شعار Levant Time
العودة إلى المقال
اقتصاد

اتفاق لبنان-قبرص: بين المكاسب القانونية والخسائر البحرية

صورة للأخبار
محطة ضخ عائمة قبالة سواحل إسرائيل، في حقل كاريش. قبل الاتفاق اللبناني القبرصي، كانت بيروت قد سوت نزاعها الإقليمي مع إسرائيل. (أ ف ب/إنيرجين)
صورة المؤلف
بقلم نايلة عساف
نُشر يناير 14, 2026 - 18:54

يشكل اتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بين لبنان وقبرص (ZEE)، الموقع في 26 تشرين الثاني 2025 والمصادق عليه بموجب المرسوم رقم 2108 في 16 كانون الأول 2025، خطوة مهمة في السياسة البحرية اللبنانية. وقد قدم هذا الاتفاق رسمياً كوسيلة لضمان استغلال الموارد البحرية، لكنه يثير تحفظات عميقة على الصعيد القانوني والاستراتيجي.

 قراءة نقدية في الاتفاق

يعتبر العميد الركن المتقاعد خليل الجميّل، الخبير في ترسيم الحدود البحرية، أن هذا الاتفاق، رغم بعض الفوائد، يبقى غير مؤاتٍ للبنان إلى حدٍ كبير. إنه اتفاق ينهي نزاعاً طويلاً، لكن بأي ثمن؟ ووفقاً للعميد الجميّل، فإن أحد المكاسب الرئيسة لهذا الاتفاق يكمن في إنهاء النزاع البحري الذي كان قائماً بين لبنان وقبرص منذ ما يقارب العقدين. هذا التوضيح القانوني يضع حداً لمنطقة رمادية كانت تعيق أي تخطيط للطاقة. كما يشير إلى أن الاتفاق سمح بتمديد الحدود البحرية اللبنانية رسمياً مع قبرص من النقطة رقم 1 إلى النقطة رقم 23، والتي أصبحت نقطة التقاء بحرية بين لبنان وقبرص وإسرائيل. ومع ذلك، أن هذا التمديد تم وفق طريقة خط الوسط (Median Line Method)، وهي طريقة، وفق وجهة نظره، تعطي الافضلية لقبرص. ويرى أن إنهاء النزاع، على الرغم من أهميته الظاهرية، تم على حساب المصالح اللبنانية.

 إعادة إنتاج الخلل

يرى الجميّل أن الاتفاق غير عادل للبنان بسبب المنهجية المعتمدة. ويوضح أن التحديد يعتمد على الخط الوسط بين جزيرة، وهي قبرص، ودولة ساحلية قارية، وهي لبنان. ويذكر أن السلطات القضائية البحرية الدولية تعتمد منهجية ثلاثية المراحل: رسم خط وسط مؤقت أو لا، ثم أخذ الظروف ذات الصلة في الاعتبار، ثم اجراء اختبار التناسب النهائي(Proportionality Test). ويأسف على أن هذا النهج لم يُطبق، خصوصاً عدم إجراء اختبار التناسب بين أطوال السواحل المتقابلة.

وفي هذا السياق، يشير إلى أن الساحل اللبناني المعني يمتد لحوالي 188 كيلومتراً، مقابل 103 كيلومترات للساحل القبرصي المقابل. هذا النسبة 1.82 لصالح لبنان مقابل 1 لقبرص، كان ينبغي أن تؤدي إلى تحديد أكثر توازناً. ووفق تحليله، أدى عدم احترام هذا المبدأ إلى فقدان حوالي 2600 كيلومتر مربع من المنطقة الاقتصادية اللبنانية لصالح قبرص.

ويضيف أن اتفاق 2025 يتبع أساساً نفس منهجية ترسيم الحدود التي كانت متبعة في الاتفاق الموقع عام 2007 بين البلدين، وهو نص لم يُصادق عليه ولم يُطبق بدقة بسبب هذه الاختلالات، وبقي مجمداً لحوالي 18 عاماً. خيارات سياسية مخالفة للتوصيات الرسمية السابقة يسلط العميد الجميّل الضوء أيضاً على تناقض مؤسسي. يذكر أنه في 2022، تم تشكيل لجنة وزارية لبنانية مشتركة لدراسة مسألة الحدود البحرية مع قبرص. وقد أوصت هذه اللجنة باستخدام المنهجية الثلاثية المراحل وأخذ التناسب بين السواحل في الاعتبار، مع الاعتراف صراحة بأن الخط الوسطي ضارٌ للبنان. ومع ذلك، في 2025، تم تشكيل لجنة وزارية جديدة، تضم نفس الوزارات، إلا أن هذه اللجنة ألغت توصيات اللجنة السابقة وصدقت على ترسيم الحدود وفق طريقة خط الوسط، وهي طريقة كان لبنان قد رفضها طويلاً وكانت سببًا اساسيًّا في تجميد اتفاق 2007.

من الاتفاق القانوني إلى الأسئلة السيادية

بعيداً عن التقييم التقني الذي يقدّمه العميد الجميّل، يوضح هذا الاتفاق معضلة كلاسيكية في المفاوضات الدولية: السعي إلى حل فوري وواضح قد يتم على حساب المبادئ الفنية والمصالح الاستراتيجية على المدى الطويل. المكسب الأساسي للاتفاق – التوضيح القانوني للحدود البحرية وإنهاء النزاع التاريخي مع قبرص – لا يمكن إنكاره، وهو يوفر استقراراً قانونياً يمكن أن يشجع على الاستثمار في المناطق البحرية.

ومع ذلك، المنهجية المعتمدة تكشف عن تجاهل للمعايير الفنية المعترف بها دولياً، خصوصاً اختبار التناسب النهائي. لاتفاق على الخط الوسيط دون تعديل يتناسب مع طول السواحل يعكس حلا وسطاً سياسياً ربما جاء نتيجة الرغبة في إبرام اتفاق سريع بعد 18 عاماً من الجمود، لكنه يترك لبنان مع خسارة ملموسة في مساحة البحر الصالحة للاستغلال.

هذا الخيار الاستراتيجي، رغم أنه يؤمن حدوداً واضحة، يضعف الإمكانيات الاقتصادية المستقبلية، لا سيما فيما يتعلق بالموارد الغازية والنفطية. أخيراً، التباين بين توصيات لجنة 2022 والموافقة النهائية في 2025 يبرز مشكلة مستمرة في الحوكمة اللبنانية: استمرار النهج الفني والمؤسسي أحياناً يُضحى به في سبيل قرارات سياسية مؤقتة. والنتيجة هي اتفاق يوفر وضوحاً حدودياً لكنه يطرح أسئلة مشروعة حول حماية المصالح الوطنية والقدرة على اتباع استراتيجية بحرية متماسكة وطويلة الأمد.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل