شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
جامع الشيخ زايد الكبير: جوهرة معمارية ورمز للتسامح

يعد جامع الشيخ زايد الكبير في أبو ظبي أحد أبرز المعالم في دولة الإمارات العربية المتحدة. وهو تحفة معمارية تستقطب نحو ٧ ملايين زائر سنويًا، بينهم ٨٢٪ من السياح الأجانب. ويبرز الموقع كمنصة للحوار بين الأديان وتعزيز القيم الإنسانية العالمية. تعود قصة هذا الجامع إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين قرر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات، إنشاء مكان للعبادة يرمز إلى الاعتدال في الإسلام. كانت رؤيته واضحة: إقامة صرح يهدف إلى تعزيز التسامح والتبادل الثقافي بين الشعوب، والى الجمع بين التنوع الثقافي في العالم الإسلامي، والقيم التاريخية والمعاصرة للعمارة والفن. استمرت أعمال بناء الجامع إحدى عشرة سنة، وانتهت في كانون الأول/ديسمبر ٢٠٠٧. توفي الشيخ زايد في ٢٠٠٤، ويرقد جثمانه اليوم في فناء الجامع الذي أمر بتشييده. يثير جامع الشيخ زايد الكبير الإعجاب، ليس فقط بجماله، بل أيضًا بحجمه الاستثنائي إذ يمتد على أكثر من ١٢ هكتارًا (١٢٠٬٠٠٠ متر مربع)، ويمكنه استيعاب نحو ٥٥٬٠٠٠ مصلٍّ، ما يجعله واحدًا من أكبر المساجد في العالم. مشروع بناء جماعي تم تشييد الجامع في إطار مشروع جماعي دولي شارك فيه نحو ٣٬٠٠٠ عامل و٣٨ شركة محلية ودولية. كما ساهم في المشروع مهنيون وفنانون وحرفيون ذوو سمعة عالمية من جنسيات مختلفة، جاءوا من سوريا، والهند، وإيطاليا، وألمانيا، وتركيا، وباكستان، وماليزيا، وإيران، والصين، والمملكة المتحدة، ونيوزيلندا، ومقدونيا الشمالية. (تصوير محمد زرندة / الأناضول عبر وكالة الأنباء الفرنسية) ويجمع الجامع، نتيجة لذلك، بين أساليب معمارية إسلامية متنوعة بتناغم كامل. يضم ٨٢ قبة بأحجام مختلفة، يصل ارتفاع بعضها إلى ٨٥ مترًا. وفي زوايا الفناء، ترتفع أربعة مآذن يزيد ارتفاع كل منها على ١٠٠ متر، فيما يدعم أكثر من ١٬٠٠٠ عمود هيكل الجامع بأكمله. تزين الفناء فسيفساء زهرية دقيقة، فيما تمثل رؤوس الأعمدة زهور النخيل المطلية بالذهب. يكتسي الهيكل المصنوع من الفولاذ والخرسانة بألواح من رخام كرارا، المعروف بنقائه الفائق. كما أن الفناء المركزي، الذي يمتد على ١٧٬٠٨٠ مترًا مربعًا، مغطى بهذا الرخام، ما يمنح المبنى بريقًا لا مثيل له. التفاصيل الداخلية واجهة الجامع مجهزة بنظام إضاءة ليلي مبتكر، يتغير تدريجيًا بحسب دورة القمر، حيث يتحول من اللون الأبيض البارد في ليلة البدر إلى الأزرق العميق في الليلة الرابعة عشرة. الزخرفة الداخلية للجامع تحترم المبادئ الإسلامية، فلا توجد أي تمثيلات بشرية أو حيوانية، بينما تزين المكان أنماط زهرية وهندسية وأرابيسك. وتزين الأقواس ذات الأطراف المدببة أرجاء المسجد، فيما يغطي الداخل ١٢٬١٠٠ لوحة زخرفية مصنوعة من الجبس والألياف الزجاجية. وقد نحت الحرفيون المحليون ١٬٠٤٨ عمودًا زخرفيًا مزينًا بحجارة شبه كريمة. سقف قاعة الصلاة الكبرى مدعوم بـ ٢٤ عمودًا مغطى بالرخام الأبيض ومرصعًا بالأم اللؤلؤية. وقد نُقشت أسماء الله الـ ٩٩ على جدار القبلة المضاء بعناية. وتزيّن الثريات الباهرة كريستالات سواروفسكي و٤٠ كيلوغرامًا من الذهب عيار ٢٤ قيراطًا، فيما تُعد الثريا الرئيسية في الجامع الأكبر في العالم. السجّاد الفارسي في قاعة الصلاة الكبرى يُعدّ تحفة فنية مبهرة. فهو يغطي مساحة ٥٬٦٢٧ مترًا مربعًا، ما يجعله أكبر سجّاد يدوي الصنع في العالم، وتُقدّر قيمته بحوالي ٨,٥ ملايين دولار. الحوار بين الثقافات منذ افتتاحه، أصبح جامع الشيخ زايد الكبير وجهة أساسية للسياحة الثقافية. ويُصنّف ضمن أكثر المعالم جذبًا للسياح في العالم، ويُعدّ المعلم الثقافي والديني الأبرز في منطقة الشرق الأوسط. إلى جانب وظيفته الدينية وروعة معمراته، يواصل جامع الشيخ زايد الكبير تعزيز الحوار بين الثقافات. ويُعد برنامج جسور، الذي أُطلق في العام ٢٠١٩، نموذجًا واضحًا على ذلك. إذ تدعو هذه المبادرة الأفراد والمؤسسات من مختلف الخلفيات إلى تجربة دينية وثقافية فريدة، تعمّق روح التفاهم بين الثقافات وتعزّز القيم الإنسانية العالمية. يحتضن الجامع أيضًا مركز جامع الشيخ زايد الكبير، وهو مركز تعليمي يضم مكتبة غنية بالكتب الكلاسيكية والمنشورات بعدة لغات، من بينها العربية والإنجليزية والإيطالية. يتجاوز جامع الشيخ زايد الكبير كونه مجرد مكان للثقافة، ليصبح تجسيدًا لقيم التسامح والانفتاح والتعايش السلمي التي حرص الشيخ زايد على نقلها للأجيال المقبلة. ويظل الجامع رمزًا حيًا لهذا الإرث.

