Logotipo da Levant Time
Voltar ao artigo
ألف هضبة

لإيقاف السقوط

Imagem de notícia
Retrato do autor
Por ميشال حاجي جورجيو
Publicado يناير 14, 2026 - 18:35

هل أصبحت الوقاحة محرّك التاريخ؟

من يتابع مسار الأحداث عن كثب قد يخلص، عن حق، إلى هذا الاستنتاج.

فثمّة بالفعل شيء فاضح في الطريقة التي لا يزال بها العالم المعاصر يحتفي بمحاكاته الزائفة للنظام، في الوقت الذي تتهاوى فيه السدود كلها، بلا استثناء. نعم، الخطابات المتدفقة لا تزال حاضرة، والمؤسسات تتكاثر. لم تكن الخطب الكبرى يوماً بهذا القدر من الوفرة، لكنها باتت اليوم تطفو في فراغ مقلق، وتصدر صدى أجوف، حين لا تضيع في الكتلة غير المتشكلة من التضليل وتيمات الشعبوية والهويات القاتلة.

وهكذا لا نزال نتحدث عن القانون، والسيادة، والشرعية، والأمن الجماعي، كما لو أننا نردد ألفاظاً مهترئة من ليتورجيا دنيوية عدميّة… في الوقت الذي نقبل فيه، وبقدر من الاستسلام، أن تعود العنف ليغدو متغيراً مقبولاً في مسار التاريخ.

البنى التي وُلدت من أنقاض القرن العشرين، تلك التي سعت إلى احتواء القوة، وضبطها، وإخضاعها لحد أدنى من القواعد المشتركة، تُفكَّك اليوم بشكل منهجي. لا بفعل الجهل، بل نتيجة إرادة ميفيستوفيلية، مفترسة ومدمّرة. تُعتبر هذه البنى بطيئة أكثر من اللازم، أخلاقية أكثر من اللازم، مقيِّدة أكثر مما ينبغي لعالم يطالب مجدداً بالاستثناء الدائم، وبالسلطة المنفلتة، وبالهوية كتبرير أخير. إن النظام المنبثق من سان فرانسيسكو وبريتون وودز يُفرَّغ عمداً وبصورة منهجية من مضمونه، ليغدو مجرد ديكور دبلوماسي رخيص.

وبالتالي، وقد تحررت من كل كوابحها، تتكاثر نداءات الإمبراطورية، بأشكال مختلفة لكنها متقاربة في الجوهر. لا يهم إن ارتدت لباس الأمة، أو الحضارة، أو الأمن، أو العقيدة: المنطق واحد. عالم مُجزّأ إلى مناطق نفوذ، حيث تُطبّق القاعدة على الآخرين، وحيث تصبح القوة لغة السياسة، وحيث يُختزل الإنسان إلى ضرر جانبي. تتلاشى الفوارق الإيديولوجية أمام قسوة واحدة مشتركة. وفي هذا الإطار، تتحول النزعة إلى التطرف إلى نبوءة تحقق ذاتها، تبرّر لكل فاعل سلوكه. أفعى تلتهم ذيلها، إلى أن لا يبقى شيء، لا منها ولا مما حولها.

في مثل هذا المشهد، لا يسع المرء إلا أن يلاحظ أن الشعوب لم تعد تُحسب كثيراً. خارج استطلاعات الرأي، يتم استدعاؤها، توظيفها، والتضحية بها في سبيل مشاريع أكبر منها. بعضها بشكل أوضح من غيره. إيران اليوم تجسّد هذا الانهيار الأخلاقي. مجتمع كامل، واعٍ، شجاع، غني ثقافياً، يواجه قمعاً عنيفاً، بارداً، متكرراً، يكاد يكون صناعياً. وفي المقابل، يراقب العالم، يعبّر عن سخط متقطع، ثم يساير، بهدوء. حذر دبلوماسي يتحول إلى ذريعة، وحسابات استراتيجية تطغى على أي مطلب أخلاقي. وكأن الحرية يمكن أن تنتظر، وكأن بعض الأرواح أقل قيمة من توازنات إقليمية أو مصالح طاقوية.

غير أن ما يجري في طهران، كما في أوكرانيا أو غزة، يتجاوز نظاماً أو أزمة أو بلداً بعينه. إنه يعيد طرح مسألة معنى النظام الدولي ذاته. ما قيمة نظام لا يحمي من هم بأمسّ الحاجة إلى الحماية؟ ما معنى حكم القانون حين يتراجع بمجرد أن يصبح مكلفاً؟ متى يتوقف الكوني عن كونه مبدأ ليصبح خطاباً مشروطاً، خاضعاً لموازين القوى وأمزجة الأقوياء؟ كيف يمكن إعادة بناء نظام إنساني، تكون فيه الحرية مكوّناً جوهرياً للشخص الإنساني، من دون تحطيم ما هو مكسور أصلاً؟

هذه أسئلة قديمة قِدم العالم. لكنها في نظام بلا أي صمّامات أمان، تصبح ملحّة إلى حد الإلحاح المرضي.

