شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
جناح نهاد السعيد للثقافة
بقلم
ميشا مسلم
نُشر

على غرار جميع متاحف العالم، يعد المتحف الوطني في بيروت حارسًا لتاريخ يواجه ويلات النسيان. ومع ذلك، فهو لا يقتصر على هذه المهمة: فهو يسعى أيضًا إلى أن يكون راسخًا في الحاضر ومتطلعًا نحو المستقبل. وبهذه الروح، وُلدت فكرة فتح مركز ملحق بالمتحف، يهدف إلى تعزيز الثقافة والفن والفنانين اللبنانيين المعاصرين. وكان هذا المركز يهدف أيضًا إلى ضمان استمرارية المتحف الوطني في بيروت من خلال توليد إيرادات من الأنشطة الثقافية والاجتماعية، وكذلك من تأجير المساحات، من بين أمور أخرى. انبثقت فكرة هذا المركز المخصص للفن المعاصر من رحم المؤسسة الوطنية للتراث. وقد تبنت مشروع الجناح الملحق ثلاث نساء: منى الهراوي، ريما شحادة، وسلمى السعيد، زوجة نهاد السعيد، الذي يحمل المركز اسمه اليوم. ومع ذلك، وعلى غرار العديد من المشاريع في لبنان، كان عليه أن يواجه صعوبات لا حصر لها قبل أن يرى النور. عقبات في بنائه منذ بداية إنشائه على قطعة أرض مجاورة للمتحف الوطني في بيروت، واجه المركز عقبة رئيسية: وجود طبقات المياه الجوفية. ولتجنب أي خطر للانهيار، كان لا بد من معالجة هذه المشكلة قبل الشروع في الأعمال. وبمجرد التغلب على هذه العقبة، كان يمكن للمشروع أن يبدأ أخيرًا. ولكن لا: اندلعت أزمة كوفيد-19، مما فرض توقفًا جديدًا للعمل في الموقع حتى نهاية الوباء. وكأن ذلك لم يكن كافيًا، جاء انفجار مرفأ بيروت ليضاف إلى القائمة الطويلة من المحن التي مرت بها البلاد. وتراكمت على هذه المآسي الأزمة المالية لعام 2019، التي بدت وكأنها وجهت ضربة قاضية للمشروع. ولكن هذا لم يكن ليُثني عزيمة راعيات الجناح الثلاث: منى الهراوي، ريما شحادة، وسلمى السعيد. بناء الجناح لجمع الأموال اللازمة لمواصلة المشروع، أطلقت المؤسسة الوطنية للتراث، برئاسة منى الهراوي، حملة لجمع التبرعات، مُلتزمةً بمصداقيتها الخاصة. وبالتعاون مع اللجنة المسؤولة عن الجناح، تم جمع مبلغ أولي، لكنه ظل غير كافٍ. وعندئذ، قدمت سلمى السعيد التمويل التكميلي، واضعة شرطًا واحدًا: أن يصبح الجناح «جوهرة حقيقية». وقد تم الالتزام بهذا الشرط بالكامل، تحت إشراف ريما شحادة الدقيق، وصولاً إلى أدق التفاصيل. وأخيرًا، رأى الجناح النور في سبتمبر 2024. وتمت تسميته جناح نهاد السعيد للثقافة، تكريمًا لزوج سلمى السعيد الراحل، الذي كان محبًا كبيرًا للفن وشغوفًا بالثقافة. العمارة والإرث الجناح هو من تصميم مكتب رائد أبي اللمع للعمارة، المشهور والحائز على جوائز، والذي تمكن من تصميم مساحة متعددة الاستخدامات قادرة على استضافة المعارض والفعاليات الثقافية على حد سواء. في مقاربه التصميمية، استلهم رائد أبي اللمع من المخططات الأصلية لبيير لوبرانس-رينغيت وأنطوان نحاس، مهندسي المتحف الوطني، الذي كان من المفترض في الأصل أن يضم جناحين متصلين بالمبنى الرئيسي. تم بناء الجناح الأيسر فقط. لذلك، قام أبي اللمع بتشييد الجناح الأيمن كامتداد طبيعي للمبنى الرئيسي، مستخدمًا نفس المواد ومعتمدًا على المخططات التاريخية للمتحف. يرتبط هذا الجناح الجديد بالمتحف عبر ممر الأمير موريس شهاب، تكريمًا لمن ساهم في إنقاذ المتحف خلال الحرب. كان مهندس الديكور اللبناني جان-لوي مانغي هو من اقترح تسميته بهذا الاسم، تقديرًا للدور الحاسم الذي لعبه الأمير في حماية التراث الوطني. البدايات كان أول معرض استضافه جناح نهاد السعيد للثقافة هو «أبواب وممرات»، وهو نتاج تعاون وثيق بين المؤسسة الوطنية للتراث، ومتحف بيروت للفن (BeMA)، واللجنة المسؤولة عن الجناح. حاليًا، يستضيف الجناح معرضين: • من البندقية إلى بيروت. العالم في صورة الإنسان – جناح لبنان في بينالي الفن 2022 • انطباعات الجنة تاريخ المتحف الوطني في بيروت وملحقه، جناح نهاد السعيد، يقدم مرة أخرى الدليل – إذا كان هناك حاجة إلى دليل إضافي – على أن لبنان لا ينجو إلا بفضل مبادرة وشغف وعزيمة رجال ونساء ملتزمين.