عيد القديس مارون: تاريخ، تضحيات، ووعد بالمستقبل

« لبنان لا ينتمي إلى الموارنة؛ بل الموارنة هم الذين ينتمون إلى لبنان» البطريرك نصر الله صفير القديس مارون، الذي يُحتفل بعيده في 9 فبراير، ليس مجرد شخصية دينية؛ بل هو، بالنسبة للموارنة ولبنان، رمز مؤسس للحرية والوفاء والصمود. المتجذر في التقشف والصلاة في القرن الرابع الميلادي، ألهم هذا الناسك السوري تقليدًا روحيًا امتد على مر القرون ليصبح الكنيسة المارونية: ركيزة أساسية في التاريخ اللبناني وقوة حية في بناء هوية تعددية في قلب الشرق الأوسط. على مر العصور، واجه الموارنة المحن والاضطهادات، وشكلوا هويتهم في جبال جبل لبنان، غالبًا على هامش القوى الكبرى ولكن دائمًا في صميم الحياة الدينية والثقافية والاجتماعية للبلاد. وقد سار وفائهم للإيمان وقيمهم جنبًا إلى جنب مع التزام عميق بالحرية الإنسانية والتعايش — رسالة نادرة في منطقة تتسم بالاضطرابات المستمرة. لم يكتفِ الموارنة بالبقاء فحسب؛ بل ساهموا مباشرة في نشأة ما نسميه اليوم لبنان . لقد أثر حضورهم التاريخي في التنمية السياسية والاجتماعية للبلاد، مما أدى إلى نشأة رؤية للتعايش بين المجتمعات المختلفة وهيكل مؤسسي فريد. لقد بنوا مدارس ومستشفيات وجامعات ومؤسسات اجتماعية دعمت المجتمع اللبناني، غالبًا في غياب دولة منظمة بالكامل. وكل حجر وُضع، وكل طفل تعلم، وكل مريض عولج يعكس فكرة أن خدمة الآخر هي بُعد أساسي للهوية المارونية. خلافات داخلية وانقسامات ومع ذلك، يجب ألا تحجب هذه القصة المجيدة التحديات الداخلية. فلقد أدت الخلافات الداخلية داخل المجتمع الماروني – سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية – أحيانًا إلى إضعاف تماسكها. وقد أدت الانقسامات، التي تضخمت بفعل السياق الوطني، إلى تفتيت تيارات الفكر وأحيانًا صرف الانتباه عن القضايا الأساسية. وفي لبنان الذي يعاني بالفعل من أزمات هيكلية، أعطت هذه التوترات الداخلية انطباعًا بأن الإرث التاريخي للموارنة مهدد بالتآكل وأن دورهم المركزي سيتلاشى في مواجهة التنافسات المعاصرة. ومع ذلك، يعلمنا التاريخ حقيقة عميقة: حتى عندما تبدو الصعوبات مستعصية على الحل، فإن المجتمعات القادرة على استلهام ذاكرتها الجماعية وقيمها التأسيسية يمكنها أن تبعث من جديد. إن الإرث الماروني أبعد ما يكون عن أثر قديم غبار من الماضي؛ بل يشكل مخزونًا أخلاقيًا وروحيًا قويًا. لقد صمد الموارنة في وجه الشدائد لقرون – من الاضطهادات في العصور الوسطى إلى التحولات الحديثة – دون أن ينكروا جوهر دعوتهم أبدًا. اليوم أكثر من أي وقت مضى، يمكن وضع هذه الشجاعة الأخلاقية، وهذا الوفاء بالكرامة الإنسانية، في خدمة لبنان متجدد . ومن خلال إعادة الاتصال بقيم الحرية والحوار والاحترام المتبادل التي أرشدت أسلافهم، يمكن للموارنة المساهمة في تجاوز الانقسامات التي تعصف بالبلاد. هذا ليس دعوة إلى التجانس، بل إلى إعادة تأكيد دور إيجابي وبناء في مجتمع تعددي. رابط للحوار لا يقتصر هذا الدور على حماية مصالح المجتمع. بل يشمل مسؤولية أوسع: أن يكون رابطًا، وجسرًا للحوار بين مختلف مكونات الأمة، وصوتًا للعدالة الاجتماعية، ومحفزًا للانسجام في مشهد غالبًا ما يكون مشتتًا. لقد جسّد الموارنة في الماضي فكرة لبنان الذي يمكن أن يكون مساحة للتعايش السلمي والإبداع البشري. هذه الفكرة لم تمت. بل لا تزال حية، مستعدة لكي تُعزز من قبل أولئك الذين يريدون تحويلها إلى حقيقة حية. يجب ألا يُحدد مستقبل الموارنة بالصراعات الداخلية، بل بقدرتهم على تجاوز هذه الانقسامات والاتحاد حول ما يهم أكثر: استمرارية لبنان كأرض ترحاب وتعددية وكرامة إنسانية. إن التحديات الراهنة — سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية — ليست مستعصية على الحل إذا عرف المجتمع كيف يستلهم من إرثه الروحي والأخلاقي. إن رسالة القديس مارون الخالدة، التي ألهمت أجيالاً للعيش بالإيمان والشجاعة، لا تزال ذات صلة اليوم. هذه الرسالة ليست حبيسة أرشيف الماضي: إنها تعيش في المؤسسات التعليمية، والأديرة، والمراكز الاجتماعية، في كل بادرة مساعدة وتضامن. وطالما بقيت هذه الشعلة، فهناك إمكانية حقيقية للموارنة — ومعهم كل لبنان — أن ينهضوا، متحدين في التنوع، واثقين بالمستقبل . في هذا اليوم من القديس مارون، لنتذكر أن إرثنا هو ذكرى بقدر ما هو مصدر أمل. وأن المستقبل، على الرغم من العقبات، يمكن أن يُكتب بجرأة ووضوح، بالاعتماد على دروس وتضحيات الماضي مع التطلع نحو لبنان التوافق والازدهار.

