مسبوقة. وعلى هذا الأساس نفسه، أي "المشروع العابر للحدود الخاص بالشيعة"، يواصل الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، إعطاء الأولوية لمصالح النظام الإيراني على حساب ضرورة بناء دولة لبنانية قوية ذات سيادة. بل وصل به الأمر إلى تهديد وزير الخارجية جو راجي (الذي يُعتبر متشددًا في دعم السيادة!)، ولم ينسَ التلويح بشبح الاضطرابات الداخلية في حال نفذت الحكومة قرارها بنزع سلاح حزب الله. وفي أحد خطاباته العلنية الأخيرة، دعا الرئيس جوزيف عون حزب الله إلى "التحلي بالعقلانية"، الأمر الذي أثار استياء نعيم قاسم (الذي يرى أن مصالح إيران تحتل الصدارة!). ولإيقاف هذا الانزلاق الانتحاري من جانب الحزب الموالي لإيران، بات من الضروري اتخاذ خطوة حاسمة وعاجلة: التوافق مع توصيات الإرث السياسي النبوي لمحمد مهدي شمس الدين. حتى لو تطلّب هذا حتمًا - وسيتعين عليهم الاعتراف بذلك يومًا ما - "ثورة ثقافية" حقيقية لإعادة صياغة عقيدتهم السياسية التي طُوّرت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي...

«القارة العجوز» بين الذاكرة التأسيسية والتراجع الحضاري

يشير مفهوم «القارة العجوز» إلى أوروبا التي صاغها تاريخ طويل، وتعدد شعوبها، وعمق روحي فريد. ومع ذلك، فإن هذه أوروبا ليست حقيقة ثابتة: لقد تم التفكير فيها وإعادة بنائها وإعادة تفسيرها على مر العصور. رؤيتان تسمحان بقياس تطورها وتوتراتها المعاصرة: الأولى التي صيغت بعد الحرب العالمية الثانية من قبل روبرت شومان والديمقراطية المسيحية؛ والثانية التي وصفتها اليوم شانتال ديلسول في كتابها تمرد الخصوصيات. بين هاتين اللحظتين، تحولت أوروبا من مشروع حضاري قائم على المصالحة إلى أزمة هوية تتسم بالتجزئة والعجز الاستراتيجي. في أعقاب الحرب مباشرة، ترتكز فكر روبرت شومان على تجربة تاريخية مؤلمة. خرجت أوروبا منهكة من حربين عالميتين نشأتا على أرضها. الشعار الضمني الذي سكن وعي الناس آنذاك كان بسيطًا، جذريًا، وجوديًا تقريبًا: «لن يتكرر هذا أبدًا». لن تتكرر الحرب الأخوية أبدًا، ولن تتكرر القوميات القاتلة أبدًا، ولن يتكرر إنكار الكرامة الإنسانية أبدًا. هذا الرفض المطلق للعودة إلى البربرية يشكل الأساس الأخلاقي للمشروع الأوروبي كما تصوره شومان، وأديناور، ودي جاسبري، وجميعهم من تقاليد الديمقراطية المسيحية. بالنسبة لشومان، أوروبا ليست في المقام الأول فضاءً اقتصاديًا أو تكنوقراطيًا، بل هي مجتمع مصير قائم على فكرة معينة عن الإنسان. هذه الأنثروبولوجيا موروثة من المسيحية، ليس كعقيدة مفروضة، بل كمصفوفة ثقافية شكلت المفهوم الأوروبي للشخص والقانون والسلطة. وبهذا المعنى يؤكد، في عبارة ظلت مشهورة: «ستكون الديمقراطية مسيحية أو لن تكون» (1). بعيدًا عن الإشارة إلى خلط بين الإيمان والسياسة، تعبر هذه الجملة عن القناعة بأن الديمقراطية لا يمكن أن تنجو بدون أساس أخلاقي يعترف بكرامة الإنسان، والمسؤولية، والتضامن، وحدود السلطة. يعكس إعلان 9 مايو 1950 هذه الرؤية بشكل ملموس. لن تتحقق أوروبا بالمرسوم، بل من خلال إنجازات ملموسة تخلق تضامنًا فعليًا. لا يتعلق الأمر بإلغاء الأمم، بل بوضعها في إطار أعلى قادر على تحييد دوافعها المدمرة. يُنظر إلى «القارة العجوز» آنذاك على أنها حضارة تدرك جذورها اليونانية الرومانية، والمسيحية، والإنسانية، ومصممة على تحويل ذاكرتها المأساوية إلى مبدأ سلام دائم. وهكذا تقدم الديمقراطية المسيحية توليفة أصلية: وحدة بلا تجانس، تعدد بلا مواجهة، ذاكرة بلا استياء. المقال التالي: تمرد الخصوصيات: أوروبا بلا دفاع في وجه التاريخ (1) رينيه لويجون، روبرت شومان، أبو أوروبا، فايارد (ص 169).