الحقيقة أننا ربما دخلنا تلك اللحظة المخيفة التي تستمر فيها الثقافة بإنتاج الأشكال والصور والخطابات، بينما تكفّ الحضارة عن الإيمان بما تقوله. نهاية ثقافة، على حد تعبير جورج شتاينر، ليست حتى الآن استعراضية – فالشر غالباً ما يتجلى في عاديّته – لكنها مع ذلك شاملة. التعب الأخلاقي يتعمق؛ المعايير تتلاشى؛ اللغة تُفرَّغ من معناها في سيل متواصل من الصور والشعارات والاستنكارات الانتقائية. العقل يتزعزع. هل هُزم، أم أعلن انسحابه لغياب من يدافع عنه؟ لا يهم. النتيجة واحدة.

في هذا الفراغ المسكون بالوحوش – وما أطول هذا الليل الطويل من الفراغ – تتصلب الهويات، يتشرعن العنف، ويغدو الخوف أساس السياسة ومادتها. يعيد العالم اكتشاف ردود الفعل القديمة، برعب أو بفتور: الانغلاق، الكراهية، الافتتان بالرجال الأقوياء، وازدراء الحريات باسم الأمن. لم تنتج العولمة الكونية الموعودة، بل سرعت غالباً التفكك والذرّة وفقدان الرابط. في كل مكان، تعجز المجتمعات عن إنتاج مرجعيات مشتركة، من دونها لا ثقافة حية ولا تعايش ممكن. وإذا كانت نووية موازين القوى قد عادت إلى الواجهة، فإن نووية العلاقات الإنسانية والعقول قد تحققت بالفعل. لم يكن هناك توازن ردع. من واشنطن إلى موسكو، مروراً بتل أبيب وطهران وأنقرة، يسود إجماع على سباق تفتيت الإنسانية.

أمام هذا الفشل الدولتي – الناتج في جزء كبير منه عن جماعيات تزداد نرجسية وريبة – تفرض نفسها مسؤولية جديدة، شاء من شاء وأبى من أبى: مسؤولية رأي عام عالمي عابر للحدود. لا جمهوراً عاطفياً، قطعاً لا. ولا أخلاقاً للزينة. بل وعياً قادراً على تجاوز الحدود، ورفض تراتبيات الشفقة الضمنية، وتسمية غير المقبول حيثما وُجد. رأياً عاماً لا يكتفي بالتعليق، بل يعيد الأمور إلى مستوى المسؤولية، والواقع، وأخلاق العلاقات الدولية. يذكّر بأن ليس كل شيء متساوياً، وبأن ليس كل شيء قابلاً للتفاوض. وبأن ثمة سلّم قيم ما زال يحكم مصير هذا الكوكب، حتى وإن كان يعاني ليجد موطئ قدم. أو أن البشر قرروا، اليوم، أنهم لا يريدون العيش معاً بسلام في فضاء واحد، وأن عليهم تدمير المبادئ التي تجمعهم باسم فروقاتهم الصغيرة وقلقهم الوجودي.

قد يبدو هذا ضرباً من السذاجة. لكنه ليس طوباوية. وعلى أي حال، ما الذي تبقى لنخسره، قبل أن يتحول العالم بأسره، كما في مطلع القرن العشرين، إلى ساحة أنقاض هائلة، إلى مقبرة جماعية عملاقة؟

إن ابتكار نظام جديد لا يعني الحلم بعالم مسالم أو متصالح. بل يعني إعادة إدخال الحدود، وإعادة كلفة للعنف، والتأكيد من جديد أن كرامة الإنسان ليست خياراً، بل ضرورة حيوية. وهذا يتطلب صحوة حضارية، هشّة، صراعية، ناقصة، لكنها ضرورية.

لا لوعد بالجنة، بل لمنع تطبيع الجحيم.

وإلا فإن الكلفة الأخلاقية للصمت والتقاعس ستكون باهظة، على الجميع.

السقوط في العنف ليس قدراً تاريخياً.

إنه دائماً خيار.

وكذلك النهضة.

Artigos relacionados
Ver tudo
Vídeos relacionados
Ver tudo
Podcasts relacionados
Ver tudo