الأزمة اللبنانية: أين نحن اليوم؟

مسار إعادة بناء الدولة اللبنانية متعثر، رغم بعض التقدم على الصعيد تكنقراطي. بعد أكثر من عام على «حرب الإسناد» التي قادها حزب الله، وتراجع نفوذه على الساحة الإقليمية، أثارت انتخابات رئيس الجمهورية موجة من الحماسة المفرطة. وكان تشكيل حكومة واعدة قد منح الأمل في استعادة سيادة الدولة. بعد عام، تحولت تلك الحماسة إلى خيبة أمل، وتلاشى الأمل. إن رفض حزب الله، بتوجيه من إيران، الانصياع لإرادة غالبية اللبنانيين وتسليم أسلحته للدولة، إلى جانب انتهاكه للقرار الأممي ١٧٠١، كان وما زال ذريعة للهجمات الإسرائيلية التي تستهدف قياداته وبنيته التحتية، مما يعرقل أي تقدم حقيقي في عملية إعادة بناء الدولة اللبنانية. على الرغم من تراجع نفوذ إيران ودعم واشنطن والدول العربية والمجتمع الدولي، يواصل جزء كبير من الفاعلين في السلطات التنفيذية والتشريعية في بيروت، إلى جانب بعض العسكريين السابقين الذين يضللون اللبنانيين بشأن قدرة جيشنا، الخضوع لحزب الله المتغطرس والمتوعد. وهذا الأمر ليس مفاجئًا، إذ اعتاد هؤلاء المسؤولون، من أعلى الهرم إلى أدناه، على الخضوع لهذا النفوذ طوال أربعة عقود. وليس من المستغرب أن يغير هؤلاء الأفراد اتجاههم وينضمون إلى معسكر آخر إذا انجرّ الصراع بين طهران وواشنطن إلى حرب خاطفة أو شاملة لمصلحة الولايات المتحدة. أما في حال حدوث صراع طويل الأمد أو تقديم واشنطن لتنازلات، فسيعتبرون هؤلاء انحيازهم صائبًا ويتفاخرون به, وللوقت الراهن، يظل هؤلاء في حالة انتظار لتحديد أي المعسكرين سيختارون. والمشكلة أنهم يمثلون واجهة لبنان! بينما يقوم صناع القرار الكبار في العالم باحتقارهم سرًا، ومجاملتهم، وحتى إهانتهم علنًا. لجأ حزب الله، وحليفه حركة أمل، الى الشارع والسيطرة على البرلمان، عبر رئيس السلطة التشريعية، لتعزيز نفوذهما. علاوة على ذلك، لجأ حزب الله إلى السلاح والاغتيالات والتهديدات، سواء كانت مستترة أو علنية، لتحقيق الهدف نفسه. وقد ثبت أن هذه الاستراتيجية فعّالة لدى مراكز القوى. ويستمر الحزبان المسلحان في المناورة والعمل داخل الدولة، وفي الوقت نفسه عبر ميليشيتيهما، اللتين تتبعان هيكليًا للحرس الثوري الإيراني. كما تمكنوا من اختراق الدولة العميقة والمؤسسات الرسمية على جميع المستويات. يتحمل كل من السلطة التنفيذية ورئيس الجمهورية مسؤولية إصلاح هذه المؤسسات وتنقيتها. ولم يقم أي من الحزَبين باقتراح مشروع عملي لبناء الدولة اللبنانية. لم يقدما سوى خطاب مقاومة لم يحقق النجاح ولم يولد سوى مشاعر كراهية شاملة. فالغاية الوحيدة التي تسعى إليها هذه الأطراف هي بقاء حزب الله، وبالرغم من كونه أضعف، يواصل الحزب السير على الطريق نفسه الذي اعتمده خلال أربعة عقود. فقط رجال الدولة الحقيقيون قادرون على دفع الأمور قدمًا. إلا أن هؤلاء غائبون بشكل كبير عن المؤسسات الرسمية، باستثناء بعض الشخصيات السيادية القليلة التي لا تزال ثابتة على مواقفها، مما يجعلها عرضة لأشد الهجمات العنيفة ولتهديدات جسدية من حزب الله، الذي يتمسك بيأس بمكاسبه. وهو ما قد يكلف البلاد ثمنًا باهظًا. أما المترددون، الفاسدون، «أهل البازار»، أولئك الذين يعانون من قصر النظر الاجتماعي والسياسي، والجبناء، فهم غير قادرين على الإدارة أو القيادة أو التحلي بمقام القائد الحقيقي. إن لبنان غني بالموارد البشرية والكفاءات، التي تنتظر الفرصة الحقيقية لإحداث نهضة. في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن سوريا المجاورة قد حققت أرقامًا قياسية في إعادة بناء مؤسساتها الحكومية. ومع ذلك، لا تزال أمامها ثغرات كبيرة لا بد من معالجتها. فهي مطالبة بضمان حقوق الأقليات ودمجها بشكل فعّال، وبناء نظام متكامل. باختصار، لا يزال أمامها طريق طويل نحو تحقيق الاستقرار. وفي المقابل، ما تم إنجازه حتى الآن يعد واعدًا جدًا، خاصة وأن الدولة السورية يقودها رجل دولة اتسم بالتعقل والنضج في مواجهة التحديات، أحمد الشرع. فهو يدرك أن أنظار السوريين والعالم بأسره مسلطة عليه، وقد بادر إلى مواجهة هذا التحدي. أما في لبنان، فلا زلنا ننتظر ظهور رجال دولة حقيقيين.

المؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني يواجه عدة تحديات (1/3)

مع اقتراب موعد المؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني، المقرر عقده في مارس 2026 في باريس، يجد لبنان نفسه في لحظة حرجة. يأتي هذا الاجتماع، الهادف إلى حشد المجتمع الدولي لصالح القوات النظامية، في سياق سياسي وإقليمي بالغ التعقيد. سيكون لكل قرار أو عدم قرار من الدولة اللبنانية فيما يتعلق باحتكار الأسلحة، على وجه الخصوص، تأثير مباشر على فعالية المساعدات الدولية للجيش، وبشكل أوسع، على مستقبل الجيش والسيادة الوطنية نفسها. إلا أن التاريخ المحدد، 5 مارس 2026، لا يزال مشروطًا. وفقًا للجنرال مارون حتي، قد يتم تأجيل المؤتمر إذا لم يتجاوز لبنان خطوة حاسمة بحلول ذلك الوقت. تتمثل هذه الخطوة إما في قرار سياسي بالإجماع داخل الحكومة اللبنانية، بما في ذلك وزراء حزب الله ونبيه بري، لكي تستعيد الدولة ملف الأسلحة، وأن يخضع حزب الله لسلطتها، أو في حدث إقليمي كبير. قد يكون هذا الحدث كارثة أو نزاعًا مسلحًا يجبر إيران على الامتثال لمطالب المجتمع الدولي، وبالتالي يغير ميزان القوى في المنطقة. وبالتالي، لا يقتصر مؤتمر باريس على مجرد لقاء فني أو دبلوماسي. إنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتوازنات الجيوسياسية الإقليمية والأجندة الاستراتيجية للقوى الخارجية. نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج كهدف رئيسي بالنسبة للجنرال حتي، الأهداف الاستراتيجية للمؤتمر واضحة: مناقشة مراقبة الحدود، وهو موضوع أقل إثارة للجدل، والتقدم بشكل خاص في ملف نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) لحزب الله. لا يتعلق الأمر بمجرد نهج عسكري، بل هو قضية سياسية واجتماعية كبرى: كيف يمكن إعادة إدماج حزب أيديولوجي مثل حزب الله في المجتمع اللبناني ليتوقف عن الانحياز لمصالح أجنبية ويصبح لاعبًا وطنيًا بالكامل؟ يؤكد الجنرال حتي أن الهدف ليس مساعدة الجيش على شن حرب ضد إسرائيل ولا تحويل لبنان إلى مسرح للمواجهة، بل إعادة بناء الدولة اللبنانية، وتأكيد سيادتها، وإدماج جميع الفاعلين في إطار وطني شرعي. هزيمة مسبقة يشدد على نقطة أساسية: لا يمكن تحقيق إعادة الإدماج إلا بعد هزيمة ملموسة لا جدال فيها. وكما يوضح، على غرار ما حدث مع النازيين في ألمانيا بعد عام 1945، لا يمكن إعادة إدماج أي منظمة أيديولوجية مسلحة في المجتمع إلا بعد قبول هزيمتها. يوضح الجنرال حتي أيضًا أنه يجب التمييز بين الخطاب الرسمي المتفاخر لحزب الله والواقع على الأرض. وفقًا له، فإن حزب الله يعاني من ضائقة حتى لو لم يظهر ذلك في اتصالاته العامة. يُظهر هذا البعد أيضًا أن مؤتمر باريس ليس موعدًا مخصصًا لتوزيع الموارد أو التخطيط للمساعدة للجيش، بل هو خطوة استراتيجية تهدف إلى تهيئة الظروف السياسية والاجتماعية اللازمة لإعادة التوافق الوطني. العامل البشري: جندي ضعيف الأجر يلعب الجيش اللبناني دورًا أساسيًا في هذا السياق، ومن هنا جاء الاهتمام بتطويره. في صميم أي نقاش حول القوات النظامية، يضع الجنرال حتي الإنسان على الأرض. الجنود اللبنانيون، الذين غالبًا ما يتقاضون أجورًا زهيدة، يشكلون مع ذلك الركيزة الحقيقية لأي عملية متوقعة. يشدد على الإحباط المرتبط بالرواتب لهؤلاء الجنود ويعتبر من السخف مطالبة رجل أو امرأة يتقاضون أجورًا زهيدة بأداء مهام لا تسمح لهم بالبقاء نشطين وإعالة أسرهم. بالنسبة للجنرال حتي، يجب أن يسبق العامل البشري أي تفكير في المعدات أو القدرات الفنية والعسكرية، حيث يرى أن الجندي المحبط أو الغائب يضعف المؤسسة بأكملها. التحدي مزدوج إذن. يتعلق الأمر بضمان دخل لائق للعسكريين ودعم هيكلي للجيش. وفقًا للجنرال حتي، فإن السؤال الملح الأول الذي يجب على الدول المانحة أن تطرحه هو ما إذا كان ينبغي، على سبيل الأولوية، البدء بضمان راتب للجندي اللبناني يسمح له بترك عائلته، مطمئنًا على أنه وفر لها سبل العيش الكريم. أو، هل يمكن له أن يقضي وقتًا أطول في المنزل، على حساب تواجده في العمل وخطر تدهور مستوى الاستعداد العملياتي، وأن يستمر القادة في الميدان في السعي لتعويض حاجة دائمة وقاسية للرجال الذين يفتقرون إليهم؟ المساعدة الدولية: استقرار أم تعزيز حقيقي؟ منذ سنوات، يستفيد الجيش من مساعدات دولية متنوعة: تدريب، معدات، دعم لوجستي، وحتى مساعدة غير مباشرة في الرواتب، لا سيما من فرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وشركاء آخرين، بعد خطط تطوير القدرات التي وضعتها القوات. ومع ذلك، على الرغم من هذه الدعم، لا يزال ميزان القوى بين الجيش وحزب الله غير مؤكد. يوضح الجنرال حتي أن الجيش اللبناني متعدد الطوائف ويعكس تنوع مجتمع ليبرالي، بينما حزب الله أحادي الطائفة، ملقن أيديولوجيًا، ويتمتع بتماسك داخلي قوي وعقيدة خارج لبنانية. ومع ذلك، فإن ما يمكن اعتباره ضعفًا ظاهريًا للجيش يمكن أن يتحول إلى قوة محتملة كبيرة بشرط أن تؤكد الدولة سلطتها وتتخذ قراراتها بالإجماع، والتي ستستفيد من دعم البرلمان. وفقًا للجنرال حتي، ستبقى المساعدة الدولية في هذا السياق عقيمة استراتيجيًا طالما لم يتم حسم مسألة احتكار القوة وسلطة الدولة. تظل الوسائل المقدمة مفيدة وتخدم المهام العملياتية ولكنها لن تصبح فعالة إلا إذا تحملت الدولة مسؤولياتها بمنح الجيش تفويضًا واضحًا. رمزية أم أعمال ملموسة؟ يشدد الجنرال حتي على أن المؤتمرات الدولية السابقة لدعم الجيش، التي بدأتها باريس وروما ووافق عليها واشنطن، كانت فعالة تكتيكيًا وعملياتيًا بشكل حقيقي، بانتظار أن تستعيد الدولة اللبنانية زمام القرارات الاستراتيجية والسياسية. قد يكرر مؤتمر مارس 2026 هذا النمط نفسه إذا لم يؤثر على العوائق السياسية الداخلية. يقدم المانحون الوسائل والموارد، وتظل الدولة اللبنانية مترددة وغامضة في توجيهاتها، وسيستمر المواطنون والجنود، متشككين، في التشكيك في الفعالية الحقيقية لأي مؤتمر. يضيف الجنرال حتي أن أي مساعدة دولية، مهما كانت سخية، لا يمكن أن تحل محل الشجاعة السياسية. يقول: بدون تفويض واضح، وبدون رؤية وطنية (سياسة وطنية للأمن والدفاع)، تظل القوات النظامية مكشوفة وستظل سيادة الدولة اللبنانية شعارًا فارغًا من المضمون. يؤكد الجنرال حتي أيضًا على ضرورة التملك السياسي الواضح لمهام الجيش. يجب على الدولة، كما يلاحظ، أن تتحمل قراراتها، حتى في مواجهة الضغوط الداخلية والمخاطر التي يفرضها حزب الله. هذا الشرط ضروري لتحويل إعلانات الدعم إلى نتائج ملموسة وقابلة للقياس وتجنب أن يصبح مؤتمر مارس 2026 طقسًا دبلوماسيًا آخر. نقطة تحول يبدو مؤتمر باريس أكثر من أي وقت مضى نقطة تحول حقيقية محتملة للبنان الذي يواجه تحديات سياسية واجتماعية واستراتيجية. نجاحه سيعتمد بدرجة أقل على الوسائل المادية التي وعد بها المجتمع الدولي، وبدرجة أكبر على قدرة الدولة اللبنانية على تأكيد سلطتها، والمطالبة باستسلام الجهات المسلحة الخاضعة أيديولوجيًا لقوة خارجية، وتوحيد هيئاتها السياسية حول هدف واحد، وتوضيح دور الجيش على الأراضي الوطنية، مع تزويده بالوسائل اللازمة للقيام بذلك. بدون إصلاحات هيكلية وبدون تقدير لقيمة من يخدمون على الأرض، حتى المؤتمر الأفضل تنظيمًا قد يظل رمزيًا. في الختام، سيكون مؤتمر باريس اختبارًا للنضج السياسي والمؤسسي للدولة اللبنانية. سيقيس قدرة الحكومة على ترجمة التزاماتها الدولية إلى أعمال ملموسة على الأرض، وتثبيت قواتها المسلحة، وتوحيد سيادتها.

حرب السودان: سيناريوهات، تسويات زائفة، ومآزق استراتيجية (4/4)

تركيز تحليلي على حرب السودان التي أدت، منذ عام 2023، إلى عشرات الآلاف من القتلى وملايين النازحين، مع تكلفة بشرية باهظة بشكل خاص في دارفور، حيث اتخذت أعمال العنف الجماعي والحصارات والتهجير القسري بعدًا يصفه العديد من الفاعلين الدوليين الآن بأنه إبادة جماعية. تؤدي الحرب السودانية بانتظام إلى إعلانات عن وساطات، ووقف وشيك لإطلاق النار، و«نوافذ دبلوماسية». وعلى فترات شبه منتظمة، «يكتشف» فاعل دولي النزاع من جديد، ووعد بمبادرة أو يدعو إلى محادثات. هذه التسلسلات تنتج بشكل أساسي ضوضاء سياسية، وأحيانًا تعليقًا مؤقتًا للقتال على محور محدد، لكنها لا تغير أبدًا هيكل النزاع. لكن تكرار النمط نفسه لا يشكل فشلاً عرضيًا للدبلوماسية؛ بل هو نتاج سوء فهم أعمق لطبيعة الحرب الجارية. تكمن المأزق الأول في قراءة خاطئة للنزاع باعتباره مواجهة تقليدية بين قطبين يمكن التوصل بهما إلى تسوية. لكن لا القوات المسلحة السودانية ولا قوات الدعم السريع منخرطة في منطق التفاوض السياسي. ما تسعى إليه ليس الحفاظ على حصص من السلطة في دولة مستقبلية، بل قدرات ذاتية للتخريب، وشبكات، ومناطق قابلة للاستغلال. في هذا الإطار، تبدو أي وساطة تهدف إلى تقاسم السلطة أو انتقال مؤسسي بعيدة عن الواقع. تنبع مقترحات وقف إطلاق النار من الوهم نفسه. فهي تفترض أن الحرب أصبحت باهظة التكلفة للأطراف المعنية. لكن، ومن المفارقات، أن إطالة أمد النزاع لا تزال منطقية لكلا الجانبين. فبالنسبة للجيش، تسمح له بالحفاظ على وضع الممثل الرسمي للدولة، والحصول على دعم دولي أدنى، واحتواء الانهيار الكامل للجهاز العسكري. أما بالنسبة لقوات الدعم السريع، فهي تضمن استمرار التدفقات الاقتصادية، وتوطيد سيطرتها الإقليمية في الغرب، واستحالة إعادة تشكيل نظام مركزي ضدها. إن التطورات التي وردت في نهاية يناير تسلط الضوء على سلسلة من التقدمات العسكرية المنسوبة إلى القوات المسلحة السودانية، لا سيما في