لبنان، أرض اللجوء
بقلم
جواد بقرادوني
نُشر

« يتميز لبنان بقربه الفريد بين البحر والجبل. تمتد سلاسل جبال لبنان الشاهقة بموازاة ساحل البحر الأبيض المتوسط، مما يخلق تنوعاً جغرافياً لافتاً يجمع بين الشواطئ الرائعة والوديان الخضراء والجبال المغطاة بالثلوج في الشتاء. » مقدمة نموذجية تجدها في جميع كتب الجغرافيا اللبنانية التي تصف بلداً فريداً من نوعه، آسراً بنفس القدر للسكان المحليين والسياح على حد سواء. لا ينبغي أن نستغرب التدفق الهائل للرعايا الأجانب، ولا سيما السوريين والإيرانيين (الذين يساهمون، كما يبدو، في ارتفاع مفاجئ في معدل إشغال بعض الفنادق): لبنان يدفع ثمن نجاحه. صحيح أننا كنا نفضل أن نرى وصول الغربيين أو عرب الخليج الفارسي، ولكن للأسف، نحن لا نختار سياحنا، وقد أطلقت الوزارة المعنية شعار «أهلاً بهالطلة» دون تحديد جنسيات «الطلة». في الواقع، لا بد من الإشارة إلى أن السوريين المعنيين قد قرروا فجأة زيارة البلاد اعتباراً من ديسمبر 2024، حيث تفضل الغالبية العظمى منهم الاستقرار على الحدود، في سهل البقاع، المعروف بمناخه القاسي في الشتاء والجاف في الصيف، ولكن بالضرورة أقل قسوة وجفافاً من المناخ السياسي السائد في سوريا، بالنسبة لأولئك الذين قرروا تحديداً وطء الأرض اللبنانية على عجل. وينطبق الشيء نفسه على الإيرانيين الذين غزوا مؤخراً جداً – وفقاً للمعلومات المتداولة – بعض الفنادق، وهي نسخة أكثر دقة من الغزو الذي نفذته ميليشياتهم المحلية في مايو 2008، ولكنها تظل مزعجة، لا سيما وأنه قد يكون هناك بعض الأشخاص المسجلين في قواعد بيانات "السنونو الإسرائيلية" التي لا يتوقف أزيزها عن إضفاء البهجة على أيامنا. في جوهر الأمر، سيتأقلم هؤلاء السياح من نوع آخر بسهولة شديدة في بعض مناطقنا. ففي الواقع، توجد شواطئ تلبي معاييرهم الاجتماعية والثقافية: شواطئ مختلطة الجنسين، قوية الرجولة حيث يقوم محمد رعد بدور "جي أو" (المنظم الصاخب)، وبصفة منسق سيكون حسين الحاج حسن الذي يذكر شكله الخارجي بغوردون شوماي (مؤكداً بذلك إحدى أغرب تنبؤات ميشال حايك)، وبالطبع نعيم قاسم بصفة دي جي، ليحل محل ديفيد غيتا الميليشيا، ذاك الذي كان يهز الجمهورية بإصبعه. ومع ذلك، من المحزن ملاحظة أن لبنان، أرض الضيافة، لا يستقبل سوى شخصيات من الدرجة الثانية، بل الثالثة، بينما تفضل المشاهير وكبار الشخصيات الأخرى المرور إلى شرق جدار برلين (الذي هو في الواقع الغرب بالنسبة لهم)، إلى روسيا، على الرغم من الهشاشة المعروفة للشرفات والتأثير المسهل لشاياتهم. وفقاً للتقارير الصادرة عن «World Population Review» في نهاية عام 2025، يحتل لبنان المرتبة الأولى في العالم العربي والخامسة عالمياً من حيث انتشار الأمراض العقلية والاضطرابات النفسية. بالفعل، نحن مستشفى أمراض عقلية مفتوح على مصراعيه، فإذا كان علينا أيضاً أن نكون ملجأً للمجرمين....