دورة طاقة جديدة تلوح في الأفق، قد يكون التحول قاسياً

على مدار السنوات الأربع الماضية، بدت أسواق الطاقة العالمية هادئة ظاهرياً. انخفضت أسعار النفط بأكثر من النصف منذ ذروتها عند 130 دولارًا أمريكيًا في عام 2022. واستقرت أسعار الغاز الطبيعي بعد صدمة الحرب في أوكرانيا. وتتصدر عناوين الطاقة المتجددة المشهد، مما يعزز فكرة أن الوقود الأحفوري يتلاشى تدريجيًا. للوهلة الأولى، يبدو العالم مكتفيًا بالإمدادات. لكن وراء هذا الهدوء الظاهري، يكمن واقع أكثر اضطرابًا، واقع تشكل بفعل نقص الاستثمار المزمن، والاستنزاف المادي، والتركيز الجيوسياسي، وتزايد الطلب الهيكلي. نظام الطاقة العالمي اليوم ليس مرنًا، بل هو على حافة الهاوية. وهم وفرة العرض عند حوالي 60 دولارًا للبرميل، توحي أسعار النفط بالوفرة. تتوقع وكالة الطاقة الدولية نموًا في إمدادات النفط العالمية بمقدار 3.1 مليون برميل يوميًا في عام 2025، متجاوزةً بذلك الاستهلاك بشكل ملحوظ. ويشير إجماع المحللين إلى استمرار الضعف، مما يعزز الاعتقاد بأن ندرة الطاقة أصبحت من الماضي. لكن الأسعار عند هذه المستويات لها ثمنها. فعندما يُتداول النفط دون التكلفة الحدية للإنتاج الجديد، يتباطأ الاستثمار. ليس بشكل فوري، وليس بشكل حاد، ولكنه بشكل مستمر. ومع مرور الوقت، يُضعف هذا قدرة النظام على الاستجابة للصدمات. في الولايات المتحدة، يُظهر النفط الصخري - الذي كان عماد نمو الإمدادات العالمية خلال العقد الماضي - بالفعل علامات على وجود ضغوط. كان إنتاج النفط الصخري المحرك الرئيسي وراء تحول أمريكا من كونها أكبر مستورد للنفط في العالم إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، ثم إلى مُصدِّر صافٍ في نهاية المطاف. اليوم، يهيمن النفط الصخري على إنتاج النفط الخام الأمريكي، حيث يُمثل نحو ثلثي إجمالي الإنتاج، مدفوعًا بالتقدم التكنولوجي مثل التكسير الهيدروليكي والحفر الأفقي، مع كون حوض بيرميان المساهم الرئيسي. اليوم، يهيمن النفط الصخري على إنتاج النفط الخام الأمريكي، حيث يُمثل نحو ثلثي إجمالي الإنتاج، مدفوعًا بالتقدم التكنولوجي مثل التكسير الهيدروليكي والحفر الأفقي، مع كون حوض بيرميان المساهم الرئيسي. مع ذلك، عندما يُتداول خام WTIبأقل من التكلفة الحدية للإمدادات الجديدة - والتي تُقدر حاليًا بـ 70 دولارًا للبرميل وفقًا لشرك Enverus Intelligence Research للنفط الصخري الأمريكي، بينما تقترب نقطة التعادل الشاملة للشركات من 62.50 دولارًا وفقًا لشركة Rystad Energy - فإن الاستثمار يتقلص حتمًا. وقد بدأ نشاط الحفر بالفعل في التراجع مع انخفاض الأسعار إلى ما دون مستويات التحفيز. ونظرًا لانخفاض إنتاج آبار النفط الصخري بسرعة، حيث تفقد ما يصل إلى 50% من إنتاجها في السنة الأولى، فإن استمرار الحفر ضروري لمجرد الحفاظ على الإنتاج. وبالتالي، فإن ضعف الحفر اليوم يُترجم إلى انخفاض الإنتاج غدًا. عالميًا، تنخفض حقول النفط التقليدية بنسبة تتراوح بين 4 و6% سنويًا. ويتطلب الحفاظ على الإنتاج الحالي استبدال ملايين البراميل يوميًا. وعندما يقل الاستثمار، لا تظهر حالات النقص فجأة، بل تتراكم تدريجيًا. هكذا تتحول أسواق الطاقة من فائض إلى عجز. وعندما يظهر العجز، قد تكون إعادة التسعير عنيفة. الغاز الطبيعي: نقطة الضعف اللوجستية يرتكز نظام الطاقة العالمي على معادلة رباعية: يظل النفط العمود الفقري، إذ يزود بنحو 30% من إجمالي الطاقة العالمية. توفر مصادر الطاقة المتجددة إمدادات متقطعة. توفر الطاقة النووية احتياجات أساسية، ولكن ببطء. يوفر الغاز الطبيعي المرونة والموثوقية والسرعة. أصبح الغاز الطبيعي عنصرًا أساسيًا في أنظمة الكهرباء الحديثة، إذ يوفر الاستجابة والاستقرار اللذين لا تستطيع مصادر الطاقة المتجددة توفيرهما على نطاق واسع حتى الآن. يتميز الغاز الطبيعي بحساسيته