جنوب كردفان. ويتم تقديم رفع الحصارات القديمة، واستعادة المواقع الثانوية، وإعادة فتح الطرق كعلامات على ديناميكية جديدة، بل وحتى تحول تدريجي في ميزان القوى. لكن هذه القراءة تستحق أن توضع في سياقها، لأنها لا تتوافق مع تحول هيكلي في النزاع بقدر ما تتوافق مع تسلسل اتصالات استراتيجية موجهة إلى جماهير مختلفة: الدعم الداخلي للجيش، وتعبئة الرعاة الإقليميين، واستعادة المصداقية العسكرية التي تضررت من سنتين من حرب الاستنزاف. على الأرض، تظل هذه التقدمات باهظة التكلفة، ومحلية، وهشة. إنها لا تؤثر على سيطرة قوات الدعم السريع على دارفور، ولا على قدرتها التخريبية عن بعد، ولا على التفتت العام للبلاد. بل تؤكد سمة مركزية للحرب السودانية: الانفصال المتزايد بين الأحداث العسكرية المرئية والديناميكيات الاستراتيجية العميقة. وبهذا المعنى، فإن رواية إعادة الاحتلال تشارك أيضًا في الحرب. وهي لا تعلن بالضرورة نهايتها بل تصبح أداة إضافية لها. يُضاف إلى ذلك مأزق ثانٍ، أكثر هيكلية: التهميش المنهجي للفاعلين المدنيين السودانيين. فمنذ عام 2019، تم استدعاؤهم والاحتفاء بهم، ثم استُبعدوا تدريجياً من جميع عمليات اتخاذ القرار الحقيقية. وتواصل المبادرات الدبلوماسية التذرع بـ «العودة إلى الانتقال المدني»، ولكن دون خلق الظروف المادية والأمنية والسياسية لظهوره. المدنيون يخدمون كمبرر أخلاقي لعمليات تُصمم في أماكن أخرى، بين الرعاة الإقليميين والجهات الفاعلة المسلحة… هذا التهميش ليس مجرد ظلم سياسي. بل هو عامل فعال في إطالة أمد الصراع. ففي غياب قطب مدني منظم ومحمي، تظل الحرب هي اللغة الوحيدة المسموعة، وأي محاولة لإعادة التشكيل السياسي الداخلي تُسحق، بالتالي، بين عنف الفاعلين المسلحين واللامبالاة الاستراتيجية من داعميهم الخارجيين. تتأرجح سيناريوهات الخروج من الحرب المطروحة في الأوساط الدبلوماسية بين نقيضين يمثلان إشكالية بالقدر نفسه. الأول هو سيناريو النصر العسكري الحاسم لأحد الطرفين. لكن هذا السيناريو غير موثوق به، نظرًا لعدم امتلاك أي طرف القدرات اللازمة لفرض سيطرة تامة على كامل الأراضي دون إطلاق مرحلة جديدة من التفكك أو حرب العصابات المحلية. فانتصار الجيش قد يعيد تنشيط بؤر التمرد الهامشية؛ وانتصار قوات الدعم السريع سيضفي طابعًا مؤسسيًا على العنف الجماعي بدون دولة، وهو ما يصعب تثبيته. السيناريو الثاني هو تقسيم رسمي للبلاد. وهنا أيضًا، العقبات كبيرة. فالتقسيم الرسمي سيتطلب اعترافًا دوليًا، وحدودًا مستقرة، وترتيبات اقتصادية وأمنية دائمة. لكن التشرذم الحالي فعال تحديدًا لأنه لا يزال غير رسمي. فهو يسمح للفاعلين بالاستفادة من مكاسب الحرب دون تحمل التكاليف السياسية لنظام جديد. بين هذين النقيضين، ينشأ سيناريو ثالث، غير مصاغ ولكنه سائد بحكم الأمر الواقع: وهو صراع طويل الأمد منخفض الكثافة المتغيرة، تتخلله ذروات عنف شديد، يديره فاعلون إقليميون يسيطرون على معاييره دون السعي لحله. هذا السيناريو ليس انحرافًا خارجًا عن السيطرة. إنه نتاج محزن لتوافق المصالح. ففيه تجد القوى الإقليمية مجالًا للتأثير، وتعتبر القوى الدولية الكبرى أنه صراع هامشي يمكن إدارته، ويجد فيه الفاعلون المسلحون المحليون مكاسب واستقلالية استراتيجية. أما السكان المدنيون، فيدفعون الثمن. كما هو الحال دائمًا. يجب أن نطرح السؤال الذي لا تجرؤ تحليلات كثيرة على صياغته صراحة: ما هي شروط الانعطاف الحقيقي؟ إنها غير محتملة اليوم، ولكنها ليست مستحيلة نظريًا. ستتطلب، أولاً، تقاربًا أدنى بين الرعاة الإقليميين بشأن ضرورة استقرار الشاطئ الأفريقي للبحر الأحمر كفضاء أمن جماعي، والتخلي عن منطق مناطق النفوذ. لكن هذا يتعارض مع المنطق العالمي الذي خلقه دونالد ترامب وفلاديمير بوتين وشي جين بينغ بحكم الأمر الواقع. ستفترض، ثانيًا، إعادة تنشيط موثوقة للإطار الدولي، قادرًا على فرض تكاليف ملموسة على الفاعلين المسلحين، بما يتجاوز التصريحات والعقوبات الرمزية. ستتطلب، أخيرًا، استثمارًا ضخمًا ومحميًا في إعادة بناء قطب مدني سوداني كفاعل حقيقي بدلاً من مجرد ديكور للمفاوضات. لكن لا توجد أي من هذه العناصر مجتمعة اليوم. التنافس السعودي-الإماراتي مستمر؛ والنظام الدولي مجزأ أكثر من أي وقت مضى، والفاعلون المدنيون السودانيون معزولون، ومرهقون، ومشتتون. في هذا السياق، تستمر الحرب بتناسق استراتيجي. من المحزن ملاحظة أن السودان لم يصبح أقل من مختبر وحشي لأشكال الصراع المعاصرة: حروب طويلة، قليلة الوضوح، منغمسة في المنافسات الإقليمية، أتاحتها بيئة دولية متسامحة. وما دام البحر الأحمر سيبقى فضاء للتنافس بدلاً من التعاون، وما دام الاستقرار يُنظر إليه على أنه أكثر تكلفة من عدم الاستقرار، وما دام العنف يمكن أن يُنقل إلى الخارج دون عواقب وخيمة، فإن الحرب ستستمر. حتمًا، ولفترة طويلة قادمة. لأنها، مرة أخرى، ليست فوضى عفوية، بل نظام لا إنساني للغاية، لكنه شديد السخرية بالنسبة لأولئك الذين يستفيدون منه. اقرأ أيضًا حول الموضوع نفسه: انهيار السودان: حربٌ من أجل الحرب (١/٤) البحر الأحمر والخليج والقرن الأفريقي: بُعد الصراع السوداني الإقليمي (٢/٤) إيران وحربها غير المباشرة في السودان (٣/٤)