المشروع المتوسطي بين الطموح والواقع الأوروبي (٢/٥)

بعد تحديد الإطار الجغرافي للاتحاد المتوسطي وشرح الأسباب التي أدّت إلى استبعاد البحار المجاورة وكذلك الدول الساحلية غير المرتبطة بالبحر المتوسط، سيتم عرض مجلسي دول بحر البلطيق والمجلس الشمالي، إلى جانب أهدافهما، من أجل تحديد أوجه التقارب مع هذا الاتحاد والفوارق التي تميّز أهداف كل منهما. كانت الحدود الجغرافية للاتحاد المتوسطي محددة بدقة: البحر المتوسط، المحصور بين مضيقي جبل طارق والدردنيل وقناة السويس. أما الدول المعنية فهي تلك التي يمكن تسميتها بالقوس المتوسطي الأوروبي (بما في ذلك البرتغال، بحكم لغتها وتاريخها وثقافتها)، إضافة إلى الدول الساحلية في الجنوب والشرق، وعددها ست عشرة دولة: المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، مصر، إسرائيل، الأردن، لبنان، فلسطين، سوريا، تركيا؛ وفي الأدرياتيكي: البوسنة والهرسك، كرواتيا، ألبانيا، والجبل الأسود؛ وأخيرًا موريتانيا، لسبب مشابه – وإن لم يكن مطابقًا – للسبب الذي يبرر إدراج البرتغال. كان هدف المبادر إلى المشروع ألا يظهر البحر المتوسط كمجرد سلسلة متصلة من الدول تحيط بفراغ مركزي، بل كفضاء للحياة والإنتاج والتبادلات الإنسانية والتجارية والثقافية، يتكوّن من البحر المتوسط والدول الساحلية المحيطة به. لقد كان يُنظر إليه ككلٍّ لا يتجزأ: اتحاد دول، أي اتحاد أراضٍ، ولكن أيضًا اتحاد هذه الأراضي مع البحر، باعتباره الفضاء المركزي الذي يربط بينها. غير أن الأهداف المحددة تبدو في معظمها برية الطابع، إذ لا يتناول أيٌّ منها البحر بشكل مباشر. في ذلك الوقت، طالبت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بضم جميع الدول السبع والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى هذا المشروع. ولتفادي أي مواجهة، اضطر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى تعديل المشروع عبر إدراج جميع دول الاتحاد الأوروبي وتغيير تسميته لإزالة أي لبس. ومع ذلك، يكون من المفيد أحيانًا العودة إلى المراحل المختلفة لتكوين أي مسار سياسي لفهم أسباب نجاحه أو تعثّره، وبالتالي الصعوبات التي واجهها الاتحاد من أجل المتوسط (UpM) في التقدم بالوتيرة المرجوة. وسنرى أنه لا يشكل فشلًا، بل ربما – جزئيًا – ضحية الأعباء المرتبطة ببنيته الكلية، على نحو اعتادت أوروبا إنتاجه. يتم هنا عرض هيئتين: مجلس دول بحر البلطيق، الذي يشبه – إلى حد بعيد من حيث طموحاته وأهدافه – الاتحاد المتوسطي (أو الاتحاد من أجل المتوسط)، والمجلس الشمالي، على سبيل التذكير. وسيتم التطرق إلى هذا الأخير بإيجاز شديد، نظرًا لكونه غير متمركز حول بحر البلطيق في طبيعته. مجلس دول بحر البلطيق أُنشئ هذا المجلس عام 1992 بمبادرة من ألمانيا والدنمارك لتعزيز التعاون في منطقة بحر البلطيق، لا سيما في مجالي الأمن والبيئة. ويؤدي دور منصة إقليمية للتعاون في القضايا المدنية والبيئية والبحرية