الشديدة لدرجة الحرارة، ليس لأن الطلب عليه تخميني، بل لأن التدفئة والتبريد ضروريان. تؤدي فصول الشتاء الباردة في أوروبا وأمريكا الشمالية وشمال شرق آسيا إلى تضييق الفوارق بشكل فوري، وكذلك فصول الصيف الحارة من خلال زيادة الطلب على الطاقة. هنا يأتي دور الغاز لسد الفجوة. إنتاج الغاز ليس بمنأى عن الانخفاض. فقد أدت الأسعار المنخفضة باستمرار خلال العامين الماضيين إلى تقليل عمليات الحفر في أحواض الغاز الجاف، وإعادة توجيه رؤوس الأموال نحو المشاريع النفطية، وتأجيل الاستثمار في خطوط الأنابيب والبنية التحتية. إنتاج الغاز ليس بمنأى عن الانخفاض. على عكس النفط، لا يكمن العائق الرئيسي أمام الغاز الطبيعي في الإنتاج، بل في التوزيع: خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المسال، وأساطيل الشحن، ومرافق التخزين المتخصصة، والبنية التحتية للموانئ. لقد ساهم الغاز الطبيعي المسال في عولمة السوق. فبعد أن خفضت أوروبا اعتمادها بشكل كبير على الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب، أصبحت تعتمد بشكل كبير على واردات الغاز الطبيعي المسال. ويستمر الطلب الآسيوي في النمو. وقد برزت الولايات المتحدة كأكبر مُصدِّر للغاز الطبيعي المسال في العالم، مما يربط أسواق الغاز المحلية بشكل أوثق بالطلب العالمي والقدرة اللوجستية. نتيجة لذلك، لم تعد الاضطرابات إقليمية، بل أصبحت هيكلية. يتزايد الطلب على الطاقة مجدداً, و لكن بهدوء بينما لا يزال الاهتمام العام مُنصباً على انخفاض الطلب على الوقود الأحفوري مدفوعاً بالسيارات الكهربائية والنمو الهائل للطاقة الشمسية، يبرز مُحرك جديد للطلب على الطاقة: الذكاء الاصطناعي. لا تقتصر ثورة الذكاء الاصطناعي على الرقائق والبرمجيات فحسب، بل تتعلق بالطاقة أيضاً. بحلول عام 2030، من المتوقع أن يصل استهلاك مراكز البيانات العالمية من الكهرباء إلى ما بين 950 و1600 تيراواط ساعة، مدفوعًا بشكل أساسي بأعباء عمل الذكاء الاصطناعي. وللمقارنة، يبلغ إجمالي إنتاج الكهرباء في الولايات المتحدة في عام 2030 حوالي 1000 تيراواط ساعة. لغت الطاقة المُنتجة عام 2024 حوالي 4400 تيراواط ساعة. يمكن للذكاء الاصطناعي وحده أن يزيد الطلب على الطاقة في الولايات المتحدة بأكثر من 20% خلال خمس سنوات. لا بد من توفير هذه الطاقة من مصدر ما. تتطلب محطات الطاقة النووية فترات تجهيز طويلة. أما الطاقة الشمسية، فرغم نموها السريع، لا تزال تمثل حوالي 5% فقط من إجمالي توليد الكهرباء، ومن المتوقع أن تصل إلى حوالي 20% بحلول عام 2050. وتُعد البنية التحتية للغاز الطبيعي معقدة وبطيئة التطوير. لذا، يبقى النفط، في الوقت الراهن، أرخص مصادر الطاقة وأكثرها توفرًا على الفور. النتيجة مفارقة: فمع تسارع التحول في قطاع الطاقة، يزداد الطلب على الطاقة جمودًا، لا العكس. تركيز العرض الهامشي: أين يكمن خط الصدع؟ تُعد الولايات المتحدة أكبر مستهلك وأكبر منتج للنفط في العالم، وهي مكتفية ذاتيًا فعليًا. في المقابل، تُعد الصين ثاني أكبر مستهلك، بحوالي 16 مليون برميل يوميًا، وأكبر مستورد في العالم. يعتمد النظام الصيني على مجموعة متنوعة من الموردين، تشمل دول الخليج وروسيا وإيران وفنزويلا، وبدرجة أقل منتجين آسيويين مثل إندونيسيا وبروناي وميانمار. وحتى وقت قريب، كانت الصين تستورد ما يقارب 400 ألف برميل يوميًا من فنزويلا، أي حوالي 4% من استهلاكها، وهو تدفق توقف فجأة في 3 يناير 2026. وفي عام 2025، احتلت إيران المرتبة الثانية بين أكبر موردي النفط الخام للصين، حيث صدّرت 1.61 مليون برميل يوميًا، أي ما يقارب 20% من إجمالي واردات الصين. لا يكمن أكبر ضعف في نظام الطاقة العالمي في الطلب، بل في تركز فائض العرض. وخارج الولايات المتحدة، تتركز طاقة الإنتاج الفائضة بشكل استثنائي. ففي أواخر عام 2025، بلغت طاقة الإنتاج