هل دخلت الولايات المتحدة مرحلة الانحدار التاريخي؟ (2/2)

مع انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، برزت الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى تُهيمن على مصير العالم الغربي. وقد ساهمت الآلة الصناعية الأمريكية الهائلة بشكل كبير في الانتصار العسكري على الفاشية. في الجزء الأول، رأينا كيف فرضت الولايات المتحدة نموذجها، ليس فقط من خلال قوتها العسكرية، بل أيضًا من خلال نظام اقتصادي ومالي ومؤسسي عالمي جديد. في هذا الجزء الثاني، سنتناول بالتفصيل المخاطر التي تواجه أمريكا حاليًا. تمثل عقيدة "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" نقطة تحول في الجغرافيا السياسية المعاصرة. قد تكون الضحية الرئيسية لهذا التحول هي الولايات المتحدة نفسها - ليس لأنها تفتقر إلى القوة، ولكن لأنها أصبحت هشة هيكليًا. يمكن للولايات المتحدة أن تتحمل زعزعة القواعد في الخارج فقط لأن العالم يواصل تمويلها في الداخل: بفضل وضع الدولار كعملة احتياطية، والتدفق المستمر لرؤوس الأموال، والاعتقاد الراسخ بأن الأصول الأمريكية - الأسهم والسندات - تشكل المكان الأكثر أمانًا في العالم للحفاظ على الثروة. لكن المصداقية هي الضمانة غير المرئية لهذا الامتياز. عندما تتصدع، تتبعها العواقب الاقتصادية. الاقتصاد الأمريكي معرض للخطر بشكل خطير، لأنه يعتمد بشكل غير عادي على أسواقه المالية. نحن في لحظة حرجة. على المستوى الكلي، يعتمد النمو الأخير على محركين: عجز الميزانية المتزايد باستمرار؛ الارتفاع المستمر في أسواق الأصول، وخاصة الأسهم. اقتصادان، بلد واحد يدخل الاقتصاد الأمريكي عام 2026 في حالة تجد أطر التحليل التقليدية صعوبة في تفسيرها. يتوقع نموذج GDPNow التابع للاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا - الذي أثبت دقته الملحوظة خلال العقد الماضي - نموًا سنويًا بنسبة 4.2٪ في الربع الرابع من عام 2025. لا يزال الاستهلاك قويًا. أرباح الشركات قريبة من مستويات قياسية تاريخية. يبلغ معدل البطالة 4.4٪، وهو أقل من العتبة التي تُعتبر عمومًا توظيفًا كاملاً. مصنع تسلا في فريمونت، سان رافائيل، كاليفورنيا، سيتوقف عن إنتاج سياراته الكهربائية وسيحول الموقع لتصنيع الروبوت أوبتيموس. (جاستن سوليفان/غيتي إيميجز/وكالة فرانس برس) ومع ذلك… استقر مؤشر مديري المشتريات التصنيعي التابع لمعهد إدارة التوريدات عند 47.9 في ديسمبر، مسجلاً الشهر العاشر على التوالي من الانكماش. تتراجع حصة متزايدة من الناتج المحلي الإجمالي الصناعي شهرًا بعد شهر. انخفضت الطلبات الجديدة لمدة أربعة أشهر متتالية. تراجع مؤشر ثقة المستهلك لمجلس المؤتمر لخمسة أشهر متتالية - أطول سلسلة منذ عام 2008. تدهورت المؤشرات الرائدة ثماني مرات خلال الأشهر التسعة الماضية. وفي الوقت نفسه، لم تعد توترات الائتمان نظرية. بلغت معدلات التخلف عن سداد بطاقات الائتمان 3.0٪، وهو مستوى مرتفع مقارنة بفترة ما قبل الجائحة، بينما بلغ إجمالي ديون بطاقات الائتمان رقمًا قياسيًا بلغ 1,233 مليار دولار، بمتوسط سعر فائدة 22.3٪. القراءة الصحيحة هي: تعمل الولايات المتحدة في وقت واحد باقتصادين متميزين، لهما ديناميكيات مختلفة جذريًا. الاقتصاد الأول: الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا ورأس المال غير المحدود. تهيمن سبع شركات على النمو والاستثمار ومؤشرات الأسهم. تغذي أداء أسهمها الاستهلاك من خلال تأثير الثروة. يمتلك 10٪ من الأسر الأكثر ثراءً حوالي 90٪ من الأسهم المملوكة مباشرة ويمثلون ما يقرب من نصف إجمالي الاستهلاك. عندما ترتفع أسهم «السبعة الكبار»، تزداد الثروة. تزداد النفقات. يزداد الناتج المحلي الإجمالي. تزداد أرباح الشركات. وترتفع الأسهم مرة أخرى. مشرد في مترو أنفاق نيويورك: يعاني الاقتصاد العالمي الأول من تفاوتات اجتماعية حادة. (سبنسر بلات/غيتي إيميجز/وكالة فرانس برس) تستهلك الأسر الأكثر ثراءً لأن محافظها المالية ترتفع قيمتها. بينما تتراجع جميع الأسر الأخرى، حيث يشدد الائتمان ولا تتبع الأجور تكلفة المعيشة. هذه الحلقة تعزز نفسها. وهي تفسر لماذا يمكن أن يظهر الناتج المحلي الإجمالي قويًا بينما ينكمش الصناعة وتتآكل ثقة المستهلكين. لكن هذه الحلقة الانعكاسية تعمل في اتجاهين. الاقتصاد الثاني: انكماش