والمجتمعية. وهو منتدى إقليمي يضم عشرة دول: الدنمارك، إستونيا، فنلندا، ألمانيا، آيسلندا، لاتفيا، ليتوانيا، النرويج، بولندا، والسويد، وجميعها أعضاء في الاتحاد الأوروبي باستثناء آيسلندا والنرويج. كما تتمتع دول مثل فرنسا بصفة مراقب على المستوى الوطني. ويقع مقر أمانته العامة في ستوكهولم. وقد أدّى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى تغيير بعض مكوّنات هذا المجلس، ولا سيما من خلال تعليق عضوية موسكو. وتتمثل أهدافه في: * تعزيز الهوية الإقليمية والتعاون حول بحر البلطيق؛ * دعم تنمية مستدامة ومزدهرة للمنطقة؛ * ضمان منطقة آمنة ومستقرة (الأمن المدني، حماية الأشخاص، التعاون عبر الحدود)؛ * حماية البيئة وتعزيز الصمود الديمقراطي؛ * تشجيع التواصل الإنساني ونمو اقتصادي متوازن. وتشمل مجالات عمله حماية الملاحة البحرية، والاقتصاد البحري المستدام، ومكافحة الاتجار بالبشر والجريمة المنظمة، إضافة إلى التعليم والشباب والثقافة، مع دور معزز في التعاون الإقليمي الأوروبي في شمال شرق أوروبا. المجلس الشمالي أُنشئ المجلس الشمالي عام 1952، إلى جانب نظيره الوزاري الذي أُسس عام 1971، بهدف تعزيز التعاون بين الدول الشمالية في مجالات متعددة (التنقل، البيئة، الثقافة، المجتمع). وتقوم رؤيته بوضوح على التعاون والتكامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ويُعد نموذجًا لاتحاد إقليمي ديمقراطي. ويضم المجلس الدنمارك، فنلندا، آيسلندا، النرويج، والسويد، إلى جانب أقاليمها ذات الحكم الذاتي (غرينلاند، جزر فارو، وآلاند). ويقع مقره في كوبنهاغن. وتتمثل أهدافه الأساسية في تعزيز فضاء شمالي متكامل قائم على حرية التنقل والمساواة والاستدامة والابتكار، إضافة إلى ترسيخ القيم الديمقراطية والتضامن الإقليمي. لا يضم المجلس الشمالي ألمانيا ولا باقي دول الاتحاد الأوروبي، لكنه يُذكر هنا لإظهار أن هيئات إقليمية قائمة على أسس جغرافية، تجمع بعض دول الاتحاد الأوروبي مع دول غير عضو فيه ضمن نطاق جغرافي محدد، تتعايش وتعمل بنشاط. وهي تعمل على الأرجح بسلاسة أكبر من الاتحاد من أجل المتوسط، الذي يبدو واسعًا وربما مثقلًا أكثر من اللازم ليعمل بفاعلية ودينامية. ولا يمكن مقارنة الاتحاد المتوسطي إلا بمجلس دول بحر البلطيق، إذ إن كليهما يقوم على فضاء بحري يضم دولًا ساحلية. غير أن أهداف مجلس البلطيق لا ترقى إلى حجم طموحات الاتحاد المتوسطي. ومع ذلك، فإن الاتحاد المتوسطي، رغم إحاطته بالبحر المتوسط – مع إضافة بعدٍ أدرياتيكي وانفتاح أطلسي – يظل خاليًا من أهداف بحرية حقيقية. لقد كان الاتحاد المتوسطي عابرًا. وخلفه الاتحاد من أجل المتوسط، القائم اليوم. وهو أمر أساسي لشعوب المتوسط. وللبنان مكانه الطبيعي فيه. المقال المقبل: تحوّل مسار برشلونة إلى الاتحاد من أجل المتوسط (٣/٥) المقال السابق: الاتحاد المتوسطي: ماذا حلّ بمسار برشلونة؟ (١/٥)

إيران: حربٌ أهلية، على غرار ما حدث في سوريا، تظلّ احتمالًا قائمًا