الفائضة لدى أوبك+ حوالي 4 ملايين برميل يوميًا، أي ما يقارب 4% من الاستهلاك العالمي. يبدو هذا الوضع مريحًا نظريًا، لكنه في الواقع ليس كذلك. تسيطر المملكة العربية السعودية على ما يقارب 2.4 مليون برميل يوميًا. تسيطر الإمارات العربية المتحدة على حوالي 850 ألف برميل يوميًا. يسيطر العراق على ما يقارب 320 ألف برميل يوميًا. تستحوذ هذه الدول الثلاث مجتمعةً على نحو 70% من الطاقة الإنتاجية الفائضة العالمية. وتعمل معظم الدول المنتجة الأخرى بالفعل بكامل طاقتها الإنتاجية تقريبًا. يحوّل هذا التركيز الطاقة الإنتاجية الفائضة من عامل احتياطي إلى نقطة ضعف مركزية. تركز الخدمات اللوجستية: أين يكمن الخطر الجيوسياسي؟ لا يوجد مكان تتجلى فيه الهشاشة أكثر من الشرق الأوسط. يمر عبر مضيق هرمز يوميًا 20% من استهلاك النفط العالمي وحصة حاسمة من صادرات الغاز الطبيعي المسال العالمية، وهو ممر بحري ضيق بين إيران وعُمان لا بديل واقعي له. أي اضطراب، حتى لو كان مؤقتًا، سيكشف على الفور مدى هشاشة الاحتياطيات العالمية. مع مواجهة النظام الإيراني لأخطر ضغوط داخلية وخارجية منذ عقود، لا يمكن تجاهل خطر التصعيد غير المتكافئ. ومن بين أخطر السيناريوهات محاولة تعطيل حركة الملاحة البحرية عبر المضيق. سيمثل هذا الحدث بمثابة "البجعة السوداء" الحقيقية لأسواق الطاقة العالمية، مما سيؤدي إلى إعادة تسعير مفاجئة لكل من النفط والغاز الطبيعي، لا سيما خلال ذروة الطلب الشتوي في نصف الكرة الشمالي. نظام مُسعّر على أساس الهدوء، لا الصدمة يفترض الخطاب السائد الاستقرار: إمدادات مستقرة، وجيوسياسية قابلة للإدارة، وانتقال سلس للطاقة. لكن التاريخ يُشير إلى خلاف ذلك. لا تنهار أسواق الطاقة تدريجيًا، بل تنهار على هامشها - عندما يُقيّد انخفاض الاستثمار الإمدادات طويلة الأجل، وعندما تُؤدي التقنيات الجديدة إلى ارتفاعات غير متوقعة في الطلب، وعندما يُؤدي ارتفاع الإنتاج والتركيز اللوجستي إلى جعل النظام هشًا. في ظل هذه الظروف، تكون للصدمات آثار بالغة. اليوم، أصبح هذا الهامش ضئيلاً بشكل مُقلق. يمكن أيضًا تفسير تركيز دونالد ترامب المُتجدد على النفط الفنزويلي - وربما النفط الإيراني غدًا - من منظور اعتماد الصين الاستراتيجي على الطاقة المُستوردة. العالم ليس مُفتقرًا للطاقة حتى الآن. لكنه يفتقر بشكل خطير إلى المرونة.

نزع الخمينية
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

إنّ الصورة التي باتت أيقونية لتلك الشابة وهي تحرق صورة آية الله خامنئي لتشعل بها سيجارتها تقول الكثير، على المستوى الرمزي: إنّ الثيوقراطية الإيرانية قد ماتت ودُفنت. ولم يعد الأمر سوى مسألة وقت. صحيح أنّ السلطة الإيرانية لا تزال قادرة على القمع، والاعتقال، والتعذيب، والاغتصاب، والإعدام، والقتل الجماعي بلا حرج، كما فعلت بلا انقطاع منذ الحركة الخضراء عام 2008. لكنّ جدار الخوف قد انهار نهائياً هذه المرّة، وهو ما تؤكده، في حدّ ذاته، خسارة النظام السيطرة على بعض المدن، في سابقة لم تشهدها الجمهورية الإسلامية منذ قيامها. إنّ نظام الملالي يلفظ أنفاسه الأخيرة. فالسردية التي حملته منذ عام 1979 قد فرغت من مضمونها، والسلطة المنبثقة عنها لم تعد تقوم، منذ زمن، إلا على القسر والخوف والاستدعاء الآلي لماضٍ مؤسطَر لم يعد يؤمن به أحد تقريباً، باستثناء بعض أتباع قاسم سليماني في لبنان والعراق. وما يشهده العالم اليوم ليس سوى استنفاد نموذج سياسي توقّف عن إنتاج المعنى منذ عقود. لقد أصبحت المفارقة مباشرة وصدامية. فمن جهة، سلطة انغلقت بشكل لا رجعة فيه داخل منطق ديكتاتوري متفاقم، متجمّدة في لاهوت سياسي لم يعد سوى أداة وظيفية تُستخدم غطاءً لمنظومة فساد مقرونة برياء تزمتّي. انحراف مرفوع إلى عقيدة حكم. ومن جهة أخرى، مجتمع في حركة دائمة، تقوده فئة شابة لم تعد ترى نفسها وريثة