الائتمان والكساد الصامت الاقتصاد الثاني هو الاقتصاد الحقيقي. وهو يشمل الصناعة التحويلية، والبناء، والعقارات التجارية، والبنوك الإقليمية، والشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على هذه القطاعات. يشهد هذا الاقتصاد انكماشًا ائتمانيًا يشبه بشكل متزايد الكساد الصامت. توقفت البنوك الإقليمية التي تتجاوز تعرضها للعقارات التجارية عدة أضعاف رؤوس أموالها، في الواقع، عن الإقراض. المباني المكتبية التي كانت تقدر بمائة مليون دولار في عام 2019 تُعاد اليوم إلى الدائنين بمبلغ الدين المتبقي. ولا يمكن، بشكل واقعي، إعادة تمويل 936 مليار دولار من القروض العقارية التجارية المستحقة في عام 2026 بأسعار الفائدة الحالية. التركيز: خطر نظامي خلق التركيز غير المسبوق للقيمة السوقية في أيدي عدد محدود جدًا من الشركات حلقة انعكاسية - تربط بشكل مباشر النمو الاقتصادي الأمريكي بأداء أسهم هذه الشركات. تمثل «السبعة الكبار» الآن 34.4٪ من القيمة السوقية لمؤشر S&P 500، بينما تركز أكبر عشر شركات حوالي 40٪ - أي أكثر من 50٪ فوق أي سابقة تاريخية حديثة. يخلق التركيز آلية نقل يصعب على النماذج التقليدية فهمها. انخفاض بنسبة 20٪ في أسهم «السبعة الكبار» سيدمر حوالي 4,200 مليار دولار من الثروة وسيتسبب في ركود مدفوع بتأثير الثروة السلبي. وسيضخم التركيز هذا التأثير. نظرًا لأن الاقتصاد الأمريكي يعتمد الآن بشكل عميق على أسعار الأصول لدعم الاستهلاك والنمو والاستقرار السياسي، فقد وضعت الولايات المتحدة نفسها في وضع محفوف بالمخاطر للغاية: لقد جعلت سوق الأسهم الركيزة الأساسية لنموذجها الاقتصادي - لكن سوق الأسهم يعتمد على الثقة. هل نحن قريبون من نقطة التحول؟ أسواق الأسهم: الأضواء الحمراء مضاءة تصبح الإشارات الفنية هبوطية بلا لبس. سواء نظرنا إلى مؤشر ناسداك 100 أو مؤشر S&P 500 - وهما مؤشران يعتمدان الآن بشكل كبير على عدد محدود جدًا من الأسهم - فإن غالبية هذه الأسهم قد بلغت ذروتها بالفعل. على مدى أربعة أشهر، تتحرك مؤشرات ناسداك و S&P 500 بشكل جانبي، وغير قادرة على تسجيل أرقام قياسية تاريخية جديدة على الرغم من النتائج المذهلة. من حيث موجات إليوت، نقترب من التكوين النهائي لاستنزاف الدورة الفائقة التي بدأت في عام 1932: الموجة الخامسة من الموجة الخامسة من الموجة الثالثة للدورة الفائقة الأمريكية. هذا يعني أننا قريبون جدًا من الدخول في الموجة الرابعة من الدورة الفائقة الأمريكية - وهي سوق هابطة من المرجح أن تستمر عقدًا أو أكثر وتشهد خسارة العديد من الشركات ما بين 60٪ و 80٪ من قيمتها. بالنظر إلى المستويات القصوى من التقييم المفرط والتركيز والمؤشرات والرافعة المالية والمضاربة، فإن انتشار هذه السوق الهابطة سيكون له عواقب وخيمة على الاقتصاد الأمريكي. الديون والهشاشة المالية: نظام غير قادر على امتصاص صدمة في أسواق السندات، يمكن لقرار من المحكمة العليا في أي لحظة أن يبطل الأساس القانوني للرسوم الجمركية على الواردات التي تفرضها الإدارة، مما قد يمحو مئات المليارات من الدولارات من الإيرادات المتوقعة. لن يؤدي مثل هذا السيناريو إلى إزالة ركيزة مالية أساسية فحسب. بل قد يجبر الدولة أيضًا على تعويض آلاف الشركات المتضررة من هذه الرسوم الجمركية بشكل كبير، مع إشعال أزمة سياسية وإدارية - والأهم من ذلك، تعميق عجز الاقتصاد العالمي الأول في أسوأ توقيت. مع وصول الدين العام الأمريكي إلى 38 تريليون دولار، منها 33٪ مملوكة لمستثمرين أجانب، فإن تفاقمًا حادًا في العجز المالي - الذي يقترب بالفعل من 6٪ من الناتج المحلي الإجمالي - سيحدث هزات في جميع أسواق السندات العالمية. تتحرك عوائد السندات الأمريكية بالفعل عند مستويات حرجة، تقترب من 5٪. صدمة مفاجئة، سواء كانت ناتجة عن قرار قضائي أو صدمة نفطية، ستؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل إلى مستويات أعلى بكثير، مما يزيد الضغط على اقتصاد مثقل بالديون - من الأسر إلى البنوك، ومن الشركات إلى الاحتياطي الفيدرالي نفسه. خاتمة: إمبراطورية لا تستطيع كسر القواعد دون أن تنكسر هي نفسها لم يُبنَ القرن الأمريكي على القوة وحدها، بل على المصداقية. كان النظام الدولي أداة قوة - وآلية ميزة اقتصادية. كان الدولار وأسواق رأس المال والثقة العالمية هي الأرباح. عندما تنتقل الولايات المتحدة من دور صانع القواعد إلى دور منتهكها، يختل النظام. ولأن الاقتصاد الأمريكي يعتمد الآن هيكليًا على الثقة المالية، فهو أيضًا الأكثر تعرضًا للخطر. لقد بنت أمريكا النظام. واستفادت أمريكا منه أكثر من غيرها. وستعاني أمريكا أكثر إذا انهار هذا النظام. إن كسر النظام الدولي لن يعاقب منافسي أمريكا أولاً. بل سيعاقب، على الأرجح، الاقتصاد الأمريكي.