

يعد جامع الشيخ زايد الكبير في أبو ظبي أحد أبرز المعالم في دولة الإمارات العربية المتحدة. وهو تحفة معمارية تستقطب نحو ٧ ملايين زائر سنويًا، بينهم ٨٢٪ من السياح الأجانب. ويبرز الموقع كمنصة للحوار بين الأديان وتعزيز القيم الإنسانية العالمية.
تعود قصة هذا الجامع إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين قرر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات، إنشاء مكان للعبادة يرمز إلى الاعتدال في الإسلام.
كانت رؤيته واضحة: إقامة صرح يهدف إلى تعزيز التسامح والتبادل الثقافي بين الشعوب، والى الجمع بين التنوع الثقافي في العالم الإسلامي، والقيم التاريخية والمعاصرة للعمارة والفن.
استمرت أعمال بناء الجامع إحدى عشرة سنة، وانتهت في كانون الأول/ديسمبر ٢٠٠٧. توفي الشيخ زايد في ٢٠٠٤، ويرقد جثمانه اليوم في فناء الجامع الذي أمر بتشييده.
يثير جامع الشيخ زايد الكبير الإعجاب، ليس فقط بجماله، بل أيضًا بحجمه الاستثنائي إذ يمتد على أكثر من ١٢ هكتارًا (١٢٠٬٠٠٠ متر مربع)، ويمكنه استيعاب نحو ٥٥٬٠٠٠ مصلٍّ، ما يجعله واحدًا من أكبر المساجد في العالم.
مشروع بناء جماعي
تم تشييد الجامع في إطار مشروع جماعي دولي شارك فيه نحو ٣٬٠٠٠ عامل و٣٨ شركة محلية ودولية. كما ساهم في المشروع مهنيون وفنانون وحرفيون ذوو سمعة عالمية من جنسيات مختلفة، جاءوا من سوريا، والهند، وإيطاليا، وألمانيا، وتركيا، وباكستان، وماليزيا، وإيران، والصين، والمملكة المتحدة، ونيوزيلندا، ومقدونيا الشمالية.

(تصوير محمد زرندة / الأناضول عبر وكالة الأنباء الفرنسية)
ويجمع الجامع، نتيجة لذلك، بين أساليب معمارية إسلامية متنوعة بتناغم كامل. يضم ٨٢ قبة بأحجام مختلفة، يصل ارتفاع بعضها إلى ٨٥ مترًا. وفي زوايا الفناء، ترتفع أربعة مآذن يزيد ارتفاع كل منها على ١٠٠ متر، فيما يدعم أكثر من ١٬٠٠٠ عمود هيكل الجامع بأكمله.
تزين الفناء فسيفساء زهرية دقيقة، فيما تمثل رؤوس الأعمدة زهور النخيل المطلية بالذهب. يكتسي الهيكل المصنوع من الفولاذ والخرسانة بألواح من رخام كرارا، المعروف بنقائه الفائق. كما أن الفناء المركزي، الذي يمتد على ١٧٬٠٨٠ مترًا مربعًا، مغطى بهذا الرخام، ما يمنح المبنى بريقًا لا مثيل له.
التفاصيل الداخلية
واجهة الجامع مجهزة بنظام إضاءة ليلي مبتكر، يتغير تدريجيًا بحسب دورة القمر، حيث يتحول من اللون الأبيض البارد في ليلة البدر إلى الأزرق العميق في الليلة الرابعة عشرة.
الزخرفة الداخلية للجامع تحترم المبادئ الإسلامية، فلا توجد أي تمثيلات بشرية أو حيوانية، بينما تزين المكان أنماط زهرية وهندسية وأرابيسك. وتزين الأقواس ذات الأطراف المدببة أرجاء المسجد، فيما يغطي الداخل ١٢٬١٠٠ لوحة زخرفية مصنوعة من الجبس والألياف الزجاجية. وقد نحت الحرفيون المحليون ١٬٠٤٨ عمودًا زخرفيًا مزينًا بحجارة شبه كريمة.
سقف قاعة الصلاة الكبرى مدعوم بـ ٢٤ عمودًا مغطى بالرخام الأبيض ومرصعًا بالأم اللؤلؤية. وقد نُقشت أسماء الله الـ ٩٩ على جدار القبلة المضاء بعناية. وتزيّن الثريات الباهرة كريستالات سواروفسكي و٤٠ كيلوغرامًا من الذهب عيار ٢٤ قيراطًا، فيما تُعد الثريا الرئيسية في الجامع الأكبر في العالم.
السجّاد الفارسي في قاعة الصلاة الكبرى يُعدّ تحفة فنية مبهرة. فهو يغطي مساحة ٥٬٦٢٧ مترًا مربعًا، ما يجعله أكبر سجّاد يدوي الصنع في العالم، وتُقدّر قيمته بحوالي ٨,٥ ملايين دولار.
الحوار بين الثقافات
منذ افتتاحه، أصبح جامع الشيخ زايد الكبير وجهة أساسية للسياحة الثقافية. ويُصنّف ضمن أكثر المعالم جذبًا للسياح في العالم، ويُعدّ المعلم الثقافي والديني الأبرز في منطقة الشرق الأوسط.
إلى جانب وظيفته الدينية وروعة معمراته، يواصل جامع الشيخ زايد الكبير تعزيز الحوار بين الثقافات. ويُعد برنامج جسور، الذي أُطلق في العام ٢٠١٩، نموذجًا واضحًا على ذلك. إذ تدعو هذه المبادرة الأفراد والمؤسسات من مختلف الخلفيات إلى تجربة دينية وثقافية فريدة، تعمّق روح التفاهم بين الثقافات وتعزّز القيم الإنسانية العالمية.
يحتضن الجامع أيضًا مركز جامع الشيخ زايد الكبير، وهو مركز تعليمي يضم مكتبة غنية بالكتب الكلاسيكية والمنشورات بعدة لغات، من بينها العربية والإنجليزية والإيطالية.
يتجاوز جامع الشيخ زايد الكبير كونه مجرد مكان للثقافة، ليصبح تجسيدًا لقيم التسامح والانفتاح والتعايش السلمي التي حرص الشيخ زايد على نقلها للأجيال المقبلة. ويظل الجامع رمزًا حيًا لهذا الإرث.