لثورة، بل أسيرة لنظام. حيوية تسير إلى الأمام. فكلما أصبح العالم أكثر حداثة، وترابطاً، وانفتاحاً، ازداد انكفاء الجمهورية الإسلامية نحو قراءة سلطوية ومتقادمة للسياسة. وهذه الفئة الشابة، التي استُنزفت عقداً بعد عقد، وانتفاضة بعد انتفاضة، والتي قُدّمت باستمرار قرباناً على مذبح الثورة وتصديرها، باتت اليوم تطمح إلى شيء آخر. ولا شيء يمكنه كبح شهيتها للتقدّم. لقد أصبح الشرخ غير قابل للردم، ولم تعد كل النداءات إلى «الوحدة المقدسة للحفاظ على الإنجاز الثوري»، التي شكّلت طويلاً كلمة السرّ في بقاء النظام، كافية. فهذه «الوحدة» لم تعد تعمل كمبدأ أعلى يبرّر التضحيات المفروضة باسم الأمة أو الإسلام. وعندما تنفصل الوحدة عن الحرية، تتحوّل من عامل تماسك إلى أمرٍ فارغ، بل إلى عنف رمزي. ولم يعد المجتمع الإيراني مستعداً لتعليق تطلعاته إلى أجل غير مسمّى باسم نظام لا يضمن لا عدالة ولا كرامة ولا مستقبلاً. ومع ذلك، لا يزال النظام يتصرّف وكأنّ الثورة تمثّل مطلقاً غير قابل للنقاش. ويواصل إنكار الواقع الاجتماعي باسم أولوية الثورة، كما لو أنّ فعل 1979 التأسيسي كافٍ لإضفاء شرعية أبدية على السلطة. غير أنّ هذه الثورة، منذ زمن بعيد، تحوّلت، بفعل رفضها مواجهة الواقع، إلى عقيدة جامدة، ثم إلى جهاز هيمنة. وقد باتت القطيعة مكتملة، حتى وإن كان نظام أحاديّ مثل ذاك القائم في طهران عاجزاً بطبيعته عن إدراك ذلك. إنّ ما صنع القوة الأولى للخمينية لم يكن الوعد بنظام إسلامي بقدر ما كان فضح سلطة اعتُبرت غير شرعية بسبب تبعيتها للغرب. فقد وفّر تحالف الشاه مع القوى الغربية للثورة عدواً واضح المعالم، سمح بتجميع تيارات اجتماعية وأيديولوجية متباينة حول رفض مشترك. وهكذا قُدّمت الثورة آنذاك بوصفها استعادة للسيادة الوطنية، قبل أن يقرّر الخميني تحويلها إلى معسكر اعتقال واسع. لكنّ هذا المنطق لم يعد صالحاً. فالغرب لم يعد يشكّل نقطة الارتكاز الرمزية للصراع، كما جرى توظيفه عام 1979 لتوحيد الصفوف ضد النظام القمعي للشاه. فهو لا النموذج الذي يُحتذى، ولا العدو البنيوي. إنّ النظام الإيراني معطوب من دونه، وهو معطوب في ذاته. وإصراره على اتهام الغرب بالوقوف خلف الاحتجاجات الحالية ينطوي على خطأ مزدوج: فهو ينكر الاستقلالية السياسية لمجتمعه، ويكشف في الوقت نفسه، وبصورة مفارِقة، حجم إفلاسه الداخلي. بل إنه يسرّع سقوطه عبر إظهار قطيعة تامة مع الواقع، تماماً كما فعل الأسد عام 2011 في بدايات الثورة السورية. إنّ النظام الإيراني يواجه اليوم واقع إيران الجديد. واقع اسمه الحرية والحداثة، وإن لم يكن بالضرورة وفق النموذج الغربي، خلافاً لما يحاول النظام تصويره بفظاظة لإعادة إنتاج «وحدة» زائفة ضد المتظاهرين. يبدو أنّ خامنئي وأتباعه يتناسون أنّ تاريخ إيران أقدم بكثير من عام 1979، وأنّ فارس أعتى من أن تستنسخ نماذج جاهزة. فهي ستشق طريقها الخاص نحو الحداثة، بعيداً عن التزلّف الإجرامي والمنحطّ للملالي، وعن لعناتهم الساذجة. ثم إنّ تهمة «التواطؤ مع الغرب» لا تعزّز شرعية النظام، بل تساهم في تآكلها أكثر. فهي اعتراف ضمني بعجز السلطة عن إنتاج قبول داخلي، وبأنها لا تعيش إلا عبر اختراع أعداء وهميين للتغطية على انفصالها الجذري عن المجتمع الحقيقي. إنّ شيطنة الشباب، واتهامهم بالاستلاب أو التلاعب، ليست سوى إقرار غير مباشر بانقطاع الصلة بين الحاكم والمحكوم. والقطيعة هنا ليست سياسية فحسب، بل أخلاقية أيضاً. فقد ابتعدت السلطة الإيرانية منذ زمن طويل عن المبادئ التي كانت تؤسّس، في التقليد الفارسي كما في الفكر السياسي الكلاسيكي، لشرعية الحاكم: داد ودَهِش، أي العدالة والكرم. وبالابتعاد عنها، قوضت بالضرورة آباداني، أي الازدهار، وفقدت خِرَد، أي الحكمة. ومن هذا المنظور، فإنّ سلطة محرومة من العدالة والكرم والحكمة محكوم عليها، عاجلاً أم آجلاً، بالانهيار. لقد