نظام طهران لم يسقط؛ حتى لو كان ضعيفًا، فهو لا يترنح. إذا كانت المظاهرات والاضطرابات التي اندلعت في مدن إيران محل تقدير الأكاديميين والنساء والبازاريين وغيرهم من فئات المجتمع، فإن السؤال المطروح هو ما إذا كانت قد تجاوزت في حجمها تلك التي أطاحت بالشاه عام 1979. لكن هذه التشنجات والاحتجاجات قد تصل فجأة إلى خطورة غير متوقعة، ولن يكون من الوهم الرهان على نجاحها كما لا يتردد المستشار الألماني في الإعلان عن ذلك. حتى في حال توجيه ضربة إسرائيلية أو أمريكية! ومع ذلك، لن نشهد قريباً هروب النخبة السياسية-الدينية الإيرانية، ولا هروب مماليكها من الحرس الثوري والباسيج *. إنهم ليسوا أناساً يلوذون بالفرار أمام المتظاهرين العزل. ثم إن آية الله خامنئي، حتى لو أنهكه المرض، ليس رئيس الوزراء محمد مصدق الذي أطاح به بسهولة انقلاب دبرته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والمخابرات البريطانية MI6 عام 1953 لإعادة محمد رضا بهلوي. لذا، ما لم ينقلب النظام على نفسه، فإن مستقبل البلاد سيتحدد على المتاريس. لن يتخلى كبار المسؤولين في النظام عن نفوذهم، وليس لدى الحرس الثوري سوى رغبة واحدة: الاشتباك مع العدو الداخلي. كل هذا العالم لديه الكثير ليخسره من تناوب السلطة. وبعد تورطهم في الفساد والقمع، أين سيجد بارونات وأركان الدولة ملجأ لهم؟ في الصين أم في روسيا الاتحادية، بينما فنزويلا ممنوعة عليهم افتراضياً؟ مع ذلك، تحت التهديد الخارجي، يمكن للطبقة الحاكمة أن تتنازل. يمكن أن يصل الأمر إلى تقليص سلطة المرشد الأعلى، أو حتى التنازل عن الملف النووي، لكنها لن تتخلى عن السلطة. لنكن واضحين، هجمة إلكترونية خبيثة أو حتى قصف أمريكي، دون نشر قوات برية، ليسا قادرين على إسقاط النظام المكروه. لذا، مرة أخرى، سيكون على الشعب الذي نزل إلى الشوارع أن ينتزع النصر بصعوبة. لذا، من المرجح نشوب حرب أهلية غير متكافئة في البداية، كما حدث في سوريا. وهنا، لا ينبغي استبعاد تدخل روسي و/أو صيني، ولو لمجرد موازنة التدخل الإسرائيلي والأمريكي. وماذا عن لبنان إذن؟ ومع ذلك، لم نخرج من المأزق: إذا كان الدم سيُسفك في محافظات الجمهورية الإسلامية، فمن الأفضل أن نتوقع انفجاراً في لبنان. لأنه إذا شعر نظام الملالي بالتهديد في عقر داره، فلن يتردد في إشعال الشرق الأوسط بأكمله. نعم، لا يمكن استبعاد قرار انتحاري من جانب أولئك الذين انحدروا بسرعة في أقل من عامين ويعيشون حالة إنكار مذهلة. ومن هنا الدعوة إلى اليقظة والانتباه! *إذا وصل عددهم الحالي إلى 200 ألف جندي، فلا ينبغي أن نغفل أن «ما لا يقل عن مليوني باسيج وحارس ثوري خاضوا تجربة الجبهة الرهيبة. هذه الأخوة في السلاح تفسر التأثير اللاحق لشبكات تضامنهم من المحاربين القدامى المسرحين في جميع أنحاء الجسم الاجتماعي». جان بول بوردي، «إيران: عسكرة النظام من قبل الحرس الثوري»، مجلة الشرق الأوسط، 10 يناير 2024