غرقت في تضخّم أناه إلى حدّ الجنون. ويجب أن تسقط. وبالفعل، أصبحت المبالغة قاعدة. فالقمع تحوّل إلى أسلوب حكم، والهوس الأمني حلّ محلّ أي رؤية سياسية. والعنف، حين يُمارَس بلا ضوابط، لا يدلّ على قوة بقدر ما يكشف عن خوف عميق: خوف نظام يدرك، مرة أخرى، أنّ سلطته لم تعد قائمة على القبول، بل على الجمود والإكراه. ولم يعد لـ ولاية الفقيه أي شرعية، خارج الدوائر الفاسدة أو العقائدية التي يحكمها، أو بعض الجماعات الشيعية العربية المُلقّنة في قلب الساتراپيات المنهارة في الشرق الأوسط. في هذا السياق، لم تعد الحرية، آزادي، مفهوماً تجريدياً. بل أصبحت ضرورة وجودية. وحين تغيب العدالة، لا تعود الثورة فوضى، بل تصبح فعلاً صحياً. لقد بلغ مستوى الظلم في إيران حداً لم يعد يسمح لمطلب النظام، الذي طالما قُدّم على حساب الحرية، بأن يواصل أداء دوره كمبدأ استقرار. فالنظام بلا عدالة لم يعد يُنظر إليه كحامٍ، بل كقوة قمعية، هشّة، ومختلّة. صحيح أنّ مسار نزع الخمينية لا يعني بالضرورة اختفاء كل مرجعية دينية من الفضاء العام الإيراني. لكنه يعني نهاية نموذج تدّعي فيه سلطة، عبر تسييس الدين، الحكم ضد المجتمع. وما ينهار اليوم، في العمق، هو اليوتوبيا الثورية نفسها. ففي ظل التراجع الاقتصادي، والمغامرات الإمبريالية المكلفة، والفساد البنيوي، والشمولية الأيديولوجية، فقد الإسلام السياسي، وقد تحوّل إلى مشروع هيمنة على الفرد والجماعة والمجتمع، قدرته على تلبية تطلعات مجتمع معقّد، متعلّم، ومتصل بالعالم. لم يعد ينتج تماسكاً، بل سخطاً. ولم يعد يبعث حلماً أو نشوة. لقد انحدر إلى أبسط صوره: مصّاص دماء قبيح يتغذّى من دم مجتمع باسم مشروع سلطة شخصية. إنّ هذا النوسفيراتو الجائع هو ولي الفقيه. وقد آن الأوان لأن يُلقى في مزبلة التاريخ. أو، والأجدر، أن يتلاشى دخاناً تحت أعين كابوسه الأكبر: ابتسامة النساء الإيرانيات المتظاهرات، الحرة والمتمرّدة، وقد تحرّرن من الحجاب.

الأنقاض والمقاومة حتى أقصاها
بقلم
يوسف معوض
نُشر

لدينا كل الأسباب لنرتاب من لفظة "ديبيلاتيو" debellatio هذا المصطلح القانوني الجافّ، في القانون الدولي، يعرّف عن إخضاع دولة ما وإبادتها بواسطة العنف المسلّح. وهو يدلّ على حالة من الفناء العسكري والسياسي والقانوني لبلدٍ بعينه نتيجة حروب مدمّرة. حالة عرفتها قرطاجة في نهاية الحروب البونيقية، كما عرفتها ألمانيا النازية مع سقوط برلين في أيار/مايو 1945. فماذا عن لبنان؟ أليس معرّضًا لأن يلقى المصير ذاته، بذريعة ما يُسمّى «أفعال المقاومة» التي يقوم بها الحزب؟ تطبيع… ولكن بأي ثمن؟ هل يعني ذلك أن «الاتفاقات الابراهيميّة»، لكي تُلحق بلدنا بركبها الظافر، مشروطةٌ بإخضاع المناطق المتمرّدة على «السلام الأميركي.» debellatio بديبيلاتيو فهذه الاتفاقات الدولية، التي أُبرمت عام 2020 بين إسرائيل وعدد من دول الخليج، أطلقت فعلًا دينامية تطبيع دبلوماسي واقتصادي وأمني بين أنظمة عربية والدولة العبرية. وبذلك، دفعت أنصار جبهة «الممانعة» إلى موقع المعارضة الشرسة، ونعني إيران و«حاءاتها» الثلاث: حماس، الحوثيون، وحزب الله. ومع انطلاق هذا المسار، سيكون على لبنان، عاجلًا أم آجلًا، أن يختار طريقه. غير أن الحزب لا يستطيع التكيّف مع مثل هذا «الحلّ الالتفافي» الذي يتجاهل مصالح راعيه الإيراني. لذا سيلعب دور المعرقل، مانعًا دوران العجلة، إلى أن يُعقد – إن عُقد – تسوية بين الولايات المتحدة وجمهورية الملالي. ومن البديهي في لعبة شدّ الحبال الجارية، أنّ البرنامج النووي الإيراني حلّ محلّ القضية الفلسطينية التي أُقصيت إلى الهامش. فأصبحت نطنز وفوردو وغيرها من المواقع النووية حجر العثرة الحقيقي على طريق التهدئة الإقليمية. تغيّر في النموذج لنعد إلى الأساس: إن «الاتفاقات الابراهيميّة» قد تكلّفنا نحن اللبنانيين ثمنًا باهظًا، فذلك لأنها تسوقنا نحو التطبيع، الأمر الذي «سيقلب التوازن التقليدي القائم على التضامن العربي»، وهو تضامن تشكّل تاريخيًا في عدائه لإسرائيل. وبكلمة واحدة، فإن تطبيق هذه الاتفاقات من شأنه أن يُحدث تغييراً جذرياً في النموذج السائد. غير أن الحزب، الذي يمسك بالدولة اللبنانية من عنقها، لا يستطيع التخلي عن الكفاح المسلّح. وما لم تصله إشارة صريحة من طهران، فلن يسلّم سلاحه: فالسلاح هذا علّة وجوده، وهو ما يحدّد نمط عمله. ووفقًا لمنطقه الممانع، فالأجدر به المقاومة دعمًا لإيران، واعتناق «مصير غزة»، بدلاً من الانصياع لمقتضيات السلام. فتنة الأنقاض مع ذلك، لا بدّ من توضيح: بالنسبة إلى الحزب: لا يمكن التمسّك بمفهوم «ديبيلاتيو» إلا على سبيل المجاز. فمن الناحية القانونية الصرفة، لا يستقيم الأمر، بحجة أن «حزب الله» ليس دولة، بل مجرد تنظيم سياسي-عسكري. غير أن هذا الاعتراض الوجيه ليس في الحقيقة سوى مراوغة بلاغية. فهو يتجاهل واقع أن هذا الحزب الإيراني الهوى قد تغلغل إلى سائر مستويات السلطة اللبنانية وتحصّن داخلها. وفي منطق التصعيد الذي يعتمده، ألن يُغريه جرّ بلدنا إلى دوّامة، إعصار عنيف قد يكتسح كل ما يعترض طريقه؟ سواء أكان ذلك في شكل مواجهة مباشرة مع إسرائيل، أو مع النظام السوري، أو – وهو الأسوأ – في شكل حرب أهلية عبثية ومدمّرة. إن انجذاب الحزب إلى الأنقاض لا يحتاج إلى كثير من التأكيد. سوريا لم تعد واردة على لائحة التابعين*

بداية انفراج في العلاقات بين كولومبيا والولايات المتحدة

بوغوتا، كولومبيا، بقلم ماكسيم بلوفينه قد يكون لتطور مفاجئ حدث في منتصف هذا الأسبوع تأثير كبير على مسار الأحداث الجارية في أمريكا اللاتينية. تلوح في الأفق (بشكل خجول) بداية انفراج بين الولايات المتحدة وكولومبيا، بينما كانت العلاقات بين البلدين متوترة بشكل خاص منذ عدة أشهر. واتهمت واشنطن الرئيس الكولومبي، غوستافو بيترو، بتسهيل عمل مهربي المخدرات في القارة الأمريكية، وخاصة المتجهين إلى الولايات المتحدة، وقد تعرض مؤخرًا لعقوبات أمريكية. تصاعد هذا التوتر الثنائي عدة درجات بعد عملية «الضربة القاضية» التي نفذتها القوات الأمريكية في 3 يناير الماضي في كاراكاس. وقد أسفر هذا التدخل عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قبل وحدة كوماندوز أمريكية، والذي تم تسليمه إلى الولايات المتحدة. في أعقاب هذا الهجوم العنيف، أشار الرئيس دونالد ترامب بإصبعه إلى رئيس الدولة الكولومبية، مما يوحي بأنه قد يكون أحد الأهداف التالية في إطار مكافحة تهريب المخدرات. ولكن حدث تطور غير متوقع في هذا الصدد خلال الثماني والأربعين ساعة الماضية: بينما كان الرئيس بيترو يستعد لإلقاء خطاب ناري والانتقاد بشدة لإدارة ترامب، جرت مكالمة هاتفية بين رئيس البيت الأبيض والرئيس الكولومبي. ووفقًا لمصادر موثوقة في بوغوتا، جرت هذه المكالمة الهاتفية في جو مريح وهادئ. وبالتالي، كان خطاب بيترو أقل حدة بكثير مما توقعه المراقبون. في الأوساط الدبلوماسية في بوغوتا، يُشار إلى أن هذا التحول يمثل بداية انفراج بين الولايات المتحدة وكولومبيا. يُعتقد أن عملية مناقشات صريحة ومحادثات قد بدأت «بمباركة من المملكة العربية السعودية وبعض الدول الأوروبية»، حسبما تفيد الأوساط الدبلوماسية المعنية. وقد عُقد اجتماع بشكل خاص في وزارة الخارجية الكولومبية مع ممثل عن إدارة ترامب. «هذه خطوة أولى على طريق عملية حوار ثنائي طويلة يجب أن تتناول عدة ملفات ذات أهمية قصوى، بما في ذلك رفع العقوبات عن الرئيس بيترو الذي ينبغي أن يتمكن من السفر إلى واشنطن لإجراء مفاوضات مع الرئيس ترامب»، حسبما تؤكد مصدر دبلوماسي رفيع المستوى في بوغوتا. لا شك أن هذه الديناميكية، إذا تأكدت واكتملت، ستقدم وضعًا جديدًا كبيرًا في لعبة الشطرنج الجيوسياسية الحساسة التي تُمارس حاليًا في القارة الأمريكية.

احتمالات تزعزع النظام الإيراني وانعكاساته على حزب الله ولبنان

تُثار مسألة مستقبل النظام الإيراني اليوم ليس بوصفها سؤالًا نظريًا، بل نتيجة تراكم أزمات داخلية وضغوط خارجية غير مسبوقة منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. غير أن أهمية هذا السؤال لا تكمن في مصير طهران وحدها، بل في تداعيات أي تحوّل في مركز القرار الإيراني على البنى المرتبطة به إقليميًا، وفي مقدّمها حزب الله في لبنان، الذي يُعدّ النموذج الأكثر اكتمالًا لـ«الذراع الوظيفية» خارج الحدود. أولًا: طبيعة العلاقة بين إيران وحزب الله لا يمكن مقاربة تأثير أي اهتزاز في النظام الإيراني على حزب الله من دون توصيف دقيق لطبيعة العلاقة بين الطرفين. فهذه العلاقة: • ليست تحالفًا سياسيًا ظرفيًا. • ولا تنحصر بالدعم المالي أو العسكري. • بل تقوم على ترابط عقائدي وتنظيمي واستراتيجي. حزب الله نشأ في سياق تصدير الثورة، وتطوّر ضمن عقيدة «ولاية الفقيه»، ما يجعل مرجعيته النهائية فوق وطنية. وبالتالي، فإن أي تغيّر في مركز هذه المرجعية لا ينعكس فقط على مستوى الموارد، بل على شرعية الدور والوظيفة والقرار. ثانيًا: النظام الإيراني بين الصلابة الأمنية والتآكل البنيوي يُظهر النظام الإيراني قدرة واضحة على ضبط الشارع عبر: • تماسك الحرس الثوري. • السيطرة على مفاصل الاقتصاد الريعي. • إدارة القمع بكلفة محسوبة. إلا أن هذا التماسك يخفي تآكلًا بنيويًا يتمثل في: • تراجع الشرعية الشعبية. • تصدّع العقد الاجتماعي. • تحوّل الأيديولوجيا من عنصر تعبئة إلى عبء. • انقسام صامت داخل النخب بين منطق الدولة ومنطق الثورة الدائمة. هذا النموذج يشبه، من حيث البنية، أنظمة عقائدية تاريخية لم تسقط عند ذروة الاحتجاج، بل عند لحظة فقدان القدرة على إدارة التناقضات الداخلية. ثالثًا: المقارنة التاريخية – دروس قابلة للإسقاط 1. الاتحاد السوفياتي لم يسقط الاتحاد السوفياتي نتيجة ثورة شعبية مباشرة، بل بسبب: • إنهاك اقتصادي طويل. • عجز عن الإصلاح من داخل العقيدة. • فقدان السيطرة على الأطراف قبل سقوط المركز. الأحزاب التابعة في أوروبا الشرقية لم تنهَر فورًا، لكنها فقدت وظيفتها فجأة عند غياب المركز. هذا النموذج قابل للإسقاط جزئيًا على حالة حزب الله في حال تراجع القدرة الإيرانية على التمويل والحماية الاستراتيجية. 2. نظام الشاه رغم اختلاف السياق، يُظهر سقوط الشاه أن: • الأجهزة القوية لا تكفي إذا ترددت في لحظة الحسم. • الشرعية إذا انهارت لا تُعوّض بالقوة. • الخارج لا ينقذ نظامًا فقد تماسكه الداخلي. المفارقة أن النظام الذي أسقط الشاه بات اليوم يواجه ديناميات مشابهة، مع فارق امتلاكه شبكة أذرع إقليمية. 3. الأنظمة العربية بعد 2011 أظهرت التجربة العربية أن: • الأنظمة لا تسقط دائمًا، لكنها تفقد قدرتها على التحكم الكامل. • الأطراف المسلحة المرتبطة بها تصبح أكثر عدوانية كلما ضعف المركز. • الدول الهشة تدفع ثمن هذا الضعف مضاعفًا. رابعًا: السيناريوهات المحتملة لانعكاس التحوّل الإيراني على حزب الله 1. الاستمرار مع تراجع تدريجي في هذا السيناريو، يبقى النظام قائمًا لكن أقل قدرة على: • التمويل السخي. • إدارة المواجهات المفتوحة. • حماية الأذرع من الضغوط الدولية. ما يدفع حزب الله إلى: • خفض سقف الاشتباك. • التركيز على الداخل. • إعادة ترتيب الأولويات. 2. تشدد تعويضي نظام مأزوم قد يلجأ إلى: • تصعيد إقليمي. • استخدام الأذرع كأدوات ردع. وهذا السيناريو يُعدّ الأكثر خطورة على لبنان، لأنه يحوّل الساحة اللبنانية إلى مجال تعويض عن ضعف المركز. 3. تحوّل استراتيجي في حال حصل تغيير جوهري في بنية النظام الإيراني، سيواجه حزب الله خيارًا تاريخيًا: • إما التحول إلى حزب لبناني مكتمل، مع ما يتطلبه ذلك من إعادة تعريف للسلاح والدور. • أو الانغلاق داخل بيئة محددة، ما يسرّع عزلته الداخلية. خامسًا: لبنان كنظام هش أمام تحولات الخارج لبنان ليس متفرجًا على هذا المسار، بل جزء منه. فضعف الدولة اللبنانية: • يجعل أي اهتزاز إقليمي أكثر فتكًا. • يمنع امتصاص الصدمات. • يحوّل الانقسامات الداخلية إلى أدوات صراع خارجي. في المقابل، أي تراجع في الهيمنة الإيرانية يفتح نظريًا فرصة لإعادة بناء التوازن، لكن هذه الفرصة تبقى مشروطة بوجود: • مشروع وطني جامع. • قدرة على إدارة الانتقال دون انتقام. • استعداد داخلي شيعي لكسر احتكار التمثيل. إذا، لا يمكن الجزم بسقوط وشيك لنظام الملالي، لكن يمكن الجزم بأن النظام دخل مرحلة اهتزاز بنيوي طويل. وفي مثل هذه المراحل، لا تنهار الأذرع فورًا، لكنها تفقد تدريجيًا: • وضوح الوظيفة. • صلابة الغطاء. • القدرة على فرض المعادلات السابقة. لبنان، بحكم هشاشته، سيكون أول المتأثرين لا بحدث السقوط، بل بمسار التآكل. والتحدي الحقيقي لا يكمن في توقّع نهاية النظام الإيراني، بل في مدى استعداد لبنان للتعامل مع شرق أوسط لا تكون فيه طهران قادرة على إدارة نفوذها كما في السابق.